Monday, September 5, 2011

الجزء الأخير من - الوعد بمجيء الرسول الجديد من الجزء الثاني

الجزء الأخير من - الوعد بمجيء الرسول الجديد من الجزء الثاني

إن إحدى النبوءات التي تثير الإعجاب هي تلك التي نجدها في الآيات الأولى من سورة محمد :

الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ. سورة 47, آية: 1- 3

إن القارئ للآيات السابقة لا يمكن أن يراوده الشك بأنها تشير إلى الرسول الكريم. ولكن الدراسة الدقيقة لكلماتها تبين أنها تشير إلى معاني مزدوجة. فهي لا تشير فقط إلى سيدنا محمد بل إلى مجيء رسول من عند الله في المستقبل.

لكي نفهم المعنين وندركهما جيداً, علينا أن نقرأ الآيات مرة أخرى مع الكلمات المضافة بين القوسين :

والذين آمنوا ( بالإسلام ) وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزِّل على محمد ( فيما يتعلق بمجيء الرسول الجديد ) وهو الحق ( الرسول الجديد ) من ربهم, كفَّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم. فكيف يمكن لنا أن نقول بأن الآيات السابقة لا تشير في المرتبة الأولى إلى الرسول الكريم بل إنها تشير إلى الرسول الذي سوف يأتي بعده. لنتأمل المعنى المستتر بين كلمات الآية :

وَالَّذِينَ آمَنُوا ...... وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ

مما لاشك فيه أن المؤمنين ــ المسلمين ــ يعتقدون بما جاء به القرآن ويؤمنون به. فلماذا تشير الآية إلى الناس الذين آمنوا وكذلك آمنوا بما أُنزِل على محمد. أليس من المعقول أن نفترض أن العبارة الثانية ( الذين آمنوا ) في نفس الآية تشير إلى المؤمنين الذين آمنوا بما أُنزِل على محمد فيما يتعلق بمجيء الرسول الجديد؟ والذي عرّفه الله سبحانه وتعالى بأنه ( هو الحق من ربهم) حيث أن ( الذين آمنوا ) في أول الآية الثانية تشير إلى المؤمنين بالرسول الكريم فلماذا يكرر الله كلمة آمنوا في جملة واحدة وبعد كلمتين مباشرة. وقد لاحظنا مسبقاً أن تعبير ( هو الحق من ربهم ) تعبير فريد يستخدمه القرآن عدة مرات للتعريف بالرسول الجديد. فلنتأمل هذا الاحتمال أيضاً. ماذا لو كان الرسول الجديد الذي سيأتي بعد سيدنا محمد إسمه محمد أو إسم مركب يجمع هذا الإسم أيضاً. إذا أذعنا بهذا الاحتمال فالآية سوف تصرح بما يلي :

وَالَّذِينَ آمَنُوا ( بالإسلام ) وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا ( أيضاً ) بِمَا نـُزِّلَ عَلَى مُحَمّـَدٍ ( الرسول الجديد ) وهوالْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ( المؤمنون بالرسول الجديد ) وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ ( المسلمون ) كَفَرُوا ( بنبوءات القرآن ) اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ.

أما الآية الثالثة فتصرح الآتي :

الذين كفروا ( المسلمون غير المخلصين ) اتبعوا الباطل وإن الذين آمنوا ( المسلمون المؤمنون ) اتبعوا الحق من ربهم. إن كثيراً من المسلمين يقرأون القرآن ولكن لا يؤمنون حقاً بما يقرأون. هؤلاء ليسوا مسلمين مؤمنين وإذا أتاهم رسول جديد فإنهم سوف ينكرونه. أما المسلمون المؤمنون فإنهم يتبعون الحق من ربهم.

إن الكلمـات الأخيـرة في الآيـة 3 هي من المتشابهـات. يقـول الله سبحانـه وتعالـى : " فإنهم يتبعون الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم". لماذ يعقب الله يتبعون الحق وهو كما علمنا من الآيات السابقة تشير إلى الرسول الجديد بعبارة يضرب الأمثال. لإن المثل دائماً يكون متعدد المعاني أو تكون معانيه خفية. لماذا إذاً يطلق على هذه الآيات بالأمثال؟ لكي تسترعي انتباهنا إلى المعاني المستترة والخفية في كلمات هذه الآيات البالغة الأهمية.

فكما نضع الأجزاء المركبة لصورة معينة ( Puzzle ) في محلها الصحيح لكي تعطينا الصورة الصحيحة في النهاية, كذلك يجب أن ننظر إلى الآيات المترابطة والتي تشكل معاً حقيقة هامة ونضع أحدها تلو الأخرى لنصل إلى الحقيقة المستورة ضمنياً.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ. وَيَقُولُونَ مَتَى هَـذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ.... وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ. سورة 10, آية: 47- 53

الآية التالية تشير أيضاً إلى المستقبل :

أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ. سورة 6, آية: 89.

تأملوا هذه الآية أيضاً:

وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ. سورة 77, آية: 11.

كما تلاحظون فإن معظم الآيات التي تشير إلى مجيء الرسول الجديد هي بصيغة الجمع, إنها تشير إلى (الرسل) وليس الرسول. وكذلك النبوءات التي تشير إلى الدين الجديد كلها تبدو بصيغة المفرد. إنها تشير إلى الدين الحق. وهذه إشارة قد يراد منها أن الله سبحانه وتعالى يرسل أكثر من رسول لاستقرار الدين وتوطيده. تماماً كما حصل للديانة المسيحية فقد أرسل جلّ وعلا يوحنا المعمدان والسيد المسيح لتأسيس ديانة واحدة وهي: المسيحية.

عندما نتمعن في النبوءات الواردة في الآيات التي تشير إلى ظهور الرسول الجديد, نجد بأنها ترسم صورة واضحة للتطور التدريجي للرسالات الإلهية. ولكن للأسف فإن علماء المسلمين قد أنكروا هذه النبوءات. وقاموا بوضع حجاب منعت عيونهم من رؤية الحقيقة. ما هو هذا الحجاب؟ إنها العقيدة السائدة إلى اليوم وقد تمسكوا بما وجدوا عليه آباءهم. إنها عقيدة خاتم النبيين. فنسوا ما ذُكِّروا به من آيات تتنبأ بظهور الرسول الجديد.

فلنتأمل المعنى العميق الذي تحمله هذه الآية :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ. سورة 49, آية: 6

إن الآية السابقة تشير بطريقة بارعة إلى ظهور رسول جديد لعدة أسباب :

· كما سنرى لاحقاً فإنه قد ورد ذكر تبيَّنوا في القرآن الكريم للإشارة إلى الأدلة التي يقدمها الرسل الإلهية.

· إن كلمة نبأ قد ورد ذكرها أيضاً ولها نفس جذور كلمة النبي.

· إن الجزء الثاني من الآية تبين أن الأمر الذي يتطلب دليلاً (فتبيَّنوا) لا يتعلق بفرد واحد فقط. لأن الآية توضح بأنه إذا فشلنا في السؤال عن البيِّنـة قد نصيـب قومـاً ( المؤمنين بالرسول الجديد) بالجهالة. فمثلاً نرى المسيحيين ينكرون الإسلام دون السؤال عن البيِّنة التي تثبت حقانية رسالة الرسول الكريم ويتهمون المسلمين بأنهم جهلاء وفاقدي الروح الإيمانية. لكن متى سوف يندم هؤلاء الذين يظنون السوء بالدين الجديد ؟ بالطبع حين الاحتضار حيث يتذكرون كيف استكبروا على آيات الله عز وجلّ.

· لماذا أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نتخذ موقفاً حاسماً بشأن البحث عن البيِّنة والأدلة إذا ما ادعى رسول بأنه صاحب رسالة من عند الله؟ لأنه بكل بساطة كان الناس في العصور السالفة يرفضون نبأ الرسول الجديد بدلاً من أن يسألوا عن الأدلة لإثبات حقانيته. ولكن لكي نتغلب على هذا التعصب الجائر يأمرنا الله أن نسأل عن الأدلة والبراهين حتى لو كنّا نعتقد بأنها مضيعة للوقت وذلك لأن مصدر الخبر لا يُعتَمَد عليه. أي إنه يجب علينا أن لا ننكر أي إدِّعاء أو نرفضه دون أن نطلب الدليل والبيِّنة بكل حزم.

لكي نعرف مدى أهمية كلمة "بيِّنة" , دعونا نورد بقية الآيات التي تتضمن هذه الكلمة والتي تشير إلى ظهور الرسول الجديد.

أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ..

سورة 9 : آية 70

بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ..

سورة 11 : آية 28, 63, 88

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ..

سورة 57 : آية 25

جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ...

سورة 10 : آية 13

ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ...

سورة 10 : آية 74

جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ...

سورة 35 : آية 25

تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ...

سورة 40 : آية 22

فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ...

سورة40 : آية 83

إن الآيات التالية والتي ورد ذكرها في هذا الفصل, تشير إلى مجيء الرسل في المستقبل:

حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ...

سورة 98 : آية 1- 2

أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ.... فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ...

