و لنعد الی معنی البسملة و نقول فی بيان الرحمن و الرحيم اعلم انّالرحمة عبارة عن الفيض الالهی الشامل لجميع الموجوداتوسعت رحمته کلّ شیء و انّها مصدر لجميع الممکنات من جميع الشؤون و الاطوار و الظواهر و الاسرار و الحقيقة و الوجود و الآثار و التعيّنات و القابليّات و التشخصّات من الغيب و الشهادة فی عالم الانوار. و انّها تنقسم قسمين بالرحمة الذاتيّة الالهيّة و هی عبارة عن افاضة الوجود بالفيض الاقدس الأعلی فی جميع المراتب والمقامات الّتی لانهاية لها للحقائق و الاعيان الثابتة فی حضرة العلم الذاتی الأعلی و بالرحمة الصفاتيّة الفائضة من الحضرة الرحمانيّة بالفيض المقدّس الأوّل بحسب الاستعداد و القابليات المستفيضة من التجلّيات الظاهرة الباهرة فی أعيان الموجودات. و کلّ واحدة منهما تنحلّ الی رحمة عامّة . الّتی تساوت فيها الحقائق الموجودة من حيث الوجود العلمی و العينی و رحمة خاصّة ظهر برهانها و انکشفت أسرارها و اشتهرت آياتها و خفقت راياتها و تلألأت أنوارها و تموّجت بحارها و طلعت شموسها واکفهرّت نجومها ورقّ نسيمها و فاح شميمها و أضاء أفق مبينها فی الحقائق النورانيّة الّتی استضائت و استفاضت و استنارت من الاشعّة الساطعة من شمس الحقيقة فی جميع الشؤون و الاطوار و الاحوال و الآثار. و بمثل هذا فانظر فی عالم التشريع والظهور و الاشراق تری انّ الفيض الاقدس الخاصّ الّذی به وجود الهياکل القدسيّة و الکينونات المنزّهة اللطيفة الروحانيّة هو افاضة الهداية الکبری و ايقاد نار المحبّة الالهيّة الموقدة فی القلوب الصافية المشتعلة من النفس الرحمانی و المدد السبحانی و الفيض الالهی و الجود الصمدانی و تجد انّ الفيض المقدّس الربّانی هو افاضة الکمالات و الفيض الوجدانی و الصفات و الملکات و العطاء الروحانی و الخصائل و الفضائل الّتی بها حيات العالم و نورانيّة سائر الأمم فهاتان الرحمتان الذاتيتان أی الخاصّة و العامّة. الصادرتان من الفيض الاقدس الالهی الذاتی مذکورتان فی البسملة الّتی فاتحة الايجاد و افاضة الوجود للموجودات المجرّدة و المادّية و أمّا الرحمتان الصفاتيتان الخاصّة و العامّة. الصادرتان من الفيض المقدّس الصفاتی فهما مذکورتان فی الفاتحة الّتی هی بيان المحامد و النعوت الالهيّة. و بهذه کفاية لمن أراد ان يطّلع باسرار البسملة و الّا ليس لمعانيها بداية و نهاية و الروح و البهاء علی أهل الهداية و السلام..(المكاتيب-ج1-حضرة عبد البهاء)
و ايضاً قال فی شرح القصيدة و هو باء بسم اللّه الرحمن الرحيم الّتی ظهرت الموجودات فيها و هی الالف المبسوطة و شجرة طوبی و اللوح الأعلی. فاذا اطّلعت بهذه الاسرار و أشرق عليک الانوار و هتکت الاستار و خرقت الحجبات المانعة عن مشاهدة العزيز الجبّار و شربت الرحيق فی الکأس الانيق من يد الرحمن فی رياض العرفان و لاحظتک عين العناية بجود واحسان و عرفت حقائق المعانی و الرموز و الاسرار الفائضة من حرف الاسم الاعظم فی عالم الانوار قل تعالی من هذا السرّالعجيب و تبارک اللّه من هذا الکنز الغريب و القدرة و القوّة و العزّة و الکبرياء للناطق بالحقّ و الهدی من هذاالحرف الّذی جمع الحقائق و المعانی کلّها و دقائق الکلمات باسرها حتّی الزبر و الصحف الأولی و ألواح ملکوت ربّکالأبهی و هذا بيان فی منتهی الاجمال و تبيان فی غاية الاختصار فی معانی هذا الحرف الکريم من النبأالعظيم فانّ أطلق زمام جواد المداد فی مضمار المعانی الکلّيّة و الحقائق الجليلة الّتی تتموّج کالبحار و تتلاطم کالمحيط الزخّار فی حقيقة سرّ الاسرار، الساری فی بواطن هذا الحرف المبين و النور القديم لضاقت صفحات الآفاق و تتابع هذا الاشراق. مستمرّاً فی مطالع الاوراق و لکن أين المجال فی مثل هذه الاحوال و انّی لهذا الطير المنکسر الجناح الطيران فی أوج العرفان بعد ماحجبت الابصار عن مشاهده الانوار و صمت الآذان عن استماع نداء الرحمن و القوم فی حجاب عظيم و ضلالهم القديم لعلّاللّه بيد القدرة العظمی يشقّ الحجبات الظلماء عن أعين الرمداء و البصائر المبتلية بالعمی عند ذلک تسمع نغمات عندليب الوفاء علی أفنان دوحة الذکری. و أمّا الآن نمسک العنان فی ميدان التبيان و نبتدء ببيان معنی الاسم و نقول انّ الاسماء الالهيّة مشتقّة من الصفات الّتی هی کمالات لحقيقة الذات و هی أی الاسماء فی مقام أحديّة الذات ليس لها ظهور و تعيّن و لا سمة و لا اشارة و لا دلالة بل هی شؤون للذات بنحو البساطة و الوحدة الاصليّة ثمّ فی مقام الواحديّة لها ظهور و تعيّن و تحقّق و ثبوت و وجود فائض منبعث من الحقيقة الرحمانيّة علی الحقائق الروحانيّة و الکينونات الملکوتيّة فی حضرة الاعيان الثابتة. فمن ثمّ انّ الذات من حيث الربوبيّة لها تجلّيات و اشراقات علی الحقائق الکونيّة و الموجودات الامکانيّة. يستغرق بها تلک الحقائق فی مقتضياتها و آثارها و شؤونها و کمالاتها و أسرارها فی الحقيقة الاولی بالوجه الأعلی فبذلک الاعتبار أی أحديّه الذات الاسم عين المسمّی و حقيقته و هويّته و ليس له وجود زائد ممتاز عن الذات فانّ الوجود امّا عين الماهيّة أو غيرها. فاذا کان غيرها هل هو ملازم لها و من مقتضاها من غير تعطيل و أنفکاک أو جاز التعطيل و الانفکاک فالأوّل حقيقة الذات من حيث أحديتّه وجوده عين ماهيّته و ماهيّته عين وجوده و الثانی مقام الوجوب فالوجود ممتاز عن الماهيّة و ملازم لها بوجه لا يتصوّر الانفکاک و لا يتخطّر الانفصال لانّه من مقتضاها و الثالث مقام الامکان أی الوجود المستفاد من الغير المکتسب عمّن سواه. فوجوده غير ماهيّته و ماهيّته غير وجوده مع جواز الانفکاک و الانفصال و مثله فی المضيئات. فانظر فی جرم القمر حال کونه ساطعاً منيراً لامعاً. انّما اکتسب و استفاد النور من الشمس و غير ملازم له و يجوز انفکاکه منه و هذا مقام الوجود الامکانی و شأنه الحدوث فی عالم الکيان. لانّ الماهيّة غير الوجود و الوجود غير الماهيّة و يجوز الانفکاک بينهما. و أمّا الشمس مع وجود الجرم و الضياء أی الماهيّة و الوجود بالاستقلال و الامتياز بينهما الالتزام و الاقتضاء أی الضياء ملازم لجسمها و جسمها مقتضی له بوجه لا انفکاک و لا انفصال و لا انقطاع. لانّها شمس بوجوب الضياء و اذ وقع أدنی توهّم التعطيل سقطت عن الوجوب الذاتی و الضياء الاستقلالی و ثبت الاستفادة و الاستفاضة من الغير و هذا شأن الامکان ليس شأن الوجوب. و امّا حقيقة النور بذاته فی ذاته فشعاعه عين جسمه و جسمه عين شعاعه أی ماهيّته عين وجوده و وجوده عين ماهيّته لاتتصوّر الکثرة و الامتياز و لا تتوهّم الغيريّة و الاختلاف. و هذا مقام الوجود البحت و واحديّة الذات. مع بساطة و وحدة الاسماء و الصفات. فاذا کان الوجود المفهوم المحاط الواقع تحت التصوّر و الادراک من حيث حقيقته المجرّدة عن النسب و الاضافات هويّة مقدّسة عن الکثرات فی أحديّة الذات فماظنّک بالحقيقة البسيطة الکلّيّة الّتی هی محيطة بالحقائق و الادراکات و منزّهة عن الاوهام و الاشارات بل عن کلّ وصف و نعت من جوهر الأحديّة و ساذج الواحديّة. لانّها حقيقة صمدانيّة مجرّدة عن کلّ سمة و اشارة و دلالة فهل يتصوّر فيها التکثّر و التعدّد و الامتياز من حيث کمالات الذات و وجه تعلّقه بالصفات و جامعيّةللاسماء الالهيّة و الربوبيّة المقتضية لوجود الممکنات. أستغفر اللّه عن ذلک تبارک اسم ربّک ذو الجلال و الاکرام. فبهذا الدليل و البرهان و المکاشفة و العيان ثبت انّالاسم فی الحقيقة الاولی عين المسمّی و کنهه و هويّته و ذاته و حقيقته لانّالاسماء و الصفات فی الحقيقة تعبيرات کماليّة و عنوانات حقيقة واحدة. کان اللّه و لم يکن معه شیء و هذا بيان شاف کاف ظاهر باهر لا رموز و لا غموض يزيل کلّ حجاب و يکشف کلّ نقاب عن وجه الحقيقة عند من بلغ مقام المکاشفة و الشهود. بتأييد من الربّ الودود. و المقصود من الاسماء معانيها المقدّسة و حقائقها المنزّهة. عن کلّ دلالة و اشارة فانّ الاسماء المنطوقة الملفوظة باعانة الهواء فی عالم الشهادة لا شکّ انّها غير المسمّی لانّها اعراض تعتری الهواء و اشارات للمعانی الموجودة المعقولة فی الافئدة المقدّسة و العقول المجرّدة بل المراد المعنی القائم بالذات بوجه البساطة و الوحدة دون شائبة الامتياز فلنختصر فی بيان الاسم و نذکر معانی الاسم الجليل و الذکر الحکيم و العنوان الالهی فی لسان القاصی و الدانی. أی اسم الجلالة المتصرّف فی عالم الغيب و الشهادة و نقول انّ المفسرّين و المأوّلين من أهل الظاهر و الباطن و اللبّ و القشور بمثل ما تحيرّت عقولهم و ذهل شعورهم. فی ادراک کنه ذات الأحديّة و حقيقة صفاته الکماليّة. قد تکثّرت بياناتهم و تعددّت تعريفاتهم و اختلفت معانيهم و احتارت عقولهم و عجزت نفوسهم فی بيان حقيقة مفهوم هذا الاسم الکريم و العلم العظيم و اشتقاقه قوم ذهبوا انّ اللام للتعريف و الاله اسممصدر بمعنی المألوه کالکتاب بمعنی المکتوبو قالوامعناه المعبود بالاستحقاق و المنعوت بکلّ کمال جامع عند ملأ الآفاق و قوم اعتقدوا انّ معناه و فحواهالمحتار فی ادراک کنهه کلّ العقول و النفوس علی الاطلاق و أمثال ذلک کما هو المذکور فی الکتب و الاوراق. و أصحّ الاقوال عند المحقّقين منهم انّه علم للذات المستجمع لجميع الصفات الکماليّة الفائض بالوجود و الشؤون الالهيّة علی الموجودات الکونيّة و اختصروا علی ذلک و نحن لسنا بصدد ذلک و لانسلک فی أضيق المسالک بل نقول انّ هذه الکلمة الجامعة و الحقيقة الکاملة من حيث دلالتها علی کنه الذات البحت البات لا يتصوّر عنها الاشارة و لا تدخل فی العبارة. أمّا من حيث ظهور الحقّ سبحانه و تعالی بمظهر نفسه و استقراره و استوائه علی العرش الرحمانی. هذه الکلمة الجامعة بجميع معانيها و مبانيها و اشاراتها وبشاراتها و شؤونها و حقائقها و آثارها و أنوارها و باطنها و ظاهرها و غيبها و شهودها و سرّها و علانيتها و أطوارها وأسرارها ظاهرة باهرة ساطعة لامعة فی الحقيقة الکلّيّة الفردانيّة و السدرة اللاهوتيّة و الکينونة الربّانيّة و الذاتيّة السبحانيّة، الهويّة المطلقة المجلّيّة بصفتها الرحمانيّة و شؤونها الصمدانيّة، الناطقة فی غيب الامکان قطب الاکوان، المشرقة فی سيناء الظهور طور النور فاران الرحمن المتکلّمة فی سدرة الانسان. انّی أنا اللّه الظاهر الباهر المتجلّی علی آفاق الامکان بحجّة و برهان و قدرة و قوّة أحاطت ملکوت الاکوان خضعت الاعناق لآياتی و خشعت الاصوات لسلطانی و شاخصت الابصار من أنواری و ملئت الآفاق من أسراری و قامت الاموات بنفحاتی و استيقظت الرقود من نسماتی و حارت العقول فی تجلّياتی و اهتزّت النفوس من فوحاتی و قرّت العيون بکشف جمالی و تنورّت القلوب بظهور آثاری و انشرحت الصدور فی جنّة لقائی و فردوس عطائی. فآه آه يا ايّها السائل الناظر الی الحقّ بعين الخلق، المستوضح الدليل من ابناء السبيل لو استمعت باذن الخليل لسمعت الصريخ و العويل و الانين و الحنين من حقائق الموجودات و الالسنة الملکوتيّة منالممکنات بما غفل العباد و ضلّوا عن الرشاد فی يوم الميعاد عن الصراط الممتدّبين ملکوت الأرض و السموات. مع انّ کلّ الأمم مبشّرة و موعودة فی صحائف اللّه و کتبه و صحفه و زبره بصريح العبارة، المستغنية عن الاشارة، بهذا الظهور الاعظم و النور الاقدم و الصراط الاقوم و الجمال المکرّم و النيّر الافخم. فاذا راجعت تلک الصحائف و الرّقاع تجدها ناطقة بانّ هذا القطر العظيم و الاقليم الکريم منعوت بلسان الانبياء و المرسلين،موصوف و موسوم بانّه أرض مقدّسة و خطّة طيّبة طاهرة و انّها مشرق ظهور الرّبّ بمجده العظيم و سلطانه القويم و انّها مطلع آياته و مرکز راياته و مواقع تجلّياته و سيظهر فيها بجنود حياته و کتائب أسراره و انّها البقعة البيضاء و انّ فيها الجرعاء بوادی طوی و فيها طور سيناء و مواضع تجلّی ربّک الأعلی. علی أولی العزم من الانبياء. و فيها الوادی الايمن البقعة المبارکة و الوادی المقدّس و فيها سمع موسی بن عمران نداء الرحمن من الشجرة المبارکة الّتی أصلها ثابت و فرعها فی السماء. و فيها نادی يحيی بن زکريّا يا قوم توبوا قد اقترب ملکوت اللّه. و فيها انتشرت نفحات روح اللّه و رفع منه النداء . ربّی ربّی الهی الهی ايّدنی بروحک علی أمرک الّذی تزلزلمنه أرکان الأرض و قواة السماء. و فيها المسجد الاقصی . الّذی بارک اللّه حوله و اليها أسری بالجمال المحمّدی فی ليلة الاسراء. ليری من آيات ربّه الکبری و وروده عليها هو العروج الی الملکوت الأعلی و الافق الأبهی. فتشرّف بلقاء ربّه و سمع النداء و اطّلع باسرار الکلمة العليا و بلغ سدرة المنتهی و دنی فتدلّی فکان قاب قوسين أو أدنی و دخل الجنّة المأوی و الفردوس الأعلی و أراه اللّه ملکوت الأرض و السماء.کلّ ذلک بوفوده علی ربّه فی هذه البقعة المبارکة النوراء و هذه الحظيرة المقدّسة البيضاء و هذا کلّه صريح الآية من غير تفسير و تأويل و اشارة لا ينکره الّا کلّ معاند جحود جهول و لا يتوقّف فی الاذعان به الّا کلّ من انکر صحف اللّه و زبره و نعوذ باللّه من کلّ لجوج و عنود. و اذا عاند معاند و قال تلک الاوصاف و النعوت و المحامد الّتی شاعت و ذاعت فی صحائف الملکوت انّما حازها هذا الاقليم الکريم و القطر العظيم حيث کان منشأ الانبياء و موطن الاصفياء و ملجأ الاتقياء و ملاذ الاولياء. فی زمن الأوّلين فالجواب القاطع و البرهان الساطع انّ اللّه شرّف و بارک و قدّس هذه البقعة النوراء. بتجلّياته و ظهور آياته و نشر راياته و بعث رسله و انزال کتبه. و مانبيّ و لا رسول الّا و هو بعث منها. أو هاجر اليها. أو تشرّف بطوافها أو کان معراجه فيها. فالخليل آوی الی کهف الربّ الجليل فيها و موسی بن عمران سمع نداء الربّ المنّان. من الشجرة المبارکة المرتفعة فی طور سيناء فيها و الی الآن لم يلتفتوا الناس مامعنی هذه الواقعة العظيمة المذکورة فی کلّ الصحف و الزبر و ما هذه الشجرة المبارکة زيتونة لا شرقيّة و لا غربيّة يکاد زيتها يضیء و لو لم تمسسه نار نور علی. نور فالشجرة هذه الحقيقة الظاهرة الباهرة اليوم . الناطق من فی نارها بورک من فی النار فموسی ابن عمران کان يسمع هذا النداء منها و ذلک الاستماع و الاصغاء مستمرّ الی الآن. لانّ حدود الزمان ليس لها حکم فی عالم الرحمن و مقامات الالوهيّة و الربوبيّة المقدّسة عن الوقت و الأوان. جميع الازمنة فيها زمن واحد و الاوقات وقت واحد و فيها يتعانق الماضی و الحال و الاستقبال لأنّه عالم أبد سرمد دهر ليس له أوّل و لا آخر فلذرجع الی بيان ما کنّا فيه و نقول و انّ المسيح نادیربّه لبيّک اللّهمّ لبيّک فی جبالها و سهولها و انتشرت روائح قدسه فيها و الحبيب أسری به اليها و تشرّف بلقاء ربّه و رأی آياته العظمی فی مشارقها و مغاربها بوفوده عليها و قس علی ذلک سائر الانبياء و المرسلين. الی ان ظهر هذا الامر المبين الکريم و النبأ العظيم و السرّ القديم و دار فی الاقطار الشاسعة و الاقاليم الواسعة الی ان تلألأ هذا الاشراق فی هذه الآفاق و استقرّ العرش الاعظم فی هذا القطر المکرّم. فلوکان شرفها و عزّها و سموّها و تقديسها وتنزيهها لبعث الانبياء فيها و هجرتهم اليها و وفودهم عليها لما خوطب موسی بن عمران "فاخلع نعليک انّک بالوادی المقدّس طوی" لو کانت البقعة المبارکة شرفها بقدومه لما امر بخلع نعله بخضوع و خشوع الّذی من لوازم آداب الوفود علی ملک کريم و سلطان عظيم و قال "بورک من فی النار" و بهذه کفاية لمن ألقی السمع و هو شهيد و الّا ولو يأتيهم بکلّ آية لن يؤمنوا بها و "ماتغنّی الآيات و النذر" صدق اللّه العظيم . و فی کتاب محيی الدين انّ هذه الأرض المقدّسة أرض ميعاد أی تقوم فيها القيامة الکبری و هی البقعة البيضاء. و انّ الملحمة الکبری بمرج عکّا و تصبح أرضها کلّ شبر منها بدينار و فی جفر ابن مجله انّمرج عکّا مأدبة اللّه و اذا أردنا بيان الاحاديث و الاخبار و الروايات الواردة فی مناقب هذه الأرض المقدّسة ليطول بنا الکلام و نقع فی الملام. فاختصرنا بما هو صريح القرآن و اشرنا مجملاً لما هو فی الصحف الاولی و السلام علی من اتّبع الهدی.(المكاتيب-ج1-حضرة عبد البهاء)
اعلم انّ البسملة عنوانها الباء و انّ الباء التدوينی هی الحقيقة المجملة الجامعة الشاملة للمعانی الالهيّة و الحقائق الربّانيّة و الدقائق الصمدانيّة و الاسرار الکونيّة. و هی فی مبدء البيان و جوهر التبيان عنوان الکتاب المجيد و فاتحة منشور التجريد بظهور لا اله الّا اللّه کلمة التوحيد و آية التفريد و التقديس. من حيث الاجمال و التفصيل و انّ الباء التکوينی هی الکلمة العليا و الفيض الجامع اللامع الشامل المجمل الحائز للمعانی و العوالم الالهيّة و الحقائق الجامعة الکونيّة. بالوجه الأعلی. لانّ التدوين طبق التکوين و عنوانه و ظهوره و مثاله و مجلاّه و تجلّيه و شعاعه عند تطبيق المراتب الکونيّة بالعالم الأعلی فانظر فی منشور هذا الکون الالهی تلقاه لوحاً محفوظاً و کتاباً مسطوراً و سفراً جامعاً و انجيلاً ناطقاً و قرآناً فارقاً و بيانا" واضحاً. بل أمّ الکتاب الّذی منه انتشر کلّ الصحائف و الزبر و الالواح و انّ الموجودات و الممکنات و الحقائق و الاعيان کلّها حروف و کلمات و أرقام و اشارات تنطق بافصح لسان و ابدع بيان بمحامد موجدها و نعوت منشئها و تسبيح بارئها و تقديس صانعها. بل کلّ واحدة منها قصيدة فريدة غرّا ء و خريدة بديعة نوراء "قل لو کان البحر مداداً لکلمات ربّی لنفد البحر قبل أن تنفد کلمات ربّی ولو جئنا بمثله مدداً" و لا يحيطون بشیء من علمه و هذا الرق المنشور و حقيقة الزبور المحتوی علی کلمات الوجود منظوماً و منثور . تلاه علينا الربّ الغفور تلاوة آيات الکينونة بسرّ البينونة اجمالاً و تفصيلا من حيث الايجاد من الغيب الی الشهود. و لا زالت هذه الکلمات صادرة و الآيات نازلة و البيّنات واضحة و المعانی ظاهرة و الحقائق بارزة و الاسرار کاشفة و الرموز سافرة و الالسن ناطقة. سرمداً أبداً فی هذه النشأة الکبری و مجالی القدرة العظمی، فسبحان ربّی الأعلی طوبی لاذن واعية و أسماع صاغية و أفئدة صافية و ادراکات کافية تنتبه لاستماع هذه الآيات الجليلة و ادراک المعانی الکلّيّه الالهيّة. و لنرجع الی بيان الباء و نقول انّها متضمنّة معنی الالف المطلقة الالهيّة بشؤونها و أطوارها اللينية و القائمة و المتحرّکة والمبسوطة و نحوها فی البسملة الّتی هی عنوان کتاب القدم بالطراز الأوّل، المشتملة علی جميع المعانی الالهيّة و الحقائق الربّانيّة و الاسرار الکونيّة المبتدء فيها بالحرف الأوّل، من الاسم الاعظم . بالوجه الاتمّ الاقوم کما قال امام الهدی جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام فی تفسير البسملة "الباء بهاء اللّه" و القوم انّما اعتبروا الحذف و التقدير للالف بين الباء و السين جهلاً و سفهاً. حيث لم ينتبهوا لمعرفة الآيات الباهرة و البيّنات الظاهرة و الجامعية الکاملة الشاملة الزاهرة السافرة فی هذا الحرف المجيد و السرّ الفريد. لانّها متضمنّة بالوجه الأعلی جميع المعانی الکلّية المندمجة المندرجة فی هويّة الحروفات العاليات و الکلمات التامّات. أما تری انّ الالف ظهرت فی سبح اسم ربّک الأعلی و اقرأ باسم ربّک و باسم اللّه مجريها و مرسيها. لا سيّما انّها أی الباء الف مطلقة الهية فی غيبها و ألف مبسوطة فی شهادتها و عينها فاجتمعت الشهادة و الغيب و العلم و العين و الباطن و الظاهر و الحقيقة و الشؤون فی هذا الحرف الساطع البارع الصادع العظيم. و انّ سائر الحروف و الکلمات شؤونها و أطوارها و آثارها و أسرارها. فانّها مبدء الوجود . و مصدر الشهود فی عالمی التکوين و التدوين و انّها عنوان الکتب الالهيّة و الصحف الربّانيّة و الزبر الصمدانيّة. فی البسملة الّتی هی فاتحة الالواح و الاسفار و الصحائف و القرآن العظيم. و هذه الکتب باجمعها و اتمّها و أکملها و جميع معانيها الالهيّة المندرجة المندمجة فی حقيقة کلماتها سارية جارية فی هويّة هذا الحرف الکريم و العنوان المجيد کما هو مسلّم عند أولی العلم. و مروی عن علی عليه السلام انّ کلّ ما فی التوراة و الانجيل و الزبور فی القرآن و کلّ ما فی القرآن فی الفاتحة و کلّ ما فی الفاتحة فی البسملة و کلّ ما فی البسملة فی الباء و کلّ ما فی الباء فی النقطة. و المراد من النقطة الالف اللينية الّتی هی باطن الباء و عينها فی غيبها و تعينّها وتشخصّها و تميزها فی شهادتها. و قد صرح به من شاع و ذاع فی الآفاق علمه و فضله السّيّد الأجلّ الرشتی فی ديباجة کتابه و فصل خطابه شرحاً علی القصيدة اللاميّة. "فقال الحمد للّه الّذی طرّز ديباج الکينونة بسرّ البينونة بطراز النقطة البارز عنها الهاء بالالف بلا اشباع و لا انشقاق" فهذه النقطة هی الالف اللينية الّتی هی غيب الباء و طرازها و عينها و جمالها و حقيقتها و سرّها و کينونتها کما بيّنّاه آنفاً و هذه العبارة الجامعة اللامعة الواضحة الصريحة ما أبدعها و أفصحها و أبلغها و أنطقها. للّه درّ قائلها و ناطقها و منشئها الّذی اطّلع باسرار القدم و کشف اللّه الغطاء عن بصره و بصيرته و أيّده شديد القوی فی ادراکه و استنباطه و جعل اللّه قلبه مهبط الهامه و مشرق أنواره و مطلع أسراره و معدن لآلی حکمه. حتّی صرّح بالاسم الاعظم و السرّ المنمنم و الرمز المکرّم و مفتاح کنوز الحکم. بصريح عبارته و بديه اشارته و وضوح کلامه و رموز خطابه فانّک اذا جمعت النقطة الّتی هی عين الباء و غيبها و الهاء و الالف بلا اشباع و لا انشقاق استنطق منهنّ الاسم الاعظم الاعظم و الرسم المشرق اللائح فی أعلی أفق العالم، الجامع لجوامع الکلم، المشتهر اليوم بين الأمم. ثمّ انظر الی المتلبسين بالعلم المنتسبين الی ذلک المنادی فی أعلی النادی. کم من ليال تلوا هذه الخطبة الغرّاء . و کم من ايّام رتلّوا هذه الديباجة النوراء و لم يلتفتوا الی هذه الصراحة الکبری و هذه البشارة العظمی و الحال انّ هذه العبارة صريحة اللفظ واضحة المعنی، معلومة منطوقة من معالم التنزيل، و لا تحتاج الی تفسير و تأويل و ايضاح و تفصيل . ليثبت انّهم مصداق الآية المبارکة "انّک لا تهدی العمی عن ضلالتهم و لا تسمع الصمّ الدعاء انّک لا تهدی من أحببت و لکن اللّه يهدی من يشاء" و هذا الراسخ فی العلم الشهير الشريف. قد بيّن فی جميع المواضع من شرحه المنيف بعبارات شتّی و اشارات غير معمّی و بشارات أظهر من الصبح اذا بدا. سرّ هذا الظهور. الناطق فی شجرة الطور و السرّ المکنون و الرمز المصون و القوم يدرسون و يدرسون و لا يفهمون و لايفقهون بل فی طغيانهم يعمهون. ذرهم فی خوضهم يلعبون. و لو لا يطول بنا الحديث و نخرج عن صدد ما نحن به حثيث لبينّت بيانه و شرحت عباراته و أتيت بصريحه و کناياته و لکن فلنضرب صفحاً الآن عن هذا البيان و تترکه لزمان قدّره العزيز المنّان. و نعود الی ما کنّا فيه من انّ القرآن عبارة عن کلّ الصحف و الالواح و الفاتحة جامعة القرآن. و البسملة مجملة الفاتحة و الباء هی الحقيقة الجامعة للکلّ بالکلّ فی الکلّ. و انّ الحمد فاتحة القرآن و البسملة فاتحة الفاتحة و انّ الباء فاتحة فاتحة الفاتحة. و انّها لعنوان البسملة فی الصحف الاولی، صحف ابراهيم و موسی و الاناجيل الاربعة الفصحی و القرآن الّذی علمه شديد القوی و البيان النازل من الملکوت الأعلی و صحائف آيات ربّک الّتی انتشرت فی مشارق الأرض و مغاربها و لمّا نزلت سورة البراءة فی الفرقان. مجرّدة عن البسملة فابتدء فيها بالباء دون غيرها من الحروف لجامعيّتها و کامليّتها و عظيم برهانها و کثرة معانيها و قوّة مبانيها و انّها أی الباء أوّل حرف نطقت به ألسن الموحّدين و انشقّت به شفة المخلصين فی کور الظهور و الاختراع. بل أوّل حرف خرج من فم الموجودات و فاهت به أفواه الممکنات فی مبدأ التکوين و الابداع عند ما خاطب الحقّ سبحانه و تعالی خلقه فی ذرّ البقاء و نادی ألست بربّکم قالوا بلی. فابتدؤا بهذا الحرف الشفوی التامّ دون غيره من سائر الاحرف و بهذا ثبت له خصوصيّة ليس عليها کلام. و فی الباء الواقعة المتّصلة بخبر ليس فی الخطاب اشارة لطيفة بديعة يعرفها العارف الخبير و الناقد البصير فافهم و بالجملة انّ الباء حرف لاهوتی جامع لمعانی جميع الحروف و الکلمات و شامل لکلّ الحقائق و الاشارات و مقامه مقام جمع الجمع فی عالم التدوين و التکوين و الادلّة واضحة و البراهين قاطعة و الحجج بالغة فی ذلک. و انّها سبقت الاحرف الملکوتيّة و الارقام الجبروتيّة فی جميع الشؤون و المراتب و المقامات و التعينّات الخاصّة بالحروفات العاليات. فهو فی أعلی مقامات الوحدة و الاجمال فی الحقيقة الأولی علی الوجه الأعلی. و قد قال العالم البصير ما رأيت شيأ الّا و رأيت الباء مکتوبة عليه. فالباء المصاحبة للموجودات من حضرة الحقّ فی مقام الجمع و الوجود أی بی قام کلّ شیء و ظهر. و قال محيی الدين بالباء ظهر الوجود و بالنقطة تميّز العابد من المعبود و النقطة للتمييز و هو وجود العبد بما تقتضيه حقيقة العبودية انتهی. و النقطة فی هذا المقام آية الباء و رايتها و من علائمها و معالمها و تعيّن من تعيّناتها و بها تمييزها و تعريفها و تشخيصها. يا ايّها السائل المبتهل اذا اطّلعت علی بعض المعانی و الحقائق و العلوم من المنقول و المعقول، المودوع فی هذا الحرف الکريم، القديم الساطع الجامع المبين الّذی هو عنوان الاسم الاعظم العظيم قل فتبارک اللّه أحسن الناطقين و تعالی اللّه خير المقدّرين و نعم المنشئين. و قال السيّد السند فی شرح القصيدة و قد قال سبحانه و تعالی "اللّه نور السموات و الأرض" فاطلق النور علی الاسم الّذی هو العلّة لانّ الظاهر بالالوهيّة هو الاسم الاعظم الاعظم الی ان قال لقول مولانا و سيّدنا أبو عبد اللّه جعفربن محمّد الصادق عليهما آلاف التحيّة و الثناء من الملک الخالق فی تفسير البسملة انّ الباء بهاء اللّه. يا أيّهاالسائل فاکرع خمر المعانی من هذه الکأس الّتی ملئت من فيض عنايه الباری و تمعّن فی هذا التصريح الّذی قدّسه اللّه عن التفسير و التأويل حتّی تعرف أسرار اللّه المودعة فی هذا الحرف المجيد و الرکن الشديد. فثبت بالبرهان الواضح المبين و الدليل اللائح العظيم انّ الاسم الاعظم و الطلسم الاکرم و السرّ الاقدم هو عنوان جميع الکتب السماوية و الصحف و الالواح النازلة الالهيّة و مبتدء به فی اللوح المحفوظ و الرقّ المنشور و مستعان به فی أمّ الکتاب الّذی انتشر منه التوراة و الانجيل و الفرقان و الزبور. بل کان ملجأ منيعاً للانبياء و کهفاً رفيعاً و ملاذاً آمناً للاصفياء فی کلّ کور و دور من الاکوار و الادوار. (عبد البهاء)
كانت التعاليم الاسلامية كاملة وتامة في الدورة الاسلامية، كذلك كل ما نُزل من الديانات السماوية السابقة إلا وكانت كامله لزمانها. يؤكد القرآن الكريم هذا المفهوم ويفيدنا أن الديانات السابقة كانت كاملة وتامة في عصرها ويقول: ’ثمَّ آتينا موسى الكتابَ تمامًا على الذى أحسن وتفصيلاً لكلِ شىءٍ وهدى...‘ [سورة الأنعام 6: 154]. ويقول القرآن الكريم أيضًا: ’لكلِّ أجلٍ كتابٌ. يمحوا الله ما يشاءُ ويثبتُ وعنده أمُّ الكتاب‘ [سورة الرعد 13: 38-39].
إذا كان المقصود من كلمة ’كامل‘ و’تام‘أنه سوف لا يكون هناك رسائل منزلة من عند الله بعد القرآن الكريم، فلماذا أشار القرآن الكريم في آيات مختلفة عن ظهور مظاهر إلهية اخرى ولماذا قال أيضًا ’وما أُوتيتم من العلم إلا قليلاً‘ [سورة الإسراء 17: 85]. ان كل الأديان السماوية كاملة كل الكمال لأنها منزلة من عند الله،وهو منبع الكمال—ويغدق علينا من محبّته وكرمه التعاليم والاحكام المناسبة للعصر التي نزلت فيه حسب الإراده والمشيئة الالهية لاحتياجات ذلك العصر. ويصف القرآن الكريم أيضًا ’كلمات الله‘ بأن ليس لها بداية ولا نهاية فيقول: "قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا". [سورة الكهف 18: 109].
إضافة، فمن المهم أن نعلم أن القرآن الكريم أُنزل تدريجيًّا على مدى 23 سنة،وعلى ذلك يخبرنا الله تعالى بأن الشريعة المحمدية قد كملت بعد نزولها تدريجيًا شيئًا فشيء،وكان نزول هذه الآية في حجة الوداع ولم يلبث بعدها (صلعم) إلا واحدًا وثمانين يومًا ثم لحق بالرفيق الأعلى وإلا فما من تشريع من الشرائع ينزل لأمة من الأمم إلا ويكون كاملاً حسب زمانه والله سبحانه وتعالى يقول ’لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط‘.".(سورة الحديد25:57)
في هذا اليوم العظيم، والذى يعرف بيوم الله، انزل على المظهر الالهي الجديد العديد من الكتب والتعاليم الإلهية حسب احتياجات العصر الذي نعيش فيه. واذا أردنا الحياة في سلام ووئام، فلا بد لنا من أن نقبل ونعمل بهذه التعاليم المنزلة لاحتياجات هذا العصر.
’كنتم خير أُمَّةٍ أُخرجت للنَّاس‘
كانت الحضارة الاسلامية في وقتها ’خير أُمَّةٍ أُخرجت للنَّاس‘ وكانت في مكانة تحسد عليها. جمعت الحضارة الاسلامية شمل الشعوب المختلفة وانشأت مجتمع جديد صالح تحت ظل الحضارة الاسلامية. فقد خلق الإسلام حضارة جديدة افادت جميع الامم، ولكن كما تفضل القرآن الكريم: "لكلِّ أمّةٍ أجلٌ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون". [سورة الأعراف 7: 34].
وليس المقصود من ’خير أمَّة‘ انه لم يكن أمم أو حضارات عظيمة قبل الاسلام ولا تعني أيضًا انه سوف لا يكون هناك أمم وحضارات أعظم في المستقبل. فالقرآن الكريم يذكر عظمة الحضارة اليهوديّة والمسيحيّة فيقول: "يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم واني فضّلتكم على العالمين". [سورة البقرة 2: 47]. وكذلك يقول القرآن الكريم: "إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورَافِعُكَ إلىّ ومطهّرك من الذين كفروا وجاعل الّذين اتبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة". [سورة آل عمران 3: 55].
إضافة فهناك العديد من الآيات التي تشير إلى ظهور مظاهر إلهية في المستقبل، مثال ذلك، يتفضل القرآن الكريم: "يا بني آدم إمَّا يأتينّكم رسلٌ منكم يقصّون عليكم آياتي". [صورة الأعراف 7: 35]. يشير القرآن الكريم بكل وضوح ’يأتينّك رسلٌ‘ وبمجئ رُسُل أو مظاهر إلهية جديدة، تأتي حضارات جديدة في دورات متتالية وفي تسلسل مستمر ليس له بداية أو نهاية.
وبمجئ حضرة بهاءالله جاءت دورة جديدة وانتهى نظام ’الأ مه‘ وتنبثق الآن حضارة عالمية جديدة بنظام عالمي جديد مبني على سمو الجنس البشري ووحدة العالم الانساني في ظل التعاليم المنزلة الجديدة لهذا اليوم الموعود، أي يوم الله. ونرى في هذه الدورة انطلاق حضاري جديد لم يراه العالم من قبل، وبمجئ النظام العالمي الجديد سوف تطوى النظم السابقة، كما تنبّأ بذلك القرآن الكريم بقوله: "يوم نطوى السماء كطى السجلّ للكتب كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده وعدْدًا علينا إنا كنا فاعلين". [سورة الأنبياء 21: 104]. وكما يؤكّد حضرة بهاءالله: "لعمری سوف نطوی الدّنيا و ما فيها ونبسط بساطاًآخر انّه کان علی کلّ شیء قديراً". [منتخباتي، ص 200].
’خَاتَم النَّبيِّين‘
أن جميع رسل الله يمكنها أن تدّعي أنها ’الأوّل‘ و ’الآخر‘, ’الألف‘ و ’الياء‘، ’البداية‘ و ’النهاية‘. شمس الأمس يمكنها الادّعاء بأنها شمس اليوم حتى ولو كان حسب مفهوم الإنسان باختلاف الأيّام. يتفضل حضرة عبد البهاء: "..... ، فالماضي والحال والمستقبل كلها بالنسبة الى الحق على حد سواء، فليس للشمس أمس ولا اليوم ولا الغد." [من مفاوضات عبد البهاء، ص 74]. جميع الرسل أو المظاهر الإلهية تأتي من منبع واحد—كلهم من عند الله ذات الغيب المنيع، كما تشهد بذلك جميع الكتب السماوية وأن الله ذات الغيب المنيع، ليس له أول ولا آخر، وكذلك أفضاله لم تنقطع عن خلقه من الأول الذي لا أول له إلى الآخر الذي لا آخر له.
أما عن قول القرآن الكريم بأن سيدنا محمد هو ’خَاتَمَ‘ النبيين، ولو أن كلمة خَاتَمَ لها عدّة معاني إلا اننا سوف نكتفي بمعنى واحد كما هو في: ’خِتام‘ ’نهاية‘ ’آخِر‘. ولكننا لا بد وأن نعلم بأن القرآن الكريم ذكر أن سيدنا محمد هو ’خَاتَمَ النَّبيِّينَ‘ فقط، ولم يقول انه خاتم ’الرُسُل‘ أيضًا. ونلاحظ ان آيات القرآن الكريم هي في منتهى الدقة والتمييز في استعمال كلمة ’رسول‘ و ’نبي‘ و’مرسلين‘ ويخصص لكل كلمة من هذه الكلمات معنى معيّن لمهمّة رسل الله.
كلمة ’رسول الله‘ تشير في القرآن الكريم إلى رسول موحى إليه بكتاب من عند الله، وهو مربّي سماوي للبشر وهو الوسيط بين الله سبحانه وتعالى والبشر. إن الرسل أو المظاهر الالهية هي التي يوحى إليها بكتاب جديد من عند الله وتخلق حضارة جديدة للبشر. وصف حضرة عبد البهاء رسل الله بأنهم ’انبياء مستقلّون‘ ويقول: هم ’مطالع الاحدية ومنابع الفيوضات الالهية ومرايا ذات الحقيقة‘. أما ’الانبياء‘ هم ’التابعون والمروجون، لانهم فروع غير مستقلين‘ مثال ذلك سيدنا موسى وسيدنا هارون. فالقرآن الكريم يصف سيدنا موسى بـ ’رسول الله‘ لانه جاء بكتاب مقدّس، ويصف سيدنا هارون بـ ’نبي‘ لانه لم يأتي بكتاب مقدس.
ومن المهم أن نلاحظ أن القرآن الكريم أعطى مهمة أو لقب ’رسول الله‘ إلى سيدناإبراهيم وسيدنا موسى وسيدنا المسيح وسيدنا محمد، ولكنه لم يوصف الآخرين برسل الله. أضافةً ذكر القرآن الكريم أن سيدنا موسى وسيدنا محمد قاموا أيضًا بمهمة الأنبياء، ووضّح هذه النقطة بقوله: "واذكر في الكتاب موسى إنّه كان مخلصًا وكان رسولاً نبيًّا ... ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيًّا". [صورة مريم 19: 51 و 53]. إذًا فكان سيدنا موسى رسول ونبي في نفس الوقت ولكن سيدنا هارون كان نبيّ فقط وليس برسول لأنه لم يأتي بكتاب مقدس. ويصف القرآن الكريم سيدنا عيسى بأنه رسول فيقول: "وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدّقًا لما بين يديّ من التوراة ومبشرًا برسولٍ يأتي بعدي اسمه أحمد". [صورة الصّف 61: 6].
ويصف القرآن الكريم مجموعة آخرى من الرسل بكلمة ’مرسلين‘. وهؤلاء المرسلين أرسلوا لمهمة خاصة لانذار البشر ولم يأتوا بأي كتاب ولم يقوموا بمهمة التفسير أو تعزيز الرسالة السابقة، مثال ذلك: "وإنّ لوطًا لَمِنَ المرسلين إذ نجّيناه وأهله أجمعين". [سورة الصّافات 37: 133-134]. ومثل آخر: "وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين". [سورة الأعراف 7: 77].
إذا تعمقنا في فهم يوم القيامة والدينونة، فيسهل علينا فهم خاتم النبيين (انظر الى فصل ’يوم القيامة والدينونة‘ من هذا الكتاب). فهناك عديد من الآيات في القرآن الكريم التي تشير إلى مجيء الموعود (انظر الى فصل ’الموعود‘ من هذا الكتاب). ويشير القرآن الكريم أيضًا الى أن ’كلمات الله‘ ليس لها بداية أو نهاية: "قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربّي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا". [سورة الكهف 18: 109]. وقال أيضًا: "ولو أنّما في الأرض من شجرة أقلامٌ والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحرٍ ما نفدت كلمات الله إنّ الله عزيز حكيمٌ". [سورة لقمان 31: 27]. يوضح لنا القرآن الكريم من هذه الآيات أن ’كلمات الله‘ ورسائله المنزلة هي لانهاية لها، ليس لها من بداية أو نهاية.
انه من المستحيل التخيّل أن الله، السلطان الأبدي الذي ليس له أوّل ولا آخر، وأنبيائه ورسله ومظاهره الالهية الذين ليس لهم بداية أو نهاية، سوف يمنع فيضه على خلقه بدينٍ معيّن أو آخر!
اذا دققنا النظر في الاسباب والظروف المحيطة بسيدنا محمد آنذاك عندما نزلت هذه الآية، نرى أن بعد وفاة ابنه ابراهيم في طفولته لم يكن له ابناء ذكور آخرين، فتبنّى عبد مسيحي اسمه -زيد بن الحارثه. فادّعى يهود المدينة أن سيدنا محمد تبنّى ولدًا حتى يتبع لأمّته نفس نظام الانبياء التي اتبعتها اليهود بعد وفاة رسولهم. [النبأ العظيم، ص 38]. فردًا على إدّعاءات اليهود نزلت الآية "ما كان محمَّد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخَاتَمَ النَّبيِّينَ" [سورة الأحزاب 33: 40].
إن عهد النبوّة قد انتهى بالفعل بعد سيدنا محمد خاتم النبيين، وتحققت الوعود بظهور حضرة الباب وحضرة بهاء الله، ودخلت الانسانية في دورة جديدة مع سلسلة من المظاهر الالهية التي لم يكن لها من بداية ولن يكون لها نهاية.
في اللوح المبارك الموجه إلى السيد حسن شاه آبادي يتفضل حضرة بهاءالله عن خاتمية سيدنا محمد (صلعم)
يا حسن أن استمع نداء الحسين الذي سجن في حصن عكا بما اكتسب أيدي الغافلين. لو يسأل أحد من أحد بأي جرم حبستموه يقول إنه أتى بشريعة أخرى إنها لا توافقنا فيما كنا فيه. يشهد بذلك كتابنا الذي سمّي بالفرقان من لدى الله رب العالمين. انظر ما أنزل الرحمن فيه {ولكن رسول الله وخاتم النبيين}. إنا نقول قد صدقت فيما نطقت ونشهد به ختمت الرسالة والنبوة ومن يدعي بعده هذا المقام الأعلى إنه في ضلال مبين.
وفي سورة الصبر أو لوح أيوب الذي نزل في مدينة الله بغداد. قوله تعالى: