Tuesday, December 21, 2010

هاتوا برهانكم-2



المعنى المقصود لخاتم النبيين

إن عقيدة خاتم النبيين مبنية على آية واحدة مذكورة في القرآن الكريم. علينا أن نتأمل ونفهم هذه الآية أولاً ومن ثم نقوم بدراسة تلك الآية في الفصول التالية على ضوء العديد من آيات القرآن الكريم الوثيقة الصلة بالموضوع.

" مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ......" (سورة الاحزاب آية40).

يعتقد علماء الإسلام أن الآية المذكورة تمنح تكريماً خاصاً لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يشاركه فيه أحد من الانبياء, تماماً كما يعتقد اليهود بأن دينهم هو دين الحق الوحيد وكما يعتقد المسيحييون بأن السيد المسيح عليه السلام هو المخلّص الوحيد. فهل إعتقاد المسلمين بأن كلمة "خاتَم النبيين" والتي تعني أن سيدنا محمد هو آخر رسول من عند الله متآلف مع التعاليم القرآنية؟ إن قلة من المؤمنين فقط يبذلون الوقت للتأمل في النتائج المترتبة على هذا الاعتقاد. إنهم ببساطة يقبلونها ولا يفكّرون بها. إذا أخذوا وقتاً لدراستها بعناية فإنهم سوف لا يقبلون هذه العقيدة بهذه السهولة. لذا دعونا نبدأ بما يفشل في فعله معظم المؤمنين. لنضع هذا الاعتقاد تحت الضوء ولنرى بعض نتائجه وآثاره الواسعة النطاق. فبالتفكر والتأمل في اصطلاح عقيدة ختم النبوة لدى المسلمين نجد بأنها تتضمن المفاهيم التالية:

· استمر الله بالإفاضة بكلماته إلى البشر عن طريق إرسال الرسل لفترة زمنية محددة في التاريخ وآخِر هؤلاء الرسل كان سيدّنا محمد عليه السلام الذي ظهر في القرن السابع الميلادي. دامت رسالته مدة 23 عاماً وشهدت مرحلة تتويج تاريخ البشرية بكل ما يريد أن يهبه الله سبحانه وتعالى فقد أفاض على الإنسان وأعطاه ما يكفيه ليعيش في سلام ورخاء لمدة لا تقلّ عن ثلاث أو أربع آلاف مليون سنة – المدّة المقدرة لبقاء شمس الكرة الأرضية.

· إن القرآن الكريم هو البيان والتفسير الكامل والنهائي للوحي الإلهي المنزل على البشرية إلى الأبد. فلن ينزل أي كتاب مقدسٍ آخر بعد ذلك للعالم الإنساني. وعندما صعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سنة 632 ميلادية إنتهى الوحي الإلهي وانتهت الرغبة الإلهية في التحدث إلى البشر.


كمال الخطّة الإلهية الأصلية

قبل دراسة الآيات القرآنية الخاصة بـ "خاتَم النبيين" دعونا نختبر تلك العقيدة بمقياس الحجة والمنطق.

".... أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" ؟ (سورة 23, آية: 80).

"..... أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ" ؟ (سورة 23, آية: 85).

"...... أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ؟ (سورة 23, آية: 27).

هلمّ نتحاجج يقول الرّبّ. (سفر إشعياء 1: 18).

تأملوا تاريخ الأديان السماوية للبشرية. منذ فجر التاريخ (أي منذ حوالي 4500 سنة) حتى ظهور سيدنا محمد عليه السلام. تكلّم الله سبحانه وتعالى إلى البشر ثماني مرّات عن طريق الرسل أو الأنبياء العظام المذكورين في القرآن الكريم:

1) آدم 2) نوح 3) هود 4) صالح

5) إبراهيم 6) موسى 7) يسوع المسيح 8) محمد

أي أن الله سبحانه وتعالى يرسل الرسل بمعدّل كل 600 سنة تقريباً. إذاً، لماذا يتوقّف الله فجأة من إرسال الرسل؟ وبالاضافة إلى المرسلين المذكورة أسمائهم أرسل الله رسلاً آخرين كثيرين ، يقول القرآن الكريم:

وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا. (سورة 4, آية: 164).

وكما تشير التقديرات سوف تستمر الشمس ساطعة متألقة لمدّة ثلاثة أو أربعة آلاف مليون سنة. فهل في مقدور أي شخص أن يتصوّر أو يتخيّل حال الحياة البشرية على الأرض بعد ألف سنة؟ إذاً ما بالك بعد ثلاثة أو أربعة آلاف مليون سنة من الآن؟ هل يكون معقولاً أو عادلاً أن يترك الله هذا التعداد من البشر الذي سوف يعيش الدهور الآتية والتي لا يعلم مدة زمنها إلا الخالق عز وجلّ دون هداية أو وحي جديد من عنده؟ هل يمكنك أن تفكر عن أي مبرِّرٍ لماذا سوف يتوقف خالقنا العطوف الحنون فجأة من التواصل مع العالم الإنساني؟


الخطّة الإلهية التامّة الكاملة

للكون والخليقة

علينا أن نتأمل الآن القرآن الكريم لمعرفة ما إذا كان يلقي أي ضوء على السؤال السابق, أو هل إذا كان هناك أي مبرِّرٍ لمثل هذا التغيير الجذري في سنّة الله. هناك عدة آيات قرآنية تُصَرِّح أن الله في علاقته معنا أنشأ نظاماً أو ترتيباً معيّناً لن يتغيَّر ابداً. فيقول القرآن الكريم:

"سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً". (سورة 48, آية: 23)

ماذا تُعلِّمنا الآية السابقة ؟ إن الله سبحانه وتعالى لا يغيّر أو يبدّل قوانينه وقواعده أو النظام الذي خلقه. فنظراً لأن الخالقَ حائز للكمال المطلق, فكل ما يخلقه يجب أن يكون كاملاً منذ البداية:

الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ. (سورة 67, آية: 3).

ويشهد الكتاب المقدّس بكمال خلق الله فيقول:

الكامل صنيعه. إن جميع سبله عدل. (تثنية 32: 4).

الله طريقه كامل. قول الرّبّ نقي (مزامير 18: 30).

إن كثيراً من المؤمنين يستشهدون بالآية التالية التي تشير إلى أن الاسلام دين كامل. فيتساءلون كيف يمكن إدخال تحسينات أو إضافات لشيء كامل؟

"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا". (سورة 5, آية: 3).

ولكن نظراً لأن القرآن الكريم له إجابة على كل سؤال دعونا ننتقل إلى هذا السفر القويم. فالآيات القرآنية تبيِّن أن كل دين يكون كاملاً لفترة زمنية محدّدة. هل الدين الذي أنزله الله على سيدنا موسى له عيوب أو به أي خلل أو نقص؟

ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ... (سورة 6, آية: 154).

وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ... (سورة 7, آية: 145).

فإذا كان كتاب التوراة كاملاً وقد شرَحَ كلَّ شيء فلماذا أنزل الله الإنجيل ثم بعد ذلك القرآن؟

فلننظر الآن إلى ذلك السؤال من المنظور المنطقي. إن الكمال على مستويين: الكمال المطلق والكمال النسبي. فالأول مختص بالله وحده، والكمال النسبي مختص بنا نحن البشر. إن التغيير والنمو هما من العناصر الأساسية للكمال النسبي. دعونا نأخذ بعين الاعتبار مثالاً لذلك، يكون الطفل كاملاً حين الولادة وحليب الأم هو الغذاء الكامل له. والطفل ذاته يكون كاملاً في سن الرابعة. ولكن هل يظل الحليب لوحده الطعام الكامل له أيضاً؟ فما أنزله الله لبني إسرائيل كان كاملاً في وقته. وما أنزله سبحانه وتعالى لكل رسولٍ كان كاملاً في وقته. وكما رأينا فإن القرآن الكريم أكد كمال كتاب سيدنا موسى.

أما إبداع الكون والخليقة فيُظهٍر بأن النمو هو سمة أساسية من سمات الكمال. والنمو يضيف إلى جمال وتنوّع وعظمة الكون. فتخيّل مثلاً لو خُلقنا بالغين! تخيل أن نكون محرومين من بهجة ومتعة تعلم المعارف الجديدة إلى الأبد بسبب أن نمونا وإدراكنا أصبح كاملا ! هنا مرةً أخرى يوضح القرآن الكريم هذه السمة:

" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ". (سورة 15, آية: 21).

أنظر أيضًا سورة 5, آية: 101- 102.

إن التعبير بكلمة "ننزِّله" يشير إلى آيات الوحي الإلهي. فتبيِّن لناالآية السابقة : أن الله سبحانه وتعالى هو مصدر أو منبع للكمال المطلق والعلوم والحكمة الإلهية التي لا أول لها ولا نهاية. ولكن يُظهِرُ علمه وحكمته تدريجياً وبناءً على قدر محتوم فيقول القرآن الكريم:

" سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً". (سورة 48, آية: 23).

الكلمة العربية المستخدمة لبيان طريقة الله ونظامه للكون والخليقة هي السنة. هكذا يُعرِّف القاموس كلمة سنة, بأنه : نظام, قانون, ناموس, عُرْف, التقاليد الأخلاقية, خطة عامة للسلوك, طريقة الحياة. إن جوهر مفهوم السنة هو التكرار والسلوك أو عُرْف يتكرر باطراد.

ربما أفضل ترجمة لكلمة السنة كما إستُخدِمت في القرآن هو: الطريقة لعمل شيءٍ ما. فالشرط الأساسي الجوهري لإبداع الكون والخليقة وهو ـــ أن الله لن يُغيِّرَ سنتَه ـــ هام وله دلالته, وسوف نرى بأن عبارة سنة الله قد تكررت عدة مرات في القرآن.

إن الماضي هو مرآة سنة الله للمستقبل. فماذا كانت "سنّة الله" للأجيال السابقة؟ لقد كانت سنته إرسال الرسل متعاقبين وبالتتابع:

" ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ...". (سورة 23, آية: 44).

السؤال الحاسم أو الخطير هو: لماذا يعتقد المسلمون بأن الله قد غيّر فجأةً سنّته في إرسال الرسل ؟ لماذا يقطع فجأةً صلته بالعباد؟ لماذا يتوقف عن إرسال نصيبٍ أوجانبٍ من خزائن علمه؟ إن حرمان البشر من بدائع فضله ليس بتغيير بسيط في "سنّة الله" وطريقته المعتادة. هل من الممكن أن تتخيّل تغيراً في سنة الله أكثر أهميّة من ذلك؟

قارنوا رسل الله بمُعلمي المدرسة. إن الشرط الأساسي لنظام المدرسة ( أي السُنة المتبعة) هو أن يكون للأطفال مُعلمين. لنفترض أن يأتي مُعلم الفصل الرابع فيقول: إن تلاميذي لا يحتاجون بعد هذه المرحلة لمعلمٍ آخر، وإذا سُئِل لماذا؟ يُجيب بأن: لديهم كتابٌ كامل ومدرِّسٌ مثالي قد تعلّموا منه كل ما هو في الكتاب. فإدّعاءٌ مثل هذا هو مشابه للمعتَقَد والإيمان بأننا تعلمنا من الله سبحانه وتعالى كل ما نحتاج أن نتعلمه لذلك لا نحتاج إلى معلمٍ آخر.

فهنا مرّة أخرى يرشدنا القرآن الكريم ويؤكد ما يقتضيه المنطق والعقل. وهو أن نظام إرسال الرسل هي "سنّة الله" وأن سنّة الله لا تتغيّر:

" سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً". (سورة 17, آية: 77).

وهذه القاعدة الأساسية التي تقول أن سنّة الله لا تتغيّر ولا تتبدّل منصوص عليها أيضًا في التوراة كما نرى:

ما كان فهو ما يكون والذي صنع فهو الذي يصنع ... (سفر الجامعة: 1: 9).

سؤال: ما هو أهم "سنّة" موجودة بين الله والبشر؟ هل من الممكن أن نتصوّر أي "سنّة" أو أي قانون أو قاعدة أو أصول متَّبَعة أكثر أهمية من التواصل بين المحبوب والحبيب ؟ ولماذا يبُطل الله فجأةً هذه السنّة الإلهيّة الحاسمة؟

من الممكن مقارنة الرسل والأنبياء بجهاز الاستقبال مثل التليفون أو الراديو. فالله سبحانه وتعالى هو مصدر الرسائل التي تُبعَثُ لنا. إذاً لماذا يتوقف الله سبحانه وتعالى فجأةً بالتحدث إلينا؟ لماذا يتخلى عن طريقته من التواصل مع من يُحِب؟ ولماذا يتوقف فجأةً من أن يهب قسطاً من علمه اللامحدود؟ أليس للخالق أي رسالة أخرى للعالم الإنساني؟ ألا يرغب سبحانه أن يفيض علينا بالعلم والمعرفة ويذكِّرنا أن نعيش في حبٍ وسلام؟ وهل نفذت كلماتُ خالقِنا؟

" وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"...". سورة 31, آية: 27.

" قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا". سورة 18, آية: 109.

تأملوا في هذه الآية:

" قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا". سورة 17, آية: 100.

لاحظوا كيف يُفسِّر يوسف علي ( أحد أشهر مفسري القرآن ) الآية السابقة , فهو يقول :

[ لدينا استفسار من أولئك الذين يقتصرون وحي الله سبحانه وتعالى لفئة محدَّدة من البشر سوف نتطرق إليه في نهاية المقال: إن الآية المذكورة سابقاً موجّهة إلى اليهود الذين لا يدركون كيف يمكن لمجموعة أخرى من الناس (غير اليهود) أن ينالوا وحياً وهدايةً قد يكون أرفع وأجل مقاماً لما اعتبروه ميراثاً لهم وحقهم المكتسب. ولكن هذه النزعة ذائعة ومنتشرة في الجنس البشري. فكثير من الأعراق أو طوائف معينة أو بعض أنواع من الحضارات تدَّعي بأنها هي الوصي والأمين لرسالة الله، في حين أن الرسالة الإلهية شاملة وعالمية. فرحمة الله عامّة, والله ينثر كنوز رحمته الثمينة بين مخلوقاته وهي لا تُستَنفَذ بالبذل والإنفاق. إن البخلاء فقط هم الذين يدّخرون ثرواتهم خوفاً من أن تُستَنفَذ بالإنفاق. هل أنتم بخلاء روحانيون فتصدون رسالة الله المقدسـة عن عامـة النـاس. هل هذا هو السبب الداعي لإنكاركم ظهـور المعـلم الجديـد؟ ( التشديد مضاف ) والذي يأتي كرحمة لكل الناس ولكل الخلق.]

إن الكاتب يوسف علي أدرك موضوع استمرارية سنة الله في إرسال الرسل ولكنه طبق هذا الموضوع على غيره من الأمم , فالمسلمون يعتقدون بانقطاع الرسالات الإلهية برسالة سيدنا محمد وهذا ما أخذه مفسر القرآن على اليهود في مقاله بالرغم من أن المسلمين الآن يسلكون نفس المسلك الذي سلكه اليهود في هذا الشأن.

وقال الله تعالى:

" وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا". سورة 25, آية: 51.

كما نعلم فإن كل ما يختص بالله عز وجلّ هو لا محدود وغير متناهٍ. فكيف إذاً يُعقَل أن يُحَد من ظهور المعرفة الإلهية والعلم الإلهي لفترة معينة من الزمن.

إن الجزء الكبير من القرآن هو قصص الرسل السابقين. وقد قال الله سبحانه وتعالى لسيدنا محمد باستمرار:

" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِّن قَبْلِكَ.........". سورة 40, آية: 78 ؛ سورة 13, آية: 38.

" قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ". سورة 3, آية 137-138.

وفى نفس سورة "آل عمران" وبعد ست آيات لاحقة يذكر القرآن الكريم:

" وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ........". سورة 3, آية: 144

لنتأمل ونرى ماذا تُعلِّمُنا الآيةَ السابقة؟ إن سيدنا محمد عليه السلام مَثَلُهُ مثل الرسل السابقين. بمعنى آخر فهو ضمن سنّة الله، ومن ثم لا ينبغي لنا أن نتوقع من حضرته شيئا عُجاباً. إذا كان تعاقب وتتابع الرسل سوف تنتهي بسيدنا محمد عليه السلام , وإذا كان القرآن الكريم قصد أن يقول بأن ظهور النبي محمد سوف تُنهي سنّة الله الراسخة في إرسال رسول جديد ألَمْ يجْدُرْ بأن يذكرَ في نهاية الآية بضع كلمات عن مكانة ومنزلة سيدنا محمد الفريدة ؟ ألم يجدر بأن تُصَرِّحَ الآية أن محمداً مَثَلَه مثل سائرالرسل, ولكنه آخرهم؟ بل على العكس، تدل الآية السابقة بوضوح أنه ليس ثمة ما هو فريد أو استثنائي عن سيدنا محمد عليه السلام بل هو رسول شأنه شأن الآخرين الذين سبقوه. هذه الآية تعطينا دليلاً أكثر بأن ظهور سيدنا محمد ليس هو الفصل الأخير في ظهور المعرفة والحكمة الإلهية.

ولننظر الآن إلى الآية التاليه:

"قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ ...........وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ". سورة 46, آية: 9.

تشير الآية السابقة على أن سيدنا محمد عليه السلام ليس رسولاً بدعاً مُرسلاً بمهمّة جديدة فقد سبقه آخرون مثله. وتدل الآية التالية على ذات المعنى:

" شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا .......وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى". سورة 42, آية: 13.

إذا كان الاسلام مثلهُ مثل الديانات السابقة، والديانات الأخرى كمثل بعضها البعض, فلماذا لدينا كل هذه الرسالات؟ إن السبب في إرسال الرسل بين الحين والآخر هو كثرة نسيان الناس. فهم يحتاجون إلى منذرٍ يذَّكِّرهم مرةً كل عدّة قرون, فيغرس الله سبحانه وتعالى الأمل في قلوبهم وينذرهم بعواقب التمسك بهذه الدنيا والابتعاد عن الله. وبما أن كل دين هو مثل الديانات الأخرى فعلى ذلك يمكننا القول بأن كل دين هو الأوّل والآخر! تمعّن في هذه الآية البديعة:

"...... هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا.......". سورة 22, آية: 78.

إن الآية السابقة موجّهة إلى المسلمين الأوائل المعاصرين لسيدنا محمد عليه السلام، فسمّاهم بالمسلمين عندما لم يكن الإسلام أو المسلمون قد وُلِدوا بعد. من الواضح أن الآية لها معنى رمزي وتشير إلى أن المؤمنين الصادقين الذين يعيشون في أي عصر من التاريخ حتى لو لم يسمعوا بكلمة "مسلم" من قبل فإنهم لا يزالون يُعتَبرون مسلمين. ومن المنظور الإلهي، نجد بأن الإسلام يتجاوز عالم الزمان وعالم الأسماء ويسمو فوقهم. وهكذا فأي دين ظهر أو سيظهر يمكن أن يسمّى بالإسلام. وإذا كان هذا التعبير صحيحاً لمسمى دين الله سبحانه وتعالى الذي ظهر أو سيظهر في المستقبل فلماذا لا يُطلق مسمى واحد لرسله المؤسّسين لرسالاته بالرغم من أنهم ينادون إلى حقيقة واحدة؟ إذًا فكل رسول ظهر من عند الله أو سيظهر يمكن أن يسمّى محمداً.

هل أنزل الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم آية تقول إنه سوف لن يبعث رسولاً بعده؟ هل هناك آية في القرآن الكريم تشير إلى أن الله سبحانه وتعالى سوف ينهي سُنّته بعد سيدنا محمد؟ لا، لاتوجد أي آية في القرآن الكريم تشير إلى هذا المفهوم حتى ولو من بعيد. على العكس، لقد وعد الله وبشَّر مراراً وتكراراً بأنه سوف يُواصِلَ ويفي بسنَّتِه بإرسال رسول جديد وكتبٍ جديدة :

"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ... لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب. سورة 13, آية: 38-39

ولنتمعّن في هذه الفقرة: "لكل أجلٍ كتابٌ..." لقد أنزل الله التوراة منذ زمن بعيد ، وعند مجيء السيد المسيح عليه السلام بدّل الله بعض تعاليم التوراة (مثل قانون الطلاق) وأكد وعزَّز بعض تعاليم وأحكام الرسل السابقين. وحين جاء سيدنا محمد عليه السلام لم تتغير سنّة الله في تبديل أو تثبيت ما يشاء. فأنزل بعض التعاليم الجديدة وأثبت بعض تعاليم الرسل السابقة. هذه هي سنّة الله منذ فجر التاريخ وكما صرَّح القرآن الكريم سوف يظَل إلى الأبد. القول بأن "لكل أجلٍ كتاب" هو مثل قولنا: هناك كتاب للأطفال في السن التاسعة وكتاب آخر عند بلوغهم سن العاشرة وهكذا. فاستمرارية ظهور المعرفة والعلم والتعاليم الإلهية لا تتوقف أبداً، لاحظ هذه الآيات من القرآن الكريم:

" ....... وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ* إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ.......". (سورة 35, آية: 24).

" وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً........". (سورة 16, آية: 36).

لكي نُدرِك معنى كلمة "سنّة الله" بمفهوم أوضح دعونا نقارن العالمين الروحاني والمادي. فعندما خلق الله الكون أنشأ نظاماً وترتيباً يسير عليه عالم الطبيعة. فوضعَ قوانيناً معينة لم تتغيّر مطلقاً. يصدُقُ ذلك أيضاً مع نظامه وقانونه الروحاني تلك التي تحدِّد علاقته مع البشر. فهل غيّر الله القوانين الطبيعية ؟

إن سنّة الله ثابته ولا تتغيّر وكذلك الطبيعة البشرية كما جاء في الآية التالية:

"..... فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ......" سورة 30, آية: 30.

إذا كانت فطرتنا ثابتة لا تتبدَّل, وإذا كانت سنّة الله لا تتغير فلماذا ينبغي أن تتبدَّل الصلة التي تربطنا بالخالق ؟ فالادّعاء بأن الله سوف يتوقف فجأةً بالاتصال بنا في حد ذاته غير معقول وهوكقولنا بأن البشر سوف يتوقفون فجأةً من التحدث مع بعضهم!

إن سنّة الله الأبدية والثابتة التي لا تتبدّل هي في غاية الأهميّة وقد أكدها القرآن الكريم في كثير من آياته. لاحظ بأن عبارة "سنة الله" تكرَّرت ثلاث مرات في الآية التالية في ثلاث جمل بكلمات متطابقـة تقريباً مع كلمة " لن" فليس هناك مدلولاً في القرآن الكريم حاز على هذا القدر من التأكيد وجاء بهذا الاسلوب الفريد:

"...... فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا". سورة 35, آية: 43.

انظر أيضًا:-

سورة 33, آية: 38 , 62; سورة 10, آية: 102 ; سورة 40, آية: 85.

وانظر أيضًا كيف يصف الله نفسه في الآية التالية:-

"..."إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ.. إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ...". سورة 33, آية: 3-6

لقد نوّه مؤلف هذا الكتاب (خاتم النبيين) وذكر بأنه قد جاء في ترجمة الآية السابقة باللغة الإنجليزية من قِبَل اثنين من علماء المسلمين في السعودية كلمة ( الرسل) بعد كلمة مرسلين أي أن إرسال الرسل هو رحمة من ربِّك .*

وكذلك جاء في تفسير الجلالين والتفسير الميسر الآتي : "إنا كنا مرسلين إلى الناس الرسل محمدًا ومن قبله."

تعلِّمنا الآيات السابقة درساً مهماً وهو أن إرسال المرسلين والمنذرين دليلٌ على رحمة الله سبحانه وتعالى. فهل سوف تنقطع رحمة الله ؟ هل يغيّر الله سنّته في إظهار محبته لخلقه بإرسال الرسل لهدايتهم؟

وفي الختام، يتبين لنا بأنه عندما خلق الله الكون وخلق الإنسان قام بذلك ضمن خطة كاملة, فكما أن القوانين التي تحكم الطبيعة تبقى بدون تغيير، كذلك القوانين والعلاقة التي تربطنا بالخالق تظل تحت سنته التي لا تتبدّل .



* إن كلمة أمة كما استخدمها القرآن تشير في المقام الأول إلى مجموعة من الناس يدينون بدين معين كاليهود والمسيحيين والمسلمين وليس هناك ما يعادل هذه الكلمة بالانجليزية. المزيد عن كلمة "أمة" سيأتي لاحقاً.

* محمد حسن خان ومحمد تقي الدبن الهلالي.


No comments:

Powered By Blogger