Monday, November 22, 2010

محمد: خاتم النبيين!!


كتاب بين يدي

محمد: خاتم النبيين!

للدكتور محمد ابراهيم خان

سوف نتناول معاً كتاب خاتم النبيين ونقف على المعنى الحقيقي لمعاني الكلمات التي وردت بالآيات الكريمة بالقرآن الكريم وحار فيها العلماء في الدين-فكونوا معي كي نقف على المعنى الصحيح وما يقبله العقل وبما آتت به الآيات الكريمة-سيكون لقاءنا من خلال مقالات اصدرها من هذا الكتاب الذي بين يدي.

خاتم النبيين

ماهو المعني الحقيقي لهذه العبارة؟

"وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى". (سورة النَّجم آية 39).

"وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ". (سورة العنكبوت آية 6).

"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ".. (سورة العنكبوت آية 69).

المقدّمة

لا يمكننا الإنكار بأن البيئة التي نعيش فيها لها دورٌ كبير في التأثير على المعتقدات والتقاليد والعادات وتوجيهها. فلذلك نجد أن الأغلبية الساحقة من المسلمين والمسيحيين واليهود والهندوس يتبعون معتقدات أجدادهم.

فكل ما قيل لنا منذ الطفوله كان منطلقاً لتوجيه معتقداتنا وآمالنا – أي رؤيتنا للواقع. فلو وُلِد طفل لعائلة مسيحيّة متشدّدة وقيل له طوال حياته بأنَّ المسلمين ليس لهم "خلاص" وأن كل صلواتهم لله غير مقبوله لأن إلاههم ليس هو الرّب الحقيقي، فهل في مقدور هذا الشخص أن لا يصدّق والديه أو راعي الكنيسة!.

ولنتطرق الآن إلى موضوعنا الأساسي. ماذا سيكون رد فعل الشخص الذي عاش طوال حياته بفكره الموروث بأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء ولن يأتي رسول آخر من بعده. ثم نقول له اليوم بأن القرآن الكريم يتنبّأ بمجئ رسول جديد بعد سيدنا محمد؟ فهل سيكون هذا الشخص أكثر تفهماً وتقبلاً لنبأ ظهور رسول جديد؟ هذا الكتاب سوف يُظهر لنا بوضوح بأن خطأ التفسير لمفهوم كلمة واحدة – خاتم – كان سببًا في جمود مُفرط وغير مرن للفكر فأصبح كالجبل الثابت. ولكن بقراءتك لهذا الكتاب سوف ترى بأن هذا الجبل يتوارى ويتلاشى تدريجيّا! وعند انهيار الجبل سوف تظهر لك جواهر نيّرة بديعة – كنوز ظلّت محتجبة عن المسلمين جميعاً والسبب هو فى أحرف قليلة لا تتعدى الأربعة والتى تتكون منها كلمة (خاتم) – خ ا ت م – جرفت بنا ونالت منا حتى هذا العصر!

من المؤكد أن بعض المسلمين يرفضون وجود هذه الجواهر، ذلك لأن الفكرة في وجود رسول بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مرفوضة تماماً بالنسبة لهم. كما نجد أن البعض الآخر منهم يرون البهجة والسرور في اكتشاف هذه الجواهر المخفيّة. فهكذا منذ البدء كان الاختلاف في المفاهيم موجود بين العباد وسيظل إلى الأبد، فهذه سُنة الله ولن تجد لسنته تبديلا ولا تحويلا.

لمعرفة المفهوم الحقيقي لعبارة أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو : خاتم النبيين, نجد بأن هذا السياق يرتكز على أساسين من الدلائل:

▪ حكم المنطق

▪ تعاليم القرآن الكريم

إن كلا الاتّجاهين مطلوبان لمعرفة المعنى الحقيقي لـ "خاتم النبيين"، فكما أن الصورة المقطّعة إلى أجزاء صغيرة، حينما يجتمع كل جزء منها مع الجزء المناسب له تظهر الصورة مكتملة الشكل فى النهاية وندرك ما فيها، كذلك حين نقوم بالتأمل في الآيات القرآنية ونقوم بنظرة شمولية فسوف تَكشِفُ لنا هذه الآيات عن المعنى الحقيقي والمراد من عبارة خاتم النبيين. فماذا يمكن أن تخسر إذا وصلتك رؤيا ومفهوم جديد فى الآيات القرآنية عن موضوع "خاتم النبيين" ؟ هل ستُضعِف هذه النظرة الجديدة إيمانك؟ لا! على العكس، ستقوى وتتّسع معرفتك وتقديرك وإيمانك بكتاب الله العظيم ألا وهو القرآن الكريم.

سوف نجد أن بعض الآيات القرآنية، مع الأسف، لم يُفهَم معناها الحقيقي وأُسيء تفسيرها. ألم يكن هذا هو الوضع مع جميع الكتب السماويّة الأخرى؟ ألم يسيء اليهود تفسير التوراة؟ ألم يسيء المسيحييون تفسير الإنجيل؟ إذًا فماذا يمنع المسلمون من الوقوع في الخطأ نفسه؟ هل من المعقول أن نغلق أذهاننا عن أفكار وآراء جديدة تُعرَض علينا؟ هل من الممكن أن نتغاضى عن هذه الآية من القرآن الكريم:

فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ. " (سورة 39, الآية: 17-18).

لماذا لم يعترف المسيحييون بأن الإسلام رسالة سماويّة؟ إذا طبّقوا الآية السابقة واستمعوا إلى رسالة سيدنا محمد(ص) فسوف يعترفون بأنها رسالة سماوية.

لماذا ينقسم الإسلام إلى سنّة وشّيعة وفرق متعددة ؟ هل درسوا عقائد بعضهم البعض بعقل متفتّح؟ هل سيظلّون منقسمين إذا اتبعوا المعنى الصحيح الصائب لأحكام القرآن الكريم؟!

