Friday, September 4, 2009

الرجعة

الرجعة

كتب أبو الفضل الگلپايگاني، المعروف بأبو الفضائل، ما يلي في باب "الرجعة":

... ما يرجع إلى مسألة "الرجعة" فإنه ما من دين الأديان الموجودة إلاّ ويعتقد أهله بهذه المسألة، وينتظرون رجوع شخصٍ معينٍ مخصوص أو أشخاص معلومة لتعميم ديانتهم وإعادة رونق شريعتهم، فكما ترون مثلاً الأمة النصرانية منتظرة لرجوع سيدنا المسيح له المجد، ومعتقدة كمال الاعتقاد بمحتوميّة نزوله عليه السلام من السماء، كذلك الأمّة اليهودية منتظرة لنزول إيليا النبي أي إلياس عليه السلام من السماء قبل ظهور الرب الموعود وقيامه في اليوم المعهود، والأمم الإسلامية أهل السنّة والجماعة منهم يعتقدون نزول عيسى عليه السلام بعد ظهور المهدي، وأمّا الشيعة الإثني عشرية فتعتقد أولاً رجوع المهدي عليه السلام، وهو بزعمهم محمد بن الحسن العسكري الذي غاب في سنة مائتين وستين من الهجرة وهو الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام، وتعتقد ثانياً برجوع السبط الشهيد حسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، والثالث من أهل البيت، ويُعبّرون عن رجوعه بالظهور الحسيني بعد ظهور المهدي، وأمّا الأمة الزرادشتية فتنتظر رجوع الملك الكياني الشهير كي خسرو -الذي فسّره بعض الأوروبيين غلطاً بكورش الملك الفارسي المعروف- في أيام ظهور الموعود الذي يعتقدون أنه يظهر من إيران في آخر الزمان ويُقيم الأموات ويوحّد الأديان. وينتظرون أيضاً رجوع رجال آخرين ممّن لا سبيل هنا إلى استقصاء تفصيل أسمائهم وذكر سبب رجوعهم، وكذلك سائر الأديان والملل كما يعرفه المتتبّع في عقائد المذاهب والنِحَل.

فثبت مما ذكرناه بالإجمال أن مسألة الرجعة هي من المسائل المهمة التي ابتليَتْ بها أصحاب الأديان، وبها كذّبوا كبار الأنبياء وأعرضوا عن مظاهر أمر الله في جميع الأزمان، نعم قام في القرن الثامن الهجري ابن خلدون المؤرخ المغربي الشهير، وأنكر في كتابه الكبير ظهور المهدي عليه السلام، وتبعه في رأيه هذا بعضٌ من أصحاب العقول الصغيرة والضمائر المظلمة لكي يتم بهم ما بَشّر وصرّح وأخبر به النجوم الزاهرة والأنوار الباهرة من أئمة أهل البيت عليهم السلام: "أن المهديّ خروجه عند اليأس والقنوط" أي حينما تقنط النفوس الغافلة عن ظهوره وتنكر بشارات خروجه وتيأس من آخر رجاء للتخلص من نوائب يوم عبوسٍ مستطير بمصائبه وشروره.

وكذلك ظهرت في الأمم النصرانية جماعة غير قليلة أنكروا رجوع المسيح عليه السلام في الجسد، وحرّفوا تلك البشارات الصريحة في مجيئه وظهوره وفسّروها بإحاطة دينه وغلبةِ أتباعه مما لا ينطبق على تلك البشارات أصلاً، لكي يتمّ فيهم ما أخبر به بطرس الرسول كما جاء في الإصحاح الثاني من رسالته الثانية حيث قال: "ولكن كان أيضاً في الشعب أنبياء كذبة كما سيكون فيكم أيضاً معلّمون كذبة الذين يدسّون بِدَعَ هلاكٍ وإذ هم ينكرون الرب الذي اشتراهم يجلبون على أنفسهم هلاكاً سريعاً. وسيتبع كثيرون تهلكاتهم. الذين بسببهم يُجدّف على طريق الحق". إلى آخر كلامه في هذا الإصحاح، مما يطول بنا الكلام لو جئنا بجميع كلماته المقدسة في هذا المقام، ولكننا نوجّه أنظار أولي الأبصار إلى التبصّر والتعمق فيما جاء في هذا الإصحاح، فإن ذاك الرسول المُجتبى والإمام المرتضى أخبر بأفصح عبارة وأبلغ بيان بجميع الحوادث التي حدثت من هذا القبيل في الأمّة النصرانية في القرون الأخيرة بكليّاتها وجزئيّاتها، مما يدل على روحٍ مقدسٍ طاهرٍ محيطٍ ناظر بحقائق الأمور الآتية بدقائقها وخصوصياتها، فإذا تقررّ عند أمّةٍ أنّ المسيح له المجد لا ينزل مِن السماء رغماً عمّا وَعَدَ به صريحاً وصار هذا الرأي عقيدة عمومية ثابتة عند جماعةٍ، فلا بد من أنهم ينكرونه حين نزوله أي عند ظهوره ويجدّفون على طريقته، فيتم فيهم نبأ الرسول المُجتبى بأنهم ينكرون الرب الذي اشتراهم، وبسببهم يُجدَّف على طريق الحق، كما وقع تماماً في هذا القرن الأنور الأبهى، وستظهر صحة هذا النبأ بأتم وأجلى، وقال أيضاً كما جاء في الفقرة الثالثة من الإصحاح الثالث من هذه الرسالة: "عالمين هذا أولاً أنه سيأتي في آخر الأيام قوم مستهزئون، سالكين بحسب شهوات أنفسهم، وقائلين أين هو موعد مجيئه، لأنه من حين رقد الآباء كل شيْ باقٍ هكذا من بدء الخليقة". إلى آخر هذا الإصحاح، وهذا أيضاً مما يستحق كل التفسير والإيضاح بما فيه من جواهر المعاني الغالية المختومة كما سنفسّره في محلّه إن شاء الله تعالى في غاية الوضوح والإفصاح، وهذه العبارة أيضاً تدل على ما ذكرناه من أن جماعة كثيرة ينكرون مجيء سيدنا المسيح له المجد، فلا نتعجب إذاً من إنكار الكثيرين لنزوله وتحريفهم البشارات الصريحة في مجيئه وظهوره، ومما يجب الانتباه إليه هو أنه بمقدار ما أوجدت محاولات المنكرين لنزوله عليه السلام بالجسد شكوكاً في القلوب المريضة، كذلك أوجدت في القلوب الصافية علماً ويقيناً أظهر وأجلى، وأورثت في النفوس الطاهرة ثبوتاً ورسوخاً أتم وأقوى، إذاً أي برهان يمكن أن يُقام على صحة مبدأ تلك البشارات في مفاهيمها الأصلية، أيْ نزول روح الله في الهيئة البشرية أعظم وأظهر وأقوى من تحقق تلك الأخبار بعد انقضاء قرون وأدوار، أليس أخبار ذاك الرسول المُجتبى - حينما لم يكن للنصرانية جمعية وهيئة اجتماعية يذكرها المؤرخون، ويعتبرها الكاتبون بأخبار وحوادث تحققت وظهرت بعد انقضاء تسعة عشر قرناً - أدلّ دليل على أنها من الأخبار السماويّة والأنباء المُعلنة بالقوّة القدسيّة الإلهية. ("من مؤلفات أبو الفضائل"، الصفحات 232-235)

ويعرّف حضرة عبدالبهاء موضوع المعاد والرجعة بقوله الأحلى: "الفرق بين المعاد والرجعة، المعاد أمر عينيّ والرجعة أمر عِلمي. من حيث الشؤون والآثار يدل على الوحدة الحقيقية بين الأبرار." ("مائدة آسماني"، المجلد 9، الصفحة 26)

وينتظر معظم أصحاب الديانات السابقة عودة مظاهرهم بأعيانها وهذا هو معنى المعاد كما فسرّه حضرة عبدالبهاء ولكنها في عُرف أهل البهاء رجعة الصفات. فيتفضل حضرة بهاءالله عن هذا بقوله الأحلى:

"هذا كتاب من لدى المظلوم الذي سُمي في ملكوت البقاء بالبهاء... وقد ورد عليه في كلّ عهد ما لا يحصيه أحد إلاّ الله الملك العلي العظيم. مرة ابتلي بيد القابيل وقُتل في سبيل الله وصعد إليه مظلوماً وكذلك كان الأمر من قبل وكان الله على ذلك لشهيد وخبير. ومرة ابتلي بيد النمرود وألقاه على النار وجعل الله النار عليه نوراً ورحمة وإنه ليحفظ عباده المقربين. ومرة ابتلي بيد الفرعون وورد عليه ما يحترق به أفئدة المخلصين. ومرة عُلّق على الصليب ورُفع إلى الله العزيز الجميل. ومرة ابتلي بيد بو جهل ثمّ الذين هم قاموا عليه بالشقاق من أهل النفاق ووردوا عليه ما لا يُذكر بالبيان وكان نفس الرحمن على ما ورد عليه لعليم وشهيد. ومرة قُتل مظلوماً في أرض الطفّ واستشهدوا معه الذين نسبهم الله إلى نفسه المقدس المنير، إلى أن قطعوا رأسه وأساروا اهله وداروهم في البلاد وكذلك قُضي عليه من جنود الشياطين. ومرة عُلّق على الهواء واستشهد في سبيل الله المهيمن المقتدر القدير..." ("آثار قلم أعلى"، المجلد 4، الصفحة 301)

ويتفضل حضرة بهاءالله جل اسمه الأعظم في "كتاب الإيقان" عن موضوع المعاد والرجعة ما يلي:

"من الواضح المعلوم لدى أهل العلم، أنه لمّا أحرقت نار المحبة العيسوية حجبات حدود اليهود، ونفذ حكم حضرته نوعاً ما حسب الظاهر، ذَكَرَ ذاك الجمال الغيبي في يوم من الأيام لبعض من أصحابه الروحانيين أمر الفراق، وأشعل فيهم نار الإشتياق قائلاً لهم :[إني ذاهب ثمّ أعود] وقال في مقام آخر: [إني ذاهب ويأتي غيري حتى يقول ما لم أقله ويتمّم ما قلته] وهاتان العبارتان هما في الحقيقة شيء واحد، لو أنتم في مظاهر التوحيد بعين الله تشهدون... نشاهد في الحقيقة أن كتاب عيسى وأمره قد ثبتا في عهد خاتم الأنبياء فمن حيث الاسم قال حضرة محمد [إني أنا عيسى]... فمن هذه الوجهة قال عيسى بنفسه إني ذاهب وراجع. مَثَلُ ذلك مَثَلُ الشمس، فإذا قالت شمس اليوم إنني أنا شمس الأمس فهي صادقة ولو قالت إنني غيرها نظراً لاختلاف الأيام فهي صادقة أيضاً..." (الصفحتين 17-18)

أما بالنسبة لانتقال حقيقة النقطة الغيبية وتجلّيها على مظاهر أمر الله فقد وضّح حضرة بهاءالله هذا الأمر من حيث الإجمال في مقدمة "لوح الإشراقات" قوله المقدس الأحلى:

"فلما أراد الخلق البديع فصّل النقطة الظاهرة المشرقة من أفق الإرادة وإنها دارت في كلّ بيت على كلّ هيئة إلى أن بلغت منتهى المقام أمراً من لدى الله مولى الأنام. وإنها هي مركز دائرة الأسماء ومِخْتَم ظهورات الحروف في ملكوت الإنشاء وبها برز ما دلّ على السرّ الأكتم والرمز المنمنم الظاهر الحاكي عن الاسم الأعظم في الصحيفة النوراء والورقة المقدسة المباركة البيضاء فلّما اتّصلت بالحرف الثاني البارز في أول المثاني دارت أفلاك البيان والمعاني وسطع نور الله الأبدي. وتقبّب على وجه سماء البرهان وصار منه النيران. تبارك الرحمن الذي لا يُشار بإشارة ولا يعبّر بعبارة ولا يُعرف بالأذكار ولا يُوصف بالآثار إنه هو الآمر الوهّاب في المبدأ والمآب وجعل لهما حُفّاظاً وحُرّاساً من جنود القدرة والاقتدار إنه هو المهيمن العزيز المختار." ("مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله"، لوح الإشراقات، الصفحتين 3-4)

ويعود حضرة عبدالبهاء ويشرح المعاد والرجعة بما يلي:

... ولنذكر عنوان هذه المسألة من الإنجيل فقد صرّح فيه أنه لمّا ظهر يحيى بن زكريا وكان يبشّر الناس بملكوت الله سألوه ’مَن أنت؟ هل أنت المسيح الموعود؟‘ فأجاب: ’لستُ بالمسيح‘، ثمّ سألوه: ’أأنت إيليا؟‘ قال: ’لا‘. فمن هذا البيان ثبت وتحقّق أن حضرة يحيى بن زكريا ليس بإيليا المعهود، ولكن حضرة المسيح يوم التجلّي في جبل طابور صرّح بأن يحيى بن زكريا كان إيليا الموعود, ففي الآية 11 من إصحاح 9 من إنجيل مرقس يقول: ’فسألوه لماذا يقول الكَتَبَة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً فأجاب وقال لهم إن إيليا يأتي أولاً ويردّ كلّ شيء وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألم كثيراً ويُرذل لكن أقول لكم أن إيليا أيضاً قد أتى وعملوا به كلّ ما أرادوا كما هو مكتوب عنه.‘

وفي إنجيل متّى آية 13 إصحاح 17 يقول ’حينئذ فهِم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان‘ والحال أنهم سألوا يوحنا المعمدان هل أنت إيليا؟ قال لا، على أنه في الإنجيل يقول أن يوحنا المعمدان كان نفس إيليا الموعود، ويصرّح المسيح أيضاً بهذا، حينئذ كان حضرة يوحنا هو حضرة إيليا فلماذا قال لستُ إيليا؟ وإن لم يكن هو إيليا فكيف يقول حضرة المسيح أنه كان إيليا؟

إذاً لم يكن النظر إلى الشخصية في هذا المقام، بل النظر إلى حقيقة الكمالات أي أن تلك الكمالات التي كانت في حضرة إيليا كانت متحققة بعينها في يوحنا المعمدان فليس النظر هنا إلى الذات بل إلى الصفات. ("من مفاوضات عبدالبهاء"، الصفحة 86)

أمثلة على الرجعة

يتفضل حضرة بهاءالله في لوح خطاباً "نصير":

"وقد أرسل النقطة الأولى روح مَن في المُلك فداه إلى محمد حسن النجفي الذي كان من كبار العلماء والمشايخ ما مضمونه... إننا بعثنا عليّاً من مرقده وأرسلناه إليك بألواح مبين ولو عرفته وسجدت بين يديه في كلّ آن كان أفضل من عبادتك سبعين سنة وَلَكُنّا بعثنا من حرفك الأول محمد رسول الله ومن حرفك الثاني الحرف الثالث الذي هو الإمام الحسن ولكنكَ احتجبتَ عن هذا الشأن وخاطبناك بما ينبغي لك...

لاحظوا عظمة الأمر وأن عليّاً الذي أرسلناه إلى الشيخ المذكور كان الملاّ علي البسطامي." (مجموعة "ألوح مباركة حضرة بهاءالله"، الصفحتين 190-191)

ذكر المرحوم المجلسي في المجلد الثالث عشر من "بحار الأنوار" في باب الرجعة:

1- روى البُزَنطي بسنده عن حضرة الصادق أنه قال:

"أول من يَنشقّ الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي عليه السلام."

2- روى حمّاد بسنده عن الإمام الباقر أنه قال:

"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليّاً سيرجعان."

3- روى سعد عن حضرة الباقر بسنده أنه قال:

"أول من يرجع الحسين عليه السلام فيملك حتى تقع حاجباه على عينيه مِن الكبر."("قاموس الإيقان"، -فارسي- المجلد 2، الصفحة 765)

4- في خطبة لحضرة الأمير (علي) عليه السلام في شرح مقاماته العالية إلى أن يقول:

... إن لي الكرّة بعد الكرّة والرجعة بعد الرجعة وأنا صاحب الرجعات والكرّات وأنا صاحب الصولات والنقمات والدولات العجبات.

5- سُئل الإمام أبو عبد الله عن قوله تعالى "ويوم نحشر مِن كلّ أمّة فوجاً" قال ما يقول الناس فيها؟ قلت يقولون أنها القيامة، فقال أبو عبد الله: يحشر الله يوم القيامة من كلّ أمّة فوجاً ويترك الباقين إنما ذلك في الرجعة فأمّا آية القيامة فهذه: وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً...

وقد روى المجلسي أخباراً كثيرة كالتي ذُكرت وعيّن في عدة أحاديث دورة سلطنة الحسين في الرجعة بأربعين سنة. وعن حضرة الصادق أنه قال: "أول من يكرّ في الرجعة الحسين بن علي ويمكث في الأرض أربعين سنة حتى يسقط حاجباه على عينيه..."

... وقال الصدوق في رسالة العقايد: "اعتقادنا في الرجعة أنها حقّ..."

يتفضل حضرة بهاءالله عن رجعة الحسين بما يلي:

"هو العزيز العليم الباقي الكريم"

"... قل يا قوم إن لن تؤمنوا بهذه الآيات فبأيّ برهان آمنتم بالله مِن قبل فأتوا به ولا تكونن من الصابرين، قل يا قوم ألست ابن عليّ بالحق، أما سُمّيت بالحسين في جبروت الله المهيمن العزيز الكريم وأما قرأت عليكم في كلّ يوم من آيات عجزت الأفئدة عن إحصائها بل عقول المقربين..." (كتاب "لئالئ الحكمة"، المجلد 2، الصفحة 22)

ويقول الشيخ أحمد الأحسائي في رسالة العصمة والرجعة:

اعلم أن الرجعة سرّ من الأسرار الإلهية، وثمرة ونتيجة الإيمان بالغيب هو الإقرار بالرجعة والمراد من الرجعة هو أن الأئمة عليهم السلام والشيعة وأعداء الأئمة، يعني المؤمنين المخلصين والأعداء اللدودين سيرجعون وأن الناس الذين هلكوا في هذه الدنيا نتيجة العذاب لا يرجعون ولا يعودون إلى هذه الدنيا. ("قاموس الإيقان"، -فارسي- المجلد 2، الصفحة 766)

"ادخلوها بسلام آمنين"

كانت هذه الآية المباركة هي أول ما طرق سمع الملاّ حسين البشروئي (باب الباب) حين دخوله من عتبة باب منزل حضرة الأعلى (الباب) في شيراز يوم 4 ليلة 5 جُمادى الأولى أي ليلة إعلان دعوة حضرة الباب للملاّ حسين المذكور سنة 1260ه‍ حيث سمع النداء الذي كان مؤهلاً لسماعه منذ القِدَم وبه دخل الجنة فكان أول رجل يدخلها وتشرّف بلقاء الله، ولم يكن ذلك الأمر مصادفة فإن حقيقة الملاّ حسين القديمة تمنّت هذا اليوم الذي تدخل فيه جنة اللقاء وتحقّق له حكم الآية: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر".

تحقّق للملاّ حسين البشروئي ما تمنّى وذلك فيما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه: وعن جابر رضي الله عنه قال:

"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن قال حين بسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلاّ حلّت له الشفاعة يوم القيامة. (رواه البخاري ومسلم)

وكما قال أحمد، أنبأنا سفيان عن ليث عن كعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلّيتم فسلوا الله لي الوسيلة، قيل يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلاّ رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو.

ولمسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الناس تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة. (رواه البخاري ومسلم)

(كتاب "اليوم الآخر في ظلال القرآن"، الصفحتين 315-316)

ونلقي مزيداً من الضوء على موضوع المعاد والرجعة في الآيات التالية النازلة من قلم حضرة بهاءالله في "سورة وفا" قوله تعالى:

"... أمّا ما سألتَ في المعاد فاعلم بأن العَوْد مثل البدء وكما أنت تشهد البدء [ظهور حضرة الأعلى] كذلك فاشهد العَوْد [ظهور حضرة بهاءالله] وكن من الشاهدين بل فاشهد البدء نفس العَوْد وكذلك بالعكس لتكون على بصيرة منير... وأمّا عَوْد الذي هو مقصود الله في ألواحه المقدس المنيع وأخبر به عباده هو عَوْد الممكنات في يوم القيامة وهذا أصل العَوْد كما شهِدتَ في أيام الله وكنتَ من الشاهدين... فاشهد في ظهور نقطة البيان جل كبرياؤه إنه حكم لأول من آمن بأنه محمد رسول الله هل ينبغي لأحد أن يعترض ويقول هذا عجمي وهو عربي أو هذا سُمي بالحسين وهو كان محمداً في الاسم؟... وإن فَطِنَ البصير لن ينظر إلى الحدود والأسماء بل ينظر بما كان محمداً عليه وهو أمر الله وكذلك ينظر في الحسين على ما كان عليه من أمر الله... ولمّا كان أول من آمن بالله في البيان على ما كان عليه محمد رسول الله لذا حَكَمَ عليه بأنه هو هو أو بأنه عَوْده ورجعه. وهذا المقام مقدس عن الحدود والأسماء ولا يُرى في هذا إلاّ الله الواحد الفرد العليم. ثمّ اعلم بأنه في يوم الظهور لو يحكم على ورقة من الأوراق كلّ الأسماء من أسمائه الحسنى ليس لأحد أن يقول لِمَ وبِمَ ومن قال فقد كفر بالله وكان من المنكرين." (كتاب "مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله"، الصفحتين 173-174)

رأى علي خان [حاكم قلعة ماه كو] رؤيا قال: "رأيت كأني أُخبِرت فجأة بعزم محمد رسول الله على المجيء إلى ماه كو وأنه سوف يحضر إلى القلعة ليزور الباب وليهنئه بعيد النوروز فخرجت جرياً لمقابلته وأنا مشتاق لأقدّم خضوعي وترحيبي لزائر مقدس مثله، وبفرح لا يوصف أسرعت لناحية النهر، ولما وصلتُ إلى القنطرة التي هي على بُعد ميدان [جزء من فرسخ] من بلدة ماه كو، رأيت اثنين قادمين نحوي وظننت أن أحدهما رسول الله نفسه والآخر الذي يسير خلفه أحد أصحابه الممتازين، فأسرعت إلى الوقوع على أقدامه وانحنيت لأقبّل طرف ردائه وإذ ذاك استيقظت فجأة... وإذ أيقنت بصحة رؤياي... ذهبت إلى تلك البقعة التي نظرتُ فيها في الرؤيا وجهَ الرسول وأمرتُ أحد أتباعي أن يسرج لي ثلاث جياد من خيارها وأسرعها وأن يقودها إلى القنطرة. وعند طلوع الشمس خرجت وحدي وبدون حرس ومررت في مدينة ماه كو في طريق النهر وما كدت أصل إلى القنطرة حتى عجبت لرؤيتي الرجلين اللذين شاهدتهما في الرؤيا يمشيان الواحد خلف الآخر ويسيران نحوي وبدون أيّ تفكّر وقعت على قدم الشخص الذي اعتقدت أنه الرسول وقبّلته بإخلاص ورجوته هو ورفيقه أن يركبا الجياد التي أحضرها أحد أتباعي بقية الطريق... لكنه رفض طلبي قائلاً: كلاّ لقد أقسمت أن أقوم بالرحلة كلّها سيراً على الأقدام وسأمشي إلى قمة هذا الجبل حيث سأقوم بزيارة سجينك. (من كتاب "مطالع الأنوار"، الصفحة 204)

لم يكن هذا الزائر سيدنا محمد كما رأى علي خان في حلمه بل كان الملاّ حسين البشروئي...

ويتفضل حضرة بهاءالله في "كتاب الإيقان" أيضاً:

إذا فادرك الآن حكم الرجوع الذي نزل في نفس الفرقان بتلك الدرجة من الصراحة، والذي ما فهمه أحد إلى اليوم. والآن فماذا تقول؟ لو تقول أن محمداً كان رجعة الأنبياء الأولين كما هو مستفاد من الآية،[1] فكذلك أصحابه أيضاً هم رجعة أصحاب الأنبياء الأولين، حيث أن رجعة عباد القبل واضحة ولائحة أيضاً من الآيات المذكورة. ولو ينكرون ذلك يكونون قائلين بخلاف حكم الكتاب الذي هو الحجة الكبرى. إذاً فادرك أنت على هذا المنوال حكم الرجع والبعث والحشر الذي كان في أيام ظهور مظاهر الهوية، حتى ترى بعينيّ رأسك رجوع الأرواح المقدسة في الأجساد الصافية المنيرة، وتزيل غبار الجهل، وتطهر النفس الظلمانية بماء الرحمة المتدفق من العِلم الرحماني، لعل تُميّز سبيل الهداية من ليل الضلالة بسراجه النوراني، وتُفرّق بينهما بقوة الرحمن وهداية السبحان...

... إن جميع الأنبياء هم هياكل أمر الله، الذين ظهروا في أقمصة مختلفة... فإذاً لو

يقول أحد من هذه المظاهر القدسية، إني رجعة كلّ الأنبياء فهو صادق. وكذلك يثبت في كلّ ظهور لاحق صدق رجوع الظهور السابق. وإذا كان قد ثبت رجوع الأنبياء وفقاً للآيات وطِبقاً للأخبار كذلك يثبت ويتحقّق رجوع الأولياء أيضاً وهذا الرجوع أظهر من أن يحتاج إلى أيّ دليل أو برهان... (الصفحات 119-121)

رجعة الأولياء والمؤمنين

أمّا عن رجعة الأولياء والمؤمنين فيتفضل حضرة بهاءالله بقوله العزيز:

"... اكرعوا يا أهل الأرض والسماء كأس البقاء من أنامل البهاء في هذا الرضوان العلي الأعلى. تالله مَن فاز برشح منها لن يتغير بمرور الزمان ولن يؤثر فيه كيد الشيطان، ويبعثه الله عند كلّ ظهور بجمال قدس عزيز..." (من كتاب "رسالة الأيام التسعة"، الصفحة 137)



1 الآية الخاصة بالبيان المذكور أعلاه "قد جاءكم رسل من قَبْلي بالبينات وبالذي قلتم فَلِم قتلتموهم إن كنتم صادقين" [سورة آل عمران، الآية 183]

(المرجع: قاموس الإيقان -فارسي- المجلد 3، الصفحة 1225)

Wednesday, July 8, 2009

تفسير البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم)-३-والأخير

تفسير البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم)

بسم اللّه الرحمن الرحيم

(3) والأخيره

و لنعد الی معنی البسملة و نقول فی بيان الرحمن و الرحيم اعلم انّ الرحمة عبارة عن الفيض الالهی الشامل لجميع الموجودات و سعت رحمته کلّ شیء و انّها مصدر لجميع الممکنات من جميع الشؤون و الاطوار و الظواهر و الاسرار و الحقيقة و الوجود و الآثار و التعيّنات و القابليّات و التشخصّات من الغيب و الشهادة فی عالم الانوار. و انّها تنقسم قسمين بالرحمة الذاتيّة الالهيّة و هی عبارة عن افاضة الوجود بالفيض الاقدس الأعلی فی جميع المراتب والمقامات الّتی لا نهاية لها للحقائق و الاعيان الثابتة فی حضرة العلم الذاتی الأعلی و بالرحمة الصفاتيّة الفائضة من الحضرة الرحمانيّة بالفيض المقدّس الأوّل بحسب الاستعداد و القابليات المستفيضة من التجلّيات الظاهرة الباهرة فی أعيان الموجودات. و کلّ واحدة منهما تنحلّ الی رحمة عامّة . الّتی تساوت فيها الحقائق الموجودة من حيث الوجود العلمی و العينی و رحمة خاصّة ظهر برهانها و انکشفت أسرارها و اشتهرت آياتها و خفقت راياتها و تلألأت أنوارها و تموّجت بحارها و طلعت شموسها واکفهرّت نجومها و رقّ نسيمها و فاح شميمها و أضاء أفق مبينها فی الحقائق النورانيّة الّتی استضائت و استفاضت و استنارت من الاشعّة الساطعة من شمس الحقيقة فی جميع الشؤون و الاطوار و الاحوال و الآثار. و بمثل هذا فانظر فی عالم التشريع والظهور و الاشراق تری انّ الفيض الاقدس الخاصّ الّذی به وجود الهياکل القدسيّة و الکينونات المنزّهة اللطيفة الروحانيّة هو افاضة الهداية الکبری و ايقاد نار المحبّة الالهيّة الموقدة فی القلوب الصافية المشتعلة من النفس الرحمانی و المدد السبحانی و الفيض الالهی و الجود الصمدانی و تجد انّ الفيض المقدّس الربّانی هو افاضة الکمالات و الفيض الوجدانی و الصفات و الملکات و العطاء الروحانی و الخصائل و الفضائل الّتی بها حيات العالم و نورانيّة سائر الأمم فهاتان الرحمتان الذاتيتان أی الخاصّة و العامّة. الصادرتان من الفيض الاقدس الالهی الذاتی مذکورتان فی البسملة الّتی فاتحة الايجاد و افاضة الوجود للموجودات المجرّدة و المادّية و أمّا الرحمتان الصفاتيتان الخاصّة و العامّة. الصادرتان من الفيض المقدّس الصفاتی فهما مذکورتان فی الفاتحة الّتی هی بيان المحامد و النعوت الالهيّة. و بهذه کفاية لمن أراد ان يطّلع باسرار البسملة و الّا ليس لمعانيها بداية و نهاية و الروح و البهاء علی أهل الهداية و السلام. .(المكاتيب-ج1-حضرة عبد البهاء)

Friday, June 26, 2009

في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم-(2)


في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم-(2)

و ايضاً قال فی شرح القصيدة و هو باء بسم اللّه الرحمن الرحيم الّتی ظهرت الموجودات فيها و هی الالف المبسوطة و شجرة طوبی و اللوح الأعلی. فاذا اطّلعت بهذه الاسرار و أشرق عليک الانوار و هتکت الاستار و خرقت الحجبات المانعة عن مشاهدة العزيز الجبّار و شربت الرحيق فی الکأس الانيق من يد الرحمن فی رياض العرفان و لاحظتک عين العناية بجود واحسان و عرفت حقائق المعانی و الرموز و الاسرار الفائضة من حرف الاسم الاعظم فی عالم الانوار قل تعالی من هذا السرّ العجيب و تبارک اللّه من هذا الکنز الغريب و القدرة و القوّة و العزّة و الکبرياء للناطق بالحقّ و الهدی من هذا الحرف الّذی جمع الحقائق و المعانی کلّها و دقائق الکلمات باسرها حتّی الزبر و الصحف الأولی و ألواح ملکوت ربّک الأبهی و هذا بيان فی منتهی الاجمال و تبيان فی غاية الاختصار فی معانی هذا الحرف الکريم من النبأ العظيم فانّ أطلق زمام جواد المداد فی مضمار المعانی الکلّيّة و الحقائق الجليلة الّتی تتموّج کالبحار و تتلاطم کالمحيط الزخّار فی حقيقة سرّ الاسرار، الساری فی بواطن هذا الحرف المبين و النور القديم لضاقت صفحات الآفاق و تتابع هذا الاشراق. مستمرّاً فی مطالع الاوراق و لکن أين المجال فی مثل هذه الاحوال و انّی لهذا الطير المنکسر الجناح الطيران فی أوج العرفان بعد ما حجبت الابصار عن مشاهده الانوار و صمت الآذان عن استماع نداء الرحمن و القوم فی حجاب عظيم و ضلالهم القديم لعلّ اللّه بيد القدرة العظمی يشقّ الحجبات الظلماء عن أعين الرمداء و البصائر المبتلية بالعمی عند ذلک تسمع نغمات عندليب الوفاء علی أفنان دوحة الذکری. و أمّا الآن نمسک العنان فی ميدان التبيان و نبتدء ببيان معنی الاسم و نقول انّ الاسماء الالهيّة مشتقّة من الصفات الّتی هی کمالات لحقيقة الذات و هی أی الاسماء فی مقام أحديّة الذات ليس لها ظهور و تعيّن و لا سمة و لا اشارة و لا دلالة بل هی شؤون للذات بنحو البساطة و الوحدة الاصليّة ثمّ فی مقام الواحديّة لها ظهور و تعيّن و تحقّق و ثبوت و وجود فائض منبعث من الحقيقة الرحمانيّة علی الحقائق الروحانيّة و الکينونات الملکوتيّة فی حضرة الاعيان الثابتة. فمن ثمّ انّ الذات من حيث الربوبيّة لها تجلّيات و اشراقات علی الحقائق الکونيّة و الموجودات الامکانيّة. يستغرق بها تلک الحقائق فی مقتضياتها و آثارها و شؤونها و کمالاتها و أسرارها فی الحقيقة الاولی بالوجه الأعلی فبذلک الاعتبار أی أحديّه الذات الاسم عين المسمّی و حقيقته و هويّته و ليس له وجود زائد ممتاز عن الذات فانّ الوجود امّا عين الماهيّة أو غيرها. فاذا کان غيرها هل هو ملازم لها و من مقتضاها من غير تعطيل و أنفکاک أو جاز التعطيل و الانفکاک فالأوّل حقيقة الذات من حيث أحديتّه وجوده عين ماهيّته و ماهيّته عين وجوده و الثانی مقام الوجوب فالوجود ممتاز عن الماهيّة و ملازم لها بوجه لا يتصوّر الانفکاک و لا يتخطّر الانفصال لانّه من مقتضاها و الثالث مقام الامکان أی الوجود المستفاد من الغير المکتسب عمّن سواه. فوجوده غير ماهيّته و ماهيّته غير وجوده مع جواز الانفکاک و الانفصال و مثله فی المضيئات. فانظر فی جرم القمر حال کونه ساطعاً منيراً لامعاً. انّما اکتسب و استفاد النور من الشمس و غير ملازم له و يجوز انفکاکه منه و هذا مقام الوجود الامکانی و شأنه الحدوث فی عالم الکيان. لانّ الماهيّة غير الوجود و الوجود غير الماهيّة و يجوز الانفکاک بينهما. و أمّا الشمس مع وجود الجرم و الضياء أی الماهيّة و الوجود بالاستقلال و الامتياز بينهما الالتزام و الاقتضاء أی الضياء ملازم لجسمها و جسمها مقتضی له بوجه لا انفکاک و لا انفصال و لا انقطاع. لانّها شمس بوجوب الضياء و اذ وقع أدنی توهّم التعطيل سقطت عن الوجوب الذاتی و الضياء الاستقلالی و ثبت الاستفادة و الاستفاضة من الغير و هذا شأن الامکان ليس شأن الوجوب. و امّا حقيقة النور بذاته فی ذاته فشعاعه عين جسمه و جسمه عين شعاعه أی ماهيّته عين وجوده و وجوده عين ماهيّته لا تتصوّر الکثرة و الامتياز و لا تتوهّم الغيريّة و الاختلاف. و هذا مقام الوجود البحت و واحديّة الذات. مع بساطة و وحدة الاسماء و الصفات. فاذا کان الوجود المفهوم المحاط الواقع تحت التصوّر و الادراک من حيث حقيقته المجرّدة عن النسب و الاضافات هويّة مقدّسة عن الکثرات فی أحديّة الذات فما ظنّک بالحقيقة البسيطة الکلّيّة الّتی هی محيطة بالحقائق و الادراکات و منزّهة عن الاوهام و الاشارات بل عن کلّ وصف و نعت من جوهر الأحديّة و ساذج الواحديّة. لانّها حقيقة صمدانيّة مجرّدة عن کلّ سمة و اشارة و دلالة فهل يتصوّر فيها التکثّر و التعدّد و الامتياز من حيث کمالات الذات و وجه تعلّقه بالصفات و جامعيّة للاسماء الالهيّة و الربوبيّة المقتضية لوجود الممکنات. أستغفر اللّه عن ذلک تبارک اسم ربّک ذو الجلال و الاکرام. فبهذا الدليل و البرهان و المکاشفة و العيان ثبت انّ الاسم فی الحقيقة الاولی عين المسمّی و کنهه و هويّته و ذاته و حقيقته لانّ الاسماء و الصفات فی الحقيقة تعبيرات کماليّة و عنوانات حقيقة واحدة. کان اللّه و لم يکن معه شیء و هذا بيان شاف کاف ظاهر باهر لا رموز و لا غموض يزيل کلّ حجاب و يکشف کلّ نقاب عن وجه الحقيقة عند من بلغ مقام المکاشفة و الشهود. بتأييد من الربّ الودود. و المقصود من الاسماء معانيها المقدّسة و حقائقها المنزّهة. عن کلّ دلالة و اشارة فانّ الاسماء المنطوقة الملفوظة باعانة الهواء فی عالم الشهادة لا شکّ انّها غير المسمّی لانّها اعراض تعتری الهواء و اشارات للمعانی الموجودة المعقولة فی الافئدة المقدّسة و العقول المجرّدة بل المراد المعنی القائم بالذات بوجه البساطة و الوحدة دون شائبة الامتياز فلنختصر فی بيان الاسم و نذکر معانی الاسم الجليل و الذکر الحکيم و العنوان الالهی فی لسان القاصی و الدانی. أی اسم الجلالة المتصرّف فی عالم الغيب و الشهادة و نقول انّ المفسرّين و المأوّلين من أهل الظاهر و الباطن و اللبّ و القشور بمثل ما تحيرّت عقولهم و ذهل شعورهم. فی ادراک کنه ذات الأحديّة و حقيقة صفاته الکماليّة. قد تکثّرت بياناتهم و تعددّت تعريفاتهم و اختلفت معانيهم و احتارت عقولهم و عجزت نفوسهم فی بيان حقيقة مفهوم هذا الاسم الکريم و العلم العظيم و اشتقاقه قوم ذهبوا انّ اللام للتعريف و الاله اسم مصدر بمعنی المألوه کالکتاب بمعنی المکتوب و قالوا معناه المعبود بالاستحقاق و المنعوت بکلّ کمال جامع عند ملأ الآفاق و قوم اعتقدوا انّ معناه و فحواه المحتار فی ادراک کنهه کلّ العقول و النفوس علی الاطلاق و أمثال ذلک کما هو المذکور فی الکتب و الاوراق. و أصحّ الاقوال عند المحقّقين منهم انّه علم للذات المستجمع لجميع الصفات الکماليّة الفائض بالوجود و الشؤون الالهيّة علی الموجودات الکونيّة و اختصروا علی ذلک و نحن لسنا بصدد ذلک و لا نسلک فی أضيق المسالک بل نقول انّ هذه الکلمة الجامعة و الحقيقة الکاملة من حيث دلالتها علی کنه الذات البحت البات لا يتصوّر عنها الاشارة و لا تدخل فی العبارة. أمّا من حيث ظهور الحقّ سبحانه و تعالی بمظهر نفسه و استقراره و استوائه علی العرش الرحمانی. هذه الکلمة الجامعة بجميع معانيها و مبانيها و اشاراتها وبشاراتها و شؤونها و حقائقها و آثارها و أنوارها و باطنها و ظاهرها و غيبها و شهودها و سرّها و علانيتها و أطوارها وأسرارها ظاهرة باهرة ساطعة لامعة فی الحقيقة الکلّيّة الفردانيّة و السدرة اللاهوتيّة و الکينونة الربّانيّة و الذاتيّة السبحانيّة، الهويّة المطلقة المجلّيّة بصفتها الرحمانيّة و شؤونها الصمدانيّة، الناطقة فی غيب الامکان قطب الاکوان، المشرقة فی سيناء الظهور طور النور فاران الرحمن المتکلّمة فی سدرة الانسان. انّی أنا اللّه الظاهر الباهر المتجلّی علی آفاق الامکان بحجّة و برهان و قدرة و قوّة أحاطت ملکوت الاکوان خضعت الاعناق لآياتی و خشعت الاصوات لسلطانی و شاخصت الابصار من أنواری و ملئت الآفاق من أسراری و قامت الاموات بنفحاتی و استيقظت الرقود من نسماتی و حارت العقول فی تجلّياتی و اهتزّت النفوس من فوحاتی و قرّت العيون بکشف جمالی و تنورّت القلوب بظهور آثاری و انشرحت الصدور فی جنّة لقائی و فردوس عطائی. فآه آه يا ايّها السائل الناظر الی الحقّ بعين الخلق، المستوضح الدليل من ابناء السبيل لو استمعت باذن الخليل لسمعت الصريخ و العويل و الانين و الحنين من حقائق الموجودات و الالسنة الملکوتيّة من الممکنات بما غفل العباد و ضلّوا عن الرشاد فی يوم الميعاد عن الصراط الممتدّ بين ملکوت الأرض و السموات. مع انّ کلّ الأمم مبشّرة و موعودة فی صحائف اللّه و کتبه و صحفه و زبره بصريح العبارة، المستغنية عن الاشارة، بهذا الظهور الاعظم و النور الاقدم و الصراط الاقوم و الجمال المکرّم و النيّر الافخم. فاذا راجعت تلک الصحائف و الرّقاع تجدها ناطقة بانّ هذا القطر العظيم و الاقليم الکريم منعوت بلسان الانبياء و المرسلين، موصوف و موسوم بانّه أرض مقدّسة و خطّة طيّبة طاهرة و انّها مشرق ظهور الرّبّ بمجده العظيم و سلطانه القويم و انّها مطلع آياته و مرکز راياته و مواقع تجلّياته و سيظهر فيها بجنود حياته و کتائب أسراره و انّها البقعة البيضاء و انّ فيها الجرعاء بوادی طوی و فيها طور سيناء و مواضع تجلّی ربّک الأعلی. علی أولی العزم من الانبياء. و فيها الوادی الايمن البقعة المبارکة و الوادی المقدّس و فيها سمع موسی بن عمران نداء الرحمن من الشجرة المبارکة الّتی أصلها ثابت و فرعها فی السماء. و فيها نادی يحيی بن زکريّا يا قوم توبوا قد اقترب ملکوت اللّه. و فيها انتشرت نفحات روح اللّه و رفع منه النداء . ربّی ربّی الهی الهی ايّدنی بروحک علی أمرک الّذی تزلزل منه أرکان الأرض و قواة السماء. و فيها المسجد الاقصی . الّذی بارک اللّه حوله و اليها أسری بالجمال المحمّدی فی ليلة الاسراء. ليری من آيات ربّه الکبری و وروده عليها هو العروج الی الملکوت الأعلی و الافق الأبهی. فتشرّف بلقاء ربّه و سمع النداء و اطّلع باسرار الکلمة العليا و بلغ سدرة المنتهی و دنی فتدلّی فکان قاب قوسين أو أدنی و دخل الجنّة المأوی و الفردوس الأعلی و أراه اللّه ملکوت الأرض و السماء. کلّ ذلک بوفوده علی ربّه فی هذه البقعة المبارکة النوراء و هذه الحظيرة المقدّسة البيضاء و هذا کلّه صريح الآية من غير تفسير و تأويل و اشارة لا ينکره الّا کلّ معاند جحود جهول و لا يتوقّف فی الاذعان به الّا کلّ من انکر صحف اللّه و زبره و نعوذ باللّه من کلّ لجوج و عنود. و اذا عاند معاند و قال تلک الاوصاف و النعوت و المحامد الّتی شاعت و ذاعت فی صحائف الملکوت انّما حازها هذا الاقليم الکريم و القطر العظيم حيث کان منشأ الانبياء و موطن الاصفياء و ملجأ الاتقياء و ملاذ الاولياء. فی زمن الأوّلين فالجواب القاطع و البرهان الساطع انّ اللّه شرّف و بارک و قدّس هذه البقعة النوراء. بتجلّياته و ظهور آياته و نشر راياته و بعث رسله و انزال کتبه. و ما نبيّ و لا رسول الّا و هو بعث منها. أو هاجر اليها. أو تشرّف بطوافها أو کان معراجه فيها. فالخليل آوی الی کهف الربّ الجليل فيها و موسی بن عمران سمع نداء الربّ المنّان. من الشجرة المبارکة المرتفعة فی طور سيناء فيها و الی الآن لم يلتفتوا الناس ما معنی هذه الواقعة العظيمة المذکورة فی کلّ الصحف و الزبر و ما هذه الشجرة المبارکة زيتونة لا شرقيّة و لا غربيّة يکاد زيتها يضیء و لو لم تمسسه نار نور علی. نور فالشجرة هذه الحقيقة الظاهرة الباهرة اليوم . الناطق من فی نارها بورک من فی النار فموسی ابن عمران کان يسمع هذا النداء منها و ذلک الاستماع و الاصغاء مستمرّ الی الآن. لانّ حدود الزمان ليس لها حکم فی عالم الرحمن و مقامات الالوهيّة و الربوبيّة المقدّسة عن الوقت و الأوان. جميع الازمنة فيها زمن واحد و الاوقات وقت واحد و فيها يتعانق الماضی و الحال و الاستقبال لأنّه عالم أبد سرمد دهر ليس له أوّل و لا آخر فلذرجع الی بيان ما کنّا فيه و نقول و انّ المسيح نادی ربّه لبيّک اللّهمّ لبيّک فی جبالها و سهولها و انتشرت روائح قدسه فيها و الحبيب أسری به اليها و تشرّف بلقاء ربّه و رأی آياته العظمی فی مشارقها و مغاربها بوفوده عليها و قس علی ذلک سائر الانبياء و المرسلين. الی ان ظهر هذا الامر المبين الکريم و النبأ العظيم و السرّ القديم و دار فی الاقطار الشاسعة و الاقاليم الواسعة الی ان تلألأ هذا الاشراق فی هذه الآفاق و استقرّ العرش الاعظم فی هذا القطر المکرّم. فلو کان شرفها و عزّها و سموّها و تقديسها وتنزيهها لبعث الانبياء فيها و هجرتهم اليها و وفودهم عليها لما خوطب موسی بن عمران "فاخلع نعليک انّک بالوادی المقدّس طوی" لو کانت البقعة المبارکة شرفها بقدومه لما امر بخلع نعله بخضوع و خشوع الّذی من لوازم آداب الوفود علی ملک کريم و سلطان عظيم و قال "بورک من فی النار" و بهذه کفاية لمن ألقی السمع و هو شهيد و الّا ولو يأتيهم بکلّ آية لن يؤمنوا بها و "ما تغنّی الآيات و النذر" صدق اللّه العظيم . و فی کتاب محيی الدين انّ هذه الأرض المقدّسة أرض ميعاد أی تقوم فيها القيامة الکبری و هی البقعة البيضاء. و انّ الملحمة الکبری بمرج عکّا و تصبح أرضها کلّ شبر منها بدينار و فی جفر ابن مجله انّ مرج عکّا مأدبة اللّه و اذا أردنا بيان الاحاديث و الاخبار و الروايات الواردة فی مناقب هذه الأرض المقدّسة ليطول بنا الکلام و نقع فی الملام. فاختصرنا بما هو صريح القرآن و اشرنا مجملاً لما هو فی الصحف الاولی و السلام علی من اتّبع الهدی.(المكاتيب-ج1-حضرة عبد البهاء)

وانتظرونا وبقية هذا التفسير في مقالنا القادم


Sunday, June 14, 2009

تفسير البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم(1)

بسم اللّه الرحمن الرحيم


اعلم انّ البسملة عنوانها الباء و انّ الباء التدوينی هی الحقيقة المجملة الجامعة الشاملة للمعانی الالهيّة و الحقائق الربّانيّة و الدقائق الصمدانيّة و الاسرار الکونيّة. و هی فی مبدء البيان و جوهر التبيان عنوان الکتاب المجيد و فاتحة منشور التجريد بظهور لا اله الّا اللّه کلمة التوحيد و آية التفريد و التقديس. من حيث الاجمال و التفصيل و انّ الباء التکوينی هی الکلمة العليا و الفيض الجامع اللامع الشامل المجمل الحائز للمعانی و العوالم الالهيّة و الحقائق الجامعة الکونيّة. بالوجه الأعلی. لانّ التدوين طبق التکوين و عنوانه و ظهوره و مثاله و مجلاّه و تجلّيه و شعاعه عند تطبيق المراتب الکونيّة بالعالم الأعلی فانظر فی منشور هذا الکون الالهی تلقاه لوحاً محفوظاً و کتاباً مسطوراً و سفراً جامعاً و انجيلاً ناطقاً و قرآناً فارقاً و بيانا" واضحاً. بل أمّ الکتاب الّذی منه انتشر کلّ الصحائف و الزبر و الالواح و انّ الموجودات و الممکنات و الحقائق و الاعيان کلّها حروف و کلمات و أرقام و اشارات تنطق بافصح لسان و ابدع بيان بمحامد موجدها و نعوت منشئها و تسبيح بارئها و تقديس صانعها. بل کلّ واحدة منها قصيدة فريدة غرّا ء و خريدة بديعة نوراء "قل لو کان البحر مداداً لکلمات ربّی لنفد البحر قبل أن تنفد کلمات ربّی ولو جئنا بمثله مدداً" و لا يحيطون بشیء من علمه و هذا الرق المنشور و حقيقة الزبور المحتوی علی کلمات الوجود منظوماً و منثور . تلاه علينا الربّ الغفور تلاوة آيات الکينونة بسرّ البينونة اجمالاً و تفصيلا من حيث الايجاد من الغيب الی الشهود. و لا زالت هذه الکلمات صادرة و الآيات نازلة و البيّنات واضحة و المعانی ظاهرة و الحقائق بارزة و الاسرار کاشفة و الرموز سافرة و الالسن ناطقة. سرمداً أبداً فی هذه النشأة الکبری و مجالی القدرة العظمی، فسبحان ربّی الأعلی طوبی لاذن واعية و أسماع صاغية و أفئدة صافية و ادراکات کافية تنتبه لاستماع هذه الآيات الجليلة و ادراک المعانی الکلّيّه الالهيّة.
و لنرجع الی بيان الباء و نقول انّها متضمنّة معنی الالف المطلقة الالهيّة بشؤونها و أطوارها اللينية و القائمة و المتحرّکة والمبسوطة و نحوها فی البسملة الّتی هی عنوان کتاب القدم بالطراز الأوّل، المشتملة علی جميع المعانی الالهيّة و الحقائق الربّانيّة و الاسرار الکونيّة المبتدء فيها بالحرف الأوّل، من الاسم الاعظم . بالوجه الاتمّ الاقوم کما قال امام الهدی جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام فی تفسير البسملة "الباء بهاء اللّه" و القوم انّما اعتبروا الحذف و التقدير للالف بين الباء و السين جهلاً و سفهاً. حيث لم ينتبهوا لمعرفة الآيات الباهرة و البيّنات الظاهرة و الجامعية الکاملة الشاملة الزاهرة السافرة فی هذا الحرف المجيد و السرّ الفريد. لانّها متضمنّة بالوجه الأعلی جميع المعانی الکلّية المندمجة المندرجة فی هويّة الحروفات العاليات و الکلمات التامّات. أما تری انّ الالف ظهرت فی سبح اسم ربّک الأعلی و اقرأ باسم ربّک و باسم اللّه مجريها و مرسيها. لا سيّما انّها أی الباء الف مطلقة الهية فی غيبها و ألف مبسوطة فی شهادتها و عينها فاجتمعت الشهادة و الغيب و العلم و العين و الباطن و الظاهر و الحقيقة و الشؤون فی هذا الحرف الساطع البارع الصادع العظيم. و انّ سائر الحروف و الکلمات شؤونها و أطوارها و آثارها و أسرارها. فانّها مبدء الوجود .
و مصدر الشهود فی عالمی التکوين و التدوين و انّها عنوان الکتب الالهيّة و الصحف الربّانيّة و الزبر الصمدانيّة. فی البسملة الّتی هی فاتحة الالواح و الاسفار و الصحائف و القرآن العظيم. و هذه الکتب باجمعها و اتمّها و أکملها و جميع معانيها الالهيّة المندرجة المندمجة فی حقيقة کلماتها سارية جارية فی هويّة هذا الحرف الکريم و العنوان المجيد کما هو مسلّم عند أولی العلم. و مروی عن علی عليه السلام انّ کلّ ما فی التوراة و الانجيل و الزبور فی القرآن و کلّ ما فی القرآن فی الفاتحة و کلّ ما فی الفاتحة فی البسملة و کلّ ما فی البسملة فی الباء و کلّ ما فی الباء فی النقطة. و المراد من النقطة الالف اللينية الّتی هی باطن الباء و عينها فی غيبها و تعينّها وتشخصّها و تميزها فی شهادتها.
و قد صرح به من شاع و ذاع فی الآفاق علمه و فضله السّيّد الأجلّ الرشتی فی ديباجة کتابه و فصل خطابه شرحاً علی القصيدة اللاميّة.
"فقال الحمد للّه الّذی طرّز ديباج الکينونة بسرّ البينونة بطراز النقطة البارز عنها الهاء بالالف بلا اشباع و لا انشقاق" فهذه النقطة هی الالف اللينية الّتی هی غيب الباء و طرازها و عينها و جمالها و حقيقتها و سرّها و کينونتها کما بيّنّاه آنفاً و هذه العبارة الجامعة اللامعة الواضحة الصريحة ما أبدعها و أفصحها و أبلغها و أنطقها. للّه درّ قائلها و ناطقها و منشئها الّذی اطّلع باسرار القدم و کشف اللّه الغطاء عن بصره و بصيرته و أيّده شديد القوی فی ادراکه و استنباطه و جعل اللّه قلبه مهبط الهامه و مشرق أنواره و مطلع أسراره و معدن لآلی حکمه. حتّی صرّح بالاسم الاعظم و السرّ المنمنم و الرمز المکرّم و مفتاح کنوز الحکم. بصريح عبارته و بديه اشارته و وضوح کلامه و رموز خطابه فانّک اذا جمعت النقطة الّتی هی عين الباء و غيبها و الهاء و الالف بلا اشباع و لا انشقاق استنطق منهنّ الاسم الاعظم الاعظم و الرسم المشرق اللائح فی أعلی أفق العالم، الجامع لجوامع الکلم، المشتهر اليوم بين الأمم. ثمّ انظر الی المتلبسين بالعلم المنتسبين الی ذلک المنادی فی أعلی النادی. کم من ليال تلوا هذه الخطبة الغرّاء . و کم من ايّام رتلّوا هذه الديباجة النوراء و لم يلتفتوا الی هذه الصراحة الکبری و هذه البشارة العظمی و الحال انّ هذه العبارة صريحة اللفظ واضحة المعنی، معلومة منطوقة من معالم التنزيل، و لا تحتاج الی تفسير و تأويل و ايضاح و تفصيل . ليثبت انّهم مصداق الآية المبارکة "انّک لا تهدی العمی عن ضلالتهم و لا تسمع الصمّ الدعاء انّک لا تهدی من أحببت و لکن اللّه يهدی من يشاء" و هذا الراسخ فی العلم الشهير الشريف. قد بيّن فی جميع المواضع من شرحه المنيف بعبارات شتّی و اشارات غير معمّی و بشارات أظهر من الصبح اذا بدا. سرّ هذا الظهور. الناطق فی شجرة الطور و السرّ المکنون و الرمز المصون و القوم يدرسون و يدرسون و لا يفهمون و لايفقهون بل فی طغيانهم يعمهون. ذرهم فی خوضهم يلعبون. و لو لا يطول بنا الحديث و نخرج عن صدد ما نحن به حثيث لبينّت بيانه و شرحت عباراته و أتيت بصريحه و کناياته و لکن فلنضرب صفحاً الآن عن هذا البيان و تترکه لزمان قدّره العزيز المنّان. و نعود الی ما کنّا فيه من انّ القرآن عبارة عن کلّ الصحف و الالواح و الفاتحة جامعة القرآن. و البسملة مجملة الفاتحة و الباء هی الحقيقة الجامعة للکلّ بالکلّ فی الکلّ. و انّ الحمد فاتحة القرآن و البسملة فاتحة الفاتحة و انّ الباء فاتحة فاتحة الفاتحة. و انّها لعنوان البسملة فی الصحف الاولی، صحف ابراهيم و موسی و الاناجيل الاربعة الفصحی و القرآن الّذی علمه شديد القوی و البيان النازل من الملکوت الأعلی و صحائف آيات ربّک الّتی انتشرت فی مشارق الأرض و مغاربها و لمّا نزلت سورة البراءة فی الفرقان. مجرّدة عن البسملة فابتدء فيها بالباء دون غيرها من الحروف لجامعيّتها و کامليّتها و عظيم برهانها و کثرة معانيها و قوّة مبانيها و انّها أی الباء أوّل حرف نطقت به ألسن الموحّدين و انشقّت به شفة المخلصين فی کور الظهور و الاختراع. بل أوّل حرف خرج من فم الموجودات و فاهت به أفواه الممکنات فی مبدأ التکوين و الابداع عند ما خاطب الحقّ سبحانه و تعالی خلقه فی ذرّ البقاء و نادی ألست بربّکم قالوا بلی. فابتدؤا بهذا الحرف الشفوی التامّ دون غيره من سائر الاحرف و بهذا ثبت له خصوصيّة ليس عليها کلام. و فی الباء الواقعة المتّصلة بخبر ليس فی الخطاب اشارة لطيفة بديعة يعرفها العارف الخبير و الناقد البصير فافهم و بالجملة انّ الباء حرف لاهوتی جامع لمعانی جميع الحروف و الکلمات و شامل لکلّ الحقائق و الاشارات و مقامه مقام جمع الجمع فی عالم التدوين و التکوين و الادلّة واضحة و البراهين قاطعة و الحجج بالغة فی ذلک. و انّها سبقت الاحرف الملکوتيّة و الارقام الجبروتيّة فی جميع الشؤون و المراتب و المقامات و التعينّات الخاصّة بالحروفات العاليات. فهو فی أعلی مقامات الوحدة و الاجمال فی الحقيقة الأولی علی الوجه الأعلی. و قد قال العالم البصير ما رأيت شيأ الّا و رأيت الباء مکتوبة عليه. فالباء المصاحبة للموجودات من حضرة الحقّ فی مقام الجمع و الوجود أی بی قام کلّ شیء و ظهر. و قال محيی الدين بالباء ظهر الوجود و بالنقطة تميّز العابد من المعبود و النقطة للتمييز و هو وجود العبد بما تقتضيه حقيقة العبودية انتهی. و النقطة فی هذا المقام آية الباء و رايتها و من علائمها و معالمها و تعيّن من تعيّناتها و بها تمييزها و تعريفها و تشخيصها. يا ايّها السائل المبتهل اذا اطّلعت علی بعض المعانی و الحقائق و العلوم من المنقول و المعقول، المودوع فی هذا الحرف الکريم، القديم الساطع الجامع المبين الّذی هو عنوان الاسم الاعظم العظيم قل فتبارک اللّه أحسن الناطقين و تعالی اللّه خير المقدّرين و نعم المنشئين. و قال السيّد السند فی شرح القصيدة و قد قال سبحانه و تعالی "اللّه نور السموات و الأرض" فاطلق النور علی الاسم الّذی هو العلّة لانّ الظاهر بالالوهيّة هو الاسم الاعظم الاعظم الی ان قال لقول مولانا و سيّدنا أبو عبد اللّه جعفربن محمّد الصادق عليهما آلاف التحيّة و الثناء من الملک الخالق فی تفسير البسملة انّ الباء بهاء اللّه. يا أيّهاالسائل فاکرع خمر المعانی من هذه الکأس الّتی ملئت من فيض عنايه الباری و تمعّن فی هذا التصريح الّذی قدّسه اللّه عن التفسير و التأويل حتّی تعرف أسرار اللّه المودعة فی هذا الحرف المجيد و الرکن الشديد. فثبت بالبرهان الواضح المبين و الدليل اللائح العظيم انّ الاسم الاعظم و الطلسم الاکرم و السرّ الاقدم هو عنوان جميع الکتب السماوية و الصحف و الالواح النازلة الالهيّة و مبتدء به فی اللوح المحفوظ و الرقّ المنشور و مستعان به فی أمّ الکتاب الّذی انتشر منه التوراة و الانجيل و الفرقان و الزبور. بل کان ملجأ منيعاً للانبياء و کهفاً رفيعاً و ملاذاً آمناً للاصفياء فی کلّ کور و دور من الاکوار و الادوار. (عبد البهاء)

Powered By Blogger