Thursday, August 13, 2015

في القيامة 4-4


في القيامة 4-4
جميع الديانات السماوية تنبّأت عن يوم القيامة والدينونة. ولو أن آيات الكتب السماوية كثيرة في هذا الموضوع لكن ما زال مفهوم يوم القيامة والدينونة من أكثر المواضيع غموضًا. مثال ذلك، قال السيد المسيح: " أنا هو القيامةُ والحياةُ" [انجيل يوحنا 11: 25]. فمن معاني هذه الفقرة هو أن من آمن بأن يسوع المسيح هو ابن الله والمظهر الإلهي لذلك اليوم واتّبع تعاليم رسالتة قد انتقل من الموت إلى الحياة، بمعنى انه أصبح حيًا ’روحيًا‘، والدليل على ذلك فلماذا قال السيد المسيح: "دع الموتى يدفنون موتاهم" [انجيل لوقا 9: 60]، أي دع الذين لم يؤمنوا برسالته يدفنون موتاهم. اعتبر السيد المسيح أولائك الذين لم يؤمنوا به وبرسالته كأموات، لأنهم لم يستيقظوا من غفلتهم أو موتهم الروحانى عند ظهوره. 
وقال السيد المسيح شرحًا لمعنى الدينونة: "وهذه هي الدَّينونة إنّ النور قد جاء إلى العالم وأحبّ الناس الظلمة أكثر من النور لأنّ أعمالهم كانت شريرة". [انجيل يوحنّا 3: 19]. يصف السيد المسيح مجيئه الى هذا العالم بـ ’النور‘ والذي رأى وآمن بظهور النور نجى، والذي أحب الظلمة أكثر من النور لأنّ أعماله كانت شريرة أدان نفسه. 
كذلك قال سيدنا محمد في الحديث الشريف:– "إذا قام القائم قامت القيامة" [حديث شريف]. ان التعاليم الجديدة المنزلة للعهد الجديد هي التي تحي الانسان وتنجّيه من امتحانات الساعة. فيوم القيامة ليس بظاهرة من مظاهر الطبيعة أو حدث مادي بل هو حدث روحاني، ولم يحدث آنذاك أي تغييرات في عالم الطبيعة. ويصف حضرة الباب يوم القيامة بأنه يوم كأي يوم، تشرق الشمس فيه وتغرب، كما قال أيضًا أن يوم القيامة هو من أعظم الأيّام ولكنه يوم كأي يوم من الأيّام. [Selections from the Writings of the Bab, pp. 78-79].  ويقول القرآن الكريم: "فهذا يوم البعثِ ولَكنَّكم كنتم لا تعلمون" [سورة الروم 30: 56]. ويصف يوم القيامة بمجئ الربيع ويقول: "والله الذى أرسل الرياح فتثيرُ سحابًا فَسُقْنَاهُ إلى بلدٍ ميِّتٍ فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النُّشُورُ". [سورة فاطر 35: 9].
رغم كل هذه الآيات، فكثير من المسيحيين والمسلمين يظنّون أن يوم القيامة والدينونة هو آخر أيّام العالم بدلا من ربيع جديد أو دورة حياة جديدة. فيتصوّرون مناظر رُوْبَوية مروّعة وفيها تصعد أجساد البشر من القبور ليوم الدينونة، وتطير الملائكة في السماء ويأخذون البشر أما للجنة أو النار.    
يؤمن البهائيون أنه بظهور كل مظهر إلهي برسالة جديدة منزلة من عند الله هو يوم ’قيامة‘ وبها يدان البشر. فالذين لا يؤمنون بالمظهر الالهي وبرسالته لليوم الجديد أدانوا أنفسهم وحرموا من الحياة الأبدية، والذين آمنوا بالمظهر الالهي الجديد وعملوا بتعاليمة المنزلة للعصر الجديد قد نالوا حياة جديدة أي بعثوا من الموت الى الحياة.