سورة 11 : آية 17

لكي نختم هذا الفصل, نشير إلى أن الآية 6 من سورة الحجرات تقدم أربعة أدلّة لتبين أن مضمون الآية له هدف معين فهو يشير إلى حدث دقيق ومحدد في المستقبل. الأدلة الأربعة هي:

· البيِّنة.

· أنباء.

· التأكيد الشديد على "فتبيَّنوا".

· إدانة مجموعة من الناس بالجهل تكون أشد وطأةً من إدانة فرد.

إن الأدلة الأربعة السابقة تُظهر بوضوح أن الآية ينبغي أن تكون بمثابة نور الهداية للمسلمين الذين أنكروا أنباء مجيء الرسول بالحجج التامة من عند الله. فلا ينبغي للمسلمين أن يرفضوا مثل هذا الادعاء بسبب افتراض خاطئ وهوالظن بمفهوم كلمة خاتم.(من كتاب-خاتم النبيين)

ونتابع في المقال القادم عن - الوعد بمجيء الدين

الجديد

Saturday, August 13, 2011

الوعد بمجيء الرسول الجديد-الجزء الثاني

الوعد بمجيء الرسول الجديد-الجزء الثاني

إن الوعد بمجيء الرسل الإلهية من عند الله نجده في سور كثيرة من القرآن الكريم. فلنناقش آيات أخرى بهذا الخصوص:

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ.... وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ. سورة 98, آية: 1- 5

تبين لنا الآية السابقة أن الذين رفضوا الإسلام وكفروا به سوف يستمرون في رفضهم إلى أن يأتيهم رسول آخر. عندئذٍ تُقَدَّم لهم فرصة جديدة ومرةً أخرى ستكون هذه الفرصةً إما بقبول الحقيقة أو برفضها.

من هم الذين تشير إليهم الآيات السابقة, فلنتمعن في الأدلة التالية :

· إن الآيات لا تتضمن أي إشارة إلى الرسول الكريم أو إلى الإسلام.

· تشير الآيات إلى كيفية تصرف الناس في حقبة من الزمن في المستقبل.

· تشير أيضاً إلى مجيء رسول من عند الله ويأتي بالبينة والدليل.

· هذا الرسول الجديد يأتي بصحفٍ وكتب بينما سيدنا محمد أتى بكتاب واحد فقط.

· الآيات تشير إلى الدين الموعود (المبشَر به) بأداة الإشارة للبعيد. (ذلك) تشير للمستقبل أي إلى دين غير الإسلام.

دعونا نتمعن في آية أخرى تتكون من فقرتين:

· الأولى عبارة عن سؤال بأسلوب بلاغي.

· ا لفقرة الثانية هي الإجابة على السؤال.

أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَاماً وَرَحْمَةً. سورة 11, آية: 17

فتتساءل الآية السابقة كيف ينبغي أن يُعامَل الرسول الذي يأتي بأدلة من عند الله؟ وكيف يجب أن تكون استجابة المؤمنين له؟ هل عليهم أن ينكروه أم يتبيَّنوا ويُحَقِقوا لمعرفة صحة ادعائه؟

دعونا نتمعن في الفقرة الثانية من الآية المباركة والتي تحمل الإجابة :

أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ. سورة 11, آية: 17

نظرة سريعة على الفقرة الثانية من الآية تجعل المعنى الوارد في الفقرة الأولى واضحاً تماماً. من هم الذين آمنوا به ؟ إنهم أولئك المؤمنون الذين لهم قلوب جيدة حسنة وعقول تتميز بالحكمة لا بالتعصب والأهواء النفسية ويتأملون بعين البصيرة فيما أتى به الرسول الجديد من آياتٍ بيِّناتٍ أرسله الله بها وأدلةٍ واضحةٍ تشهد بصدق رسالته. وماذا عن أولئك الذين ينكرون الرسول الجديد ؟ مثواهم نار جهنم خالدين فيها مثلهم مثل السابقين.

إن الله سبحانه وتعالى يزيل عنّا كل الشكوك في تصديقنا لوعوده بإرسال الرسول الجديد فيؤكد ذلك بقوله تعالى :

فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ. سورة 11, آية: 17

إن الكلمات الختامية للآية السابقة تنذر بعاقبة إنكار الرسول الجديد. فهو يأتي بأدلة مقنعة و واضحة ويتلو آياتٍ منزلَة من عند الله ولكن رغم كل ذلك نرى أغلب الناس لا يؤمنون به. فهنا يتبادر هذا السؤال إلى أذهاننا: ماذا عن المسلمين؟ لماذا أكثرهم ينكرون هذه الرسالة العظيمة التي جاء بها حضرة بهاءالله ؟ الجواب بسيط جداً لأنهم متمسكون بعقيدة خاتم النبيين. فحتى لو أتى الرسول بكتب ومجلدات عظيمة كل منها منزلة من عند الله ولها من الدلائل والآيات المحكمات مثل التي جاء بها القرآن الكريم فسوف ينكره القوم. وربما يحبسوه أو يقتلوه لأنه انتهك مفهوم العقيدة السائدة والخاطئة في حد ذاتها وهي ختم النبوة.

وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ. لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.

سورة 6, آية : 66- 67

هذه هي بعض الحقائق التي يصرح بها الله لرسوله:

· إن الرسول الجديد هو الحق ويقول الحق ولكن قومك المسلمين يكذبونه.

· إن أولئك الذين ينكرون الرسول الجديد سوف يواجهون عواقب إعراضهم والرسول الكريم غير مسئول عن إعراضهم.

· لكل رسالة إلهية ومنها الدين الإسلامي أجل مسمى. وعندما تأتي الرسالة السماوية الجديدة, ينتهي أجل الأمة الإسلامية.

· عندما يأتي الرسول الذي يبعثه الله فسوف تعلمون بأن النبوءة قد تحققت.

تمعنوا في الآية التالية :

تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ. سورة 32 : آية 2- 3

إن الآيات السابقة تتضمن نبوءة عن مجيء الرسول الذي سوف يأتي بعد محمد عليه السلام والكتاب الذي سيُرسل بعد القرآن. هذه هي الحوافز :

· إن الآيات تشيـر إلى شخصين قد حُدِّدا بوضـوح بالضمير المخاطب الكاف في (قبلك) أي محمد , و( نذير) النذيرفي المستقبل.

· إن الآيات توضح بأن النذير سوف يأتي لقوم ما أتاهم من نذير من قبل, ومن المؤكد أن النذير لن يكون محمداً لأن الناس في الجزيرة العربية قد أتاها النذير وهو الرسول الكريم.

· إن عبارة " بل هو الحق " قد ذُكِرت عدة مرات في القرآن الكريم لتشير إلى مجيء الرسول في المستقبل.

تشير الآيات التالية إلى أن المسلمين ذوي البصيرة النورانية والإيمان الصادق سوف يعرفون الرسول الجديد...

وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. سورة 22, آية: 54

وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. سورة 34, آية: 6

تأمل هذه الآيات أيضاً :

وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ. ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ. سورة 35, آية: 31- 32

دعونا نتمعّن ما تضمنته الآيات السابقة من حقائق :

· تبدأ الآية بالإشارة إلى شخصية بارزة معينة (النذير) في سورة 32, آية: 3 وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى لسيدنا محمد كما جاءت في آيات القرآن مسبقاً.

· أطلق الله عبارة " هو الحق " على النذير.

· إن النذير سوف يصدق ما بين يديه وهو القرآن.

· عندما يأتي هذا النذير فإن المسلمين الذين اصطفاهم الله سوف يستجيبون لدعوته وهم على ثلاثة طوائف : منهم ظالم لنفسه لإنكارهم تلك الحقيقة, ومنهم مقتصد لأنهم غير مبالين به, ومنهم سابق بالخيرات فيستجيبون لندائه ويعترفون به كرسول جديد لأنهم مؤمنون صادقون ومسلمون باركهم الله.

إن سورة يونس في القرآن الكريم تشير مراراً إلى وعد من الله. ولكن قبل أن نبحث عن تلك الوعود في السورة المباركة, يجب أن نلاحظ بدقة كيف جاءت كلمة "وعد" في الآيات المرتبطة بمجيء سيدنا محمد.

وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً. سورة 17, آية : 108

تتضمن الآيات 46 إلى 55 من سورة يونس كثيرا من الوعود وهي من الآيات المتشابهات, دعونا نستعرض تلك الآيات :

· الآية 46 : سوف تقع أحداث معينة بعد أن يصعد الرسول الكريم إلى الرفيق الأعلى.

· الآية 47 : لكل أمة رسول.

· الآية 48 : يتساءل الناس " متى هذا الوعد " ؟

· الآية 49 : الجزء الأول, إن الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء. فهو الذي يقرر متى يكون هذا الوعد.

· الآية 49 : الجزء الثاني, ولكن ينبغي لكم أن تعلموا أن لكل أمة أجل.

· الآية 50 : إن العقاب سوف ينزل بأولئك الذين لايؤمنون بهذا الوعد ولا يتخذونه مأخذ الجِد. وإن ظهور الرسول الجديد هو بمنزلة نار ونقمة لمن ينكره ونور ورحمة لمن يؤمن به.

أما الآية 51 فإنها تشير إلى مجيء الرسول الجديد :

أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ. سورة 10, آية : 51

إن تسلسل الآيات يبين بوضوح أنها تشير إلى مجيء رسول من عند الله في زمن معين من التاريخ.

لقد كان الكفّار دائماً يستهزئون بالوعود الإلهية. فيقولون " متى هذا الوعد إن كنتم صادقين " لكي يشهدوا تحقق الوعود فيتأكدوا من صدق الرسول. بالطبع كانت إجابة الله أن الوعد لن يتأخر ساعة ولن يتقدم. والآية السابقة توضح ذلك وفيها تساؤل, هل سوف تتمادون في استهزائكم بعد تحقق وعد الله ومجيء الرسول الموعود؟

إن الآية التالية تشير إلى العذاب الذي سوف يلحق بأولئك الذين ينكرون الرسول الجديد:

ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ.

الآية التالية: (سورة 10, آية: 53 ) تشير مرة أخرى إلى مجيء الرسول الجديد:

وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ. سورة 10, آية: 53

الآية (سورة 10, آية: 54 ) تؤكد مرة أخرى الوعد:

أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. سورة 10, آية: 54

الآية السابقة تثبت أن معظم الناس لا يعرفون الغرض من هذه النبوءات.

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. سورة 19, آية: 39

فمعظم المترجمين يعتقدون أن الآية السابقة تشير إلى يوم القيامة. ولكن الآية تبين بوضوح إلى الطريقة التي سوف يستجيب بها الناس للرسول الجديد. ماذا حصل حين أتى سيدنا محمد؟

· تجاهل الناس مصيرهم الروحاني.

· لم يؤمنوا بالرسول محمد.

إن غفلة الناس عن الشيء يؤدي تدريجياً إلى إنكاره فكيف يمكن لشخص ما أن يتجاهل الحياة الأخروية ويرفض تصديقها. سوف يشعر بالندم يوم القيامة بسبب عدم استجابته للنداء الإلهي نتيجة غفلته. وهكذا إن يوم الحسرة أو يوم القيامة تشيران في آيات أخرى إلى زمن مجيء الرسول الجديد.( من كتاب- خاتم النبيين)


ونتابع معاً الجزء الأخير من الوعد بجيء الرسول الجديد........شكري وتقديري

Saturday, July 30, 2011

الجزاء والعقاب المقدّر لأولئك الذين يقبلون أو يرفضون مجيء الرسل

الجزاء والعقاب المقدّر لأولئك الذين يقبلون أو يرفضون مجيء الرسل

هل كان الله يعلم أن معظم المسلمين سوف يرفضون أو لن يدركوا الوعد الذي منحهم الله سبحانه وتعالى بمجيء الرسل في المستقبل؟ للرد على هذا السؤال, نحن بحاجة إلى أن نرى الآية التي تعطينا الوعد السابق مع الآية التي تتبعها مباشرة.

يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. سورة 7, آية: 35-36.

إن الآيتين السابقتين مترابطتان بوضوح تام. فالآية 35 تخبرنا بأنه بالتأكيد سيأتي رسول جديد ليقص علينا أو يُنزِل لنا الكلمة الإلهية بينما الآية 36 تنذر المؤمنين الذين ينكرون ويكذبون ذلك.

من الواضح أن خالقنا لا يريد منّا أن ننكر رسله ولكنه يعلم أن معظم المؤمنين هم على علاقة وثيقة بتقاليدهم كعلاقة الرضيع بأمه. ولكي يحرر الله المؤمنين من الامتثال برأي الآخرين والتمسك بالتقاليد القوية التأثير على أذهانهم فإنه يناشدهم ويحذِّرهم من نار جهنم ويخصص ثلاث عشرة آية للعواقب المهيبة لمن ينكر الرسل الذين سوف يبعثهم وذلك لكي يأخذوا وعيده محمل الجد.

إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ. سورة 7, آية: 40.

يستمر نزول الآيات التي تدل على الإنذارات الموجهة إلى أولئك الذين ينكرون من يبعثهم الله من الرسل. لاحظ المحادثة التي تدور بين أولئك الذين ينكرون الرسول الجديد وأولئك الذين يؤمنون به.

وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً. سورة 7, آية: 44- 45.

أصحاب الجنة: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً.

أصحاب النار: قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً.

من هم الذين كانوا يصدون الناس عن صراط الله المستقيم؟ إنهم علماء الدين في المقام الأول وفي جميع العصور وذلك خوفاً من زوال نفوذهم, لإنهم هم الذين يخسرون الكثير لدى قبولهم الرسول الجديد. ماذا سوف يحدث برأيك إذا وقف كاهن أو قس في كنيسة وأعلن: أيها المسيحيون لقد كنّا على خطأ, محمد هو رسول الله وعلينا جميعا أن نؤمن بدينه؟ هل سيحتفظ هذا الكاهن بمنصبه ولو ليوم واحد بعد ذلك؟ ألا ينطبق ذلك على العلماء المسلمين أيضاً إذا أثاروا مثلاً عقيدة خاتم الأنبياء؟ هل هم مستثنون عن هذه القاعدة؟

إن المحادثة بين أولئك الذين يؤمنون بالرسول الجديد وأولئك الذين يعترضون عليه نجدها في الآيات التالية:

وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ. الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ. سورة 7, آية: 50- 51

الذين يرفضون الرسول الجديد: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ.

الذين يؤمنون بالرسول الجديد: قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ. الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ.

كيف نعرف أن الآيات السابقة لا تنطبق على أولئك الذين يرفضون الإسلام ؟ لإن الآيتين اللتين تعقبان الآيات السابقة تعطينا كل القرائن التي نحتاجها.

أولاً : الآية الأولى تتحدث عن الكتاب الذي سوف يهبه الله للبشرية في المستقبل أي بعد رسالة سيدنا محمد.

وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. سورة 7, آية: 52

وأما الآية التي تلي الآية السابقة مباشرة تعطينا المزيد من الأدلة على أن الحوار بين أهل النار وأصحاب الجنة يخص أولئك الذين يرفضون الرسول الجديد الذي يبعثه الله بعد سيدنا محمد.

هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ. سورة 7, آية: 53

ما هو هذا الكتاب الذي يحتاج إلى التأويل ؟ إنه القرآن الذي يتضمن فقرات مبهمة وصعبة. وهذا هو السبب الذي يجعل كثيراً من المفسرين يختلفون في الرأي بشأن تفسير العديد من الآيات القرآنية. من الذي يعلم تفسير تلك الآيات والمقصود من دلالاتها؟ إنه الرسول الذي يبعثه الله في اليوم الموعود والساعة المقررة. هل يمكن لأي إنسان أن يكون معصوماً أو مرجِعاً مؤتمَناً؟ إن الآية توضح لنا بأنه يجب علينا أن لا نكون متعصبين ومنحازين في تفسير وفهم كلام الله. فالتفسير للآيات المتشابهات والمقصود منها في القرآن الكريم سوف يأتي من عند الله عن طريق رسله فيما بعد. ألم يأت التفسير لعبارات الإنجيل بواسطة سيدنا محمد؟ ألم يرفض الرسول الكريم على سبيل المثال عقيدة الثالوث؟ ألم يُفسِّر القرآن لليهود ما لم يتمكنوا من فهمه؟

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. سورة 27, آية: 76

تأملوا الآية التالية!

وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ. الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ. سورة 27 : آية 34ـ 35.

تبين لنا الآية السابقة حقيقتين مهمتين:

· إن الناس في الماضي كانوا يعتقدون ما يعتقده المسلمون اليوم.

· لم تكن لعلماء الأمم السابقة أي سلطة شرعية لكي يزعموا بأنهم المفسرون المعتمدون للآيات الإلهية أو أن لهم الكلمة الأخيرة. وبالرغم من ذلك فإنهم يدّعون كما يدعي المسلمون الآن أن رسالتهم هي آخر الرسالات و أن رسولهم هو آخر الرسل ولن يأتي رسول بعده. ماذا لو أتى رسول من عند الله بالبيِّنات؟ هل ينبغي لنا أن نجادله ونرفضه دون أن نملك أي حقٍ أو سلطة بتفسير كلام الله؟ من الذي آنذاك لديه السلطة الشرعية في تفسيرآيات القرآن؟ إنه فقط من يكون مفوَّضاً ومعتمَداً من قبل الله والذي سيأتي بالبينات والبراهين الواضحة من عنده. من الذي عرف المعاني التي تضمنتها آيات الإنجيل المنزَلة على عيسى عليه السلام؟ إنه سيدنا محمد! وهو وحده المفسِّر وصاحب السلطة لتبيين آيات الإنجيل. لماذا إذاً هذا الحكم من شأنه أن يتغير فجأة؟ ألا ينبغي لنا أن نترك الأبواب مفتوحة؟ كيف يمكن للمؤمن الذي يصد باب معرفة الظهور الإلهي الجديد أن يكون تجاوبه مع هذا السؤال:

أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً. سورة 27, آية: 84

أما الآية التالية فتؤكد أن التفسير الصحيح للقرآن سوف يأتي من الله سبحانه وتعالى. فكلمة "ثم" تشير إلى وقت لاحق أبعد من وقت نزول القرآن.

ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ. سورة 75, آية: 19

السؤال الذي يجب على المسلمين أن يسألوه هو : إذا أتى رسول جديد ومعه كتاب منزَل من عند الله هل ينبغي لنا أن نكذِّبه لأن الرسول الكريم هو خاتم الأنبياء حسب تفسير علماء الدين للآية (40) التي جاء ذكرها في سورة الأحزاب؟ هل الاستجابة لهذا الادعاء منطقي وعادل؟ أليس هو نفس الأسلوب الذي اتبعه المسيحيون لإنكار سيدنا محمد؟ ألم يقولوا بأن الرسول المنتظر يجب أن يأتي على السحاب؟ ألم يمتنعوا عن الإيمان بسيدنا محمد على الأغلب بسبب إساءة تفسير الكتاب المقدس؟ من قدّم التفسير الصحيح للإنجيل؟ إنه بالتأكيد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. لقد قام بإزالة كل المفاهيم الخاطئة الرئيسة لديهم. ولكن هل استمعوا له؟ إن القرآن لا يقدم فقط الإنذارات والوعيد لأولئك الذين يكذِّبون الرسول الجديد بل يهب أولئك الذين يؤمنون به الثواب الجزيل.

وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. سورة 7, آية: 42

لاحظوا الإلتفات المهم الذي يشير إليه الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة: " لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا " ما هو القصد من عبارة ( إلا وسعها ) ؟

· الشعور بالمسئولية عند اختيار الإنسان مصيره الروحاني.

· البحث والتحقيق في النبوءات التي تشير إلى مجيء الرسول الجديد, دون الاهتمام بالمعتقدات التي تؤمن بها غالبية المؤمنين الآخرين.

· الإيمان المطلق بأن أولئك الذين يُحققون ويبحثون في أنباء وبشارات الرسول الجديد سوف يُلهَمون و يُدعَمون ليتفق بحثهم وإرادة الله:

وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ. سورة 29 آية : 69.

يظن مؤمنو كل الديانات بأن الأمر يرجع إلى زعماء ورؤساء دينهم لكي يقرروا لهم ماذا يعتقدون. ولكن الآية السابقة تبين بأن هذا التفكير لا أساس له من الصحة تماماً ولا يقبله الله. وكما رأينا في الفصل الأول إن الله سبحانه وتعالى يدين أولئك الذين يدينون بدين آبائهم. هؤلاء المؤمنون يبنون مصيرهم الأبدي على رمال غير مستقرة. قد تأتي رياح وفجأة تجعله هباءً منثورا.

هل سوف تذهب بعد ذلك إلى زعيمك الديني وتسأله ما إذا كان الكتاب المنزَل الجديد يحمل الحقيقة. بالطبع لك كامل الحرية أن تفعل ذلك إذا أردت ولكن تذكَّر هذا المثال قبل أن تذهب إليه. إفترض أنك تدعو مسيحي أو يهودي إلى الدين الإسلامي. وتظل تبيِّن له عظمة القرآن ورفعته لساعات وأيام وشهور بل ولسنين. ماذا سوف يحدث إذا ذهب إلى زعمائه أو قساوسته أو حاخاماته؟ ما هي الفرص التي سوف تتاح له لكي يدرس القرآن مع القسيس أو الحاخام بعقل منفتح وقلب منير. ما هي الفرص مرةً أخرى التي سوف تتاح له لكي يتشجع لمواصلة دراسته للإسلام؟ الفرص سوف لا تتعدى الواحد في المليون.

حسب المعايير التي قررها الله لا يستطيع أحد أن يُلقي المسئولية لاختيار طريقه في السير قُدُماً للإيمان بالرسول الجديد على الآخرين. إن الطريق الأمثل هو قراءة هذا الكتاب وإعادة قراءته لمعرفة ما إذا كانت دلائله منطقية, أو إذا كان به أي أخطاء في الاستدلال لاستمرارية الرسالات ومن ثمَّ طلب الهداية من الله.

على سبيل المثال, بعض المسلمين يقولون بأنهم لا يعرفون العربية جيدا كي يفهموا معاني القرآن. هؤلاء المؤمنون ينبغي لهم أن يتذكروا بأن الذين قاموا بإيذاء الرسول وإنكاره كانوا من أبرز علماء عصرهم ومن أعظم اللغويين والكتّاب والشعراء الذين كانت معرفتهم باللغة العربية أفضل من معظم قادة الدين المسلمين في عصرنا.

كذلك بعض المسيحيين يتشبثون بالأعذار نفسها, فيتركون مصيرهم في أيدي زعمائهم الدينيين. إنهم يفترضون بأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والعياذ بالله نبي كاذب دون أن يقرأوا القرآن أبداً, ودون أن يحققوا في الحياة السامية الرفيعة للرسول محمد سيد الرسل. فيوجهون أعباء مسئولية اختيارهم لمصيرهم بالقول أنهم لا يعرفون العبرية أو ما يكفي من اليونانية لمعرفة الكتاب المقدس (الإنجيل). ويشعرون بأنهم عاجزون عن معرفة سناء وعظمة القرآن الكريم الكتاب الذي يعكس مجد الله وسلطانه جلياً كسطوع الشمس. فإذا كان الإنسان عاجزاً من أن يرى الشمس في هذه الحالة فقط سيكون عاجزاً من معرفة الرسول الكريم. ورغم كل ذلك يستمر الإنكار من قبل المسيحيين.

وهكذا, فإن معرفة اللغة لا علاقة لها بمعرفة رسل الله. إن المسيحيين يجب أن يتذكروا بأن حنان وقيافا اللذين كانا من أبرز زعماء الدين ومن أعظم علماء اليهود واليونانيين قد أنكروا المسيح. لأن العلوم الاكتسابية دائماً تخلق الكبرياء والغرور فتحجب الأفكار وتصد باب العقول عن معرفة الحقيقة فتمتلئ بالتعصبات.

فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون. سورة 40, آية: 83

إن الوصول إلى عرفان الرسول الجديد إنما يرتبط بالقلب والروح. إنها ثمرة يجنيها من يبحث عن الحقيقة بالاجتهاد الروحي وليس بدراسة أكاديمية. فالوصول إلى هذا العرفان الجليل لا يستوجب درجة دكتوراه في العلوم الدينية ولا في علم اللغات. إن آيات القرآن التي تشير إلى المؤمنين بالرسول أوالمنكرين له جميعها تعزوا إلى مدى نزاهة قلوبهم وصفاء أرواحهم ولا تحكم على إيمانهم بمقدار معرفتهم للفلسفة والعلوم الدينية واللغوية. إن نعمة الإيمان هي بيد الله وليس بمقدور رؤساء الدين أو العلماء هداية أحد من عباده.

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ. سورة 10, آية: 100

أنظر أيضاً : سورة 6, آية: 111

فإذا كان القلب يفتقر للحكمة ومبتلى بالتعصب والرغبات الشخصية فلن يهتم بشيءٍ بعد اليوم ويصدق عليه قول الله عز وجلّ :

وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا. سورة 7, آية: 146

لاحظوا أولئك الذين يشرِّفهم الله بقوله العظيم:

وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. سورة 28, آية: 5

من هم الذين اتبعوا نوحاً عليه السلام؟ كيف كان قبول أعاظم القوم في مجتمعه لرسالته؟ كما جاء في القرآن الكريم , إنهم :

مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا. سورة 11, آية: 27

من هم الذين اتبعوا السيد المسيح ؟ هل كانوا من أعاظم القوم أم أقلهم شأناً ؟

وفيما يسوع مجتاز من هناك رأى إنسانا جالسا عند مكان الجباية إسمه متى. فقال له اتبعني. فقام وتبعه وبينما هو متكئ في البيت اذا عشارون وخطاة كثيرون قد جاءوا واتكأوا مع يسوع وتلاميذه. فلما نظر الفريسيون قالوا لتلاميذه لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة. انجيل متى الإصحاح 9, الآية: 9-11

إن إنكار الرسل الإلهية إنتهاك خطير. لا ينبغي لأحد أن يقلل من شأن أي رسالة يبعثها الله لهداية خلقه. لأن مثوى المنكرين هو الخلود في نار جهنم. هل ينبغي للمؤمن أن يتهاون في اتخاذ قرار خطير كهذا وهو الإيمان بالرسول الجديد, ويتركه في أيدي العلماء الذين يدّعون فهم الآيات دون غيرهم؟ نظراً للأهمية الجوهرية لموضوع الإيمان بالرسول الجديد, دعونا نختم هذا الفصل بدراسة الوعد الإلهي بإرساله الرسل وعواقب رفض أو قبول هؤلاء الرسل. هذا هو الوعد:

إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ..... سورة 7, آية: 35

وهذا هو وصف لعواقب رفض أو قبول الرسل الإلهية كما جاء في مقام آخر من القرآن الكريم.

وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ. قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ. وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ. وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. سورة 39, آية: 71 – 75.

)من كتاب محمد خاتم النبيين- د.محمد إبراهيم خان)

"وتابعوا معي في مقالي القادم و الوعد بمجيء الرسول الجديد الجزء الثاني" ..... تحياتي ورمضان كريم

Powered By Blogger