تفضل السيد المسيح: ’في البَدْءِ كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمةُ الله‘. وقال أيضًا: ’السَّماءُ والأرضُ تزولان ولكنَّ كلامي لا يزول‘. بما أن ’الكلمةُ الله‘ والكينونة الإلهية كانت من الأوّل الذي لا أوّل له إذًا فالكلمة أيضًا كانت من الأول الذي لا أول له. يقول حضرة بهاءالله: "كَانَ الْحَقُّ وَالْخَلْقُ فِي ظِلِّهِ مِنَ الأَوَّلِ الَّذِي لاَ أَوَّلَ لَهُ. إِلاَّ أَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالأَوَّلِيَّةِ الَّتِي لاَ تُعْرَفُ بِالأَوَّلِيَّةِ وَبِالْعِلَّةِ الَّتِي لَمْ يَعْرِفْهَا كُلُّ عَالِمٍ عَلِيمٍ. قَدْ كَانَ مَا كَانَ وَلَمْ يَكُنْ مِثْلَ مَا تَرَاهُ الْيَوْمَ" [مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله (نُزِّلت بعد الكتاب الأقدس) ص 120].
إذا فهذا العالم العارض لم يكن بداية خلق الله ولن يكون نهاية خلقه، لأن الله سبحانه وتعالى ليس له بداية وليس له نهاية. عندما قال السيد المسيح ’السَّماءُ والأرضُ تزولان ولكنَّ كلامي لا يزول‘ فهذه العبارة بالطبع حق، لأن ’في البَدْءِ كان الكلمة‘ و ’كان الكلمةُ الله‘ وكان الله من الأوّل الذي لا أول له وستبقى كلمة الله إلى الآخر الذي لا آخر لها حتى بعد زوال ’الأرض والسماء‘. اضافة إلى ذلك قال حضرة بهاءالله أن ’كلمة الله‘ كانت ’علّة الخلق‘ ويقول: "إِنَّ الْفَاعِلَيْنِ وَالْمُنْفَعِلَيْنِ قَدْ خُلِقَتْ مِنْ كَلِمَةِ اللهِ الْمُطَاعَةِ وَإِنَّهَا هِيَ عِلَّةُ الْخَلْقِ وَمَا سِوَاهَا مَخْلُوقٌ مَعْلُولٌ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْمُبَيِّنُ الْحَكِيمُ."[مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله (نُزِّلت بعد الكتاب الأقدس) ص 120].
إن الله سبحانه وتعالى لم يكن في أي وقت من الأوقات بدون خليقة، ولم تكن مخلوقات الله محرومة في أي وقت من الأوقات من ’كلمة الله‘ وأفضاله، يشرح حضرة عبد البهاء هذه النقطة بقوله: "وللحق دائما خلق، واشعة شمس الحقيقة لم تزل كانت ساطعة لامعة اذ أن الشمس بدون نور هي ظلام ديجور، وان الاسماء والصفات الالهية تقتضي وجود الكائنات، والفيض القديم لا يمكن ان ينقطع لأن انقطاعه ينافي الكمالات الالهية." [من مفاوضات حضرة عبد البهاء، ص 209].ويضيف حضرة عبد البهاء: "كلمة الله مقدسة عن الزمان، فالماضي والحال والمستقبل كلها بالنسبة الى الحق على حد سواء، فليس للشمس أمس ولا اليوم ولا الغد". [من مفاوضات حضرة عبد البهاء، ص 74.]
فحقيقة السيد المسيحهي كلمة الله، وهي نفس حقيقة جميع الرسل أو المظاهر الالهية. وكلمة الله أبدية ليس لها بداية أو نهاية، وبواسطة الرسل أو المظاهر الالهية أمكن تبليغ البشر الكلمة أي الرسالة الالهية. يشرح حضرة عبد البهاء كلمة الله قبل ظهورها بقوله: ’وكانت كلمة الله قبل الظهور في الهيكل البشري في نهاية العزة والتقديس ومستقرة في أوج عظمتها في كمال الجلال والجمال، وعندما اشرقت كلمة الله من أوج الجلال بحكمة الحق المتعال في عالم الجسد اُعتدىَ عليها بواسطة هذا الجسد...‘ [من مفاوضات عبد البهاء، ص 74.]
أنزلت الكلمة الإلهية على مراحل بواسطة الأنبياء والرسل والمظاهر الإلهية. إنّ الكلمة الإلهية هي مثل أمطار الربيع، والإنسان دائمًا في حاجة لهذه الأمطار لإنتعاشه ونموّه وسنده، ولكن نتيجة ’الكلمة‘ وتأثيرها على الكائنات متوقّف على استعداد هذه الكائنات المتفاوتة ومراتبها المتعدده.
فالأنبياء العبرانيين الأوائل مثل سيدنا إبراهيم ونوح ويعقوب وجّهوا البشر بكلمة الله. ثم جاء سيدنا موسى عليه السلام وأنزلت عليه الكلمة الإلهية وجاء بقوانين وتعاليم جديدة لهداية البشر ونموهم الروحانى. وبعده جاء انبياء بني إسرائيل مثل إشعياء وإرميا وحزقيال وغيرهم واستمروا في هداية البشر وارشادهم بواسطة ’الكلمة الإلهية‘. وعندما جاء السيد المسيح كان هو ’كلمة الله‘ في عهده وكذلك سيدنا محمد وحضرة الباب وحضرة بهاءالله كلٌّ منهم كانوا ’كلمة الله‘ في دوراتهم.
عن طريق المظاهر الالهية التي تظهر في كل عهد أو زمن يرتقى البشر فى قدراتهم وأعمالهم وتقدم مسيرتهم لمعرفة الغاية من الإرادة الإلهية لهداية البشر. هذا التسلسل المستمر في دورات متتالية للمظاهر الإلهية‘Progressive Revelation’يُعرفهُ البهائيون بـ ’استمرارية الوحى ‘. في كل دورة يُبعث مظهر إلهي جديد وتتجدد ’كلمة الله‘ حسب الغاية والارادة الالهية. وبمجئ كل مظهر إلهي جديد يأتي ربيع جديد وتتجدد التعاليم السابقة حسب متطلبات العصر الجديد. يمكننا تشبيه هذه التغيّرات باحتياجات ومفاهيم الفرد في مختلف عهود نموّه، يقول حضرة عبد البهاء: ’ان عالم الامكان شبيه بالانسان فللانسان عهد نطفة وعهد رضاعة وزمان نمو وزمان رشد وادراك ووقت للبلوغ. وكذلك لعالم الامكان درجات فالانسان في سن الرضاعة يكون حساسًا ويكون في سن المراهقة في بداية الادراك والتمييز ولكن ادراكاته ضعيفة فعندما يبلغ سن الرشد تظهر جميع قواه المعنوية والصورية بأقصى درجة من القوة وتصل قوة ادراكه الى حد يكشف فيه حقائق الاشياء، ولكن هذا الامر غير ممكن في سن الطفولة والرضاعة فهذه الكمالات تتجلى في سن البلوغ لا في سن الطفولة وكذلك كان عالم الامكان في وقت من الاوقات رضيعاً ثم أصبح طفلا ثم مراهقًا ثم نما ونشأ يومًا فيوما والآن بلغ سن الرشد‘. [خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا، ص 343].
ولهذه الأسباب يبعث لنا الآب السماوي بمربي أو مظهر إلهي جديد ويعطينا ’كلمة الله‘ ليوم جديد في كتاب منزل من الإرادة الإلهية لتقدم مسيرة بناء الحضارات الإنسانية اللا متناهية. وكما يقول القرآن الكريم: ’لكل أجلٍ كتابٌ يمحوا الله ما يشاءُ ويثبتُ وعنده أمُّ الكتابِ‘. [سورة الرعد: 13 – 38-39].
إن الحقيقة الإلهية واحده، ومظاهره واحده، و’كلمة الله‘ تتجدد في كل زمن أو عهد، في مسيرة مستمرة ليس لها بداية ولا نهاية.
بسم الله الرحمان الرحيم
الذى كشف الأستار عن أسرار المتشابهات وأظهر بهاءه باسمه الأبهى
فايق: زارنى صديقى بعد غياب سنوات طويلة وما أن جلس حتى فاجأنى بقوله:
محمود: أنا حزين جدا لأجلك ياسيد فائق.
فايق: لا أحزنك الله يوما، وما هو الداعى؟
محمود: بلغنى من بعض الأصدقاء إنك كفرت.
فايق: لقد اشتبه عليهم الأمر، أن الكافر هو الذى ينكر وجود الله، أنا لست كذلك.
محمود: إزاى يا أخى قالوا إنك ارتديت عن الإسلام.
فايق: قلت ضاحكا: بل قل لهم إن فايق ارتقى، الارتداد هو التقهقر ومن ينكر الإسلام يكون قد ارتد حقا، يعنى سقط درجة أو درجات علم سلم الارتقاء، تأخر الآلاف السنين وأما أنا فلم أنكر الإسلام، بل قيمته كما يرشدنا القرآن.
محمود: الحقيقة يا أخى أنهم قالوا إنك أصبحت واليعوذ بالله بهائيا.
فايق: هذا صحيح صدقوا فيما قالوا، وهل تحققت من أن البهائى كافر؟
محمود: أنا لا أعرف يعنى إيه بهائى، قالوا عن لسان أكابر العلماء إنه كافر.
فايق: أعلم يامحمود أن البهائى هو الذى يتحلى بجميع الكمالات الإنسانية، ويدعو إلى السلام العالمى، ويجتهد أن يبثها بين الناس لنشر المحبة بين العالم وتأسيس السلام العام.
محمود: أنا لا أسألك عن أخلاقك بل عن اعتقادك الدينى، عن كفرك وأنى سأثبت أقوالك فى مذكرتى لأننى ضمنت لأصدقائنا إعادتك إلى الإيمان.
فايق: هذا جميل جدا، أكتب أن فايق يؤمن بالله وبملائكته وبرسله وبكتبه وباليوم الأخر حقا وصدقا وقد اكتشف تاريخ حلول «أجل الله» من القرآن ويؤمن به بإيمان لا يتزعزع.
محمود: ماذا تقصد بأجل الله؟
فايق: أقصد (لقاء الله) إذ قال تعالي فى العنكبوت، 5 «من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت»، وجاء فى نوح، 4 «يغفر لكم ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر إن كنتم تعلمون».
محمود: وكيف يكون لقاء الله؟
فايق: لقاء طبيعيا كما كان لقاء السلف بمحمد، وعيسى، وموسى.
محمود: هذا الكلام صعب ومتى يكون هذا اللقاء؟
فايق: بعد انتهاء آجال الأمم جميعا يأتى أجل الله (وقد أتى) وجاء فى القرآن (لكل أمة أجل) و(لكل أجل كتاب) واليهود أمة لهم أجل ولهم كتاب، والنصارى أمة لهم أجل ولهم كتاب، والمسلمون أمة لهم أجل ولهم كتاب، كذلك الأمم البوذية والبراهمية والزردشتية لهم آجال ولهم كتب لجميع هذه الآجال وقد انتهت وجاء (أجل الله).
محمود: وكيف تعرف أن آجال الأمم قد انتهت؟
فايق: أجل الأمة ينتهى ويأتى دور أمة جديدة عندما لا تحكم الأمة بأحكام كتابها. محمود: هذا صحيح على النصارى واليهود، غيروا كتبهم، ولكن نحن ماغيرنا القرآن ونحكم بأحكامه.