ما هي الديانة التي يتبّعها معظم الناس؟ ألم تكن هي ديانة آبائهم؟ إذا كنت مسلماً، فاسأل نفسك هذه الاسئلة: ما هي نسبة إمكانية أن أكون مسلماً إذا ولدتُ لأب حاخام يهودي في اسرائيل، أو لمبشّر مسيحي في تكساس، أو لأب شيوعي في روسيا، أو لملحد في الصين؟ وما هي نسبة إمكانية البابا أن يكون مسيحيّا إذا ولد لعائلة مسلمة في مكّة أو عائلة هندوسية في بنجلور؟

يعلمنا القرآن الكريم – أعظم كتاب للمعرفة والحكمة الإلهية – ألاّ نتّبع أي معتقدات ببساطة وذلك لأنها معتقدات أبائنا:

" وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ " (سورة 34, آية: 43).

"إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ". (سورة 37, آية:69،70).

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ " (سورة 2, آية 170).

تأمل أيضاً الآيات التالية:

سورة 43, آية: 22؛ سورة 5, آية: 104 ؛ سورة 11, آية: 62, 87 ؛ سورة 10, آية: 78.

"وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ " (سورة 26, آية: 5).

" وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى .....".(سورة 35, آية: 18).

تأمل أيضاً الآيات التالية:

سورة 7, آية: 39 ؛ سورة 53, آية: 38-39 ؛ سورة, 39 آية: 7-41.

ما هي العقبات التي تواجهك عند محاولتك إثبات أن الدين الإسلامي هو دين سماوي لشخص مسيحي ؟ ألا تكون إجابته لك حسب التعاليم الدينية والمعتقدات التي توارثها من آبائه وراعي الكنيسة؟ ألا يحمل كل شخص منا مثل هذا الموروث؟ هل في استطاعة أي شخص الادّعاء بأنه ليس مقيداً بموروثه؟

إن الآيات القرآنية التي استشهدنا بها، إضافة إلى معتقداتنا وتجاربنا في تبليغ ديننا إلى أتباع الأديان الاخرى، كل ذلك يعلمنا درساً نعرفه بإحساسنا الروحي، حتى لو حاولنا إنكاره أحياناً، وهو أنه لا يمكن إضافة نقطة واحدة لكوب ممتلىء بالماء أو طافح بما فيه. ولكي نكون منصفين في رأينا لهذا الموضوع الهام أي مفهوم عبارة "خاتم النبيين" – من الواجب علينا أن نضع جانباً كل ما تعلّمناه وتوارثناه من الماضي. وأن لا نسمح لآرائنا السابقة إجحاف عقولنا وقلوبنا بما سوف نقدّمه من وقائع وحقائق في هذا الكتاب. وعلينا أيضاً أن نبدأ بحثنا بقلوب صافيه مجردة ،كالقاضي أو هيئة المحلّفين،. فإذا بدأنا بحثنا بمخزوننا من التصورات والانطباعات السابقة فسوف يكون كل ما عرفناه في الماضي هو شيء مسلّم به، ومن المستحيل الوصول إلى الحقيقة.

إن الناس في جميع العصور كانوا يكرهون الحقيقة، فهل عصرنا هذا مستثنى من ذلك؟

"لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ". (سورة 43, آية: 78).

إن كل فصل من هذا الكتاب مثل قطعة من الصورة الكاملة(puzzle) ـــ المجزءة إلى قطعٍ أصغر والتي لا تكتمل دلالتها إلا عند اكتمالها ـــ ولكي ترى الصورة بأكملها يجب عليك إرجاء الرأي إلى أن تنتهي من قراءة كل الفصول، عندها ستشهد ظهور السر العظيم للقرآن الكريم فتستطيع حينها أن تقرر ما إذا كان هذا الكتاب يستند على وقائع متينة أم مبني على مجرد خيال.

وكونوا معي في أول مقال قادم من الكتاب كي نقف على المعنى الصحيح....................................


Friday, October 29, 2010

في عمر نوح عليه السلام


س السائل- عن اعتقادنا في عمر نوح عليه السلام، هل هو كما نزل في القرآن الشريف عاش تسعمائة وخمسين عاما أو له معنى آخر.

(الجواب)

اعلم أيها السائل الفاضل يسّر الله لنا ولكم الوصول الى أقرب الوسائل وأتقن الدلائل، أن لأهل العلم في أمثال هذه المسائل نظرين، ديني وعلمي.

(أما النظر الديني) فمعلوم أن كل من اعتقد بحقية رسالة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وأن القرآن الشريف كتاب الله الذي نزل من السماء اعتقد بالضرورة بصحة جميع ما ورد في هذا الكتاب الكريم وصدق ما نزل في هذا السِفر العظيم سواء كان قريباً من أفهام الناس أو بعيداً عنها ما لم يحكم العقل الصريح باستحالته ولم يقم قاطع البرهان على امتناعه. ومن له أدنى إلمام بالأدلة العقلية والقياسات المنطقية يعرف بالبداهة أن غاية ما ينكرونه في مسألة طول أعمار الأقدمين إنما هو من قبيل الاستبعاد العادي لا الاستحالة الحقيقية والامتناع العقلي، إذ لم يقم أدنى دليل قطعي على استحالة طول الأعمار أكثر مما هو مألوف في هذه الأعصار. خصوصاً في أهل الأزمان القديمة والأعصار الغابرة التي انقطعت يد الكشف والاستقصاء عن تحقيق أحوالهم ومدد أعمارهم بسبب انقطاع تاريخهم ومحو آثارهم. والعاقل اللبيب بمجرد الاستبعاد لا يحكم بخلاف ما نزل به القرآن الشريف وصرح به الكتاب المجيد، إنه لقول فصل وما هو بالهزل.

(وأما النظر العلمي) فمعلوم أن العالم المحقق لا يذعن لأمثال هذه المسائل إلا بعد معرفة مصادرها ومقدار إمكان الوثوق والاعتماد عليها. ومن المعلوم أن التواريخ القديمة المنبئة عن كيفية ابتداء الخلقة ليست إلا أربعة تواريخ مما تعتبره الأمم الكبيرة وتستمد من مصادرها الملل العظيمة. وهي تاريخ البوذية (أهالي الصين) وتاريخ البرهمية (سكان الهند) الأصليين، وتاريخ الزردتشتية (أمم الفرس الأولى والأكاسرة العظمى) وتاريخ العبرية، أي اليهود ومن اعتبر صحة رسالة موسى. ومن عجيب ما ينتبه اليه المتبصر أن هذه التواريخ المذكورة مع اختلاف مفاهيمها اختلافاً لا يرجى جمعها وتطبيق بعضها على بعض وبعد مشارب أهلها والتفاوت الفاحش في أزمانها والاختلاف الواضح بين الأسماء والحوادث المذكورة فيها، اتفقت في مسألتين وهما طول أعمار الأولين طولاً مفرطاً عما هو معهود في أعمار الآخرين ومزجها بحكايات أشبه بالأقاصيص الخرافية عند المحققين وبمعميات وأحاجي ورموز عند المعتدلين.

أما تواريخ البوذية والبرهمية والزردشتية فلا يوجد فيها ذكر من آدم وحواء ولا شيت ونوح وأمثالهم ولا قصصهم ووقائعهم ولا ما يقارب هذه الاسماء، بل وردت كل هذه الأسماء في تاريخ العبريين فقط ومنهم انتقلت الى الأمة النصرانية والملة الاسلامية. ولما صح عن النبي عليه السلام أنه قال (بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب الناس على قدر عقولهم) وكذلك (حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله) كما نقله القاضي العلامة محمد ابن أحمد بن رشد الأندلسي في كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملّة عن البخاري، فلا يمكن للعالم المحقق والحالة هذه أن يستمد في المسائل التاريخية عن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ومن المعلوم أن الأنبياء ومظاهر أمر الله عليهم السلام بعثوا لهداية الأمم وتهذيب أخلاقهم وتقريب الناس الى مرجعهم ومآبهم وما بعثوا مؤرخين أو فلكيين وفلاسفة وطبيعيين فان شؤونهم في عالم الخلق كشأن القلب في عالم البدن شأن كلي وأثر عام. وشؤون العلماء في عالم الملك كشأن العضو المعين بين الأعضاء شأن خاص وأثر مخصوص. ولذلك تساهل الأنبياء عليهم السلام مع الأمم في معارفهم التاريخية وأقاصيصهم القومية ومباديهم العلمية، فتكلموا بما عندهم وتفاوضوا بما يلائمهم وستروا الحقائق تحت أستار الإشارات وخدّروا حوريات المعاني في قصور الآيات وأسدلوا عليها ستائر بليغ الاستعارات، فلا يشك عاقل إذاً أن ما ورد في القرآن المجيد والفرقان الحميد من كيفية بدء الخلقة ومناظرة الملائكة وقصص آدم وشيطانه ونوح وطوفانه كلها حقائق تخبر عما يتجدد في مواعيد تجدد العالم ويتحقق في مواقيت انقضاء آجال الأمم بظهور الحقيقة المقدسة الأولية وتجدد الشرائع الإلهية. فلا يجوز للمؤرخ من حيث العلم أن يعتمد على ظواهر هذه الآيات إذ لا يمكنه سد باب الاحتمال الراجح أن تكون لها معان عالية وتأويلات سامية غير ما هو مفهوم من ظواهرها ومسموع من مصادرها. وليس احتمال تأويل الآيات من شذوذ التصورات أو نوادر الاحتمالات حتى لا يعبأ به أرباب الفضل ولا يعتني به أهل العلم بعدما نزل في الكتاب المجيد (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) وجاء في القرآن الحميد (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)، وبعد ما صحّ من الأثر الشريف واستفاض من السنّة المأثورة أن لآيات القرآن بطونا غامضة عميقة وتأويلات عالية دقيقة عرفها أهله وأدركها حملته منَّ الله بكشفها على عباده الثابتين وأرقائه المخلصين. وليس المراد من التأويل إلا المعاني الأصلية المقصودة مما ستره الله تعالى في بطون الآيات وأخفاه تحت ستائر الاستعارات. وليس هذا من شأن البشر حتى يخوض في غماره كل جاهل ويفسر الآيات برأيه كل خامل كما فعله بعض الجهلة بغرورهم وضلوا وأضلوا كثيراً بتفاسيرهم وأبعدوا الناس عن معين الحياة وأخفوا عنهم سبيل النجاة. بل هو من شؤون مظهر أمر الله ومنجز وعده كما صرح به في الكتاب حيث قال (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)(1).

فاذا ثبت أنه لا يمكن للمؤرخ أن يستمد في معارفه التاريخية من ظواهر آيات القرآن ولا ذكر لنوح وأمثاله في سائر التواريخ القديمة، فلا يبقى إذاً بين يدي المؤرخ إلا التوراة وسائر الكتب من العهد العتيق. والناقد البصير إذا أمعن النظر في هذه الكتب المقدسة مجانباً أمياله المذهبية والتقاليد والآراء الملفقة القومية يرى فيها قسمين مفروزين من التعليمات جديرين بمزيد التوجه والالتفات.

(القسم الأول) ما نسب في الكتاب بأنه من الله وتكلم به الله أو أنزل من لدى الله. وفيه الأحكام والحدود والشرائع والسياسات والأخبار عن الأمور الآتية من قبيل الانذارات والبشارات، وأعظم هذه بشائر ورود (يوم الله) وآثاره وآياته وعلائمه واشراطه مثل الكلمات العشر في أصل التوراة والنشيد والبركة الواردة في أواخر سفر التثنية وزبور داود وكتاب أشعياء النبي وكتب يرميا ودانيال وحزقيل وزكريا وغيرهم من أنبياء بني اسرائيل. ومن أوتي بصيرة من الله وموهبة المعرفة والتمييز بين تصانيف البشر وآيات الله يعترف بأن هذه الكتب كلها آيات إلهية وكلمات سماوية وبشائر ونذر ربانية توقد وتضيء وتتألق من الشجرة المباركة الموسوية كسراج منير في الليلة الليلى أو كنجم بازغ من السماء القصوى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسيلحق تفسير هذه الآية الكريمة في آخر الكتاب ويجب أن ينتبه اليه فانه في غاية من النفاسة.

(والقسم الثاني) ما يخبر عن الأمور التاريخية من كيفية ابتداء الخلقة وانشعاب القبائل وانبثاث الخلق على وجه الأرض وتاريخ حياة الأنبياء وحوادث أيامهم وتعداد الملوك ووقائع دولهم، كالتورايخ الواردة في الأسفار الخمس من ابتداء خلقة آدم الى وفاة موسى عليه السلام وكتاب يوشع وكتاب القضاة وكتابي الصموئيل وكتابي الملوك وكتابي أخبار الأيام وكتاب عزرا وكتاب نحميا وأمثالها من كتب المؤرخين. وهذه الكتب ليس فيها تصريح أو تلويح أو أدنى إشارة بأنها وحي سماوي أو كلام أو إلهام إلهي، فلا يجوز على المؤرخ أن يعتمد عليها ويجزم بصحة ما ورد فيها، ويحلها محل الوحي السماوي إلا إذا عرف مصنفي هذه الكتب، ومن يعرف مقدار اختلاف العلماء في تعيين مصنفي هذه الأسفار والأدلة التي اعتمد كل فرقة منهم عليها في رأيه واعتقاده، يعرف عدم جواز الركون والاعتماد على صحة ما ورد فيها. ومن الحماقة أن يعتمد العاقل الناقد على كتاب لا يعرف بالتحقيق مصنفه ويحسب وحياً إلهياً وكلاماً سماوياً ما لم يتعين بعد الفحص والتدقيق مصدره ومؤلفه. مثلا إذا تصفحنا أقوال كبار العلماء في تعيين مصنف الأسفار الخمس أصل التوراة وأساس التواريخ العبرية، نرى ثمة إختلافاً كبيراً لا يرجى بالكشف والاستقصاء زواله ولا ينتهي الى ركن وثيق غايته ومآله، فان كثيراً من العلماء اعتقدوا بأن مصنف هذه الأسفار هو موسى عليه السلام، ولكن يكذبهم ويذهب بقيمة رأيهم ما ورد في آخر هذا الكتاب من ذكر وفاة موسى وكيفية إقامة بني اسرائيل مناحة له بعد وفاته. وثمَّ شواهد أخرى تدل دلالة واضحة على أنها صنفت بعد وفاة موسى بمدة غير وجيزة وبعضهم ذهب بلا دليل يركن اليه الى أن الفصلين الأخيرين من سفر التثنية من تصانيف يوشع بن نون فإنه صنفهما وأضافهما على الأسفار الخمس التي صنفها موسى تتميماً لمصنفاته وتكميلاً لتاريخ حياته وتوضيحاً لحال الشعب بعد وفاته. وبعضهم قال أن هذه الأسفار من مصنفات يرميا أو أحد غيره من أنبياء بني اسرائيل. وهذا القول أيضاً كأقوالهم السابقة لا يخلو من ضعف التعليل أو فقدان الدليل. وجماعة من المحققين ذهبوا ولعلهم أصابوا (إذ لا يخلو هذا القول من قوة نوعاً) الى أنها من تصانيف عزرا الكاهن الذي عبر عنه في القرآن الشريف بعزير. فإنه بعدما رجع القوم من جلاء بابل بأمر الملك الكبير أردشير وبنى القدس الشريف وجمع شمل اليهود وأحيى بيت داود، طلب الشعب منه نسخة التوراة وكان عزرا رجلاً فاضلاً، وكاتباً ماهراً، وكاهناً ديناً، تعلم في مدينة بابل في مدارسها الكبيرة، وحاز معارفاً واسعة وفنوناً نافعة على مقدار ما بلغت سعة المعارف في تلك الأوقات فإن مدينة بابل إذ ذاك كانت موئل المدنية ومشرق أنوار العلم والحكمة، فكتب عزرا إجابة لطلب الشعب كيفية إبتداء الخلقة وتفرق النسل وانشعاب القبائل وانبثاث الخلق الى وفاة موسى عليه السلام في خمسة أسفار وأدرج فيها ما أوحي الى موسى من ربه وما شرع موسى (او يوشع كما يشهد به بعض عبارات السفر)(1( لانتظام أحوال شعبه.

فإذا علم بالاجمال أن قصص نوح وأمثاله لم تذكر في تواريخ الملل الكبيرة العتيقة، مثل الأمم الصينية والفارسية والهندية، ممن لا يهان بسعة معارفهم وقدم تمدنهم وتقادم عهدهم ووسعة ممالكهم وانتشار مآثرهم، ولا يعلم بالتحقيق مصنف الأسفار الخمس العبرية. وعلم أيضاً أن سيدنا النبي وسائر الأنبياء عليهم السلام كانوا لا يناقشون الناس في عقائدهم التاريخية، وكانوا يتكلمون معهم بما عندهـــم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أي اصحاح 24 من سفر يوشع.

من المعارف الموروثة القومية. علم بالضرورة أنه لم يبق مجال لأهل الاجتهاد والتحقيق أن يبتّوا رأياً في هذه المسائل من جهة العلم. فإذا سدًّ طريق الاجتهاد فما بقي ثمة إلا وجهة الدين والاذعان التعبدي لظواهر ما ورد من الأنبياء والمرسلين.

ومن المدهشات التي تحير العالم الفاضل، وتجلب نظر الفطن العاقل، وتسيء الظن بما كانوا يحسبونه من المسلميات وتوجب على المؤرخ غاية الدقة في الكشف والاستقصاء حتى على ما يعدونه من البديهيات. إنه الى يومنا هذا ما وجدوا في الآثار العتيقة المصرية ما يدل أدنى دلالة على كون بني اسرائيل في مصر وقيام موسى عليه السلام بينهم بالرسالة، وطلبهم النجاة من ظلم الفراعنة بزعامته، وهجرتهم الى بر الشام تحت رايته، وهم قوم حربيون يعد المحاربون منهم ثمانمائة ألف أو يزيدون، فاتبعهم فرعون بجنوده، وغرقوا في البحر بكفرانه وجحوده. مع أن الآثار العتيقة المصرية كما يعرفه أهل العلم اكتشفت بها في هذا القرن من التورايخ الصحيحة ما أخنى عليه الدهر وأخفاه مدة مديدة تحت حجاب كثيف من الستر حتى محي ذكرها من الكتب والأسفار وتتابعت عليها القرون والأدوار الى ان أحياها الله في هذا العصر المجيد الذي هو عصر ظهور الأسرار وطلوع نور الأنوار، وزوال الظلمات المتراكمة الحائلة دون الأنظار. فقام جماعة من أفاضل الغربيين واكتشفوا من تلك الآثار العتيقة حقيقة تاريخ المصريين، فظهرت أسماء ملوكهم وفراعنتهم وأفعالهم وأحوالهم وعدة بيوتهم وعائلاتهم وديانتهم وعاداتهم وآلهتهم ومعبوداتهم. فأحييت تلك الآثار للفراعنة ذكراً صريحاً ورتبت لدولهم ترتيباً صحيحاً ومهدت للتاريخ دوراً جديداً وأسست للعلم أساساً سديداً. وكل هذه الآثار العتيقة ورمم الفراعنة وجثثهم المحنطة موجودة ومحفوظة في متحف مصر وبقايا هياكلها العظيمة تشد عليها الرحال ويقصدها أفاضل الرجال من أقطار أوربا وأمريكا لكشف المعارف التاريخية وزيارة المعالم المصرية، وما وجدوا بعد ما يصحح أخبار توراة من قصص موسى وهارون ويوشع وأحوالهم فكيف من تقدمهم من آدم وشيت ونوح وأمثالهم، فتحير المعتقدون بتاريخ التوراة في كيفية تدارك هذا الخلل الكبير، وهالهم اختلال أساس هذا التاريخ الخطير، إذ لا يعقل أن المصريين الذين رسموا على الأحجار جميع وقائعهم الكلية والجزئية ونقشوا في الصخور كل ما حدث في مصر من الحوادث الملكية والدينية، كيف أعرضوا عن ذكر تلك الأمور الهائلة الجسيمة من قيام موسى عليه السلام وإظهاره الآيات العجيبة وغرق فرعون وجنوده الجرارة الكثيرة، فمنهم من هو واضع كف الحيرة تحت ذقنه يتفكر بعد في التطبيق والتدقيق لعله يجد طريقاً يأول الى التصحيح والتوفيق. والله تعالى أعلم بما ينتهي اليه أمر المكتشفين والمنتظرين، وفي ذلك كفاية للمتبصرين.(ابو الفضائل- كتاب الدرر البهية)


Friday, September 24, 2010

معنى الملائكة في الآية الكريمة النازلة في سورة المدثر


معنى الملائكة في الآية الكريمة النازلة في سورة المدثر

{ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا }

فاعلم أن لفظ الملك واحد الملائكة والملائكة في اللغة العربية توافق لفظًا ومعنى ما في اللغة العبرانية حيث أنها مأخوذة من الأصل السامي الذ منه اشتقت اللغات السريانية والعبرانية والعربية والآشورية والكلدانية وهو يفيد معنى المالكية والاستيلاء على شيء فكما أنه أطلق لفظ الملك والملائكة في الكلمات النبوية المحفوظة في الكتب السماية على النفوس القدسية والأئمة الهداة لخلعهم ثياب البشرية وتخلقهم بالأخلاق الروحانية الملكوتية فملكوا زمام الهداية وصاروا ملوك ممالك الولاية كأهنم أعطوا سلطة مطلقة في سعادة الناس وشقاوتهم وهدايتهم وضلالتهم وهذا هو معنى الولاية المطلقة التي جاءت في الأخبار ولذا سمي سيد الأبرار وأمير الأبراربقيم الجنة والنار كذلك أطلق هذا اللفظ في الكلمات النبوية على رؤساء الأشرار وأئمة الضلال حيث أنهم قادة الفجّار يقودونهم إلى النار ولذا أطلق عليهم لفظ الملائكة كما أنه أطلق عليهم لفظ الأئمة في قوله تعالى { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } وفي الكتب المقدسة العتيقة أيضًا أطلق لفظ الملاك والملائكة عليهم كما جاء في سفر الرؤية في الإصحاح التاسع بعد إخباره عن ظهور الخلافة الجائرة الأموية والمملكة العضوضية المروانية في الدورة الإسلامية بقوله ( ولها ملاك الهاوية ملكًا عليها اسمه بالعبرانية ابدون وباليونانية ابوليون ) وهذا على حسب الترجمة البروتستانتية * واما على حسب ترجمة اللاتينيين أي الكاثوليك فهكذا ( ولها ملاك وهو ملاك الهاوية اسمه بالعبرانية ابدون وباليونانية ابوليون أي مهلك ) والمقصود هم أئمة الضلال ورؤساء تلك الخلافة الظالمة التي أساءت سياسة الأمة الإسلامية حتى أدت أخرتها إلى الذل والهوان والتهلكة والخسران كما تراه وتعلمه بالمشاهدة والعيان والله تعالى أعلم بما ينتهي إليه عاقبة تلك الأمة الأسيفة والملة الغافلة من غلبة أعداءهم وسوء نية رؤسائهم وجهل أوليائهم وتخاذلهم وخمولهم وغفلتهم وذهولهم مما يبكي العيون ويثير الشجون ويدمي القلوب ويهيج الكروب فلنترك هذا الذكر المحزن والأمر المشجي المشجن ولنرجع إلى ما كنا نتكلم فيه فإن داء هذه الأمة داء أعي كل نبيه وعز دواؤه على كل فطن * وجاء في الآية السابعة من الإصحاح الثاني عشر من هذا السفر أيضًا ( وحدث حرب في السماء ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وملائكته ولم يقودوا فلم يوجد بعد ذلك مكانهم في السماء فطرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان الذي يضل العالم كله طرح إلى الأرض وطرحت معه ملائكته . )

والمقصود بميخائيل هو مظهر أمر الله وبالملائكة أوليائه وأحبائه كما أن المقصود من التنين العظيم والحية القديمة أو الشيطان وملائكته هم رؤساء الظلم وأئمة الضلال وأتباعهم وأشياعهم لأنه روح الضلالة تجلت وظهرت باسم الخلافة الجائرة والملك المعضوض حيث أن رؤساءها قاوموا المظاهر المقدسة وحاربوا العترة النبوية حتى أودت بالأمة الأسيفة إلى الهلاكة الأبدية والذلة الدائمة * أن الديانات كلها أبواب للدخول في جنة رضاء الله تعالى أو أن تشريعها وظهورها كذلك تصير أبوابًا للدخول في جهنم بسخط الله حين نسخها وتغييرها مثلا كما أن الديانة الموسوية وشريعة التوراة كانت بابا للجنة ودخلت منها نفوس كثيرة في حوزة رضاء الله كذلك عين هذه الديانة صارت بابًا لجهنم في ظهور سيدنا عيسى عليه السلام فدخلت منها نفوس كثيرة في نار سخط الله لان اليهود بسبها أنكروا روح الله وخالفوا أمر الله وكذلك الديانة النصرانية كما أن في أول تشريعها دخلت نفوس كثيرة في النار لان النصارى بسببها أنكروا رسول الله وكذّبوا نبي الله ودخلوا في نار سخط الله وهكذا سائر الأديان في سائر الأديان في سائر الأزمان وكما أن الباب صح إطلاقه على الديانات لانها أبواب دخول الخلق في جنة الرضا كذلك أطلق في الكلمات على الأنبياء وكبار الأنبياء بمناسبة المعنى الذي ذكرناه ولذا جاء في زيارة الجامعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام هذه العبارة ( أنتم باب الله المؤتى والمأخوذ عنه )

وإليه أشير في الآية الكريمة { فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه رحمة وظاهره من قبله العذاب } فالمراد بملائكة النار في الآية المباركة هو هذه الرجال من أصحاب الدجال وأئمة الضلال. واما في هذا الدور الحميد والكور المجيد فعدوا أبواب النار ثلاثة وهؤلاء أيضًا ملائكة الجحيم وقادة أصحاب الشمال إلى العذاب الأليم وعلو مقامهم وسمو مراكزهم صار سبب افتتان الجهال وإضلال أصحاب الشمال كما يدلك عليه قوله تعالى

{ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب } وفي كل دور وزمان توجد لكلمات الله تعالى مصاديق يعرفها أهل الإيمان وحملة القرآن ومخازن الحكمة ومطالع البيان حيث أن روحي الهداية والضلالة دائمًا ساريتان في الخلق وينبوع الكفر والإيمان تجريان بين نوع الإنسان في طول الأزمان وليس لظهور الله حد محدود وميعاد مخصوص فإنه جلّت قدرته ناظر دائمًا في قلوب عباده وأفئدة خلقه فإذا رأى فيها استعدادًا للقوب والإقبال يظهر الأمر في الحال فلابد أن تكون مصاديق كلماته موجودة في كل الأزمان وأبواب الجنة مفتوحة في جميع الأحيان * ( أبو الفضل كليايكاني الإيراني )

وذلك في 30 من شهر شوال المكرم سنة 1318


Friday, September 10, 2010

عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون (13)


عفواً يا أمة الإسلام

قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون

(13)

روى العلامة سهل بن عبدالله التوسترى فى تفسيره عن عكرمة بن عباس(رض) أنه قال سالت رسول الله(ص) فى مَ النجاة غداً فقال:" عليكم بكتاب الله عز وجلّ فإن فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم من دينكم الذى تعبّدكم به الله عزّ وجلّ". إلى آخر الحديث. فترى أن رسول الله(ص) أخبر أمته بأن فى القرآن نبأ من قبلهم من الأمم وخبر من بعدهم من الأمم وحكم ما بين أمته وهو يخاطب هذه الأمة المحمدية . فإذاً يريد بالأمم الآتية والماضية امم الرسل وهى أمم الاجابة فالأمم الآتية هى التى تتكون بإرسال الرسل لها كما تكوّنت أمة موسى وأمة عيسى والأمة المحمدية بإرسال رسلها لها فخبر تلك الأمم بالقرآن كما كان خبر الأمة المحمدية فى الانجيل والتوراة وخبر الأمة العيسوية فى التوراة وغيرها من الكتب المقدسة القديمة فإذا يأتى بعد انتهاء أجل هذه الأمة المحمدية رسل تتعاقب وتكوّن امماً.

براهين الطريق الثالث

ع-هل وردت بشائر بشأن السيد على محمد الباب وبهاءالله فى الكتب السماوية المتقدمة وهل فى القرآن شيء من ذلك؟

س- نعم. ان البشائر عنهما كثيرة جداً ولا سيما فى القرآن الكريم فكما جاء التبشبر عن سيدنا محمد(ص) فى الكتب السماوية المتقدمة كما قال تعالى" الذين يتبعون النبى الأمى الذي يجدونه مكتوبًا عندهم فى التوراة والانجيل"(الاعراف:156) فكذلك كل رسول يأتى بعده لا بُد له بشائر فى الكتب المتقدمة عليه.

ع- اذاً اسمعنى تبشيراً من القرآن الكريم بشأن السيد على محمد الباب.

س-ان الآيات التى بشأن السيد على محمد الباب بالقرآن الكريم كثيرة منها قوله تعالى:"أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى امامًا ورحمة اولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده فلا تكن فى مرية منه انه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"(هود:17).

قال العلامة البغوي فى تفسيره"الذي على بينة من ربه محمد ويتلوه شاهد منه أي يتبعه من يشهد له بصدقه".

فعلى هذا الذي يعقب محمدًا(ص) هو الذى يشهد له على صدق ما ادعى من الرسالة ويقتضى ان يكون رسولاً مستقلاً بشريعة غير تابعة لمحمد(ص) والا فكل تابع لمحمد(ص) يقول:( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله) أى يشهد بصحة رسالة محمد(ص) فلا بُد إذًا أن يكون هذا الشاهد غير تابع لمحمد(ص) بل مستقلاً برسالة وتشريع ولم نر بعد محمد (ص) من ادعى رسالة أو تشريعاً غير السيد على محمد الباب قد شهد لمحمد(ص) وصدقه برسالته ودعواه وهذا الشاهد هو منه أى من ذريته ونسله والضمير هنا يرجع إلى من كان على بينة من ربه وهو محمد(ص) كما تقدم والسيد على محمد الباب هو من ذرية فاطمة من نسل محمد(ص) ومثل هذا الشاهد المتأخر مجيئه بعد محمد(ص) شاهد آخر متقدم بمجيئه عن محمد(ص) وهو كتاب موسى عليه السلام وهذا المتأخر امامًا ورحمة للناس والرسل هى رحمة لأممها قال تعالى(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(الانبياء:107) اولئك يؤمنون به فالاشارة من اولئك ترجع إلى الذين يقولون افتراء فى الآية الرابعة قبل قوله أفمن كان على بينة من ربه والمراد بهم كل من كذب محمدًا(ص) من مشركين ونصارى ويهود ومجوس وغيرهم فقد وعد الله سبحانه وتعالى ان الذين كذبوا محمداً(ص) يؤمنون بهذا التالى أعنى السيد على محمد الباب وكذلك كان الامر فقد آمن به الآن ممن قد كذبه من مشركين وموسويين وزردشتيين(مجوس) ومسيحيين وغيرهم لم يكونوا قد آمنوا بمحمد(ص) من قبل وكانوا يقولون افتراء ولا بُد أن يعم الايمان العالم أجمع بهذا التالى أعنى السيد علي محمد الباب تبعاً لايمانهم ببهاء الله.ثم أن الله عز وجل توعد بالنار من كفر بهذا التالي ولم يؤمن به قال عز من قائل:-

(ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده) أى كفر به من اية فرقة من الفرق فالنار موعده وهى جزاؤه وهل يجازى إلا الكفور (فلا تك فى مرية منه) أى فى شك من أحقية مايجيء به أنه الحق من ربك وهذا الخطاب وان كان موجهاً لمحمد(ص) فانه يراد به الأمة ولكن أكثر الناس سيؤمنون أي به فى دورته ففيها لم يؤمن به إلا القليل من الايرانيين وبعضاً من العرب فضلاً عن العالم كله ولكن الناس سيؤمنون به تبعاً لإيمانهم ببهاءالله فقد تبين لنا من صريح هذه الآية الكريمة خمس علامات لهذا التالي لمحمد(ص).

الأولى-أنه من ذرية محمد(ص) وكذلك كان علي محمد الباب.

الثانية-أنه يشهد لمحمد(ص) بصدق ما جاء به وكذلك كان السيد على محمد الباب.

الثالثة-أنه امامًا والامام القدوة ويكون بمعنى الرسول قال تعالى لابراهيم عليه السلام:"انى جاعلك للناس امامًا"(البقرة:124) والرسل رحمة لأممها وقدوة وهكذا كان السيد علي محمد الباب رسولاً وقدوة لتابعيه.

الرابعة-ان بعض الذين لم يؤمنوا بمحمد(ص) وقالوا أنه مفتر يؤمنون بهذا التالي وكذلك وقع فآمن بالباب نصارى ويهود ومشركون وغيرهم.

الخامسة-ان الذين لا يؤمنون به هم أكثر الناس وكذلك الباب كان الذين آمنوا به فى دورته قليلون –فهل تريد أكثر من هذا وضوحاً على صحة ما جاء به السيد على محمد الباب.

وكان على مقربة من هذين الفاضلين أعنى-(ع،س)-رجل يهودى اسمه عزرا قد كان يسمع لحديثهما من حين البدء به فقال:-

عزرا-أفى كتاب موسى شهادة لمحمد على صحة دعواه؟

س-ان فى التوراة كثير من الشهادات على صدق ما جاء به محمد(ص) وإليك الآية الواحدة والعشرين وما بعدها من الاصحاح الثامن عشر من سفر التثنية تشهد لمحمد (ص) على صدق كل من جاء بمثل ما جاء به محمد(ص) وانطبقت العلامات التى فيها عليه وهى"وان قلت فى قلبك كيف تعرف الكلام الذى يتكلم به الرب فما تكلم به النبىباسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذى لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبى فلا تخف منه" والمراد بما تكلم به النبى هى نفس دعواه فان نفذت فى النفوس واطاعه الناس وانقادوا إليه فذلك هو النبى المرسل الصادق لأن الرسول انما يقول للناس ويتكلم به باسم الرب هو قوله آمنوا بى واطيعونى واتبعوا بما آمركم به وما جئتكم به من تشريع فان نفذت كلمته هذه فيهم وانقادوا له واطاعوه فقد صار ما تكلم به باسم الرب فيعلم أنه صادق فيما ادعاه وان لم تنفذ فيهم كلمته ولم يطع أو اطيع ولم يلبث إلا وارتد عنه كل من صدقه فيعلم أنه كاذب فى دعواه الرسالة لأن الذى تكلم به لم يحدث ولم يصر فالفارق بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة هو نفوذ كلمة الصادق فى من ارسل إليهم باطاعتهم له وانقيادهم لما جاء به والكاذب بعكس ذلك انظر كيف ان معلم الناموس غمالائيل أحد علماء الفريسيين أمر الكهنة أن يتركوا الرسل الذين كانوا يعلمون شعب اسرائيل باسم المسيح وشأنهم وقال لهم ان كان هذا العمل من الله فلا تقدرون عليه وان كان من الناس فسوف ينتقض وهذه الحادثة جاءت فى اعمال الرسل:الآية الرابعة والثلاثون من الاصحاح الخامس وإليك نصها:-

"فقام فى المجمع رجل فريسى اسمه غمالائيل معلم الناموس مكرم عند جميع الشعب وأمر أن يخرج الرسل قليلاً ثم قال لهم ايها الرجال الاسرائيليون احترزوا لأنفسكم من جهة هؤلاء الناس فيما أنتم مزمعون أن تفعلوا لأنه قبل هذه الأيام قام ثوداس قائلاً عن نفسه أنه شيء الذى التصق به عدد من الرجال نحو اربع مئة الذى قتل وجميع الذين انقادوا إليه تبددوا وصاروا لا شيء بعد هذا قام يهوذا الجليلى فى أيام الاكتتاب وازاغ ورائه شعباً غفيراً فذلك أيضاً هلك وجميع الذين انقادوا إليه تشتتوا والآن أقول لكم تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم لأنه ان كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض. وان كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه لئلا توجدوا محاربين لله أيضاً فانقادوا إليه ودعوا الرسل وجلدوهم واوصوهم أن لا يتكلموا باسم يسوع ثم اطلقوهم".

فاذا علمت هذا فمحمد(ص) أليس قد نفذت كلمته فى الناس وعمّ الإيمان به وانقاد لأمره من لايحصى من الامم والشعوب اذاً فمحمد(ص) صادق فى دعواه وهذه احدى شهادات كتاب موسى لمحمد(ص) وقس على سيدنا محمد(ص) كل من جاء بمثل ما جاء به محمد(ص) وصدق واتبع فهو الصادق فيما جاء به كالسيد على محمد الباب وبهاءالله.

ع- هذه الآية من التوراة تطابق بمعناها الآيات التى اوردتها وبرهنت بها على التفريق بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة بالطريق الأول.

س-فما جاء من الله لا يختلف بعضه عن بعض وبمثل هذا الدليل استدل المسيح عليه السلام على صحة دعواه ايضاً كما جاء فى انجيل.( يوحنا الاصحاح الخامس الآية 31)

" ان كنت أشهد لنفسي فشهادتى ليست حقاً الذي يشهد لى هو آخر وانا أعلم أن شهادته التى يشهدها لي هي حق أنتم أرسلتم لي يوحنا فشهد للحق وانا لا أقبل شهادة من انسان ولكنى أقول هذا لنخلصوا أنتم كان هو السراج الموقد المنير وأنتم أردتم أن تبتهجوا بنوره ساعة وأما أنا فلي شهادة أعظم من يوحنا لأن الاعمال التى أعطانى الاب لاكملها هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها هى تشهد لي أن الأب قد أرسلنى والأب نفسه الذى أرسلني يشهد لي ولم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته وليست لكم كلمته ثابتة لكم كلمته ثابته فيكم لأن الذى أرسله هو لستم أنتم تؤمنون به.فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهى التي تشهد لي ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة".

فالمسيح عليه السلام استشهد كما رأيت فى هذه الاية على أن اكمال الاعمال التى جاء بها هى تشهد له والاعمال التى جاء بها هى دعوة الناس لاتباعه والايمان به واطاعته واكمالها هى أن تستجيب الناس لدعوته وتؤمن به وتطيعه فيما أمر فإذا حصل هذا فقد كملت اعماله وكمال اعماله هى تشهد له على صدق دعواه أفرايت كيف تطابقت الكتب السماوية الثلاثة على أن استجابة الدعوة والثبوت عليها لرسول جاء بتشريع جديد دليل على صدقه ثم أن المسيح عليه السلام استشهد بشاهد آخر وهو شهادة الكتب له ويعنى بها الكتب السماوية السابقة.

ولما كان اكمال الاعمال التى جاء بها المسيح شاهد على صدقه فكذلك هو شاهد على صدق محمد(ص) وصدق كل مدع دعوى مثل دعوة المسيح ومحمد عليهما الصلاة السلام وكالسيد على محمد الباب وبهاءالله فهذه الكتب السماوية قد تظافرت على أن هذا الدليل هو دليل صدق مدعى الرسالة.(من كتاب-التبيان والبرهان)


Powered By Blogger