 ونعود إلى موضوعنا فنقول قد يعترض البعض بأنه كيف يمكن أن يتجلى الله وهو الخالق على مرآة أحد من خلقه وهو مخلوق ويرسله على أنه ظهوره فنقول بما تفضل به حضرة بهاءالله في "لوح العرش": ... ثم انظر في الصانع إنه يصنع خاتماً مع أنه صانعه يزين إصبعه به وإنه تعالى لو يظهر بلباس الخلق هذا من فضله لئلا يفرّ منه عباده ويتقربون إليه ويقعدون تلقاء وجهه ويسمعون نغمات بديعه ويتلذّذون بما يخرج من فمه وما نزّل عليهم من سماء مشيته وفي ذلك لحكمة لو تفكر فيها بدوام الله لتجد في كلّ حين ما لا وجدته من قبل. وإنه تعالى لو يظهر على شأنه وصورته وما هو عليه لن يقدر أحد أن يتقرب به أو يؤانس معه مثلاً فانظر في السرير أو العرش أو الكرسي وأمثالها يصنعها أحد من بريته بتأييدات التي نزّل عليهم من سماء فضله وسحاب جوده وإنه يستوي عليها، قبل استوائه عليها لا يعرفها أحد يجدونها مصنوع أيديهم ولكن بعد استوائها عليها ينقطع كلّ النسب عنها يكون عرش الرحمن ويطوف عليه حقائق كلّ شئ عما خلق في السموات والأرض إذاً يكون عرفانها منوط بأنظر الناظرين وأبصر المتبصرين من يكون على البصيرة النورانية ليشهد بأنها خلق قبل خلق السموات والأرض...      
"... اعلم أن حقيقة الألوهية الذات البحت والمجهول النعت لا تدركه العقول والأبصار ولا تحيط بها الأفهام والأفكار، كلّ بصيرة قاصرة عن ادراكها وكلّ صفقة خاسرة في عرفانها، أنّى لعناكب الأوهام أن تنسج بلعابها في زوايا ذلك القصر المشيد وتطّلع بخبايا لم يطلع عليها كلّ ذي بصر حديد، ومن أشار إليه أثار الغبار وزاد الخفاء خلف الأستار، بل هي تبرهن عن جهل عظيم وتدل على الحجاب الغليظ، فليس لنا السبيل ولا الدليل إلى ادراك ذلك الأمر الجليل حيث السبيل مسدود والطلب مردود وليس له عنوان على الإطلاق ولا نعت عند أهل الإشراق، فاضطررنا على الرجوع إلى مطلع نوره ومركز ظهوره ومشرق آياته ومصدر كلماته، ومهما تذكر من المحامد والنعوت والأسماء الحسنى والصفات العليا كلّها ترجع إلى هذا المنعوت، وليس لنا إلاّ التوجه في جميع الشؤون إلى ذلك المركز المعهود والمظهر الموعود والمطلع المشهود، وإلاّ نعبد حقيقة موهومة مقصورة في الأذهان مخلوقة مردودة ضرباً من الأوهام دون الوجدان في عالم الإنسان وهذا أعظم من عبادة الأوثان فالأصنام لها وجود في عالم الكيان وأما الحقيقة الألوهية المتصورة في العقول والأذهان ليست إلاّ وهم وبهتان، لأن الحقيقة الكلّية الإلهية المقدسة عن كلّ نعت وأوصاف لا تدخل في حيز العقول والأفكار حتى يتصورها الإنسان، وهذا أمر بديهي البرهان مشهود في عالم العيان ولا يحتاج إلى البيان، إذاً مهما شئت وافتكرت من العنوان العالي والأوصاف المتعالي كلّها راجعة إلى مظهر الظهور ومطلع النور المتجلي على الطور [قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فأياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى...]"(القرآن الكريم، سورة الاسراء، الآية 110)
"... اعلم أن الحقيقة الرحمانية التي عبر عنها بغيب الغيوب ومجهول النعت والمنقطع الوجداني قد تقدس عن كلّ ذكر وبيان واشارة ونعت وثناء... وأما الحقيقة الكلّية النورانية والمرآة الصافية التي تحكي بتمامها عن شؤون مجلّيها وتنطبق آثارها على آثار الشمس الظاهرة فيها فهي الحقيقة الكلّية الإنسانية والكينونة الرحمانية والذات الصمدانية..."   
 واعلم أن الرؤية في يوم الله مذكور في جميع الصحائف والزبر والألواح النازلة من السماء على الأنبياء في غابر الأزمان والعصور الخالية والقرون الأولية، وكلّ نبي من الأنبياء بشر قومه بيوم اللقاء فارجع إلى النصوص الموجودة في الإنجيل والزبور والتوراة والقرآن قال الله تعالى في الفرقان "اعلموا أنكم ملاقوه يوم القيامة". (سورة البقرة، الآية 223) وأيضاً "قد خسر الذين كذبوا بلقاء ربّهم". (سورة الأنعام، الآية 31) وأيضاً "لعلكم بلقاء ربكم توقنون". (سورة الرعد، الآية 2) وفي حديث مروي من أحد وعشرين من الصحابة أن رسول اله صلى الله عليه وآله قال (سترون ربكم كما ترون البدر في ليلة أربع عشر) وقال علي عليه السلام (رأيت الله والإفريدوس برأي العين) وأيضاً قال (ورأيته وعرفته فعبدته لا أعبد رباً لم أره)، مع هذه العبارات المصرّحة والنصوص الصريحة والروايات المأثورة اختلفت الأقوام في هذه المسألة، منهم من قال إن الرؤية ممتنعة واستدلّ بالآية المباركة وهي "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير" ومنهم من قال اذا أنكرنا الرؤية بالكلّية يقتضي إنكار نصوص القرآن ويثبت عدم العصمة للأنبياء، فإن السؤال عن الممتنع المحال لا يجوز قطعياً من نبي معصوم، وسُئل موسى الكليم عليه السلام الرؤية "وقال ربي أرني أنظر إليك" (القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية 143) والعصمة مانعة عن سؤال شئ ممتنع، وحيث صدر منه هذا السؤال فهو برهان قاطع ودليل لائح على إمكان الرؤية وحصول هذه البغية، وما عدا هذا الدليل الجليل عندك دليل واضح مبين وهو إذا فرضنا امتناع الرؤية حقيقة في عالم الشهود والعيان فما النعمة الإلهية التي اختص الله بها في جنة اللقاء عباده المكرمين من الأصفياء بل امتناع الرؤية إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة متيسرة حاصلة لكلّ عبد أواب، فإن الكليم الكريم عليه السلام لما شرب مدام محبة الله واهتز من استماع كلمة الله وثمل من سورة صهباء الخطاب نسي أنه في الدنيا وانكشفت له الجنة المأوى، وحيث أن الجنة مقام المشاهدة واللقاء قال "رب أرني أنظر إليك." فأتاه الخطاب من رب الأرباب أن هذه المنحة المختصة بالأصفياء "والله يختص برحمته من يشاء..." (القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 105) إنما تتيسر في اليوم الذي ترتعش فيه أركان الأرض والسماء وتقوم القيامة الكبرى وتنكشف الواقعة عن الطامة العظمى، هذا ما ورد في جميع التفاسير والتآويل من أعلم علماء الأسرار في كلّ الأعصار من جميع الأقطار، وأما جوهر المسألة وحقيقة الأمر إن اللقاء أمر مسلم محتوم منصوص في الصحف وألواح الحي القيوم وهذا هو الرحيق المختوم "ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون." (القرآن الكريم، سورة المطففين، الآية 26) فإن للحقيقة الكلّية والهوية اللاهوتية الظهور في جميع المراتب والمقامات والشئون، لأنها واجدة للمراتب ساطعة البرهان لامعة الحجة في كلّ كيان، وهو بكلّ شئ محيط كما قال عليه السلام (أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك عميت لا تراك) وقال (يا من دلّ بذاته وتقدس عن مجانسة مخلوقاته) لأن المراتب والمقامات مجال ومرايا لظهور الأسماء والصفات، فظهور الحق محقق في جميع الشئون حتى يكون الوصول إليه في جميع المراتب مما كان ويكون، والممكنات ممتلئة من أسرار الأسماء والصفات، والإدراك لا يتحقق إلاّ من حيث الصفة وأما الذات من حيث هو هو مستور عن الأنظار ومحجوب عن الأبصار، غيب منيع لا يدرك ذات بحت لا يوصف (السبيل مسدود والطلب مردود) فإن الحق من حيث الأسماء والصفات له ظهور في جميع المراتب المترتبة في الوجود على النظم الطبيعي والترتيب الفطري وله تجليات على رؤوس الأشهاد في جنة اللقاء الفردوس الأعلى والملكوت الأبهى، إذاً فاعلم بأن الرؤية واللقاء من حيث الحقيقة الغيبية التي تعبر عنها بالغيب الوجداني "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" وأما من حيث الظهور والبروز والتجلي وكشف الحجاب وإزالة السحاب ورفع النقاب في يوم الإياب فالرؤية أمر مشروع موعود في اليوم المشهود يختص الله بها من يشاء من أهل الجود الذين لهم نصيب مفروض من هذا المقام المحمود، والبرهان واضح منصوص مثبوت ويشهد به العقول المستوية الربانية الإلهية، فإن الفيض لا ينقطع من مرتبة من المراتب والفضل والجود لا يحرم منه مقام من المقامات...                
"... يا أيها المتوجه إلى أنوار الوجه. قد أحاطت الأوهام سكان الأرض ومنعتهم عن التوجه إلى أفق اليقين وإشراقه وظهوراته وأنواره. بالظنون منعوا عن القيوم. ويتكلمون بأهوائهم ولا يشعرون. منهم من قال هل الآيات نزلت قل إي ورب السموات. هل أتت الساعة بل قضت ومظهر البينات. قد جاءت الحاقة وأتى الحق بالحجة والبرهان. قد برزت الساهرة والبرية في وجل واضطراب. قد أتت الزلازل وناحت القبائل من خشية الله المقتدر الجبار. قل الصاخة صاحت واليوم لله الواحد المختار. هل الطامة تمت قل إي ورب الأرباب. هل القيامة قامت بل القيوم بملكوت الآيات. هل ترى الناس صرعى بلى وربي العلي الأعلى. هل انقعرت الأعجاز بل نسفت الجبال ومالك الصفات. قال أين الجنة والنار. قل الأولى لقائي والأخرى نفسك يا أيها المشرك المرتاب. قال إنّا ما نرى الميزان. قل إي وربي الرحمن لا يراه إلاّ أولو الأبصار. هل سقطت النجوم قل إي إذ كان القيوم في أرض السر فاعتبروا يا أولي الأنظار. قد ظهرت العلامات كلّها إذ أخرجنا يد القدرة من جيب العظمة والاقتدار. قد نادى المنادِ إذ أتى الميعاد وانصعق الطوريون في تيه الوقوف من سطوة ربك مالك الإيجاد. يقول الناقور هل نفخ في الصور. قل بلى وسلطان الظهور اذ استقر على عرش اسمه الرحمن. قد أضاء الديجور من فجر رحمة ربك مطلع الأنوار. قد سرت نسمة الرحمن واهتزت الأرواح في قبور الأبدان. كذلك قضي الأمر من لدى الله العزيز المنان. قال الذين غفلوا متى انفطرت السماء. قل إذ كنتم في أجداث الغفلة والضلال. من الغافلين من يمسح عينيه وينظر اليمين والشمال. قل قد عميتَ ليس لك من ملاذ. منهم من قال هل حشرت النفوس قل إي وربي إذ كنتَ في مهاد الأوهام. ومنهم من قال هل نزّل الكتاب بالفطرة. قل إنها في الحيرة. اتقوا يا أولي الألباب. ومنهم من قال أحشرتُ أعمى. قل بلى وراكب السحاب. قد تزيّنت الجنة بأوراد المعاني. وسعّر السعير من نار الفجار. قل قد أشرق النور من أفق الظهور وأضاءت الآفاق إذ أتى مالك يوم الميثاق. قد خسر الذين ارتابوا وربح من أقبل بنور اليقين إلى مطلع الإيقان.بهاءالله                                                   

No comments:

Powered By Blogger