فايق: لا تستعجل بالحكم على تغيير الكتب، أثبت هذه النقطة فى مذكرتك نبحثها فيما بعد واسمع ماذا يقول القرآن من المائدة من 44 إلى 48 «إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم به النبيون.. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.. وكتبنا عليهم فيها إن النفس بالنفس.. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون... وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه.. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون. وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم..»، إن اليهود لعدم تنفيذ أحكام كتابهم وصمهم الله بالكافرين والظالمين وأقام بعدهم النصارى هؤلاء أيضا لم ينفذوا أحكام كتابهم فوصمهم الله بالفاسقين، والنبى (صلي الله عليه وسلم) قد حكم بما أنزل الله، ولكن نحن اليوم ما هو حالنا مع أحكام القرآن؟ إننا أصبحنا كالأمم السابقة تماما لعدم تنفيذنا لأحكام القرآن.
محمود: هذا حكم شديد ياأخى؟
فايق: هذا حكم كتاب الله علينا، واستمع أيضا ما هو أوضح وأشد، لقد جاء فى الأنعام 159 «إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شىء إنما أمرهم إلى الله»، وجاء فى الروم 32 «ولا تكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون»، والآن قل يامحمود هل فرقنا ديننا ونحن شيع.
محمود: هذا لا يمكن إنكاره.
فايق: أجل شيعا ومذاهب وطرقا وأحزابا وفرقا وجماعات، وعمائم ملونة بيض وحمر مختلف ألوانها وعدبات طويلة وذقون.
محمود: هذا محزن حقا.
فايق: النتيجة قد حق علينا القول وانتهى الأجل وما بقى علينا إلا أن نبحث فى القرآن لنعرف تاريخ أجل الله ونستعد للقائه.
محمود: إزاى؟ إن الأكثرية من المسلمين يصلون ويصومون والبعض منهم يحجون ويزكون، أليست كل هذه أحكام الكتاب؟
فايق: أجل إن هذه من بعض أحكام الكتاب، خذ بالك إن اليهود منذ (3500 سنة) لم يتركوا الصلاة والصيام ويزكون ويتحرقون شوقا للحج إلى البيت المقدس، رغم ذلك نبذهم الله وأتى بخلق جديد وهم النصارى، لماذا نبذ الله اليهود؟ كذلك النصارى بكل مذاهبهم يصومون ويصلون ويقدسون إلى اليوم رغم ذلك أخرجهم الله من النعمة، وجاء بخلق جديد وهم المسلمون، لماذا طرد الله المسيحيين من نعمه؟
محمود . إذن ما هو المقصود من الأحكام ؟
فايق: بصرف النظر عن أحكام المعاملات التي جاءت في القرآن والتي لا يعمل بها اليوم . مثل أحكام القتل والسرقة والزنا والميسر ..كذلك أحكام العبادات وهي ينفذ بعضها بحالتها المعروفة ، فإن المهم من الأحكام هي التي تبشر الأمة بالرسول الذي سيأتي بعد انتهاء أجلها ، فاليهود لو عملوا بأحكام كتابهم بخصوص هذه المسألة الحيوية ( قيام الرسول اللاحق لرسولهم) لآمنوا بالمسيح، ولكنهم تمسكوا بأقوال رؤسائهم وبما لفق هؤلاء من شطط الأفكار فأنكروا المسيح وحكموا عليه بالصلب وشتتوا شمل المؤمنين به ، كذلك النصاري لو فهموا بشارات الإنجيل والتوراة الواردة في حق (الشاهد والمعزي) يعني (محمد) لآمنوا وفازوا بنعم القرآن ، ولكنهم تمسكوا بحرفية الآيات واتبعوا تفاسير القسس والرهبان ورجال الكنيسة فحرموا من الأنوار المحمدية ، والمسلمون العلماء منهم بدورهم تحت تأثير أغراضهم الشخصية وإطاعة لشهوات ملوكهم ، تركوا المهم في كتاب الله ، يعني الجهة المعنوية الروحانية وتمسكوا بظاهر الآيات وبالحياة الدنيا السحيقة التي لا قرار لها ولا ثبات واتبعوا الشهوة والثروة والترف.
محمود: هذه مصيبة حقا . المال ، الذهب التنازع والتناهش علي المال . الموت في سبيل القرش ، أغنياء وفقراء علي السواء .
فايق: هذه الحالة المحزنة من تركنا للقرآن ، القرآن يا أخي القرآن هو السر العجيب هذا الكنز الذي كله سعادة ونعيم، إننا عمينا عنه ، نسمع ترتيله ونقول (الله .. الله) دون أن ندرك المعني ومرمي الآيات
محمود: إنك يا أستاذ فايق مغرم بالقرآن فكيف يقولون أنك كفرت ؟
فايق: أجل إني كفرت حقا ، كفرت بما عندهم من أوهام وخرافات التي هي مع تعاليم القرآن علي طرفي نقيض .. إني أطلب من الله هدايتهم إلي نوره ومعرفته . القرآن وما أدراهم ما القرآن إنه كتاب مقدس حافل . وسفر مبارك كامل. وسجل جميل شامل جميع أدوار حياة الإنسان وخاصة العالم الإسلامى. إن المرآة كلما كانت قريبة للنور كان سطوع الأشعة المنعكسة منها أشد واقوي . فالنبي (صلي الله عليه وسلم) بمناسبة كونه أقرب الرسل إلي (أجل الله) ، فالبشارات في القرآن أوضح مما جاء في سائر كتب الله ، ولكن أهملت هذه البشارات العظيمة . أهملناها وبعناها بثمن بخث قليل واتبعنا ما قال علماؤنا قديما حول المعاني الظاهرة الحرفية في الآيات ، وخصوصا حول ( القيامة والجنة والنار والحور والغلمان والشياطين والسماء والأرض والماء والجبال وحول ظهور المهدي) .. من أفكار جمعوها من الخرافات الإسرائيلية ، واختاروا منها ما لذ لهم وطاب . ودونوه في كتبهم ، وهكذا قادوا الأمة إلي الأوهام والاستكانة فتفتتت إلي شيع ومذاهب تاركين الأخلاق التي قال عنها النبي ( صلي الله عليه وسلم ) ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) هذه الأخلاق العالية السامية التي رصيدها اليوم بين المسلمين ما يقرب من (الصفر) تركنا الجواهر ونفتخر بالصلصال القذر .
محمود: كل ما قلت عن حالتنا مع الأسف واقع صحيح .
فايق: قلت هل تظن يا محمود أنه بقي بيننا نحن الذين نسمي أنفسنا بالمسلمين شيء اسمه دين؟ اسمع ما قاله النبي (صلي الله عليه وسلم) في حديثه المشهور ( لتسلكن سنن ما قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) كان (صلي الله عليه وسلم) يكرر هذا الحديث كثيرا ونطق به أيضا في حجة الوداع وهو ممسك بحلقة باب الكعبة ضمن خطاب طويل وكانت عيناه المباركتان تدمعان ويبكي في قلبه لأن صورة أحوال المسلمين اليوم كانت تمر قبل نظره كصور السينما .
محمود: حقا يا أخي أن حالتنا الأخلاقية محزنة أخذنا كل الفساد من الأجانب .
فايق: قلت لا. لا.لا نبرئ أنفسنا ونلقى الذنب علي الأجانب، هل الوليد خليفة المسلمين، حينما مزق القرآن بالسهام ، وقال مخاطبا القرآن (إذا قابلت ربك يوم حشر فقل له مزقنى الوليد) هل تعلم الوليد هذا الضلال من الأجانب ، أو ما كان يحصل فى قصور الرشيد وغيره من خلفاء المسلمين وملوكهم من شرب الخمر والفسق والفجور ومن .. ومن .. كان من الأجانب. لا .. إن الذنب علينا نحن لأننا تركنا القرآن . تركنا الصورة الحية التي رسمها لنا القرآن صورة يوم (أجل الله) وتاريخ هذا اليوم العظيم . قال الله جاهدوا وطبقوها علي حياتكم. تكونوا سعداء . تكونوا فوق الجميع تركناها . غرتنا العلوم بنات أفكار الناس وما اكتسبنا منها . تعظمنا وأصبحنا نري أنفسنا أئمة القرآن وليس القرآن امامنا. اسمع يا محمود حديث آخر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو اصدق محدث قال (سوف يأتي زمان علي أمتي لا يبقي من القرآن إلا رسمه وصورته ولا من الإسلام إلا اسمه وظله يسمون بالإسلام وهم ابعد الناس عنه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان أشر الفقهاء تحت قبة السماء منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود).
كتب أبو الفضل الگلپايگاني، المعروف بأبو الفضائل، ما يلي في باب "الرجعة":
... ما يرجع إلى مسألة "الرجعة" فإنه ما من دين الأديان الموجودة إلاّ ويعتقد أهله بهذه المسألة، وينتظرون رجوع شخصٍ معينٍ مخصوص أو أشخاص معلومة لتعميم ديانتهم وإعادة رونق شريعتهم، فكما ترون مثلاً الأمة النصرانية منتظرة لرجوع سيدنا المسيح له المجد، ومعتقدة كمال الاعتقاد بمحتوميّة نزوله عليه السلام من السماء، كذلك الأمّة اليهودية منتظرة لنزول إيليا النبي أي إلياس عليه السلام من السماء قبل ظهور الرب الموعود وقيامه في اليوم المعهود، والأمم الإسلامية أهل السنّة والجماعة منهم يعتقدون نزول عيسى عليه السلام بعد ظهور المهدي، وأمّا الشيعة الإثني عشرية فتعتقد أولاً رجوع المهدي عليه السلام، وهو بزعمهم محمد بن الحسن العسكري الذي غاب في سنة مائتين وستين من الهجرة وهو الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام، وتعتقد ثانياً برجوع السبط الشهيد حسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، والثالث من أهل البيت، ويُعبّرون عن رجوعه بالظهور الحسيني بعد ظهور المهدي، وأمّا الأمة الزرادشتية فتنتظر رجوع الملك الكياني الشهير كي خسرو -الذي فسّره بعض الأوروبيين غلطاً بكورش الملك الفارسي المعروف- في أيام ظهور الموعود الذي يعتقدون أنه يظهر من إيران في آخر الزمان ويُقيم الأموات ويوحّد الأديان. وينتظرون أيضاً رجوع رجال آخرين ممّن لا سبيل هنا إلى استقصاء تفصيل أسمائهم وذكر سبب رجوعهم، وكذلك سائر الأديان والملل كما يعرفه المتتبّع في عقائد المذاهب والنِحَل.
فثبت مما ذكرناه بالإجمال أن مسألة الرجعة هي من المسائل المهمة التي ابتليَتْ بها أصحاب الأديان، وبها كذّبوا كبار الأنبياء وأعرضوا عن مظاهر أمر الله في جميع الأزمان، نعم قام في القرن الثامن الهجري ابن خلدون المؤرخ المغربي الشهير، وأنكر في كتابه الكبير ظهور المهدي عليه السلام، وتبعه في رأيه هذا بعضٌ من أصحاب العقول الصغيرة والضمائر المظلمة لكي يتم بهم ما بَشّر وصرّح وأخبر به النجوم الزاهرة والأنوار الباهرة من أئمة أهل البيت عليهم السلام: "أن المهديّ خروجه عند اليأس والقنوط" أي حينما تقنط النفوس الغافلة عن ظهوره وتنكر بشارات خروجه وتيأس من آخر رجاء للتخلص من نوائب يوم عبوسٍ مستطير بمصائبه وشروره.
وكذلك ظهرت في الأمم النصرانية جماعة غير قليلة أنكروا رجوع المسيح عليه السلام في الجسد، وحرّفوا تلك البشارات الصريحة في مجيئه وظهوره وفسّروها بإحاطة دينه وغلبةِ أتباعه مما لا ينطبق على تلك البشارات أصلاً، لكي يتمّ فيهم ما أخبر به بطرس الرسول كما جاء في الإصحاح الثاني من رسالته الثانية حيث قال: "ولكن كان أيضاً في الشعب أنبياء كذبة كما سيكون فيكم أيضاً معلّمون كذبة الذين يدسّون بِدَعَ هلاكٍ وإذ هم ينكرون الرب الذي اشتراهم يجلبون على أنفسهم هلاكاً سريعاً. وسيتبع كثيرون تهلكاتهم. الذين بسببهم يُجدّف على طريق الحق". إلى آخر كلامه في هذا الإصحاح، مما يطول بنا الكلام لو جئنا بجميع كلماته المقدسة في هذا المقام، ولكننا نوجّه أنظار أولي الأبصار إلى التبصّر والتعمق فيما جاء في هذا الإصحاح، فإن ذاك الرسول المُجتبى والإمام المرتضى أخبر بأفصح عبارة وأبلغ بيان بجميع الحوادث التي حدثت من هذا القبيل في الأمّة النصرانية في القرون الأخيرة بكليّاتها وجزئيّاتها، مما يدل على روحٍ مقدسٍ طاهرٍ محيطٍ ناظر بحقائق الأمور الآتية بدقائقها وخصوصياتها، فإذا تقررّ عند أمّةٍ أنّ المسيح له المجد لا ينزل مِن السماء رغماً عمّا وَعَدَ به صريحاً وصار هذا الرأي عقيدة عمومية ثابتة عند جماعةٍ، فلا بد من أنهم ينكرونه حين نزوله أي عند ظهوره ويجدّفون على طريقته، فيتم فيهم نبأ الرسول المُجتبى بأنهم ينكرون الرب الذي اشتراهم، وبسببهم يُجدَّف على طريق الحق، كما وقع تماماً في هذا القرن الأنور الأبهى، وستظهر صحة هذا النبأ بأتم وأجلى، وقال أيضاً كما جاء في الفقرة الثالثة من الإصحاح الثالث من هذه الرسالة: "عالمين هذا أولاً أنه سيأتي في آخر الأيام قوم مستهزئون، سالكين بحسب شهوات أنفسهم، وقائلين أين هو موعد مجيئه، لأنه من حين رقد الآباء كل شيْ باقٍ هكذا من بدء الخليقة". إلى آخر هذا الإصحاح، وهذا أيضاً مما يستحق كل التفسير والإيضاح بما فيه من جواهر المعاني الغالية المختومة كما سنفسّره في محلّه إن شاء الله تعالى في غاية الوضوح والإفصاح، وهذه العبارة أيضاً تدل على ما ذكرناه من أن جماعة كثيرة ينكرون مجيء سيدنا المسيح له المجد، فلا نتعجب إذاً من إنكار الكثيرين لنزوله وتحريفهم البشارات الصريحة في مجيئه وظهوره، ومما يجب الانتباه إليه هو أنه بمقدار ما أوجدت محاولات المنكرين لنزوله عليه السلام بالجسد شكوكاً في القلوب المريضة، كذلك أوجدت في القلوب الصافية علماً ويقيناً أظهر وأجلى، وأورثت في النفوس الطاهرة ثبوتاً ورسوخاً أتم وأقوى، إذاً أي برهان يمكن أن يُقام على صحة مبدأ تلك البشارات في مفاهيمها الأصلية، أيْ نزول روح الله في الهيئة البشرية أعظم وأظهر وأقوى من تحقق تلك الأخبار بعد انقضاء قرون وأدوار، أليس أخبار ذاك الرسول المُجتبى - حينما لم يكن للنصرانية جمعية وهيئة اجتماعية يذكرها المؤرخون، ويعتبرها الكاتبون بأخبار وحوادث تحققت وظهرت بعد انقضاء تسعة عشر قرناً - أدلّ دليل على أنها من الأخبار السماويّة والأنباء المُعلنة بالقوّة القدسيّة الإلهية.("من مؤلفات أبو الفضائل"، الصفحات 232-235)
ويعرّف حضرة عبدالبهاء موضوع المعاد والرجعة بقوله الأحلى: "الفرق بين المعاد والرجعة، المعاد أمر عينيّ والرجعة أمر عِلمي. من حيث الشؤون والآثار يدل على الوحدة الحقيقية بين الأبرار."("مائدة آسماني"، المجلد 9، الصفحة 26)
وينتظر معظم أصحاب الديانات السابقة عودة مظاهرهم بأعيانها وهذا هو معنى المعاد كما فسرّه حضرة عبدالبهاء ولكنها في عُرف أهل البهاء رجعة الصفات. فيتفضل حضرة بهاءالله عن هذا بقوله الأحلى:
"هذا كتاب من لدى المظلوم الذي سُمي في ملكوت البقاء بالبهاء... وقد ورد عليه في كلّ عهد ما لا يحصيه أحد إلاّ الله الملك العلي العظيم. مرة ابتلي بيد القابيل وقُتل في سبيل الله وصعد إليه مظلوماً وكذلك كان الأمر من قبل وكان الله على ذلك لشهيد وخبير. ومرة ابتلي بيد النمرود وألقاه على النار وجعل الله النار عليه نوراً ورحمة وإنه ليحفظ عباده المقربين. ومرة ابتلي بيد الفرعون وورد عليه ما يحترق به أفئدة المخلصين. ومرة عُلّق على الصليب ورُفع إلى الله العزيز الجميل. ومرة ابتلي بيد بو جهل ثمّ الذين هم قاموا عليه بالشقاق من أهل النفاق ووردوا عليه ما لا يُذكر بالبيان وكان نفس الرحمن على ما ورد عليه لعليم وشهيد. ومرة قُتل مظلوماً في أرض الطفّ واستشهدوا معه الذين نسبهم الله إلى نفسه المقدس المنير، إلى أن قطعوا رأسه وأساروا اهله وداروهم في البلاد وكذلك قُضي عليه من جنود الشياطين. ومرة عُلّق على الهواء واستشهد في سبيل الله المهيمن المقتدر القدير..."("آثار قلم أعلى"، المجلد 4، الصفحة 301)
ويتفضل حضرة بهاءالله جل اسمه الأعظم في "كتاب الإيقان" عن موضوع المعاد والرجعة ما يلي:
"من الواضح المعلوم لدى أهل العلم، أنه لمّا أحرقت نار المحبة العيسوية حجبات حدود اليهود، ونفذ حكم حضرته نوعاً ما حسب الظاهر، ذَكَرَ ذاك الجمال الغيبي في يوم من الأيام لبعض من أصحابه الروحانيين أمر الفراق، وأشعل فيهم نار الإشتياق قائلاً لهم :[إني ذاهب ثمّ أعود] وقال في مقام آخر: [إني ذاهب ويأتي غيري حتى يقول ما لم أقله ويتمّم ما قلته] وهاتان العبارتان هما في الحقيقة شيء واحد، لو أنتم في مظاهر التوحيد بعين الله تشهدون... نشاهد في الحقيقة أن كتاب عيسى وأمره قد ثبتا في عهد خاتم الأنبياء فمن حيث الاسم قال حضرة محمد [إني أنا عيسى]... فمن هذه الوجهة قال عيسى بنفسه إني ذاهب وراجع. مَثَلُ ذلك مَثَلُ الشمس، فإذا قالت شمس اليوم إنني أنا شمس الأمس فهي صادقة ولو قالت إنني غيرها نظراً لاختلاف الأيام فهي صادقة أيضاً..."(الصفحتين 17-18)
أما بالنسبة لانتقال حقيقة النقطة الغيبية وتجلّيها على مظاهر أمر الله فقد وضّح حضرة بهاءالله هذا الأمر من حيث الإجمال في مقدمة "لوح الإشراقات" قوله المقدس الأحلى:
"فلما أراد الخلق البديع فصّل النقطة الظاهرة المشرقة من أفق الإرادة وإنها دارت في كلّ بيت على كلّ هيئة إلى أن بلغت منتهى المقام أمراً من لدى الله مولى الأنام. وإنها هي مركز دائرة الأسماء ومِخْتَم ظهورات الحروف في ملكوت الإنشاء وبها برز ما دلّ على السرّ الأكتم والرمز المنمنم الظاهر الحاكي عن الاسم الأعظم في الصحيفة النوراء والورقة المقدسة المباركة البيضاء فلّما اتّصلت بالحرف الثاني البارز في أول المثاني دارت أفلاك البيان والمعاني وسطع نور الله الأبدي. وتقبّب على وجه سماء البرهان وصار منه النيران. تبارك الرحمن الذي لا يُشار بإشارة ولا يعبّر بعبارة ولا يُعرف بالأذكار ولا يُوصف بالآثار إنه هو الآمر الوهّاب في المبدأ والمآب وجعل لهما حُفّاظاً وحُرّاساً من جنود القدرة والاقتدار إنه هو المهيمن العزيز المختار." ("مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله"، لوح الإشراقات، الصفحتين 3-4)
ويعود حضرة عبدالبهاء ويشرح المعاد والرجعة بما يلي:
... ولنذكر عنوان هذه المسألة من الإنجيل فقد صرّح فيه أنه لمّا ظهر يحيى بن زكريا وكان يبشّر الناس بملكوت الله سألوه ’مَن أنت؟ هل أنت المسيح الموعود؟‘ فأجاب: ’لستُ بالمسيح‘، ثمّ سألوه: ’أأنت إيليا؟‘ قال: ’لا‘. فمن هذا البيان ثبت وتحقّق أن حضرة يحيى بن زكريا ليس بإيليا المعهود، ولكن حضرة المسيح يوم التجلّي في جبل طابور صرّح بأن يحيى بن زكريا كان إيليا الموعود, ففي الآية 11 من إصحاح 9 من إنجيل مرقس يقول: ’فسألوه لماذا يقول الكَتَبَة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً فأجاب وقال لهم إن إيليا يأتي أولاً ويردّ كلّ شيء وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألم كثيراً ويُرذل لكن أقول لكم أن إيليا أيضاً قد أتى وعملوا به كلّ ما أرادوا كما هو مكتوب عنه.‘
وفي إنجيل متّى آية 13 إصحاح 17 يقول ’حينئذ فهِم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان‘ والحال أنهم سألوا يوحنا المعمدان هل أنت إيليا؟ قال لا، على أنه في الإنجيل يقول أن يوحنا المعمدان كان نفس إيليا الموعود، ويصرّح المسيح أيضاً بهذا، حينئذ كان حضرة يوحنا هو حضرة إيليا فلماذا قال لستُ إيليا؟ وإن لم يكن هو إيليا فكيف يقول حضرة المسيح أنه كان إيليا؟
إذاً لم يكن النظر إلى الشخصية في هذا المقام، بل النظر إلى حقيقة الكمالات أي أن تلك الكمالات التي كانت في حضرة إيليا كانت متحققة بعينها في يوحنا المعمدان فليس النظر هنا إلى الذات بل إلى الصفات. ("من مفاوضات عبدالبهاء"، الصفحة 86)
أمثلة على الرجعة
يتفضل حضرة بهاءالله في لوح خطاباً ﻟ"نصير":
"وقد أرسل النقطة الأولى روح مَن في المُلك فداه إلى محمد حسن النجفي الذي كان من كبار العلماء والمشايخ ما مضمونه... إننا بعثنا عليّاً من مرقده وأرسلناه إليك بألواح مبين ولو عرفته وسجدت بين يديه في كلّ آن كان أفضل من عبادتك سبعين سنة وَلَكُنّا بعثنا من حرفك الأول محمد رسول الله ومن حرفك الثاني الحرف الثالث الذي هو الإمام الحسن ولكنكَ احتجبتَ عن هذا الشأن وخاطبناك بما ينبغي لك...
لاحظوا عظمة الأمر وأن عليّاً الذي أرسلناه إلى الشيخ المذكور كان الملاّ علي البسطامي."(مجموعة "ألوح مباركة حضرة بهاءالله"، الصفحتين 190-191)
ذكر المرحوم المجلسي في المجلد الثالث عشر من "بحار الأنوار" في باب الرجعة:
1-روى البُزَنطي بسنده عن حضرة الصادق أنه قال:
"أول من يَنشقّ الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي عليه السلام."
2-روى حمّاد بسنده عن الإمام الباقر أنه قال:
"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليّاً سيرجعان."
3-روى سعد عن حضرة الباقر بسنده أنه قال:
"أول من يرجع الحسين عليه السلام فيملك حتى تقع حاجباه على عينيه مِن الكبر."("قاموس الإيقان"، -فارسي- المجلد 2، الصفحة 765)
4-في خطبة لحضرة الأمير (علي) عليه السلام في شرح مقاماته العالية إلى أن يقول:
... إن لي الكرّة بعد الكرّة والرجعة بعد الرجعة وأنا صاحب الرجعات والكرّات وأنا صاحب الصولات والنقمات والدولات العجبات.
5-سُئل الإمام أبو عبد الله عن قوله تعالى "ويوم نحشر مِن كلّ أمّة فوجاً" قال ما يقول الناس فيها؟ قلت يقولون أنها القيامة، فقال أبو عبد الله: يحشر الله يوم القيامة من كلّ أمّة فوجاً ويترك الباقين إنما ذلك في الرجعة فأمّا آية القيامة فهذه: وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً...
وقد روى المجلسي أخباراً كثيرة كالتي ذُكرت وعيّن في عدة أحاديث دورة سلطنة الحسين في الرجعة بأربعين سنة. وعن حضرة الصادق أنه قال: "أول من يكرّ في الرجعة الحسين بن علي ويمكث في الأرض أربعين سنة حتى يسقط حاجباه على عينيه..."
... وقال الصدوق في رسالة العقايد: "اعتقادنا في الرجعة أنها حقّ..."
يتفضل حضرة بهاءالله عن رجعة الحسين بما يلي:
"هو العزيز العليم الباقي الكريم"
"... قل يا قوم إن لن تؤمنوا بهذه الآيات فبأيّ برهان آمنتم بالله مِن قبل فأتوا به ولا تكونن من الصابرين، قل يا قوم ألست ابن عليّ بالحق، أما سُمّيت بالحسين في جبروت الله المهيمن العزيز الكريم وأما قرأت عليكم في كلّ يوم من آيات عجزت الأفئدة عن إحصائها بل عقول المقربين..." (كتاب "لئالئ الحكمة"، المجلد 2، الصفحة 22)
ويقول الشيخ أحمد الأحسائي في رسالة العصمة والرجعة:
اعلم أن الرجعة سرّ من الأسرار الإلهية، وثمرة ونتيجة الإيمان بالغيب هو الإقرار بالرجعة والمراد من الرجعة هو أن الأئمة عليهم السلام والشيعة وأعداء الأئمة، يعني المؤمنين المخلصين والأعداء اللدودين سيرجعون وأن الناس الذين هلكوا في هذه الدنيا نتيجة العذاب لا يرجعون ولا يعودون إلى هذه الدنيا. ("قاموس الإيقان"، -فارسي- المجلد 2، الصفحة 766)
"ادخلوها بسلام آمنين"
كانت هذه الآية المباركة هي أول ما طرق سمع الملاّ حسين البشروئي (باب الباب) حين دخوله من عتبة باب منزل حضرة الأعلى (الباب) في شيراز يوم 4 ليلة 5 جُمادى الأولى أي ليلة إعلان دعوة حضرة الباب للملاّ حسين المذكور سنة 1260ه حيث سمع النداء الذي كان مؤهلاً لسماعه منذ القِدَم وبه دخل الجنة فكان أول رجل يدخلها وتشرّف بلقاء الله، ولم يكن ذلك الأمر مصادفة فإن حقيقة الملاّ حسين القديمة تمنّت هذا اليوم الذي تدخل فيه جنة اللقاء وتحقّق له حكم الآية: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر".
تحقّق للملاّ حسين البشروئي ما تمنّى وذلك فيما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه: وعن جابر رضي الله عنه قال:
"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن قال حين بسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلاّ حلّت له الشفاعة يوم القيامة. (رواه البخاري ومسلم)
وكما قال أحمد، أنبأنا سفيان عن ليث عن كعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلّيتم فسلوا الله لي الوسيلة، قيل يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلاّ رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو.
ولمسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الناس تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة. (رواه البخاري ومسلم)
(كتاب "اليوم الآخر في ظلال القرآن"، الصفحتين 315-316)
ونلقي مزيداً من الضوء على موضوع المعاد والرجعة في الآيات التالية النازلة من قلم حضرة بهاءالله في "سورة وفا" قوله تعالى:
"... أمّا ما سألتَ في المعاد فاعلم بأن العَوْد مثل البدء وكما أنت تشهد البدء [ظهور حضرة الأعلى] كذلك فاشهد العَوْد [ظهور حضرة بهاءالله] وكن من الشاهدين بل فاشهد البدء نفس العَوْد وكذلك بالعكس لتكون على بصيرة منير... وأمّا عَوْد الذي هو مقصود الله في ألواحه المقدس المنيع وأخبر به عباده هو عَوْد الممكنات في يوم القيامة وهذا أصل العَوْد كما شهِدتَ في أيام الله وكنتَ من الشاهدين... فاشهد في ظهور نقطة البيان جل كبرياؤه إنه حكم لأول من آمن بأنه محمد رسول الله هل ينبغي لأحد أن يعترض ويقول هذا عجمي وهو عربي أو هذا سُمي بالحسين وهو كان محمداً في الاسم؟... وإن فَطِنَ البصير لن ينظر إلى الحدود والأسماء بل ينظر بما كان محمداً عليه وهو أمر الله وكذلك ينظر في الحسين على ما كان عليه من أمر الله... ولمّا كان أول من آمن بالله في البيان على ما كان عليه محمد رسول الله لذا حَكَمَ عليه بأنه هو هو أو بأنه عَوْده ورجعه. وهذا المقام مقدس عن الحدود والأسماء ولا يُرى في هذا إلاّ الله الواحد الفرد العليم. ثمّ اعلم بأنه في يوم الظهور لو يحكم على ورقة من الأوراق كلّ الأسماء من أسمائه الحسنى ليس لأحد أن يقول لِمَ وبِمَ ومن قال فقد كفر بالله وكان من المنكرين." (كتاب "مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله"، الصفحتين 173-174)
رأى علي خان [حاكم قلعة ماه كو] رؤيا قال: "رأيت كأني أُخبِرت فجأة بعزم محمد رسول الله على المجيء إلى ماه كو وأنه سوف يحضر إلى القلعة ليزور الباب وليهنئه بعيد النوروز فخرجت جرياً لمقابلته وأنا مشتاق لأقدّم خضوعي وترحيبي لزائر مقدس مثله، وبفرح لا يوصف أسرعت لناحية النهر، ولما وصلتُ إلى القنطرة التي هي على بُعد ميدان [جزء من فرسخ] من بلدة ماه كو، رأيت اثنين قادمين نحوي وظننت أن أحدهما رسول الله نفسه والآخر الذي يسير خلفه أحد أصحابه الممتازين، فأسرعت إلى الوقوع على أقدامه وانحنيت لأقبّل طرف ردائه وإذ ذاك استيقظت فجأة... وإذ أيقنت بصحة رؤياي... ذهبت إلى تلك البقعة التي نظرتُ فيها في الرؤيا وجهَ الرسول وأمرتُ أحد أتباعي أن يسرج لي ثلاث جياد من خيارها وأسرعها وأن يقودها إلى القنطرة. وعند طلوع الشمس خرجت وحدي وبدون حرس ومررت في مدينة ماه كو في طريق النهر وما كدت أصل إلى القنطرة حتى عجبت لرؤيتي الرجلين اللذين شاهدتهما في الرؤيا يمشيان الواحد خلف الآخر ويسيران نحوي وبدون أيّ تفكّر وقعت على قدم الشخص الذي اعتقدت أنه الرسول وقبّلته بإخلاص ورجوته هو ورفيقه أن يركبا الجياد التي أحضرها أحد أتباعي بقية الطريق... لكنه رفض طلبي قائلاً: كلاّ لقد أقسمت أن أقوم بالرحلة كلّها سيراً على الأقدام وسأمشي إلى قمة هذا الجبل حيث سأقوم بزيارة سجينك. (من كتاب "مطالع الأنوار"، الصفحة 204)
لم يكن هذا الزائر سيدنا محمد كما رأى علي خان في حلمه بل كان الملاّ حسين البشروئي...
ويتفضل حضرة بهاءالله في "كتاب الإيقان" أيضاً:
إذا فادرك الآن حكم الرجوع الذي نزل في نفس الفرقان بتلك الدرجة من الصراحة، والذي ما فهمه أحد إلى اليوم. والآن فماذا تقول؟ لو تقول أن محمداً كان رجعة الأنبياء الأولين كما هو مستفاد من الآية،[1]فكذلك أصحابه أيضاً هم رجعة أصحاب الأنبياء الأولين، حيث أن رجعة عباد القبل واضحة ولائحة أيضاً من الآيات المذكورة. ولو ينكرون ذلك يكونون قائلين بخلاف حكم الكتاب الذي هو الحجة الكبرى. إذاً فادرك أنت على هذا المنوال حكم الرجع والبعث والحشر الذي كان فيأيام ظهور مظاهر الهوية، حتى ترى بعينيّ رأسك رجوع الأرواح المقدسة في الأجساد الصافية المنيرة، وتزيل غبار الجهل، وتطهر النفس الظلمانية بماء الرحمة المتدفق من العِلم الرحماني، لعل تُميّز سبيل الهداية من ليل الضلالة بسراجه النوراني، وتُفرّق بينهما بقوة الرحمن وهداية السبحان...
... إن جميع الأنبياء هم هياكل أمر الله، الذين ظهروا في أقمصة مختلفة... فإذاً لو
يقول أحد من هذه المظاهر القدسية، إني رجعة كلّ الأنبياء فهو صادق. وكذلك يثبت في كلّ ظهور لاحق صدق رجوع الظهور السابق. وإذا كان قد ثبت رجوع الأنبياء وفقاً للآيات وطِبقاً للأخبار كذلك يثبت ويتحقّق رجوع الأولياء أيضاً وهذا الرجوع أظهر من أن يحتاج إلى أيّ دليل أو برهان...(الصفحات 119-121)
رجعة الأولياء والمؤمنين
أمّا عن رجعة الأولياء والمؤمنين فيتفضل حضرة بهاءالله بقوله العزيز:
"... اكرعوا يا أهل الأرض والسماء كأس البقاء من أنامل البهاء في هذا الرضوان العلي الأعلى. تالله مَن فاز برشح منها لن يتغير بمرور الزمان ولن يؤثر فيه كيد الشيطان، ويبعثه الله عند كلّ ظهور بجمال قدس عزيز..." (من كتاب "رسالة الأيام التسعة"، الصفحة 137)
1الآية الخاصة بالبيان المذكور أعلاه "قد جاءكم رسل من قَبْلي بالبينات وبالذي قلتم فَلِم قتلتموهم إن كنتم صادقين" [سورة آل عمران، الآية 183]
و لنعد الی معنی البسملة و نقول فی بيان الرحمن و الرحيم اعلم انّالرحمة عبارة عن الفيض الالهی الشامل لجميع الموجوداتوسعت رحمته کلّ شیء و انّها مصدر لجميع الممکنات من جميع الشؤون و الاطوار و الظواهر و الاسرار و الحقيقة و الوجود و الآثار و التعيّنات و القابليّات و التشخصّات من الغيب و الشهادة فی عالم الانوار. و انّها تنقسم قسمين بالرحمة الذاتيّة الالهيّة و هی عبارة عن افاضة الوجود بالفيض الاقدس الأعلی فی جميع المراتب والمقامات الّتی لانهاية لها للحقائق و الاعيان الثابتة فی حضرة العلم الذاتی الأعلی و بالرحمة الصفاتيّة الفائضة من الحضرة الرحمانيّة بالفيض المقدّس الأوّل بحسب الاستعداد و القابليات المستفيضة من التجلّيات الظاهرة الباهرة فی أعيان الموجودات. و کلّ واحدة منهما تنحلّ الی رحمة عامّة . الّتی تساوت فيها الحقائق الموجودة من حيث الوجود العلمی و العينی و رحمة خاصّة ظهر برهانها و انکشفت أسرارها و اشتهرت آياتها و خفقت راياتها و تلألأت أنوارها و تموّجت بحارها و طلعت شموسها واکفهرّت نجومها ورقّ نسيمها و فاح شميمها و أضاء أفق مبينها فی الحقائق النورانيّة الّتی استضائت و استفاضت و استنارت من الاشعّة الساطعة من شمس الحقيقة فی جميع الشؤون و الاطوار و الاحوال و الآثار. و بمثل هذا فانظر فی عالم التشريع والظهور و الاشراق تری انّ الفيض الاقدس الخاصّ الّذی به وجود الهياکل القدسيّة و الکينونات المنزّهة اللطيفة الروحانيّة هو افاضة الهداية الکبری و ايقاد نار المحبّة الالهيّة الموقدة فی القلوب الصافية المشتعلة من النفس الرحمانی و المدد السبحانی و الفيض الالهی و الجود الصمدانی و تجد انّ الفيض المقدّس الربّانی هو افاضة الکمالات و الفيض الوجدانی و الصفات و الملکات و العطاء الروحانی و الخصائل و الفضائل الّتی بها حيات العالم و نورانيّة سائر الأمم فهاتان الرحمتان الذاتيتان أی الخاصّة و العامّة. الصادرتان من الفيض الاقدس الالهی الذاتی مذکورتان فی البسملة الّتی فاتحة الايجاد و افاضة الوجود للموجودات المجرّدة و المادّية و أمّا الرحمتان الصفاتيتان الخاصّة و العامّة. الصادرتان من الفيض المقدّس الصفاتی فهما مذکورتان فی الفاتحة الّتی هی بيان المحامد و النعوت الالهيّة. و بهذه کفاية لمن أراد ان يطّلع باسرار البسملة و الّا ليس لمعانيها بداية و نهاية و الروح و البهاء علی أهل الهداية و السلام..(المكاتيب-ج1-حضرة عبد البهاء)
و ايضاً قال فی شرح القصيدة و هو باء بسم اللّه الرحمن الرحيم الّتی ظهرت الموجودات فيها و هی الالف المبسوطة و شجرة طوبی و اللوح الأعلی. فاذا اطّلعت بهذه الاسرار و أشرق عليک الانوار و هتکت الاستار و خرقت الحجبات المانعة عن مشاهدة العزيز الجبّار و شربت الرحيق فی الکأس الانيق من يد الرحمن فی رياض العرفان و لاحظتک عين العناية بجود واحسان و عرفت حقائق المعانی و الرموز و الاسرار الفائضة من حرف الاسم الاعظم فی عالم الانوار قل تعالی من هذا السرّالعجيب و تبارک اللّه من هذا الکنز الغريب و القدرة و القوّة و العزّة و الکبرياء للناطق بالحقّ و الهدی من هذاالحرف الّذی جمع الحقائق و المعانی کلّها و دقائق الکلمات باسرها حتّی الزبر و الصحف الأولی و ألواح ملکوت ربّکالأبهی و هذا بيان فی منتهی الاجمال و تبيان فی غاية الاختصار فی معانی هذا الحرف الکريم من النبأالعظيم فانّ أطلق زمام جواد المداد فی مضمار المعانی الکلّيّة و الحقائق الجليلة الّتی تتموّج کالبحار و تتلاطم کالمحيط الزخّار فی حقيقة سرّ الاسرار، الساری فی بواطن هذا الحرف المبين و النور القديم لضاقت صفحات الآفاق و تتابع هذا الاشراق. مستمرّاً فی مطالع الاوراق و لکن أين المجال فی مثل هذه الاحوال و انّی لهذا الطير المنکسر الجناح الطيران فی أوج العرفان بعد ماحجبت الابصار عن مشاهده الانوار و صمت الآذان عن استماع نداء الرحمن و القوم فی حجاب عظيم و ضلالهم القديم لعلّاللّه بيد القدرة العظمی يشقّ الحجبات الظلماء عن أعين الرمداء و البصائر المبتلية بالعمی عند ذلک تسمع نغمات عندليب الوفاء علی أفنان دوحة الذکری. و أمّا الآن نمسک العنان فی ميدان التبيان و نبتدء ببيان معنی الاسم و نقول انّ الاسماء الالهيّة مشتقّة من الصفات الّتی هی کمالات لحقيقة الذات و هی أی الاسماء فی مقام أحديّة الذات ليس لها ظهور و تعيّن و لا سمة و لا اشارة و لا دلالة بل هی شؤون للذات بنحو البساطة و الوحدة الاصليّة ثمّ فی مقام الواحديّة لها ظهور و تعيّن و تحقّق و ثبوت و وجود فائض منبعث من الحقيقة الرحمانيّة علی الحقائق الروحانيّة و الکينونات الملکوتيّة فی حضرة الاعيان الثابتة. فمن ثمّ انّ الذات من حيث الربوبيّة لها تجلّيات و اشراقات علی الحقائق الکونيّة و الموجودات الامکانيّة. يستغرق بها تلک الحقائق فی مقتضياتها و آثارها و شؤونها و کمالاتها و أسرارها فی الحقيقة الاولی بالوجه الأعلی فبذلک الاعتبار أی أحديّه الذات الاسم عين المسمّی و حقيقته و هويّته و ليس له وجود زائد ممتاز عن الذات فانّ الوجود امّا عين الماهيّة أو غيرها. فاذا کان غيرها هل هو ملازم لها و من مقتضاها من غير تعطيل و أنفکاک أو جاز التعطيل و الانفکاک فالأوّل حقيقة الذات من حيث أحديتّه وجوده عين ماهيّته و ماهيّته عين وجوده و الثانی مقام الوجوب فالوجود ممتاز عن الماهيّة و ملازم لها بوجه لا يتصوّر الانفکاک و لا يتخطّر الانفصال لانّه من مقتضاها و الثالث مقام الامکان أی الوجود المستفاد من الغير المکتسب عمّن سواه. فوجوده غير ماهيّته و ماهيّته غير وجوده مع جواز الانفکاک و الانفصال و مثله فی المضيئات. فانظر فی جرم القمر حال کونه ساطعاً منيراً لامعاً. انّما اکتسب و استفاد النور من الشمس و غير ملازم له و يجوز انفکاکه منه و هذا مقام الوجود الامکانی و شأنه الحدوث فی عالم الکيان. لانّ الماهيّة غير الوجود و الوجود غير الماهيّة و يجوز الانفکاک بينهما. و أمّا الشمس مع وجود الجرم و الضياء أی الماهيّة و الوجود بالاستقلال و الامتياز بينهما الالتزام و الاقتضاء أی الضياء ملازم لجسمها و جسمها مقتضی له بوجه لا انفکاک و لا انفصال و لا انقطاع. لانّها شمس بوجوب الضياء و اذ وقع أدنی توهّم التعطيل سقطت عن الوجوب الذاتی و الضياء الاستقلالی و ثبت الاستفادة و الاستفاضة من الغير و هذا شأن الامکان ليس شأن الوجوب. و امّا حقيقة النور بذاته فی ذاته فشعاعه عين جسمه و جسمه عين شعاعه أی ماهيّته عين وجوده و وجوده عين ماهيّته لاتتصوّر الکثرة و الامتياز و لا تتوهّم الغيريّة و الاختلاف. و هذا مقام الوجود البحت و واحديّة الذات. مع بساطة و وحدة الاسماء و الصفات. فاذا کان الوجود المفهوم المحاط الواقع تحت التصوّر و الادراک من حيث حقيقته المجرّدة عن النسب و الاضافات هويّة مقدّسة عن الکثرات فی أحديّة الذات فماظنّک بالحقيقة البسيطة الکلّيّة الّتی هی محيطة بالحقائق و الادراکات و منزّهة عن الاوهام و الاشارات بل عن کلّ وصف و نعت من جوهر الأحديّة و ساذج الواحديّة. لانّها حقيقة صمدانيّة مجرّدة عن کلّ سمة و اشارة و دلالة فهل يتصوّر فيها التکثّر و التعدّد و الامتياز من حيث کمالات الذات و وجه تعلّقه بالصفات و جامعيّةللاسماء الالهيّة و الربوبيّة المقتضية لوجود الممکنات. أستغفر اللّه عن ذلک تبارک اسم ربّک ذو الجلال و الاکرام. فبهذا الدليل و البرهان و المکاشفة و العيان ثبت انّالاسم فی الحقيقة الاولی عين المسمّی و کنهه و هويّته و ذاته و حقيقته لانّالاسماء و الصفات فی الحقيقة تعبيرات کماليّة و عنوانات حقيقة واحدة. کان اللّه و لم يکن معه شیء و هذا بيان شاف کاف ظاهر باهر لا رموز و لا غموض يزيل کلّ حجاب و يکشف کلّ نقاب عن وجه الحقيقة عند من بلغ مقام المکاشفة و الشهود. بتأييد من الربّ الودود. و المقصود من الاسماء معانيها المقدّسة و حقائقها المنزّهة. عن کلّ دلالة و اشارة فانّ الاسماء المنطوقة الملفوظة باعانة الهواء فی عالم الشهادة لا شکّ انّها غير المسمّی لانّها اعراض تعتری الهواء و اشارات للمعانی الموجودة المعقولة فی الافئدة المقدّسة و العقول المجرّدة بل المراد المعنی القائم بالذات بوجه البساطة و الوحدة دون شائبة الامتياز فلنختصر فی بيان الاسم و نذکر معانی الاسم الجليل و الذکر الحکيم و العنوان الالهی فی لسان القاصی و الدانی. أی اسم الجلالة المتصرّف فی عالم الغيب و الشهادة و نقول انّ المفسرّين و المأوّلين من أهل الظاهر و الباطن و اللبّ و القشور بمثل ما تحيرّت عقولهم و ذهل شعورهم. فی ادراک کنه ذات الأحديّة و حقيقة صفاته الکماليّة. قد تکثّرت بياناتهم و تعددّت تعريفاتهم و اختلفت معانيهم و احتارت عقولهم و عجزت نفوسهم فی بيان حقيقة مفهوم هذا الاسم الکريم و العلم العظيم و اشتقاقه قوم ذهبوا انّ اللام للتعريف و الاله اسممصدر بمعنی المألوه کالکتاب بمعنی المکتوبو قالوامعناه المعبود بالاستحقاق و المنعوت بکلّ کمال جامع عند ملأ الآفاق و قوم اعتقدوا انّ معناه و فحواهالمحتار فی ادراک کنهه کلّ العقول و النفوس علی الاطلاق و أمثال ذلک کما هو المذکور فی الکتب و الاوراق. و أصحّ الاقوال عند المحقّقين منهم انّه علم للذات المستجمع لجميع الصفات الکماليّة الفائض بالوجود و الشؤون الالهيّة علی الموجودات الکونيّة و اختصروا علی ذلک و نحن لسنا بصدد ذلک و لانسلک فی أضيق المسالک بل نقول انّ هذه الکلمة الجامعة و الحقيقة الکاملة من حيث دلالتها علی کنه الذات البحت البات لا يتصوّر عنها الاشارة و لا تدخل فی العبارة. أمّا من حيث ظهور الحقّ سبحانه و تعالی بمظهر نفسه و استقراره و استوائه علی العرش الرحمانی. هذه الکلمة الجامعة بجميع معانيها و مبانيها و اشاراتها وبشاراتها و شؤونها و حقائقها و آثارها و أنوارها و باطنها و ظاهرها و غيبها و شهودها و سرّها و علانيتها و أطوارها وأسرارها ظاهرة باهرة ساطعة لامعة فی الحقيقة الکلّيّة الفردانيّة و السدرة اللاهوتيّة و الکينونة الربّانيّة و الذاتيّة السبحانيّة، الهويّة المطلقة المجلّيّة بصفتها الرحمانيّة و شؤونها الصمدانيّة، الناطقة فی غيب الامکان قطب الاکوان، المشرقة فی سيناء الظهور طور النور فاران الرحمن المتکلّمة فی سدرة الانسان. انّی أنا اللّه الظاهر الباهر المتجلّی علی آفاق الامکان بحجّة و برهان و قدرة و قوّة أحاطت ملکوت الاکوان خضعت الاعناق لآياتی و خشعت الاصوات لسلطانی و شاخصت الابصار من أنواری و ملئت الآفاق من أسراری و قامت الاموات بنفحاتی و استيقظت الرقود من نسماتی و حارت العقول فی تجلّياتی و اهتزّت النفوس من فوحاتی و قرّت العيون بکشف جمالی و تنورّت القلوب بظهور آثاری و انشرحت الصدور فی جنّة لقائی و فردوس عطائی. فآه آه يا ايّها السائل الناظر الی الحقّ بعين الخلق، المستوضح الدليل من ابناء السبيل لو استمعت باذن الخليل لسمعت الصريخ و العويل و الانين و الحنين من حقائق الموجودات و الالسنة الملکوتيّة منالممکنات بما غفل العباد و ضلّوا عن الرشاد فی يوم الميعاد عن الصراط الممتدّبين ملکوت الأرض و السموات. مع انّ کلّ الأمم مبشّرة و موعودة فی صحائف اللّه و کتبه و صحفه و زبره بصريح العبارة، المستغنية عن الاشارة، بهذا الظهور الاعظم و النور الاقدم و الصراط الاقوم و الجمال المکرّم و النيّر الافخم. فاذا راجعت تلک الصحائف و الرّقاع تجدها ناطقة بانّ هذا القطر العظيم و الاقليم الکريم منعوت بلسان الانبياء و المرسلين،موصوف و موسوم بانّه أرض مقدّسة و خطّة طيّبة طاهرة و انّها مشرق ظهور الرّبّ بمجده العظيم و سلطانه القويم و انّها مطلع آياته و مرکز راياته و مواقع تجلّياته و سيظهر فيها بجنود حياته و کتائب أسراره و انّها البقعة البيضاء و انّ فيها الجرعاء بوادی طوی و فيها طور سيناء و مواضع تجلّی ربّک الأعلی. علی أولی العزم من الانبياء. و فيها الوادی الايمن البقعة المبارکة و الوادی المقدّس و فيها سمع موسی بن عمران نداء الرحمن من الشجرة المبارکة الّتی أصلها ثابت و فرعها فی السماء. و فيها نادی يحيی بن زکريّا يا قوم توبوا قد اقترب ملکوت اللّه. و فيها انتشرت نفحات روح اللّه و رفع منه النداء . ربّی ربّی الهی الهی ايّدنی بروحک علی أمرک الّذی تزلزلمنه أرکان الأرض و قواة السماء. و فيها المسجد الاقصی . الّذی بارک اللّه حوله و اليها أسری بالجمال المحمّدی فی ليلة الاسراء. ليری من آيات ربّه الکبری و وروده عليها هو العروج الی الملکوت الأعلی و الافق الأبهی. فتشرّف بلقاء ربّه و سمع النداء و اطّلع باسرار الکلمة العليا و بلغ سدرة المنتهی و دنی فتدلّی فکان قاب قوسين أو أدنی و دخل الجنّة المأوی و الفردوس الأعلی و أراه اللّه ملکوت الأرض و السماء.کلّ ذلک بوفوده علی ربّه فی هذه البقعة المبارکة النوراء و هذه الحظيرة المقدّسة البيضاء و هذا کلّه صريح الآية من غير تفسير و تأويل و اشارة لا ينکره الّا کلّ معاند جحود جهول و لا يتوقّف فی الاذعان به الّا کلّ من انکر صحف اللّه و زبره و نعوذ باللّه من کلّ لجوج و عنود. و اذا عاند معاند و قال تلک الاوصاف و النعوت و المحامد الّتی شاعت و ذاعت فی صحائف الملکوت انّما حازها هذا الاقليم الکريم و القطر العظيم حيث کان منشأ الانبياء و موطن الاصفياء و ملجأ الاتقياء و ملاذ الاولياء. فی زمن الأوّلين فالجواب القاطع و البرهان الساطع انّ اللّه شرّف و بارک و قدّس هذه البقعة النوراء. بتجلّياته و ظهور آياته و نشر راياته و بعث رسله و انزال کتبه. و مانبيّ و لا رسول الّا و هو بعث منها. أو هاجر اليها. أو تشرّف بطوافها أو کان معراجه فيها. فالخليل آوی الی کهف الربّ الجليل فيها و موسی بن عمران سمع نداء الربّ المنّان. من الشجرة المبارکة المرتفعة فی طور سيناء فيها و الی الآن لم يلتفتوا الناس مامعنی هذه الواقعة العظيمة المذکورة فی کلّ الصحف و الزبر و ما هذه الشجرة المبارکة زيتونة لا شرقيّة و لا غربيّة يکاد زيتها يضیء و لو لم تمسسه نار نور علی. نور فالشجرة هذه الحقيقة الظاهرة الباهرة اليوم . الناطق من فی نارها بورک من فی النار فموسی ابن عمران کان يسمع هذا النداء منها و ذلک الاستماع و الاصغاء مستمرّ الی الآن. لانّ حدود الزمان ليس لها حکم فی عالم الرحمن و مقامات الالوهيّة و الربوبيّة المقدّسة عن الوقت و الأوان. جميع الازمنة فيها زمن واحد و الاوقات وقت واحد و فيها يتعانق الماضی و الحال و الاستقبال لأنّه عالم أبد سرمد دهر ليس له أوّل و لا آخر فلذرجع الی بيان ما کنّا فيه و نقول و انّ المسيح نادیربّه لبيّک اللّهمّ لبيّک فی جبالها و سهولها و انتشرت روائح قدسه فيها و الحبيب أسری به اليها و تشرّف بلقاء ربّه و رأی آياته العظمی فی مشارقها و مغاربها بوفوده عليها و قس علی ذلک سائر الانبياء و المرسلين. الی ان ظهر هذا الامر المبين الکريم و النبأ العظيم و السرّ القديم و دار فی الاقطار الشاسعة و الاقاليم الواسعة الی ان تلألأ هذا الاشراق فی هذه الآفاق و استقرّ العرش الاعظم فی هذا القطر المکرّم. فلوکان شرفها و عزّها و سموّها و تقديسها وتنزيهها لبعث الانبياء فيها و هجرتهم اليها و وفودهم عليها لما خوطب موسی بن عمران "فاخلع نعليک انّک بالوادی المقدّس طوی" لو کانت البقعة المبارکة شرفها بقدومه لما امر بخلع نعله بخضوع و خشوع الّذی من لوازم آداب الوفود علی ملک کريم و سلطان عظيم و قال "بورک من فی النار" و بهذه کفاية لمن ألقی السمع و هو شهيد و الّا ولو يأتيهم بکلّ آية لن يؤمنوا بها و "ماتغنّی الآيات و النذر" صدق اللّه العظيم . و فی کتاب محيی الدين انّ هذه الأرض المقدّسة أرض ميعاد أی تقوم فيها القيامة الکبری و هی البقعة البيضاء. و انّ الملحمة الکبری بمرج عکّا و تصبح أرضها کلّ شبر منها بدينار و فی جفر ابن مجله انّمرج عکّا مأدبة اللّه و اذا أردنا بيان الاحاديث و الاخبار و الروايات الواردة فی مناقب هذه الأرض المقدّسة ليطول بنا الکلام و نقع فی الملام. فاختصرنا بما هو صريح القرآن و اشرنا مجملاً لما هو فی الصحف الاولی و السلام علی من اتّبع الهدی.(المكاتيب-ج1-حضرة عبد البهاء)
اعلم انّ البسملة عنوانها الباء و انّ الباء التدوينی هی الحقيقة المجملة الجامعة الشاملة للمعانی الالهيّة و الحقائق الربّانيّة و الدقائق الصمدانيّة و الاسرار الکونيّة. و هی فی مبدء البيان و جوهر التبيان عنوان الکتاب المجيد و فاتحة منشور التجريد بظهور لا اله الّا اللّه کلمة التوحيد و آية التفريد و التقديس. من حيث الاجمال و التفصيل و انّ الباء التکوينی هی الکلمة العليا و الفيض الجامع اللامع الشامل المجمل الحائز للمعانی و العوالم الالهيّة و الحقائق الجامعة الکونيّة. بالوجه الأعلی. لانّ التدوين طبق التکوين و عنوانه و ظهوره و مثاله و مجلاّه و تجلّيه و شعاعه عند تطبيق المراتب الکونيّة بالعالم الأعلی فانظر فی منشور هذا الکون الالهی تلقاه لوحاً محفوظاً و کتاباً مسطوراً و سفراً جامعاً و انجيلاً ناطقاً و قرآناً فارقاً و بيانا" واضحاً. بل أمّ الکتاب الّذی منه انتشر کلّ الصحائف و الزبر و الالواح و انّ الموجودات و الممکنات و الحقائق و الاعيان کلّها حروف و کلمات و أرقام و اشارات تنطق بافصح لسان و ابدع بيان بمحامد موجدها و نعوت منشئها و تسبيح بارئها و تقديس صانعها. بل کلّ واحدة منها قصيدة فريدة غرّا ء و خريدة بديعة نوراء "قل لو کان البحر مداداً لکلمات ربّی لنفد البحر قبل أن تنفد کلمات ربّی ولو جئنا بمثله مدداً" و لا يحيطون بشیء من علمه و هذا الرق المنشور و حقيقة الزبور المحتوی علی کلمات الوجود منظوماً و منثور . تلاه علينا الربّ الغفور تلاوة آيات الکينونة بسرّ البينونة اجمالاً و تفصيلا من حيث الايجاد من الغيب الی الشهود. و لا زالت هذه الکلمات صادرة و الآيات نازلة و البيّنات واضحة و المعانی ظاهرة و الحقائق بارزة و الاسرار کاشفة و الرموز سافرة و الالسن ناطقة. سرمداً أبداً فی هذه النشأة الکبری و مجالی القدرة العظمی، فسبحان ربّی الأعلی طوبی لاذن واعية و أسماع صاغية و أفئدة صافية و ادراکات کافية تنتبه لاستماع هذه الآيات الجليلة و ادراک المعانی الکلّيّه الالهيّة. و لنرجع الی بيان الباء و نقول انّها متضمنّة معنی الالف المطلقة الالهيّة بشؤونها و أطوارها اللينية و القائمة و المتحرّکة والمبسوطة و نحوها فی البسملة الّتی هی عنوان کتاب القدم بالطراز الأوّل، المشتملة علی جميع المعانی الالهيّة و الحقائق الربّانيّة و الاسرار الکونيّة المبتدء فيها بالحرف الأوّل، من الاسم الاعظم . بالوجه الاتمّ الاقوم کما قال امام الهدی جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام فی تفسير البسملة "الباء بهاء اللّه" و القوم انّما اعتبروا الحذف و التقدير للالف بين الباء و السين جهلاً و سفهاً. حيث لم ينتبهوا لمعرفة الآيات الباهرة و البيّنات الظاهرة و الجامعية الکاملة الشاملة الزاهرة السافرة فی هذا الحرف المجيد و السرّ الفريد. لانّها متضمنّة بالوجه الأعلی جميع المعانی الکلّية المندمجة المندرجة فی هويّة الحروفات العاليات و الکلمات التامّات. أما تری انّ الالف ظهرت فی سبح اسم ربّک الأعلی و اقرأ باسم ربّک و باسم اللّه مجريها و مرسيها. لا سيّما انّها أی الباء الف مطلقة الهية فی غيبها و ألف مبسوطة فی شهادتها و عينها فاجتمعت الشهادة و الغيب و العلم و العين و الباطن و الظاهر و الحقيقة و الشؤون فی هذا الحرف الساطع البارع الصادع العظيم. و انّ سائر الحروف و الکلمات شؤونها و أطوارها و آثارها و أسرارها. فانّها مبدء الوجود . و مصدر الشهود فی عالمی التکوين و التدوين و انّها عنوان الکتب الالهيّة و الصحف الربّانيّة و الزبر الصمدانيّة. فی البسملة الّتی هی فاتحة الالواح و الاسفار و الصحائف و القرآن العظيم. و هذه الکتب باجمعها و اتمّها و أکملها و جميع معانيها الالهيّة المندرجة المندمجة فی حقيقة کلماتها سارية جارية فی هويّة هذا الحرف الکريم و العنوان المجيد کما هو مسلّم عند أولی العلم. و مروی عن علی عليه السلام انّ کلّ ما فی التوراة و الانجيل و الزبور فی القرآن و کلّ ما فی القرآن فی الفاتحة و کلّ ما فی الفاتحة فی البسملة و کلّ ما فی البسملة فی الباء و کلّ ما فی الباء فی النقطة. و المراد من النقطة الالف اللينية الّتی هی باطن الباء و عينها فی غيبها و تعينّها وتشخصّها و تميزها فی شهادتها. و قد صرح به من شاع و ذاع فی الآفاق علمه و فضله السّيّد الأجلّ الرشتی فی ديباجة کتابه و فصل خطابه شرحاً علی القصيدة اللاميّة. "فقال الحمد للّه الّذی طرّز ديباج الکينونة بسرّ البينونة بطراز النقطة البارز عنها الهاء بالالف بلا اشباع و لا انشقاق" فهذه النقطة هی الالف اللينية الّتی هی غيب الباء و طرازها و عينها و جمالها و حقيقتها و سرّها و کينونتها کما بيّنّاه آنفاً و هذه العبارة الجامعة اللامعة الواضحة الصريحة ما أبدعها و أفصحها و أبلغها و أنطقها. للّه درّ قائلها و ناطقها و منشئها الّذی اطّلع باسرار القدم و کشف اللّه الغطاء عن بصره و بصيرته و أيّده شديد القوی فی ادراکه و استنباطه و جعل اللّه قلبه مهبط الهامه و مشرق أنواره و مطلع أسراره و معدن لآلی حکمه. حتّی صرّح بالاسم الاعظم و السرّ المنمنم و الرمز المکرّم و مفتاح کنوز الحکم. بصريح عبارته و بديه اشارته و وضوح کلامه و رموز خطابه فانّک اذا جمعت النقطة الّتی هی عين الباء و غيبها و الهاء و الالف بلا اشباع و لا انشقاق استنطق منهنّ الاسم الاعظم الاعظم و الرسم المشرق اللائح فی أعلی أفق العالم، الجامع لجوامع الکلم، المشتهر اليوم بين الأمم. ثمّ انظر الی المتلبسين بالعلم المنتسبين الی ذلک المنادی فی أعلی النادی. کم من ليال تلوا هذه الخطبة الغرّاء . و کم من ايّام رتلّوا هذه الديباجة النوراء و لم يلتفتوا الی هذه الصراحة الکبری و هذه البشارة العظمی و الحال انّ هذه العبارة صريحة اللفظ واضحة المعنی، معلومة منطوقة من معالم التنزيل، و لا تحتاج الی تفسير و تأويل و ايضاح و تفصيل . ليثبت انّهم مصداق الآية المبارکة "انّک لا تهدی العمی عن ضلالتهم و لا تسمع الصمّ الدعاء انّک لا تهدی من أحببت و لکن اللّه يهدی من يشاء" و هذا الراسخ فی العلم الشهير الشريف. قد بيّن فی جميع المواضع من شرحه المنيف بعبارات شتّی و اشارات غير معمّی و بشارات أظهر من الصبح اذا بدا. سرّ هذا الظهور. الناطق فی شجرة الطور و السرّ المکنون و الرمز المصون و القوم يدرسون و يدرسون و لا يفهمون و لايفقهون بل فی طغيانهم يعمهون. ذرهم فی خوضهم يلعبون. و لو لا يطول بنا الحديث و نخرج عن صدد ما نحن به حثيث لبينّت بيانه و شرحت عباراته و أتيت بصريحه و کناياته و لکن فلنضرب صفحاً الآن عن هذا البيان و تترکه لزمان قدّره العزيز المنّان. و نعود الی ما کنّا فيه من انّ القرآن عبارة عن کلّ الصحف و الالواح و الفاتحة جامعة القرآن. و البسملة مجملة الفاتحة و الباء هی الحقيقة الجامعة للکلّ بالکلّ فی الکلّ. و انّ الحمد فاتحة القرآن و البسملة فاتحة الفاتحة و انّ الباء فاتحة فاتحة الفاتحة. و انّها لعنوان البسملة فی الصحف الاولی، صحف ابراهيم و موسی و الاناجيل الاربعة الفصحی و القرآن الّذی علمه شديد القوی و البيان النازل من الملکوت الأعلی و صحائف آيات ربّک الّتی انتشرت فی مشارق الأرض و مغاربها و لمّا نزلت سورة البراءة فی الفرقان. مجرّدة عن البسملة فابتدء فيها بالباء دون غيرها من الحروف لجامعيّتها و کامليّتها و عظيم برهانها و کثرة معانيها و قوّة مبانيها و انّها أی الباء أوّل حرف نطقت به ألسن الموحّدين و انشقّت به شفة المخلصين فی کور الظهور و الاختراع. بل أوّل حرف خرج من فم الموجودات و فاهت به أفواه الممکنات فی مبدأ التکوين و الابداع عند ما خاطب الحقّ سبحانه و تعالی خلقه فی ذرّ البقاء و نادی ألست بربّکم قالوا بلی. فابتدؤا بهذا الحرف الشفوی التامّ دون غيره من سائر الاحرف و بهذا ثبت له خصوصيّة ليس عليها کلام. و فی الباء الواقعة المتّصلة بخبر ليس فی الخطاب اشارة لطيفة بديعة يعرفها العارف الخبير و الناقد البصير فافهم و بالجملة انّ الباء حرف لاهوتی جامع لمعانی جميع الحروف و الکلمات و شامل لکلّ الحقائق و الاشارات و مقامه مقام جمع الجمع فی عالم التدوين و التکوين و الادلّة واضحة و البراهين قاطعة و الحجج بالغة فی ذلک. و انّها سبقت الاحرف الملکوتيّة و الارقام الجبروتيّة فی جميع الشؤون و المراتب و المقامات و التعينّات الخاصّة بالحروفات العاليات. فهو فی أعلی مقامات الوحدة و الاجمال فی الحقيقة الأولی علی الوجه الأعلی. و قد قال العالم البصير ما رأيت شيأ الّا و رأيت الباء مکتوبة عليه. فالباء المصاحبة للموجودات من حضرة الحقّ فی مقام الجمع و الوجود أی بی قام کلّ شیء و ظهر. و قال محيی الدين بالباء ظهر الوجود و بالنقطة تميّز العابد من المعبود و النقطة للتمييز و هو وجود العبد بما تقتضيه حقيقة العبودية انتهی. و النقطة فی هذا المقام آية الباء و رايتها و من علائمها و معالمها و تعيّن من تعيّناتها و بها تمييزها و تعريفها و تشخيصها. يا ايّها السائل المبتهل اذا اطّلعت علی بعض المعانی و الحقائق و العلوم من المنقول و المعقول، المودوع فی هذا الحرف الکريم، القديم الساطع الجامع المبين الّذی هو عنوان الاسم الاعظم العظيم قل فتبارک اللّه أحسن الناطقين و تعالی اللّه خير المقدّرين و نعم المنشئين. و قال السيّد السند فی شرح القصيدة و قد قال سبحانه و تعالی "اللّه نور السموات و الأرض" فاطلق النور علی الاسم الّذی هو العلّة لانّ الظاهر بالالوهيّة هو الاسم الاعظم الاعظم الی ان قال لقول مولانا و سيّدنا أبو عبد اللّه جعفربن محمّد الصادق عليهما آلاف التحيّة و الثناء من الملک الخالق فی تفسير البسملة انّ الباء بهاء اللّه. يا أيّهاالسائل فاکرع خمر المعانی من هذه الکأس الّتی ملئت من فيض عنايه الباری و تمعّن فی هذا التصريح الّذی قدّسه اللّه عن التفسير و التأويل حتّی تعرف أسرار اللّه المودعة فی هذا الحرف المجيد و الرکن الشديد. فثبت بالبرهان الواضح المبين و الدليل اللائح العظيم انّ الاسم الاعظم و الطلسم الاکرم و السرّ الاقدم هو عنوان جميع الکتب السماوية و الصحف و الالواح النازلة الالهيّة و مبتدء به فی اللوح المحفوظ و الرقّ المنشور و مستعان به فی أمّ الکتاب الّذی انتشر منه التوراة و الانجيل و الفرقان و الزبور. بل کان ملجأ منيعاً للانبياء و کهفاً رفيعاً و ملاذاً آمناً للاصفياء فی کلّ کور و دور من الاکوار و الادوار. (عبد البهاء)
كانت التعاليم الاسلامية كاملة وتامة في الدورة الاسلامية، كذلك كل ما نُزل من الديانات السماوية السابقة إلا وكانت كامله لزمانها. يؤكد القرآن الكريم هذا المفهوم ويفيدنا أن الديانات السابقة كانت كاملة وتامة في عصرها ويقول: ’ثمَّ آتينا موسى الكتابَ تمامًا على الذى أحسن وتفصيلاً لكلِ شىءٍ وهدى...‘ [سورة الأنعام 6: 154]. ويقول القرآن الكريم أيضًا: ’لكلِّ أجلٍ كتابٌ. يمحوا الله ما يشاءُ ويثبتُ وعنده أمُّ الكتاب‘ [سورة الرعد 13: 38-39].
إذا كان المقصود من كلمة ’كامل‘ و’تام‘أنه سوف لا يكون هناك رسائل منزلة من عند الله بعد القرآن الكريم، فلماذا أشار القرآن الكريم في آيات مختلفة عن ظهور مظاهر إلهية اخرى ولماذا قال أيضًا ’وما أُوتيتم من العلم إلا قليلاً‘ [سورة الإسراء 17: 85]. ان كل الأديان السماوية كاملة كل الكمال لأنها منزلة من عند الله،وهو منبع الكمال—ويغدق علينا من محبّته وكرمه التعاليم والاحكام المناسبة للعصر التي نزلت فيه حسب الإراده والمشيئة الالهية لاحتياجات ذلك العصر. ويصف القرآن الكريم أيضًا ’كلمات الله‘ بأن ليس لها بداية ولا نهاية فيقول: "قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا". [سورة الكهف 18: 109].
إضافة، فمن المهم أن نعلم أن القرآن الكريم أُنزل تدريجيًّا على مدى 23 سنة،وعلى ذلك يخبرنا الله تعالى بأن الشريعة المحمدية قد كملت بعد نزولها تدريجيًا شيئًا فشيء،وكان نزول هذه الآية في حجة الوداع ولم يلبث بعدها (صلعم) إلا واحدًا وثمانين يومًا ثم لحق بالرفيق الأعلى وإلا فما من تشريع من الشرائع ينزل لأمة من الأمم إلا ويكون كاملاً حسب زمانه والله سبحانه وتعالى يقول ’لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط‘.".(سورة الحديد25:57)
في هذا اليوم العظيم، والذى يعرف بيوم الله، انزل على المظهر الالهي الجديد العديد من الكتب والتعاليم الإلهية حسب احتياجات العصر الذي نعيش فيه. واذا أردنا الحياة في سلام ووئام، فلا بد لنا من أن نقبل ونعمل بهذه التعاليم المنزلة لاحتياجات هذا العصر.
’كنتم خير أُمَّةٍ أُخرجت للنَّاس‘
كانت الحضارة الاسلامية في وقتها ’خير أُمَّةٍ أُخرجت للنَّاس‘ وكانت في مكانة تحسد عليها. جمعت الحضارة الاسلامية شمل الشعوب المختلفة وانشأت مجتمع جديد صالح تحت ظل الحضارة الاسلامية. فقد خلق الإسلام حضارة جديدة افادت جميع الامم، ولكن كما تفضل القرآن الكريم: "لكلِّ أمّةٍ أجلٌ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون". [سورة الأعراف 7: 34].
وليس المقصود من ’خير أمَّة‘ انه لم يكن أمم أو حضارات عظيمة قبل الاسلام ولا تعني أيضًا انه سوف لا يكون هناك أمم وحضارات أعظم في المستقبل. فالقرآن الكريم يذكر عظمة الحضارة اليهوديّة والمسيحيّة فيقول: "يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم واني فضّلتكم على العالمين". [سورة البقرة 2: 47]. وكذلك يقول القرآن الكريم: "إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورَافِعُكَ إلىّ ومطهّرك من الذين كفروا وجاعل الّذين اتبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة". [سورة آل عمران 3: 55].
إضافة فهناك العديد من الآيات التي تشير إلى ظهور مظاهر إلهية في المستقبل، مثال ذلك، يتفضل القرآن الكريم: "يا بني آدم إمَّا يأتينّكم رسلٌ منكم يقصّون عليكم آياتي". [صورة الأعراف 7: 35]. يشير القرآن الكريم بكل وضوح ’يأتينّك رسلٌ‘ وبمجئ رُسُل أو مظاهر إلهية جديدة، تأتي حضارات جديدة في دورات متتالية وفي تسلسل مستمر ليس له بداية أو نهاية.
وبمجئ حضرة بهاءالله جاءت دورة جديدة وانتهى نظام ’الأ مه‘ وتنبثق الآن حضارة عالمية جديدة بنظام عالمي جديد مبني على سمو الجنس البشري ووحدة العالم الانساني في ظل التعاليم المنزلة الجديدة لهذا اليوم الموعود، أي يوم الله. ونرى في هذه الدورة انطلاق حضاري جديد لم يراه العالم من قبل، وبمجئ النظام العالمي الجديد سوف تطوى النظم السابقة، كما تنبّأ بذلك القرآن الكريم بقوله: "يوم نطوى السماء كطى السجلّ للكتب كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده وعدْدًا علينا إنا كنا فاعلين". [سورة الأنبياء 21: 104]. وكما يؤكّد حضرة بهاءالله: "لعمری سوف نطوی الدّنيا و ما فيها ونبسط بساطاًآخر انّه کان علی کلّ شیء قديراً". [منتخباتي، ص 200].
’خَاتَم النَّبيِّين‘
أن جميع رسل الله يمكنها أن تدّعي أنها ’الأوّل‘ و ’الآخر‘, ’الألف‘ و ’الياء‘، ’البداية‘ و ’النهاية‘. شمس الأمس يمكنها الادّعاء بأنها شمس اليوم حتى ولو كان حسب مفهوم الإنسان باختلاف الأيّام. يتفضل حضرة عبد البهاء: "..... ، فالماضي والحال والمستقبل كلها بالنسبة الى الحق على حد سواء، فليس للشمس أمس ولا اليوم ولا الغد." [من مفاوضات عبد البهاء، ص 74]. جميع الرسل أو المظاهر الإلهية تأتي من منبع واحد—كلهم من عند الله ذات الغيب المنيع، كما تشهد بذلك جميع الكتب السماوية وأن الله ذات الغيب المنيع، ليس له أول ولا آخر، وكذلك أفضاله لم تنقطع عن خلقه من الأول الذي لا أول له إلى الآخر الذي لا آخر له.
أما عن قول القرآن الكريم بأن سيدنا محمد هو ’خَاتَمَ‘ النبيين، ولو أن كلمة خَاتَمَ لها عدّة معاني إلا اننا سوف نكتفي بمعنى واحد كما هو في: ’خِتام‘ ’نهاية‘ ’آخِر‘. ولكننا لا بد وأن نعلم بأن القرآن الكريم ذكر أن سيدنا محمد هو ’خَاتَمَ النَّبيِّينَ‘ فقط، ولم يقول انه خاتم ’الرُسُل‘ أيضًا. ونلاحظ ان آيات القرآن الكريم هي في منتهى الدقة والتمييز في استعمال كلمة ’رسول‘ و ’نبي‘ و’مرسلين‘ ويخصص لكل كلمة من هذه الكلمات معنى معيّن لمهمّة رسل الله.
كلمة ’رسول الله‘ تشير في القرآن الكريم إلى رسول موحى إليه بكتاب من عند الله، وهو مربّي سماوي للبشر وهو الوسيط بين الله سبحانه وتعالى والبشر. إن الرسل أو المظاهر الالهية هي التي يوحى إليها بكتاب جديد من عند الله وتخلق حضارة جديدة للبشر. وصف حضرة عبد البهاء رسل الله بأنهم ’انبياء مستقلّون‘ ويقول: هم ’مطالع الاحدية ومنابع الفيوضات الالهية ومرايا ذات الحقيقة‘. أما ’الانبياء‘ هم ’التابعون والمروجون، لانهم فروع غير مستقلين‘ مثال ذلك سيدنا موسى وسيدنا هارون. فالقرآن الكريم يصف سيدنا موسى بـ ’رسول الله‘ لانه جاء بكتاب مقدّس، ويصف سيدنا هارون بـ ’نبي‘ لانه لم يأتي بكتاب مقدس.
ومن المهم أن نلاحظ أن القرآن الكريم أعطى مهمة أو لقب ’رسول الله‘ إلى سيدناإبراهيم وسيدنا موسى وسيدنا المسيح وسيدنا محمد، ولكنه لم يوصف الآخرين برسل الله. أضافةً ذكر القرآن الكريم أن سيدنا موسى وسيدنا محمد قاموا أيضًا بمهمة الأنبياء، ووضّح هذه النقطة بقوله: "واذكر في الكتاب موسى إنّه كان مخلصًا وكان رسولاً نبيًّا ... ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيًّا". [صورة مريم 19: 51 و 53]. إذًا فكان سيدنا موسى رسول ونبي في نفس الوقت ولكن سيدنا هارون كان نبيّ فقط وليس برسول لأنه لم يأتي بكتاب مقدس. ويصف القرآن الكريم سيدنا عيسى بأنه رسول فيقول: "وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدّقًا لما بين يديّ من التوراة ومبشرًا برسولٍ يأتي بعدي اسمه أحمد". [صورة الصّف 61: 6].
ويصف القرآن الكريم مجموعة آخرى من الرسل بكلمة ’مرسلين‘. وهؤلاء المرسلين أرسلوا لمهمة خاصة لانذار البشر ولم يأتوا بأي كتاب ولم يقوموا بمهمة التفسير أو تعزيز الرسالة السابقة، مثال ذلك: "وإنّ لوطًا لَمِنَ المرسلين إذ نجّيناه وأهله أجمعين". [سورة الصّافات 37: 133-134]. ومثل آخر: "وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين". [سورة الأعراف 7: 77].
إذا تعمقنا في فهم يوم القيامة والدينونة، فيسهل علينا فهم خاتم النبيين (انظر الى فصل ’يوم القيامة والدينونة‘ من هذا الكتاب). فهناك عديد من الآيات في القرآن الكريم التي تشير إلى مجيء الموعود (انظر الى فصل ’الموعود‘ من هذا الكتاب). ويشير القرآن الكريم أيضًا الى أن ’كلمات الله‘ ليس لها بداية أو نهاية: "قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربّي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا". [سورة الكهف 18: 109]. وقال أيضًا: "ولو أنّما في الأرض من شجرة أقلامٌ والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحرٍ ما نفدت كلمات الله إنّ الله عزيز حكيمٌ". [سورة لقمان 31: 27]. يوضح لنا القرآن الكريم من هذه الآيات أن ’كلمات الله‘ ورسائله المنزلة هي لانهاية لها، ليس لها من بداية أو نهاية.
انه من المستحيل التخيّل أن الله، السلطان الأبدي الذي ليس له أوّل ولا آخر، وأنبيائه ورسله ومظاهره الالهية الذين ليس لهم بداية أو نهاية، سوف يمنع فيضه على خلقه بدينٍ معيّن أو آخر!
اذا دققنا النظر في الاسباب والظروف المحيطة بسيدنا محمد آنذاك عندما نزلت هذه الآية، نرى أن بعد وفاة ابنه ابراهيم في طفولته لم يكن له ابناء ذكور آخرين، فتبنّى عبد مسيحي اسمه -زيد بن الحارثه. فادّعى يهود المدينة أن سيدنا محمد تبنّى ولدًا حتى يتبع لأمّته نفس نظام الانبياء التي اتبعتها اليهود بعد وفاة رسولهم. [النبأ العظيم، ص 38]. فردًا على إدّعاءات اليهود نزلت الآية "ما كان محمَّد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخَاتَمَ النَّبيِّينَ" [سورة الأحزاب 33: 40].
إن عهد النبوّة قد انتهى بالفعل بعد سيدنا محمد خاتم النبيين، وتحققت الوعود بظهور حضرة الباب وحضرة بهاء الله، ودخلت الانسانية في دورة جديدة مع سلسلة من المظاهر الالهية التي لم يكن لها من بداية ولن يكون لها نهاية.
في اللوح المبارك الموجه إلى السيد حسن شاه آبادي يتفضل حضرة بهاءالله عن خاتمية سيدنا محمد (صلعم)
يا حسن أن استمع نداء الحسين الذي سجن في حصن عكا بما اكتسب أيدي الغافلين. لو يسأل أحد من أحد بأي جرم حبستموه يقول إنه أتى بشريعة أخرى إنها لا توافقنا فيما كنا فيه. يشهد بذلك كتابنا الذي سمّي بالفرقان من لدى الله رب العالمين. انظر ما أنزل الرحمن فيه {ولكن رسول الله وخاتم النبيين}. إنا نقول قد صدقت فيما نطقت ونشهد به ختمت الرسالة والنبوة ومن يدعي بعده هذا المقام الأعلى إنه في ضلال مبين.
وفي سورة الصبر أو لوح أيوب الذي نزل في مدينة الله بغداد. قوله تعالى: