Saturday, April 2, 2011

رسالة مفتوحة إلى كلّ المصريّين


أبريل 2011

من المصريين البهائيين

رسالة مفتوحة إلى كلّ المصريّين

إخوتنا وأخواتنا في الوطن،

لا شكّ أنّ أحداث الأشهر القليلة الماضية في مصر قد منحتنا، نحن المواطنين البهائيين، فرصةً لم نعهدها من قبل في أن نخاطب مباشرة إخوتنا وأخواتنا في الوطن. ومع قلّة عددنا، كان لنا حظّ الانتماء إلى هذا الوطن العزيز الذي دأبنا أن نعيش فيه منذ أكثر من قرنٍ من الزمان طبقاً لمبادئ ديننا وقِيَمه، باذلين جهدنا في خدمة بلدنا كمواطنين مخلصين. إنّها فرصة طالما تمنّيناها وفي أعماقنا شكر دفين لذلك العدد الغفير من أصحاب العقول المنصفة والنفوس المتعاطفة التي آزرتنا في جهودنا خلال السنوات القليلة الماضية في سبيل أن نحظى بقسط من المساواة أمام القانون. ففي هذا المنعطف الدقيق من تاريخ أمتنا، تغمرنا البهجة ونحن نرى أن باستطاعتنا أن نقدم إسهاماً متواضعاً في الحوار الدائر الآن فيما يخصّ مستقبل بلادنا، فنشارككم بشيء من وجهات نظرنا من منطلق خبرتنا كمواطنين مصريين وما لدى مجتمعاتنا البهائية في العالم من تجارب، طبقاً لما يستدعيه المضي قُدُماً نحو الازدهار الدائم مادياً وروحياً.

مهما كان الدافع المباشر وراء هذا التغيير السريع الذي حدث، فإن نتائجه قد دلّلت على أُمنيتنا الجماعيّة، نحن شعب مصر كله، في أن نمارس قدراً أكبر من الحرية في التحكم بمصيرنا. إن ممارسة مثل هذه الحرية لم تكن مألوفة لنا لأننا حُرمنا في السابق من التمتع بهذا القدر منها. لقد علّمنا تاريخنا المشترك؛ كمصريين وعرب وأفارقة، بأن العالم زاخر بالقوى ذات المصالح الذاتية التي بامكانها أن تمنعنا من تقرير مصيرنا أو تدعونا إلى التخلي عن هذه المسؤولية طواعية. ثم إنّ الاستعمار والتّزمّت الديني والحُكْم التسلطي والاستبداد السافر، لعب كلٌّ دوره في الماضي، أمّا اليوم فلا تزال القوة "الألطف" للنظام الاستهلاكي وما يتبنّاه من انحطاط أخلاقي، لقادرة بالمثل على إعاقة تقدمنا بذريعة جعلنا أكثر تمتُّعًا بالحرية المنشودة.

وكوننا كشعب واحد، اخترنا الانخراط بفعالية ونشاط في تحديد مسار أمتنا، فهو مؤشر شعبي عام بأن مجتمعنا المصري قد بلغ مرحلة جديدة في مسيرة تطوّره. فالبذرة المغروسة تنبت تدريجيًا وعضويًا وتتحول في مراحل نشوئها وتزيد قوتها حتى تبلغ حالة تعتبر فيها "ناضجة". وكذا المجتمعات الإنسانية تشترك معها في هذه السمة المميزة. ففي وقت من الأوقات تنمو مشاعر السخط وعدم الرضا عند شعب من الشعوب نتيجة منعه من المشاركة الكاملة في العمليات التي تقود مسار بلاده، وتصبح الرغبة طاغية لدى المواطنين في أن تتنازل السلطة عن مزيد من المسؤولية لهم في ادارة شؤون بلادهم. في هذا السياق، نرى أن الأحداث التي شهدتها مصر يمكن اعتبارها، في واقع الأمر تجاوباً لقوى تدفع بالجنس البشري قاطبة نحو نضوج أكبر وتكافل أعظم. وواحد من الأدلة الواضحة على أنّ البشرية سائرة في هذا الاتجاه هو أن أوجهًا من السلوك الإنساني الذي كان في الماضي القريب مقبولاً وتسبَّبَ في بعث روح النزاع والفساد والتمييز، نراه اليوم بعيوننا، وبشكل متزايد، يتناقض والقيم التي تسود في مجتمع العدل والإنصاف الذي ننشده. وعليه، أصبح الناس في كل مكان أكثر جرأة في رفض المواقف والأنظمة التي حالت دون تقدمهم نحو النضج.

إن التقدم نحو حالة أعظم من النضج هي الآن ظاهرة عمّت العالم بأسره، ومع ذلك فإن هذا لا يعني أن كل أمم الأرض وشعوبها تتقدم على هذا الدرب بسرعة متماثلة. فعند مرحلة معينة قد تتلاقى الظروف والأحوال القائمة آنذاك في لحظة تاريخية هامة حيث يمكن لمجتمع ما أن يعدّل من مساره بشكل أساسي. في أوقات كهذه يكون التعبير عن المشيئة الجماعية ذا أثر حاسم ومستدام بالنسبة لمستقبل البلاد. وقد بلغت مصر الآن مثل هذه اللحظة بالذات، وهي لحظة لا يمكن أن تدوم إلى الأبد.

عند هذا المنعطف الدقيق، نجد أنفسنا إذاً أمام سؤال هام وخطير: ماذا نسعى إلى تحقيقه في هذه الفرصة التي سنحت وحصلنا عليها؟ ثم ما هي الخيارات المطروحة أمامنا؟ فهناك العديد من نماذج العيش المشترك معروضة أمامنا تدافع عنها وتناصرها جماعات من الناس مختلفة ولها اهتماماتها الخاصة. فالسؤال هنا: هل لنا أن نتّجه نحو إقامة مجتمع فرداني ومجزأ، حيث يشعر الكل فيه بأنهم أحرار في السعي في سبيل مصالحهم حتى ولو كان ذلك على حساب الصالح العام؟ هل سوف تستهوينا المغريات المادية الدنيوية وعنصرها الجاذب المؤثر والمتمثلة في النظام الاستهلاكي؟ هل سوف نختار نظامًا يتغذى على العصبية الدينية؟ وهل نحن على استعداد للسماح بقيام نخبة تحكمنا متناسية طموحاتنا الجماعية، لا بل وتسعى الى استغلال رغبتنا في التغيير واستبدالها بشيء آخر؟ أم هل سنسمح لمسيرة التغيير بأن تفقد زخمها وقوة اندفاعها فتتلاشى في خضم النزاعات الفئوية الصاخبة وتنهار تحت وطأة الجمود الإداري للمؤسسات القائمة وفقدانها القوة على المضي والاستمرار؟ وبالنظر إلى المنطقة العربية - وإلى خارجها في الواقع – من المنصف القول إنّ العالم، توّاق إلى العثور على نموذج ناجح بالاجماع لمجتمع جديرٌ محاكاته. ولذا لعله يكون من الأجدر بنا، في حال أثبت البحث عدم وجود نموذج قائم مُرْضٍ، أن نفكر في رسم نهج لمسار مختلف ونبرهن للشعوب بأن من الممكن فعلاً اعتماد نهج تقدمي حقيقي لتنظيم المجتمع. إنّ مكانة مصر الرفيعة في المنظومة الدولية - بما لها من تراث فكري، وتاريخ عريق وموقع جغرافي - يعني كل هذا بأن مصر إذا ما أقدمت على اختيار نموذج متنور لبناء مجتمعها، فلسوف تؤثر على مسار النمو والتطور الإنساني في المنطقة كلّها بل وعلى العالم بأسره.

في أحيان كثيرة، يسفر التغيير الذي يتأتى عن الاحتجاج الشعبي عن خيبةٍ لبعض الآمال. والسبب في هذا ليس لأنّ الحركة التي ولّدت ذلك العامل الفاعل في التغيير والتحول تفتقر إلى الوحدة والاتحاد، بل في الحقيقة فإنّ أبرز خصائص هذا العامل الفاعل في ضمان نجاحه يتمثّل في قدرته على خلق الوحدة والاتحاد بين أناس تباينت مشاربهم واختلفت مصالحهم. أما خيبة الأمل هذه فتكون بالأحرى نتيجة إدراك أن اتحاد الناس في دفاعهم عن قضية مشتركة ضد أي وضع راهن أسهل بكثير من اتفاقهم على ما يجب أن يأخذ مكانه. لهذا السبب بات من الضروري جدًا أن نسعى جهدنا لتحقيق اجماع واسع في الرأي حول المبادئ والسياسات العاملة على ايجاد أنموذج جديد لمجتمعنا. وحالما يتم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق يصبح من المرجح جدًا أن السياسات التي ستتبع ستجتذب وتفوز بتأييد أفراد الشعب الذين تؤثر هذه السياسات على مجرى شؤونهم.

إنه دافع طبيعي مُغْرٍ، ونحن نفكر كيف يمكن لأمتنا أن تُكمل مسيرتها، أن نبادر فورًا إلى استنباط الحلول العملية لمعالجة المظالم المُسلّم بها والمشكلات الاجتماعية المتعارف عليها. لكن، حتى ولو برزت أفكار جديرة بالاهتمام فإنّها لن تمثل في حدّ ذاتها رؤية ذات أثر فاعل في تحديد كيف نريد لبلدنا أن ينمو ويزدهر. فالميزة الرئيسة للمبدأ هي أنه إذا فاز بالدعم والتأييد فإنه يساعد على اتخاذ المواقف الايجابية، وبعث الفعالية المؤثرة والعزيمة القوية والطموح الناشط. فيسهّل ذلك في اكتشاف الخطوات العملية وطرق تنفيذها. ولكن يجدر بالمشتركين في أي نقاش حول المبادئ، أن يكونوا على استعداد لتخطّي مستوى الفكر التجريدي. ففي مرحلة صياغة الأفكار حولها قد يكون من السهل نسبيًا أن يتم الاتفاق على عدد من المبادئ التوجيهية، ولكنها لن تكون أكثر من شعارات جوفاء إذا لم نُخضِعها لفحص دقيق نستطلع فيه عواقبها المتشعبة وآثارها المختلفة. وينبغي لأيّة محاولة للتوصل إلى إجماع في الرأي أن تساعد على إجراء استطلاع فاحص للآثار الخاصة والأبعاد العميقة المترتبة على اعتماد أي مبدأ من هذه المبادئ بالنسبة لمقدّرات وطننا العزيز. وبهذه الروح اذًا يمكن لنا أن نعرض عليكم بكل تواضع ومحبة المبادئ التابع ذكرها.

*

تبرز في أي مجتمع ناضج ميزة واحدة فوق كل الميزات الاخرى ألا وهي الاعتراف بوحدة الجنس البشري. فكم كان من حسن الطالع إذًا أنّ أكثر الذكريات رسوخًا في الذهن عن الأشهر القليلة الماضية ليست عن انقسامات دينية أو صراعات عرقية، وإنما عن خلافات نحّيت جانبًا من أجل قضيتنا المشتركة. فقدرتنا الفطرية، كشعب واحد، على الإدراك والإقرار بأننا كلنا في الحقيقة ننتمي إلى أسرة إنسانية واحدة خدمتنا جيدًا وأفادتنا. ومع ذلك فإن إقامة وتطوير المؤسسات والدوائر والبُنى الهيكليّة الاجتماعية التي تعزز مبدأ وحدة الجنس البشري تشكّل تحديًا كبيرًا بكل معنى الكلمة. إن هذا المبدأ القائل بوحدة العالم الإنساني البعيد كلّ البعد عن كونه تعبيرًا مبهمًا عن أملٍ زائفٍ، هو الذي يحدد طبيعة تلك العلاقات التي يجب أن تربط بين كل الدول والأمم وتشدها كأعضاء أسرة إنسانية واحدة. ويكمن أصل هذا المبدأ في الإقرار بأننا خلقنا جميعًا من عنصر واحد وبيد خالق واحد هو الله عزّ وجلّ. ولذا فإن ادّعاء فرد واحد أو قبيلة أو أمّة بالتعالي والتفوق على الغير ادّعاء باطل ليس له ما يبرره. فقبول مثل هذا المبدأ يستدعي تغييرًا شاملاً في بنية المجتمع المعاصر وتغييرًا ذا نتائج واسعة الأثر بعيدة المدى لكل وجه من أوجه حياتنا الجماعية. ويدعو هذا المبدأ، علاوة على ما يخلقه من آثار ونتائج اجتماعية، إلى إعادة النظر بدقة متفحصة في كل مواقفنا مع الآخرين وقيمنا وعلاقتنا معهم. فالهدف في نهاية الأمر هو إحياء الضمير الإنساني وتغييره. ولن يُستثنى أي واحدٍ منّا فيتفادى الانصياع لهذه المطالب الصارمة.

إن النتائج المترتبة عن هذه الحقيقة الجوهرية - أي مبدأ وحدة العالم الإنساني- عميقة لدرجة أن مبادئ أخرى حيوية وضرورية لتطور مصر المستقبلي يمكن أن تستمدّ منها. ومن الأمثلة ذات الأهمية الأولى على ذلك هي مسألة المساواة بين الرجال والنساء. فهل هناك من أمر يعيق تقدم بلادنا العزيزة أكثر من الاستثناء المستمر للمرأة واستبعادها من المشاركة الكاملة في شؤون بلادنا. إن إصلاح الخلل في هذا التوازن سيقود بحدّ ذاته إلى إدخال اصلاحات وتحسينات في كل مجال من مجالات الحياة المصرية الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالإنسانية، مثلها مثل الطائر الذي لا يستطيع التحليق إذا كان أحد جناحيه أضعف من الآخر، فستظل قدرتها على السمو الى أعالي الاهداف المبتغاة معاقة جدًا ما دامت المرأة محرومة من الفرص المتاحة للرجل. فعندما تكون الامتيازات ذاتها متاحة ً للجنسين فإنهما سيرتقيان ويعود النفع على الجميع. ولكن مبدأ المساواة بين الجنسين يجلب معه، بالإضافة إلى الحقوق المدنية، سلوكًا يجب أن يطال البيت ومكان العمل وكل حيّزٍ اجتماعي ومجال سياسي وحتى العلاقات الدولية في نهاية المطاف.

ولا يوجد مجال أجدر وأكثر عونًا في تحقيق المساواة بين الجنسين من التعليم الذي وجد أصلاً ليمكّن الرجال والنساء من كل الخلفيات الاجتماعية، من تحقيق كامل طاقاتهم وامكاناتهم الفطرية والمساهمة في رقي المجتمع وتقدّمه. وإذا كان لهذا الأمر أن يلقى النجاح، فلا بد من تقديم إعدادٍ وافٍ للفرد حتى يشارك في الحياة الاقتصادية للبلاد، ولكن لا بدّ للتعليم أيضًا أن يخلق بُعداً اخلاقياً متيناً. فينبغي على المدارس أن ترسّخ في أذهان الطلاب المسؤوليات المترتبة على كونهم مواطنين مصريين وتغرس في نفوسهم تلك المبادئ والقيم الداعية الى تحسين المجتمع ورعاية مصالح إخوانهم من بني البشر. ولا ينبغي السماح لأن يصبح التعليم وسيلة لبثّ الفرقة والكراهية تجاه الآخرين وغرسها في العقول البريئة. ويمكن بالأسلوب التربوي الصحيح أيضًا، أن يصبح التعليم أداة فاعلة لحماية أجيال المستقبل من آفة الفساد الخبيثة والتي ابتلينا بها وأصبحت واضحة المعالم في مصرنا اليوم. علاوة على ذلك فإن الحصول على التعليم الرسمي الأساسي يجب أن يكون في متناول الجميع بصورة شاملة دون أي تمييز قائم على الجنس أو العرق أو الإمكانات المادية. وستثبت التدابير التي سوف نتخذها للاستفادة من موارد بلادنا الحبيبة - تراثنا وزراعتنا وصناعتنا - بأنها تدابير عقيمة إذا نحن أهملنا أهم الموارد شأنًا، ألا وهي قدراتنا الروحية والفكرية التي أنعم بها علينا الله عزّ وجل. ولذا فإن وضع سلّم للأولويات في محاولة تحسين الوسائل التي نعلّم ونثقف بها أنفسنا لسوف يجني محصولاً وفيرًا في الأعوام القادمة.

ومن الأمور ذات العلاقة بموضوع التربية والتعليم مسألة التفاعل بين العلم والدين، المصدرين التوأمين للبصيرة التي يمكن للبشرية الاعتماد عليهما في سعيها لتحقيق التقدم والرقي. ويتمتع المجتمع المصري ككلّ بنعمةٍ تتمثّل بأنه لا يفترض التعارض والتناقض بين العلم والدين، وهو مفهوم غير مألوف في أمكنة أخرى بكل أسف. فنحن بالفعل نملك تاريخاً يبعث على الاعتزاز من حيث الاعتماد على روح العقلانية والبحث العلمي - مما تمخّض عن نتائج تدعو إلى الإعجاب في مجالات نخصّ بالذكر منها الزراعة والطب - كما حافظنا على تراث ديني متين واحترام للقيم التي جاءت بها وأعلنتها أديان العالم الكبرى. فلا يوجد في هذه القيم ما يدفعنا إلى التفكير المنافي للعقل والمنطق أو ما يقودنا إلى التزمت والتعصب. فكل واحد منا، لا سيما جيلنا الصاعد، يمكنه أن يعي أن بالإمكان تشرّب الأفراد بالروحانية الصادقة بينما يجدّون بنشاط في سبيل التقدم المادي لشعبهم.

لقد بارك الله أمّتنا بأعدادٍ غفيرةٍ من الشباب. فبعضنا لا يزال على مقاعد الدراسة، وبعض بدأ حياته المهنية أو العائلية، والبعض الآخر الذي ربما كان أكبر سنًا لا يزال يذكر ما كانت عليه الأمور عبر هذه المراحل من مراحل الحياة. إنّ إصلاح نظام التربية والتعليم سوف يؤدي الى قطع شوطٍ طويلٍ نحو ضمان تحقيق قدرات الجيل الصاعد في المساهمة في حياة المجتمع، غير أن هذا ليس كافيًا بحدّ ذاته، فلا بدّ من تعزيز الظروف بحيث تتضاعف فرص العمل بشكلٍ جاد ويتم تسخير المواهب، وتصبح امكانية التقدم على أساسٍ من الاستحقاق والجدارة لا التميّز والمحسوبية. وستتزايد مشاعر الإحباط وتتبدد الآمال اذا ما تمّ اعاقة جهود الشباب لتحسين ظروف العائلات والمجتمعات والأحياء بسبب استمرار آفة الفساد وعدم المساواة والاهمال. فطموحات الشباب السامية وتطلعاتهم العالية تمثّل ائتمانًا لا يملك المجتمع ككلّ - وحتى الدولة في الواقع - تجاهله اقتصادياً أو معنويًا.

هذا لا يعني القول بأن الشباب بحاجة إلى التمتع بامتيازات خاصة، فمعظم الاستياء الذي عبّر عنه الشباب الراشدون في الأسابيع الماضية نابع من وعي حاد بأنهم يفتقرون إلى تساوي الفرص وليس أفضلية المعاملة. ويتضح جليًا من الأحوال التي يواجهها الشباب والكثيرون من أفراد مجتمعنا أن من بين المبادئ البارزة التي يجب أن تدفع سعينا إلى التجدد الذي نبتغيه، هو مبدأ العدل. فالمضامين البالغة الأثر لتطبيق هذا المبدأ وتبعاتها بعيدة المدى إنما هي في صميم القضايا التي يتحتم علينا كأُمّةٍ أن نتفق عليها. فمن تفاعل المبدأين الحيويين للعدالة ووحدة العالم الانساني تبرز حقيقةٌ هامةٌ وهي أنّ: كل فردٍ يأتي إلى هذا العالم إنما هو أمانةٌ على الجميع، وأن الموارد الجماعية المشتركة للجنس البشري يجب أن تتوسع وتمتد ليستفيد منها الكل وليس مجرد فئة محدودة. فالتغاضي عن مثل هذا الهدف وإهماله له آثاره المؤدية بالضرورة إلى زعزعة المجتمع، حيث أن التناقض المفرط القائم بين الفقر والثراء سيؤدي الى استفحال التوترات الاجتماعية القائمة ويثير الاضطرابات. إن التدابير المتخذة لتخفيف وطأة الفقر لا يمكنها أن تتجاهل وجود الثراء المفرط، فحين تتكدس الثروات الهائلة عند قلة من الناس، لا مفرّ للكثرة الغالبة من معاناة الفقر والعوز.

*

لعلّ قلّة من الناس ستعارض الجدوى الأساسية للمبادئ التي جرى بحثها في هذه الرسالة. ومع ذلك، فإن تطبيقها سيكون له تبعات سياسية واقتصادية واجتماعية وشخصية عميقة تجعلها أكثر تحديًا مما قد تبدو في بداية الأمر. ولكن بغضّ النظر عن المبادئ التي سيتم تبنّيها، فإن قدرتها على ترك طابعها الخاص على مجتمعنا الناشئ سوف تعتمد إلى حدٍّ كبير على درجة تبنّينا نحن المصريين لها واعتمادها. فبقدر ما يتمّ تمكين الجميع من المشاركة في عملية التشاور التي تؤثر علينا حتّى نسلك الطريق لنصبح أسياد الموقف في تقرير مصير تطورنا الروحي والمادي فإننا سنتفادي مخاطر وقوع مجتمعنا في شَرَك أيّ نمطٍ من النماذج القائمة التي لا ترى أيّ جدوى من تمكين الناس وإطلاق طاقاتهم.

إنّ التحدي الماثل أمامنا إذًا هو في بدء عمليةٍ من الحوار والتشاور حول المبادئ التي سوف ترشدنا إلى إعادة بناء مجتمعنا وهي مهمة تحتاج إلى جهد ومثابرة. إنّ صياغة مجموعةٍ متجانسةٍ من المبادئ - من بين المفاهيم والتصورات المتباينة - لتنطوي على القوة الخلاّقة لتوحيد شعبنا لن تكون إنجازًا متواضعًا. وعلى كل حال، فإنّ بإمكاننا أن نكون واثقين بأنّ كلّ جهدٍ صادقٍ يُبذل لخدمة هذا الغرض سيُكافأ بسخاءٍ عن طريق إطلاق مقدارٍ جديد من تلك الطاقات البنّاءة النابعة من أنفسنا والتي يعتمد عليها مستقبلنا. وفي حوار وطني عريض القاعدة كهذا - يشترك فيه الناس على كلّ المستويات في القرى والمدن وفي الأحياء والبيت ليشمل جذور المجتمع ويجتذب كلّ مواطن مهتمّ - سيكون من الضرورة الحيوية القصوى ألاّ يتحول هذا الحوار سريعًا إلى نقاشٍ عن الجزئيات والمصالح الآنيّة، أو يُختصر هذا الحوار فيتحوّل إلى إبرام الصفقات وإصدار القرارت لتقاسم السُّلطة من قبل نخبةٍ جديدةٍ تدّعي بأنّها الحكم الفاصل في تقرير مصيرنا ومستقبلنا.

إنّ المشاركة المستمرة لجماهير الشعب - وعلى نطاقٍ واسعٍ - في عملية التشاور هذه ستُقنع، إلى حدٍّ بعيد، المواطنين بأنّ صنّاع السياسة مخلصون في خلق مجتمعٍ عادل. ونظرًا لأن الفرصة متاحةٌ للمشاركة في هذه العملية، فإنّه سيتأكد لنا في صحوة وعينا الجديد بأننا نملك زمام مصيرنا وأننا ندرك معنى القوى الجماعية التي أصبحت مُلكنا فعلاً لتغيير أنفسنا.

إخوتكم وأخواتكم البهائيون في مصر


Saturday, March 5, 2011

نظرة عمليّة وتاريخية

نظرة عمليّة وتاريخية

دعونا نفحص وندرس عقيدة "خاتم النبيين" من الناحية التاريخية والاجتماعية والعملية. إن تطوّر الحضارة المدنية للجنس البشري حتى ظهور سيدنا محمد كان بطيئاً تماماً, ومع ذلك أرسل الله سبحانه وتعالى رسولاً جديداً كل 600 عام تقريباً وفي كل مرة بتعاليم جديدة للبشرية. فظلّ معدل تطوّر الحضارة أساساً على نفس المستوى لقرون عديدة. ولكن في أواخر القرن الثامن عشر بدأ العالم يتغيّر على نطاقٍ لم يسبق له مثيل من قبل. ومنذ ذلك الحين ما زال معدل التغيُّر في تسارعٍ, ولا يعرف أحد منّا ماذا يحمل لنا المستقبل. تخيَّل كيف تطوّر العالم منذ زمن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عندما كان امتلاك الرقيق وخاصة من النساء شيء مقبول ومتعارف عليه عند العرب ولم يمنع القرآن الكريم هذه الأعراف، بل يشير إلى هؤلاء النساء في عدة آيات قرآنية ولم يأمر الرجال بإلغاء هذه الأعراف والموروثات. قال الله تعالى فى القرآن الكريم:

لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا. سورة 33, آية: 55.

أنظر الآيات التالية: سورة 2, آية: 221 ؛ سورة 23, آية: 6 ؛ سورة 24, آية: 33-58 ؛ سورة 70, آية: 30

وفي الواقع، ظلت ممارسة امتلاك الرقيق عادة دارجة ومسموح بها قانونياً في العالم حتى منتصف القرن التاسع عشر. أما اليوم فيُعتَبر إمتلاك الرقيق غير قانوني حتى في الدول الإسلامية التي تمارس تعاليم القرآن الكريم حرفيًّا.

ولننظر أيضًا إلى عقاب السارق المذكور في القرآن الكريم:

" وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" سورة 5, آية: 38.

هل تمارس الدول الإسلامية هذه العقوبة الآن؟ ماذا عن العقوبة المعينة للذين يرتكبون الزنا أو الخيانة الزوجية ؟

فلننظر أيضًا إلى عقاب الزنا المذكور في القرآن الكريم:

"الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ". سورة 24, آية: 2.

دعونا نتأمل القوانين والتعاليم الاجتماعية الأخرى في القرآن الكريم والتي لم تَعُد تُطَبَّق على نطاق واسع. إن إحدى دعائم الحضارة هي البنوك، والبنوك في الدول الإسلامية تنمو وتزدهر مثل البنوك في الدول المسيحية، ومع ذلك القرآن الكريم يمنع إعطاء أو أخذ فائدة لمن يستعير أو يستثمر المال.

لنقرأ ما أنزله الرحمن فى القرآن:

"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ". سورة 2, آية: 275.

وأيضاً إن مسألة تعدد الزوجات، كونه مسموحاً في القرآن الكريم بل إنه مشروط بالعدل ولكن قد تم التخلي عنه ، فأصبح الزواج عكس ما جاء في القرآن، فحلل رجال الدين لأنفسهم أكثر مما حلل الله لهم بنفي وتغيير كل الأخلاقيات والمبادئ الدينية. فقد تفرّع الزواج إلى مسميات عديدة منها: المسيار، العرفي، المتعة، المسفار...إلخ. وأصبحت التعاليم المذكورة في القرآن الكريم مهجورة أو مهملة في الوقت الحاضر، سواء أكانت لأسباب الإنحطاط الخلقي أو لعدم تأثيرها على العباد، فكيف يمكن لهذه التعاليم المذكورة في القرآن تلبية الاحتياجات الاجتماعية في المستقبل لملايين السنين ؟

إن التغيير هو إحدى الملامح الأساسية للكمال. ففي خلال الثلاثة وعشرين سنة لرسالة سيدنا محمد عليه السلام ورغم قصر مدتها ولكننا نرى بأن الله سبحانه وتعالى غيَّر بعض الاحكام والتعاليم الاجتماعية للقرآن الكريم.

[ لقد كان هناك تدرج في التحريم بخصوص المُسْكِرات من مديح إلى تحريم وأخيراً حظر على مر السنين من نزول القرآن الكريم. فالإشارة الأولى التي ذكرها القرآن هي في الفترة التي قضاها سيدنا محمد في مكّة:

"ومن ثمرات النّخيل والأعناب تتّخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا إنّ في ذلك لآية لقوم يعقلون". سورة 16, آية: 67

وبعد هجرة محمد إلى المدينة تحوّل الأمر بنزول الوحي إلى الآتي:

"يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما". سورة 2, آية: 219

وجاء فيما بعد تغيير آخر فنزلت الآية : "الخمر ... رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه". سورة 5, آية:90

يعلّق الباحث الباكستاني الشهير فضل الرحمن على هذا التغيير بقوله: "يبدو أن استعمال الخمر كان مسموحاً به في السنين الأولى، ولكنه كان محرّما عند أداء الصلاة ... وفي النهاية، مُنِع منعاً باتاً.] 1

وفيما يلي المصادر القرآنية:

"وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ". سورة 16, آية: 67.

" يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا..........". سورة 2, آية: 219.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ". سورة 5, آية: 90.

" وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ .....". سورة 16, آية: 101.

" مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". سورة 2, آية: 106.

لماذا يُبَدِّل الله بعض قوانينه وأحكامه؟ ولماذا ينسى البشر بعض آيات الله؟ لاحظوا كيف يرد يوسف علي الباحث في العلوم الإسلامية على هذه الأسئلة:

[ وبنظرة عامة إلى هذا الموضوع يتبين لنا بأن الرسالة الإلهية هي ذاتها في كل عصر، ولكنها تختلف في الشكل والمظهر حسب احتياجات ومتطلبات الزمن. وهذا الشكل والبناء أي تعاليم الرسالة كانت مختلفةًً حين أُعطِيَتْ لموسى ثم لعيسى وبعد ذلك لمحمد....] 2

لنفكر سوياً كيف سيكون حال العالم بعد ألف سنة من الآن، وما بالك بعد ملايين السنين؟

لنتأمل أيضاً تواصلنا الروحاني مع الله سبحانه وتعالى. إن الذين يحبّون بعضهم بعضا يستمتعون بالحديث والحوار فيما بينهم. فإذا كان الله هو جوهر ومصدر الحب، فكيف لنا أن نتصور بأنه تعالى لن يبعث برسالة لعباده المحتاجين له والمعتمدين عليه فى جميع أمورهم؟

لنتخيَّل أيضاً عدد سكّان العالم الذين سيعيشون على الكرة الأرضية في المستقبل بعد عصور عديدة لا تحصى. أليس هم بحاجةٍ لكي يسمعوا من خالقهم؟ ألن يكون لدى الله من شيء ليقوله لهم بعد مرور ملايين السنين؟ ما هي أهمية الصمت؟

كيف نتطلع باتقاد وحماس إلى تلقي رسائل من أحبائنا ؟ إن التواصل هو من أعظم نعم الله علينا، فلماذا سوف يحرمنا سبحانه وتعالى من هذه النعمة ؟

إذًا، فمن الناحية العمليّة والاجتماعية والتاريخية ومن المنظور المنطقي، نرى أن عقيدة "خاتم النبيين" تعاني من عيوب خطيرة بسبب:

• أنها تعني بأن خطة الله الأساسية لخلقه أو سنّة الله الأولى كانت ناقصة أو غير تامة، ولذلك غيّر الله سنّته من بداية القرن السابع الميلادي.

• أن تلك العقيدة تتغاضى أو تُهمِل الحقيقة البديهية: وهي أن العالم لا يزال في تطوّر وتغيُّر مستمر وكما أن العالم يتغير كذلك يجب أن تتغير القوانين والتعاليم الاجتماعية التي تحكم جمهورها وشعبها.

• أنها مخالفة لطبيعة الله وهي الحب فيصد بذلك باب التحدث مع أحبائه. (من كتاب خاتم النبيين- الدكتور محمد ابراهيم خان)

ونتابع في المقال القادم عن عن المعنى المقصود من عبارة "خاتَم النبيين". ويبين كيف اشتقّ الفقهاء بدون مبرر من هذه العبارة مفهوماً بمعنى "نهائي" أو "آخِر لكلمة "خاتم".

Saturday, January 15, 2011

التعاليم الروحانية والاجتماعيّة والثقافيّة


التعاليم الروحانية

والاجتماعيّة والثقافيّة


إن جميع رسل الله يأتون بصنفين من التعاليم: الروحانية والاجتماعية. إن التعاليم الروحانية الإلهية ــ والتي تُعتَبَر رسالة الله الأساسية لخلقه ــ لم تتغير من عصر إلى عصر:

"شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا...". (سورة 42, آية: 13).

جاء في التفسير الميسر وتفسير الجلالين:

شرع الله لكم- أيها الناس- من الدِّين الذي أوحيناه إليك -أيها الرسول، وهو الإسلام- ما وصَّى به نوحاً أن يعمله ويبلُّغه, وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى...

أن أقيموا الدين بالتوحيد وطاعة الله وعبادته دون مَن سواه..

فكما تشير الآية السابقة أن كل ما قد قيل لسيدنا محمد عليه السلام قد قيل للرسل من قبل. لذلك إذا شبَّهنا التعاليم الروحانية الإلهية ( وهي إقامة الدين بالتوحيد والحث على الفضائل الإنسانية ) بجسد الانسان والتعاليم الإجتماعية بالملابس التي تغطي الجسد، نرى أنه بمجيء كل رسول جديد تتبدّل الملابس القديمة البالية بملابس جديدة فتزيد جسد الإنسان رونقًا وجمالاً.

وتشير الآية التاليه على أن سيدنا محمد عليه السلام صدَّق الحقائق الروحانية الأبدية للتوراة وغيّر بعض القوانين المحرّمة السابقة.

" وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ...". سورة 3, آية: 50.

دعونا نقارن كلاً من القرآن الكريم والإنجيل لنرى ما إذا كان الهيكل والنص في كلا الكتابين المقدسين واحد أم لا, فبالنسبة للتعاليم الروحانية إن كلا الكتابين:

• يرشدان إلى معرفة الله سبحانه وتعالى.

• يتحدّثان عن الرسل السابقة.

• يعطيان تعليمات عن القيم الأخلاقية.

• يشجعان الإنسان بتلاوة الأدعية حتى يتقدم روحانياً.

• يُخبران عن الحياة بعد الموت.

• ينبِّئان بظهور الرسل في المستقبل .

• يشجعان الإنسان على تحرّي الحقيقة بذهن غير متحفظ ودون الاعتماد على ما توارثه من آبائه وأجداده.

• يذكِّران العباد بعدل الله – أي المكافأة والعقاب.

وماذا عن فوارق الكتابين؟ إنهما يختلفان فيما يتعلق بالاحتياجات الاجتماعية والثقافية وظروف "الأمّة" التي قد نُزِّل الكتابان من أجلها. وكما أن المجتمعات تتغير فيجب أن تتغير القوانين الإجتماعية التي تحكمها. وحيث أن الطبيعة البشرية ثابتة ولا تتغير فإن التعاليم الروحانية التي تحكمها يجب أن تظل ثابتة.

إن الاختلافات بين الديانات الجليلة العظيمة تكمن في قوانين الزواج والطلاق والدفن وأيام الإجازة والراحة والأيام المقدسة والأطعمة المحرّمة والملابس مثل لبس وشاح أو ( طرحة) لتغطية الشعر(سورة 24: آية 58). هذه الأشياء ليست من التعاليم الأساسية للدين. فهل يرفض الله أعمال أو صلاة عباده إذا كانت عطلتهم الأسبوعية يوم الأحد بدلاً من يوم الجمعة؟ فلنتمعّن في هذه الآية:

" لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ ....وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ". (سورة 5, آية: 93).

وماذا عن القيم الروحانية؟ قارن فرداً مسلماً غير أمينٍ ومخادع بشخص مسيحي أمين وصادق. فمن منهم يكون قريباً من الله وينال رضاه ؟ بالطبع، الشخص المسيحي الأمين لأنه يعمل بما يؤمن به، ولكن الشخص المسلم فهو منافق. ولا يمكن أن يكون مسلماً ومنافقاً في نفس الوقت!.

وماذا عن السيدة المسلمة التي تلبس الحجاب ولكنها غيرعفيفة، والسيدة المسيحية المحتشمة العفيفة، فمن منهن أيضاً تنال رضاء الله؟ إن الجوابَ واضحٌ. فتمسكنا بالدين ليس له أي علاقة بما نلبس ولكن بما نتحلى به من قيم وفضائل أخلاقية التي هي من صلب الدين. فالتحريض على العنف والقسوة والحروب يأتي من قِبَل الأشخاص المتمسكين بشكلية قوانين الدين ويزدرون روح الدين وأموره المعنوية.

ما هو الفرق بين:

• الشخص المؤمن الصالح، سواء كان مسلماً أو مسيحيَّاً أو يهوديَّاً.

• الشخص غير المتمسك بدينه سواء كان مسلماً أو مسيحيَّاً أو يهوديَّاً.

• الشخص سيِّء الخُلُق، سواء كان مسلماً أو مسيحيَّاً أو يهوديَّاً.

هل هناك أي فرق؟ لا، إنهم جميعاً في كل حالة سواء. فلنتمّعن فيما يقوله القرآن الكريم:

" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ". سورة 2, آية: 62.

إن التعاليم الروحانية الأساسية أيضاً –ومنذُ أيّام سيدنا نوح إلى الآن – لم تتغيّر:

" شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.....". سورة 42, آية: 13.

إذًا فالدين ليس بمشكلة، ولكن البشر أنفسهم لهم صفات غير مرضية منها الأنانية والحسد ويضعون حدود التفرقة بين ديانات الله العظيمة وبعد ذلك كل أمة تدّعي بأنها هي شعب الله المختار التي سوف تشملها رحمة الله كما قال تعالى :

"..... وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ". (سورة 2, آية: 111).

كيف يرد الله سبحانه وتعالى على أولئك المتعصّبين من اليهود والمسيحيين الذين يدّعون أنهم هم المفوّض لهم فقط بدخول الجنّة؟ هذا هو رده:

" بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ". (سورة 2, آية: 112).

ونتابع..........

Powered By Blogger