Tuesday, March 8, 2016
Saturday, March 5, 2016
Saturday, February 20, 2016
Saturday, February 6, 2016
صدر الآن 6/2/2016 مقالي "الأساس الروحانى لحقوق الإنسان-وجهة نظر بهائية5-6"
الأساس الروحانى لحقوق الإنسان-وجهة نظر بهائية5-6
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=503846
Sunday, January 31, 2016
صدر الآن 31/1/2016 مقالي "الأساس الروحانى لحقوق الإنسان-وجهة نظر بهائية4-6"
الأساس الروحانى لحقوق الإنسان-وجهة نظر بهائية4-6
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=503056
Saturday, January 23, 2016
صدر لي الآن 23/1/2016 مقالي "تخلُّف العالم العربي...أسبابه وسُبل الخروج منه2-2"
تخلُّف العالم العربي...أسبابه
وسُبل الخروج منه2-2
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=501952
Saturday, January 16, 2016
صدر الآن 16/1/2016 مقالي "تخلُّف العالم العربي...أسبابه وسُبل الخروج منه.1-2"
تخلُّف العالم العربي...أسبابه وسُبل الخروج منه.1-2
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=501041
صدر الآن 16/1/2016 مقالي "الأساس الروحانى لحقوق الإنسان-وجهة نظر بهائية3-6"
الأساس الروحانى لحقوق الإنسان-وجهة نظر بهائية3-6
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=501035
Saturday, January 9, 2016
صدر لي الآن 9/1/2016 مقالي "الأساس الروحانى لحقوق الإنسان-وجهة نظر بهائية2-6"
الأساس الروحانى لحقوق الإنسان-وجهة نظر بهائية2-6
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=500135
Tuesday, January 5, 2016
صدر الآن 5/1/2016 مقالي"الأساس الروحانى لحقوق الإنسان - وجهة نظر بهائية 1-6"
الأساس الروحانى لحقوق الإنسان - وجهة نظر بهائية 1-6
http://ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=499550
صدر الآن 5/1/2016 مقالي "أبدية الشريعة (4-7)- بين القرن التاسع عشر والعشرين"
أبدية الشريعة (4-7)- بين القرن التاسع عشر والعشرين
https://randaelhamamsy.wordpress.com/2016/01/05/%D8%A3%D8%A8%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D8%A9-4-7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B3%D8%B9-%D8%B9%D8%B4%D8%B1-%D9%88%D8%A7/
لماذا تتعدد الأديان وما سبب الاختلاف بين أتباعها2-2
لماذا
تتعدد الأديان وما سبب الاختلاف بين أتباعها2-2
ان عملية تتابع الأديان هي ضرورة حضارية إنسانية ورحمة مستمرة من الله لا
تنقطع تنزل من السماء (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)(1) وعناية قصوى
بالبشر، فالرزق الإلهي يأتي من السماء على يد رسل الله، وما هذا الرزق الا الكتب
السماوية والشرائع الإلهية والأوامر والنواهي الغيبية، وليس كما يعتقد البعض بأن
الرزق الذي في السماء هو المطر الذي ينزل على الارض ويخرج الزرع، ولا كما يصوره
المسيحيون بخصوص العشاء الرباني الأخير الذي يدّعون انه نزل من السماء ويرسمونه في
لوحاتهم حيث السيد المسيح(ع) يجلس مع تلامذته الحواريين تتوسطهم مائدة غذائية
ممتدة عامرة بأشهى المأكولات! فالسماء ليست مجرد عدة أميال تعلو رؤوسنا كما اعتقد
السلف، بل هي محيطة بكرة الأرض من جميع الاتجاهات. ان أفضل رزق ينزل من السماء على
البشر هو الآيات الإلهية والهدى الرباني، و(خير الزاد هو التقوى)، هذا هو الرزق
الذي في السماء وما توعدون، أما الرزق المادي مثل الأكل والشرب والمال وغيره فيأتي
من الأرض ومن عمل الإنسان.
ان تكرار نزول الشرائع السماوية هو شكل من أشكال الرحمة والعناية والألطاف الإلهية المستمرة ولا يمكن ان تكون سببا لاختلاف البشر، لأن الله مصدر كل خير، وما هذه البلايا والمحن المنهمرة، الا بسبب عناد البشر وإصرارهم على النكران والكفر، وبسبب هذا الكفر يختلف أصحاب الديانات الجديدة مع أصحاب الديانات القديمة وأصحاب المذاهب والفرق، فيحصل القتال والخراب وحرق المدن وترميل النساء وتحليل الدماء وغير ذلك من المصائب التي يشهد عليها التاريخ.
هنا يبرز السؤال المحير: أي الأديان أو المذاهب هي الحق؟ وكيف نتأكد ان هذا الدين هو الحق والأخير من عند الله، رغم ادعاء جميع اتباع الديانات والمذاهب الموجودة أن دينهم أو مذهبهم هو الحق ولا دين أو مذهب بعده؟
ان جواب هذا السؤال لائح واضح في الكتب المقدسة. ولنبدأ أولا بالآيات التي يمكن بها تمييز الحق عن الباطل. حيث جاء في الإنجيل: [احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً. هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة وأما الشجرة الرديّة فتصنع أثماراً رديّة. لا تقدر شجرة جيدة ان تصنع أثماراً رديّة ولا شجرة رديّة ان تصنع أثماراً جيدة. كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار. فإذاً من أثمارهم تعرفونهم.](2).
ان المقصود من الشجرة هنا فهو الإنسان، ومن الشجرة الرديّة مدّعي النبوة، ومن الشجرة الجيدة هو النبي الصادق. والمعنى هو ان رسل الله الحق يمكن معرفتهم وتمييزهم من كلامهم وأفعالهم وتصرفاتهم ومبادئهم الراقية السامية، بينما لا يستطيع غيرهم مجاراتهم في ذلك مهما فعلوا، وفي النهاية يفشلون ويتسببون في خراب المجتمعات ودمارها.
وجاء في القرآن الكريم: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ)(3)، ومن معاني هذه الآية ان من يدعي كذباً وبهتاناً انه رسول من عند الله سبحانه وتعالى وان قوله قول الله، لا يمكن لادعائه البقاء والدوام، فلابد وان ينكشف أمره وينمحي أثره. أما الديانة الإلهية الحقيقية فتبقى وتستمر ويعلو شأنها.
ان رسل الله الحق يشهدون ويؤيد بعضهم بعضاً رغم اختلاف أماكن ظهورهم وتباعد أزمنتها واختلاف لغاتهم، فمثلا ورد في الإنجيل: [إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً. الذي يشهد لي هو آخر وأنا أعلم أن شهادته التي يشهدها لي هي حقٌ](4)، وليس المقصود من الآخر في هذه الآية الا النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فلم يظهر شخص بعد سيدنا عيسى(ع) ادعى الرسالة والنبوة من عند الله وشهد بصدق دعوة المسيح(ع)، إلا سيدنا محمد(ص). كذلك ورد في الإنجيل في حق تصديق موسى(ع) ما يلي: [ لا تظنوا اني أشكوكم الى الأب. يوجد الذي يشكوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم. لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني. فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامي](5).
ومن الأدلة الأخرى على تصديق كل رسول حق لمن جاء قبله من الرسل والأنبياء، ورد في القرآن الكريم في ذكر سيدنا موسى(ع) وتصديق دعوته. فقد جاء ذكره 136 مرة، وجاء ذكر سيدنا عيسى وتصديق دعوته 25 مرة. فلا شهادة أعظم من شهادة رسول من الله لرسول آخر وإقراره بصدق دعوته، فهو أفضل شاهد وخير الشهود، (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)(6).
قد يهلل بعض من يقرأ هذه الآيات ويفرح بها، فهي تعطيه دفعاً في أحقية معتقده. لكنه قد يتجهم عند الدخول في الجزء الثاني من هذا الموضوع، وهو ختم الرسالات وعدم نزول أمر جديد بعدها. فكل أتباع الديانات المختلفة يقولون بقول واحد، هو ان رسالتهم هي آخر الرسالات وليس هناك رسول بعد رسولهم وهذا سبب بقاء أمم أصحاب الكتاب على أديانهم.
لو تفحصنا الكتب السماوية لوجدنا مثل هذه الآيات قليلة جداً، ان كانت في التوراة أو الإنجيل أو القرآن رغم عظم قوة تأثيرها ونتائجها الخطيرة. لكنها أوقعت كثير من المفسرين في منزلق الاشتباه وضلوا وأضلوا غيرهم، إما غفلة منهم أو جهلاً أو حفاظاً على مركزهم ومقامهم الاجتماعي أو غير ذلك من الأسباب العديدة.
فعلى سبيل المثال ورد في التوراة بخصوص ختم النبوة بعد سيدنا موسى(ع) في سفر التثنية [اني أرفع الى السماء يدي وأقول حيّ أنا الى الأبد](7)، وكذلك ورد في التوراة آيات أخرى تقضي بتحليل الطلاق وعدم نسخ السبت، فمعاني هذه الآيات الظاهرية هي التي حالت دون تصديق اليهود للسيد المسيح(ع) وأوجب الاعتداء عليه ونكران أحقيته وعدم الايمان به وبرسالته. لأن أول عمل قام به المسيح(ع) هو دعوته الى دين جديد ورسالة جديدة ونسخ السبت وتحريم الطلاق. فهل كان تصرف السيد المسيح دليل على صحة فهم اليهود لكتابهم؟
كذلك جاء في الإنجيل على لسان السيد المسيح(ع) بخصوص موضوع الختم: [ان السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول أبداً](8)، و [أنا الألف والياء، الأول والآخر، البداية والنهاية](9)، وهاتان الإشارتان أصبحتا حجابا غليظاً ودخاناً مبيناً وغيوما كثيفة أمام بصائر المسيحيين عندما أشرقت شمس رسول الهدى محمد(ص) وبشّر الناس برسالته السمحاء. وبمثل هذه الآيات المتشابهات منع الكثيرون من الايمان به وبرسالته. فهل كانت كلمات الإنجيل (الواضحة) هذه تعني عدم أحقية دعوة سيدنا محمد(ص)؟ أستغفر الله. اذن لابد ان تكون لهذه الآيات معان لا يفهمها البشر، ولابد انها كانت امتحاناً صعباً لأتباع السيد المسيح(ع).
ومن الملفت للنظر تكرار نفس الامتحان مرة أخرى في القران الكريم في آية وحيدة غير مكررة (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)(10)، وهنا نسأل الله تجنب هذا الامتحان الخطير الصعب وعدم الوقوع في نفس المطب وتلطفه ببصائرنا وعقولنا، إذا حصل شيء ما!
لقد كفرت أمم عديدة برسلهم نتيجة هذا الامتحان الإلهي المتكرر، فالنمرود وقومه كفروا برسالة إبراهيم(ع) ورموه في النار وأخرجوه من ارض العراق مطروداً منفياً، وقوم صالح قاوموه وحاربوه وعقروا ناقته، وأقوام عاد وثمود ولوط اصبحوا عبرة لبقية الأمم عندما غضب الله سبحانه وتعالى عليهم ومحا أثرهم، وقوم هود نزل عليهم العقاب السماوي، وقوم نوح غرقوا في الفيضان، وقوم فرعون غرقوا في البحر، وملة اليهود دخلت مدينة الكفر والإلحاد ليس بقتلهم أو محاولة صلبهم للسيد المسيح(ع) فقط، بل لأنهم كانوا يكررون قتل أنبيائهم واحدا تلو الآخر، لذلك لقّبهم السيد المسيح بـ (قتلة الأنبياء)، فقد جـاء في الإنجيل آية في وصفهم: [ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون(11) المراؤون لأنكم تنقون خارج الكأس والصحفة وهما من داخل مملوآن اختطافا ودعارة. أيها الفريسي الأعمى نق أولا داخل الكأس والصحفة لكي يكون خارجهما أيضا نقيا. ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تشبهون قبورا مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة. هكذا أنتم ايضا من خارج تظهرون للناس أبرارا ولكنكم من داخل مشحونون رياء وإثما. ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تبنون قبور الأنبياء وتزينون مدافن الصديقين. وتقولون لو كنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء. فأنتم تشهدون على أنفسكم انكم أبناء قتلة الأنبياء. فإملأوا أنتم مكيال آبائكم. أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم. لذلك هـا أنا أرسل اليكم أنبياء وحكماء وكتبة فمنهم تقتلون وتصلبون ومنهم تجلدون في مجامعكم وتطردون من مدينة الى مدينة. يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين…](12).
اذن، وجب على الجميع دون استثناء، الانتباه والبحث والتفتيش لعل هناك ما هو خافٍ عن البصر والبصيرة، لأن ما يحصل اليوم للبشرية بمختلف معتقداتها من عذاب ومعاناة وتكالب البلايا والمصائب والخسران والتخلف، ما هو الا دليل الابتعاد عن التعاليم الإلهية الحقيقية وترك ما أنزل الله سبحانه وتعالى. وبعض علماء التاريخ والأديان والحضارات يدركون المعاني الخفية لمصائب وبلايا اليوم، فليس من الحكمة الإلهية والرحمة الربانية وقوع كل هذه البلايا والنزاعات والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والفقر والعوز على البشر بدون سبب. ان الله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين ولا يقبل لعباده الظلم والاعتساف، فكيف يتفق تفسير هذا مع ذاك؟
اذن لابد من وقفة منصفة للانتباه من هذه الغفلة والقيام من هذا السبات للخروج من قبور النفس ولحود الهوى. فالله واحد وشرائعه واحدة ورسله واحدة، وليس من الكفر اتباع أوامر جديدة ان كان هناك شيء جديد!! بل الخزي والعار في العناد والمخالفة. ولنا في قول الرسول محمد(ص) تحذير شديد بهذا الخصوص، فعن أبي سعيد الخدري (رضى): (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحـر ضب تبعتموهم. قالوا: اليهـود والنصارى؟ فقال: ومن؟). "متفق عليه".
لقد حان الوقت بعد ان تفتحت عقول البشرية وتنورت أبصارهم بالعلم والمعرفة أن يدركوا ان ما يحصل للعالم من مشاكل وبلايا وحروب هو عقاب من عند الله سبحانه وتعالى. فهل يتعظ البشر وينزعوا عنهم قميص التعصب الأعمى؟
الهوامش
1 - سورة الذاريات 22 .
2 - إنجيل متى الإصحاح 7 الآيات 15 الى 20 .
3 - سورة الرعد 17 .
4 - إنجيل يوحنا الإصحاح 5 الآية 31 .
5 - إنجيل يوحنا الإصحاح 5 الآيات 45-47 .
6 - سورة الفتح 8 .
7 - التوراة سفر التثنية الإصحاح 32 الآية 40 .
8 - إنجيل متى الإصحاح 24 الآية رقم 35 .
9 - الرؤيا - الإصحاح 22 الآية 13 .
10 - سورة الأحزاب 40 .
11 - الفريسيون: طائفة من اليهود تنظمت في عهد المكابيين للدفاع عن الشريعة وصفاء الايمان. لكنهم تعلقوا، مع الزمن، بالحرف دون الروح، لهذا لامهم المسيح بشدة على ريائهم وكبريائهم، فكانوا في طليعة مقاوميه. (المنجد ص 527).
12 - إنجيل متى، الإصحاح الثالث والعشرون الآيات 29-37 .
ان تكرار نزول الشرائع السماوية هو شكل من أشكال الرحمة والعناية والألطاف الإلهية المستمرة ولا يمكن ان تكون سببا لاختلاف البشر، لأن الله مصدر كل خير، وما هذه البلايا والمحن المنهمرة، الا بسبب عناد البشر وإصرارهم على النكران والكفر، وبسبب هذا الكفر يختلف أصحاب الديانات الجديدة مع أصحاب الديانات القديمة وأصحاب المذاهب والفرق، فيحصل القتال والخراب وحرق المدن وترميل النساء وتحليل الدماء وغير ذلك من المصائب التي يشهد عليها التاريخ.
هنا يبرز السؤال المحير: أي الأديان أو المذاهب هي الحق؟ وكيف نتأكد ان هذا الدين هو الحق والأخير من عند الله، رغم ادعاء جميع اتباع الديانات والمذاهب الموجودة أن دينهم أو مذهبهم هو الحق ولا دين أو مذهب بعده؟
ان جواب هذا السؤال لائح واضح في الكتب المقدسة. ولنبدأ أولا بالآيات التي يمكن بها تمييز الحق عن الباطل. حيث جاء في الإنجيل: [احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً. هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة وأما الشجرة الرديّة فتصنع أثماراً رديّة. لا تقدر شجرة جيدة ان تصنع أثماراً رديّة ولا شجرة رديّة ان تصنع أثماراً جيدة. كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار. فإذاً من أثمارهم تعرفونهم.](2).
ان المقصود من الشجرة هنا فهو الإنسان، ومن الشجرة الرديّة مدّعي النبوة، ومن الشجرة الجيدة هو النبي الصادق. والمعنى هو ان رسل الله الحق يمكن معرفتهم وتمييزهم من كلامهم وأفعالهم وتصرفاتهم ومبادئهم الراقية السامية، بينما لا يستطيع غيرهم مجاراتهم في ذلك مهما فعلوا، وفي النهاية يفشلون ويتسببون في خراب المجتمعات ودمارها.
وجاء في القرآن الكريم: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ)(3)، ومن معاني هذه الآية ان من يدعي كذباً وبهتاناً انه رسول من عند الله سبحانه وتعالى وان قوله قول الله، لا يمكن لادعائه البقاء والدوام، فلابد وان ينكشف أمره وينمحي أثره. أما الديانة الإلهية الحقيقية فتبقى وتستمر ويعلو شأنها.
ان رسل الله الحق يشهدون ويؤيد بعضهم بعضاً رغم اختلاف أماكن ظهورهم وتباعد أزمنتها واختلاف لغاتهم، فمثلا ورد في الإنجيل: [إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً. الذي يشهد لي هو آخر وأنا أعلم أن شهادته التي يشهدها لي هي حقٌ](4)، وليس المقصود من الآخر في هذه الآية الا النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فلم يظهر شخص بعد سيدنا عيسى(ع) ادعى الرسالة والنبوة من عند الله وشهد بصدق دعوة المسيح(ع)، إلا سيدنا محمد(ص). كذلك ورد في الإنجيل في حق تصديق موسى(ع) ما يلي: [ لا تظنوا اني أشكوكم الى الأب. يوجد الذي يشكوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم. لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني. فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامي](5).
ومن الأدلة الأخرى على تصديق كل رسول حق لمن جاء قبله من الرسل والأنبياء، ورد في القرآن الكريم في ذكر سيدنا موسى(ع) وتصديق دعوته. فقد جاء ذكره 136 مرة، وجاء ذكر سيدنا عيسى وتصديق دعوته 25 مرة. فلا شهادة أعظم من شهادة رسول من الله لرسول آخر وإقراره بصدق دعوته، فهو أفضل شاهد وخير الشهود، (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)(6).
قد يهلل بعض من يقرأ هذه الآيات ويفرح بها، فهي تعطيه دفعاً في أحقية معتقده. لكنه قد يتجهم عند الدخول في الجزء الثاني من هذا الموضوع، وهو ختم الرسالات وعدم نزول أمر جديد بعدها. فكل أتباع الديانات المختلفة يقولون بقول واحد، هو ان رسالتهم هي آخر الرسالات وليس هناك رسول بعد رسولهم وهذا سبب بقاء أمم أصحاب الكتاب على أديانهم.
لو تفحصنا الكتب السماوية لوجدنا مثل هذه الآيات قليلة جداً، ان كانت في التوراة أو الإنجيل أو القرآن رغم عظم قوة تأثيرها ونتائجها الخطيرة. لكنها أوقعت كثير من المفسرين في منزلق الاشتباه وضلوا وأضلوا غيرهم، إما غفلة منهم أو جهلاً أو حفاظاً على مركزهم ومقامهم الاجتماعي أو غير ذلك من الأسباب العديدة.
فعلى سبيل المثال ورد في التوراة بخصوص ختم النبوة بعد سيدنا موسى(ع) في سفر التثنية [اني أرفع الى السماء يدي وأقول حيّ أنا الى الأبد](7)، وكذلك ورد في التوراة آيات أخرى تقضي بتحليل الطلاق وعدم نسخ السبت، فمعاني هذه الآيات الظاهرية هي التي حالت دون تصديق اليهود للسيد المسيح(ع) وأوجب الاعتداء عليه ونكران أحقيته وعدم الايمان به وبرسالته. لأن أول عمل قام به المسيح(ع) هو دعوته الى دين جديد ورسالة جديدة ونسخ السبت وتحريم الطلاق. فهل كان تصرف السيد المسيح دليل على صحة فهم اليهود لكتابهم؟
كذلك جاء في الإنجيل على لسان السيد المسيح(ع) بخصوص موضوع الختم: [ان السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول أبداً](8)، و [أنا الألف والياء، الأول والآخر، البداية والنهاية](9)، وهاتان الإشارتان أصبحتا حجابا غليظاً ودخاناً مبيناً وغيوما كثيفة أمام بصائر المسيحيين عندما أشرقت شمس رسول الهدى محمد(ص) وبشّر الناس برسالته السمحاء. وبمثل هذه الآيات المتشابهات منع الكثيرون من الايمان به وبرسالته. فهل كانت كلمات الإنجيل (الواضحة) هذه تعني عدم أحقية دعوة سيدنا محمد(ص)؟ أستغفر الله. اذن لابد ان تكون لهذه الآيات معان لا يفهمها البشر، ولابد انها كانت امتحاناً صعباً لأتباع السيد المسيح(ع).
ومن الملفت للنظر تكرار نفس الامتحان مرة أخرى في القران الكريم في آية وحيدة غير مكررة (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)(10)، وهنا نسأل الله تجنب هذا الامتحان الخطير الصعب وعدم الوقوع في نفس المطب وتلطفه ببصائرنا وعقولنا، إذا حصل شيء ما!
لقد كفرت أمم عديدة برسلهم نتيجة هذا الامتحان الإلهي المتكرر، فالنمرود وقومه كفروا برسالة إبراهيم(ع) ورموه في النار وأخرجوه من ارض العراق مطروداً منفياً، وقوم صالح قاوموه وحاربوه وعقروا ناقته، وأقوام عاد وثمود ولوط اصبحوا عبرة لبقية الأمم عندما غضب الله سبحانه وتعالى عليهم ومحا أثرهم، وقوم هود نزل عليهم العقاب السماوي، وقوم نوح غرقوا في الفيضان، وقوم فرعون غرقوا في البحر، وملة اليهود دخلت مدينة الكفر والإلحاد ليس بقتلهم أو محاولة صلبهم للسيد المسيح(ع) فقط، بل لأنهم كانوا يكررون قتل أنبيائهم واحدا تلو الآخر، لذلك لقّبهم السيد المسيح بـ (قتلة الأنبياء)، فقد جـاء في الإنجيل آية في وصفهم: [ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون(11) المراؤون لأنكم تنقون خارج الكأس والصحفة وهما من داخل مملوآن اختطافا ودعارة. أيها الفريسي الأعمى نق أولا داخل الكأس والصحفة لكي يكون خارجهما أيضا نقيا. ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تشبهون قبورا مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة. هكذا أنتم ايضا من خارج تظهرون للناس أبرارا ولكنكم من داخل مشحونون رياء وإثما. ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تبنون قبور الأنبياء وتزينون مدافن الصديقين. وتقولون لو كنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء. فأنتم تشهدون على أنفسكم انكم أبناء قتلة الأنبياء. فإملأوا أنتم مكيال آبائكم. أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم. لذلك هـا أنا أرسل اليكم أنبياء وحكماء وكتبة فمنهم تقتلون وتصلبون ومنهم تجلدون في مجامعكم وتطردون من مدينة الى مدينة. يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين…](12).
اذن، وجب على الجميع دون استثناء، الانتباه والبحث والتفتيش لعل هناك ما هو خافٍ عن البصر والبصيرة، لأن ما يحصل اليوم للبشرية بمختلف معتقداتها من عذاب ومعاناة وتكالب البلايا والمصائب والخسران والتخلف، ما هو الا دليل الابتعاد عن التعاليم الإلهية الحقيقية وترك ما أنزل الله سبحانه وتعالى. وبعض علماء التاريخ والأديان والحضارات يدركون المعاني الخفية لمصائب وبلايا اليوم، فليس من الحكمة الإلهية والرحمة الربانية وقوع كل هذه البلايا والنزاعات والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والفقر والعوز على البشر بدون سبب. ان الله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين ولا يقبل لعباده الظلم والاعتساف، فكيف يتفق تفسير هذا مع ذاك؟
اذن لابد من وقفة منصفة للانتباه من هذه الغفلة والقيام من هذا السبات للخروج من قبور النفس ولحود الهوى. فالله واحد وشرائعه واحدة ورسله واحدة، وليس من الكفر اتباع أوامر جديدة ان كان هناك شيء جديد!! بل الخزي والعار في العناد والمخالفة. ولنا في قول الرسول محمد(ص) تحذير شديد بهذا الخصوص، فعن أبي سعيد الخدري (رضى): (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحـر ضب تبعتموهم. قالوا: اليهـود والنصارى؟ فقال: ومن؟). "متفق عليه".
لقد حان الوقت بعد ان تفتحت عقول البشرية وتنورت أبصارهم بالعلم والمعرفة أن يدركوا ان ما يحصل للعالم من مشاكل وبلايا وحروب هو عقاب من عند الله سبحانه وتعالى. فهل يتعظ البشر وينزعوا عنهم قميص التعصب الأعمى؟
الهوامش
1 - سورة الذاريات 22 .
2 - إنجيل متى الإصحاح 7 الآيات 15 الى 20 .
3 - سورة الرعد 17 .
4 - إنجيل يوحنا الإصحاح 5 الآية 31 .
5 - إنجيل يوحنا الإصحاح 5 الآيات 45-47 .
6 - سورة الفتح 8 .
7 - التوراة سفر التثنية الإصحاح 32 الآية 40 .
8 - إنجيل متى الإصحاح 24 الآية رقم 35 .
9 - الرؤيا - الإصحاح 22 الآية 13 .
10 - سورة الأحزاب 40 .
11 - الفريسيون: طائفة من اليهود تنظمت في عهد المكابيين للدفاع عن الشريعة وصفاء الايمان. لكنهم تعلقوا، مع الزمن، بالحرف دون الروح، لهذا لامهم المسيح بشدة على ريائهم وكبريائهم، فكانوا في طليعة مقاوميه. (المنجد ص 527).
12 - إنجيل متى، الإصحاح الثالث والعشرون الآيات 29-37 .
Saturday, January 2, 2016
صدر لي الآن 2/1/2016 مقالي "يونس والحوت"
يونس والحوت
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=499141
Monday, December 7, 2015
Sunday, November 15, 2015
صدر الآن 15/11/2015 مقالي "الوحدة الإنسانية من منظور روحاني3-3"
الوحدة الإنسانية من منظور روحاني3-3
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=492672
Saturday, November 7, 2015
صدر الآن 7/11/2015 مقالي الوحدة الإنسانية من منظور روحاني2-3
الوحدة الإنسانية من منظور روحاني2-3
http://ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=491593
Sunday, November 1, 2015
صدر لي الآن 1/11/2015 مقالي الوحدة الإنسانية من منظور روحاني1-3
الوحدة الإنسانية من منظور روحاني1-3 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=490827
Sunday, October 25, 2015
صدر لي الآن 25/10/2015 مقالي "التحوّل الروحاني للإنسان"
التحوّل الروحاني للإنسان
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=489982
Wednesday, October 21, 2015
لماذا تتعدد الأديان وما سبب الاختلاف بين أتباعها1-2
لماذا
تتعدد الأديان وما سبب الاختلاف بين أتباعها1-2
البشرية بحاجة الى من يداوي
عللها ويبرئ أمراضها ويمنحها الصحة والعافية من أوبئتها الاجتماعية وآفاتها
الفكرية والسياسية ليخرجها من قبور الأوهام والتخلف وينهضها من لحود السبات
والغفلة. فالغاية هي الوصول الى علاج مفيد ودواء ناجع تتناوله مجتمعات البشر حسب
إرشادات طبيب حاذق مهما كان مرّاً وقاسياً للحصول على نتيجة إيجابية تفي بالمطلوب
للخروج من هذه الهاوية، وربما أدت الى الخروج بفكر جديد يقارب في تأثيره السليم ما
فعله الدين الإسلامي الحنيف بعرب الجاهلية، لمواكبة ركب شعوب العالم المتقدم. وكل
ما يرجى من القارئ اللبيب، نبذ التعصبات جانباً، فالتعصب بعينه هو جرثومة المرض
دينياً كان أو مذهبياً أو فكرياً أو وطنياً، لتصويب بعض الأفكار والمعتقدات دون
انحياز الى فئة دون أخرى.
تسود العالم اليوم موجة شديدة تدعو الى الابتعاد عن الدين والتقرب من المادية، ويتفاخر بذلك بعض أنصاف المثقفين وينسبون الى الديانات وأفكارها السبب الأساس في تخلف الشعوب واختلافهم وتجدد المنازعات والحروب التي حصلت وما زالت تحصل بين الأمم.
لكن هذا الرأي يحتاج الى وقفة تأمل، رغم امتلاكه شيء من الحقيقة، لأن كثير من أتباع الديانات الجاهلين بحقيقة سماحة دياناتهم، كانوا أنفسهم سبب المآسي والحروب بما حملوه من مفاهيم دينية خاطئة. فالديانات السماوية دعوة صادقة للمحبة والاتفاق والسلام وساهمت بشكل كبير ومباشر في نقل الشعوب نقلات حضارية كبيرة. ومن المؤكد ان سبب تعددها كان نتيجة ضرورية وحتمية لتطور المجتمعات ورقي الشعوب، فالبشرية في حالة تطور وتقدم مستمر ولابد من تغير وتجدد القوانين الشرعية لكل دين حسب مقتضيات الزمان والمكان والمجتمع، مثل أحكام الطلاق والمواريث والقصاص والتعبد والطقوس والصلاة وغير ذلك، أما جوهر وحقيقة الديانات فتبقى ثابتة على حالها دون تغيير، فكلها تدعو الى الخير والعمل الصالح والمحبة والصدق والصفاء والقناعة والشرف والاتحاد والسلام، ولو كان الغرض الحقيقي من تعاقب الديانات وتسلسلها هو عبادة الله فقط، لكان من الأفضل استمرار اعتناق البشرية بتمامها لدين سيدنا إبراهيم(ع) حتى هذا اليوم ولا ضرورة لتعدد الديانات ونزول الرسل والأنبياء. ولكن بما ان صفة التطور والتقدم والرقي والتفتح الفكري هي من الصفات الملازمة لطبيعة الإنسان لذلك كان التجديد والتغيير في الشرائع ضرورياً ومستمراً.
لنضرب مثلاً على سبب تعدد الأديان: لو كان لرجل، ولد راشد يسكن بعيداً عنه يقوم بعمل معين نيابة عن والده، وكتب الوالد رسالة لولده بخط يده وختمها ووقعها وأرسلها بيد صديق موثوق به عندهما. فمن المؤكد ان الابن سوف يلتزم بأوامر الرسالة ولن يجد بُداً من تنفيـذ ما جاء فيها، هذا إذا كان الابن محباً ومطيعاً لوالده. ولنفترض أن جاء الابن صديق آخر بعد فترة يحمل رسالة أخرى تحمل نفس توقيع الوالد وختمه وبخط يده، إلا انها تحمل بعض الأوامر الجديدة التي تختلف في الظاهر عن أوامر الرسالة السابقة! فما يتوقع ان يفعل الابن؟ هل يترك الرسالة الثانية لأنها تختلف في بعض أوامرها عن الأولى؟ أم يعمل بها ويوقف العمل بأوامر الرسالة الأولى؟ وهل يتردد في التنفيذ ويقول ان والدي متذبذب لا يستقر على رأي وانه حيرني فيما يريد وشتت أفكاري، أم يشرع في التنفيذ دون مناقشة أو تردد؟ من المؤكد إنْ كان الابن واثقاً من حكمة أبيه ورجاحة عقله وقدرته وحسن تصرفه، فإنه سيقول في نفسه ان والدي أعلم مني بمستجدات الأمور وهو أعرف بما يريد وبطريقة التصرف، وهو صاحب المال والعمل، وما أنا الا عامل لديه ومستخدم عنده ومن واجبي تنفيذ ما يريد، لأن الرسالة الأخيرة هي بخط يده وبتوقيعه وختمه ويحملها صديق عزيز ثقة لا يرقى إليه الشك.
ان الله العليم الخبير هو أقدر من البشر وأعلم من عبيده على فهم احتياجاتهم ومصلحتهم، كما انه أكثر رحمة بهم من أنفسهم، فعندما يبعث رسولاً الى قوم يختارهم، فما عليهم ان كانوا يؤمنون بعلم الله وحكمته، سوى الطاعة والتنفيذ، وإلا سيكونون مستحقين لعذابه وسخطه إذا قالوا ان الرسالة الجديدة تخالف الرسالة القديمة في بعض نصوصها وأحكامها ومفاهيمها وتقضي بأوامر لم نسمع بها من قبل، ونحن ننتظر شخصاً معينا بذاته ليجدد ديننا ولا ينسخه، أو ننتظر نفس رسولنا السابق ليأتي حاملا أوامر جديدة وليس هذا الرجل الغريب المجهول الذي لا نعرفه، أو ان هذا قاتل أو غير معروف الأب أو يتيم فقير.
لذا وجب عدم الاعتراض على تتابع وتوالي الشرائع السماوية مهما كانت متباينة في الظاهر ومهما اختلفت هيئات الرسل ومهما تباعدت مواطن ظهورها فـ (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)(1)، لأن المرسل هو الله الحكيم الخالق الجبار وما البشر الا عباده المأمورين بالتنفيذ، دون التفوه بكلمة: لِـمَ أو بِـمَ، فهذا هو شأنهم ومقامهم الحقيقي، انه مقام العبودية لله الحق، بل ان التنفيذ والطاعة هو أساس وجودهم وحقيقته، ألم يأخذ الله عهده منهم في قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)(2). فكيف يحق لأحد منهم اعتراض أو الصد والإنكار؟
ان البشر مثل طلاب مدرسة، فبالرغم من دراستهم جميعاً في مدرسـة واحدة وخضوعهم لنظام واحد ومدير واحد ومنهاج واحد، الا ان مناهج الدراسة وكتبها تختلف باختلاف مستوياتهم، فمنهج الصف الأول غير منهج الصف الثاني، والثالث غير الرابع وهكذا، فلا قدرة ولا قابلية للتلميذ وهو في مرحلة معينة على ترك مستواه الدراسي والانتقال الى مستوى آخر أعلى منه، وما عليه إلا الاجتهاد في دراسته وقراءة منهاجه والمواظبة على الدوام حتى يحقق نجاحه. فإن خالف جزءاً من النظام تعرض للمساءلة، واذا تمادى فمن المحتمل أن يفصل من المدرسة.
عندما يبعث الله الرسل بشرائع وكتب جديدة، فغاية ذلك هو تعليم البشر وتثقيفهم وتطويرهم بتعاليم تتناسب مع مراحل تغير الزمن واختلافه وتجدد متطلبات الحالة الاجتماعية، وليدركوا ان مرحلة رسولية ورسالية قد انتهت وحلّت محلها مرحلة جديدة ورسالة جديدة، وما عليهم سوى الاستبشار بهذا الخير، فهذا دليل النجاح في المرحلة السابقة وليس دليل الفشل والرسوب. ولو أدرك البشر كم هي العنايات الرحمانية والروحانية والعلمية التي تحل عليهم عند قبولهم ديانة جديدة، لما تأخروا لحظة واحدة في قبول رسالات الله. فالاختلاف الظاهري الذي يشاهد في بعض أحكام الديانات مثل الصوم والصلاة والزواج والطلاق والمواريث والعبادات والقبلة ومكان الحج والطقوس الدينية وطرق نشر الدين وتبليغه والتعامل بين أفراد المجتمع وحدود القصاص وغير ذلك، ما هو الا بسبب قصور عقول البشر عن ادراك ضرورة التغيير وحتمية تجدد القوانين الاجتماعية واختباراً لايمانهم وطاعتهم، فالإنسان مخلوق متطور ليس فقط خلال مراحل تاريخه الطويل بل حتى خلال سنين حياته الفردية، فما يوافق عليه اليوم يرفضه غداً، وما يعقله في صغره يستنكره في كبره. فالله واحد ورسله متفقة، كما قال سبحانه وتعالى (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ)(3) ومنهجهم واحد لا تباين ولا اختلاف فيه، كما قال تعالى (وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)(4) ولا سبيل أمام عباد الله سوى الطاعة والموافقة على الانتقال الى الفصل الجديد ودرس الدين الجديد. أما ما يبدو من اختلافات وفروق بين أتباع الديانات والمذاهب، فذلك بسبب تعنتهم وجهلهم وتعصبهم لدينهم ورسولهم وليس مرده الى تباين حقائق الأديان أو أسسها.
أما من يعتقد ان انتشار الديانات وإيمان الصحابة وأوائل المؤمنين بها قد جاء عن طريق الإقناع والمنطق والمناقشة واستعمال العقل، فتاريخ الأديان وأحداثها الواقعية تخالف هذا المفهوم وتقول بغيره تماما، فالديانات جميعها لم تعتمد في فجر ظهورها على مبدأ العقل والإقناع فقط، فالاسرائيليون كانوا أمة عبيد وأقنان أسرى وأذلاء وعمال سخرة لدى فرعون وقومه، ولم يؤمن بدين سيدنا موسى(ع) إلا عدد قليل من السحرة، بينما اعترض عليه غالبيتهم. كذلك لم يكن أوائل المؤمنين بعيسى(ع) من علماء اليهود وأكابرهم حتى يمكن القول ان الدين المسيحي اعتمد في بداية انتشاره على مبدأ العقل والمعقول والمنطق والمحاججة، فقد كان من بين الحواريون من يمتهن النجارة والرعي وصيد السمك والزراعة، وهؤلاء كانوا من طبقات المجتمع الدنيا، فبطرس(ع) وهو من اعتمد عليه المسيح في نشر دعوته ومثـّله بصخرة دينه، كان صياد سمك لا يعرف حتى أسماء أيام الأسبوع، وعندما كان يخرج من بيته الى البحر لممارسة عمله، كان يأخذ معه سبعة أرغفة من الخبز، ليأكل كل يوم رغيف، وعندما يتبقى معه رغيفا واحدا، يعلم انه يوم سبت وعليه ترك العمل والعودة الى قريته. أما أكابر علماء اليهود وقضاتهم مثل حنان وقيافا فكانوا أول المعترضين على السيد المسيح(ع) ودعوته وهم الذين وافقوا على حكم قتله لاعتقادهم بأنه مدع كذاب. أما عن أوائل المؤمنين بالرسول المصطفى محمد(ص)، فكان غالبيتهم من العبيد الضعفاء ورعاة الإبل وكذلك من غير الأعراب من لا يجيدون اللغة العربية أو فهم فصاحة القرآن بشكل تام مثل بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وغيرهم، فأين موقع العقل والاقناع من هؤلاء الصحابة العظام. وفي المقابل كان أول المخالفين للدعوة الاسلامية أبا الحكم أكبر حكماء العرب آنذاك مما جعل سيدنا محمد(ص) يطلق عليه لقب أبو جهل لشدة اعتراضه وكفره.
ان جميع أتباع وصحابة الرسل الأوائل على العموم كانوا من الأميين والجهلة والعبيد، وهذا ليس عيباً فيهم بل شرفاً لهم، لأن ايمانهم اعتمد في الأساس على طهارة قلوبهم وصفاء نواياهم، لذلك كان للكلمة الإلهية آثاراً خلاقة على أرواحهم الطاهرة وقلوبهم السليمة، كما قال تعالى (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(88،89 الشعراء)، وكذلك قوله الكريم (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ . إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(83،84 الصافات)، لذا فازوا أولئك الأخيار بخلعة الايمان قبل غيرهم من العلماء والحكماء وكانوا مصداقا للآية المباركة (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ)(5).
ان الكلمة الإلهية لها تأثيرات وقوى خاصة مؤثرة على الأرواح فتقلّب قلوب الرجال، قوة لا تمتلكها غيرها من الكلمات، هذا بالإضافة الى قوة الرسل الروحية المستمدة من الوحي الإلهي وروح القدس والنفحات الإلهية، وهذا ما يفسر قدرتهم على تغيير العقائد التي عجز عنها غيرهم من الدعاة المدعين. إضافة الى كل ذلك، ان لله طرقا خاصة في نشر أديانه، فهو لا يعتمد على كبار القوم وعلمائهم أو على الملوك والرؤساء، لأن هذه الطريقة تبطل الغاية الحقيقية من ظهور أي دين جديد، ألا وهي الفصل بين المؤمنين والكافرين، لأن ديدن الناس أن يكونوا على دين ملوكهم، وإلا لكان الله قادراً على تبديل أيمان قلوب الملوك والأباطرة والرؤساء، وبالتالي أيمان شعوبهم من بعدهم.
يمكن ببساطة تشبيه فجر الديانات الإلهية بيوم القيامة ويوم الحشر والطامة والساعة والحاقة، ففي يوم القيامة يفصل المؤمن عن الكافر ويجازى كل منهما حسب فعله، وكذلك في فجر ظهور الديانات يحصل نفس الهدف وذات الغاية فالذين يؤمنون بالرسول الجديد يذهبون الى الجنة ومن يكفر به يذهب الى النار.
عندما جاءت رسالة سيدنا موسى(ع)، كانت رسالة كاملة تامة ضمن زمانها لا نقص فيها آنذاك بشهادة القرآن الكريم (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ..)(6)، وكذلك (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ)(7)، فالمنهج الإلهي لا يمكن ان يكون ناقصاً (حاشا لله) وما ظهور السيد المسيح(ع) بعد ذلك إلا إعلانا بانتهاء أمة اليهود من دراسة المنهج السابق (شريعة التوراة) وتحقق الهدف والغاية من الديانة اليهودية وازوف وقت الانتقال. ولكن باعتراضهم عليه وتكذيبه وإصرارهم على بقائهم في فصلهم ودينهم السابق، استحقوا عذاب الله وسخطه، فكان لهم ذلك الجزاء الذي شهد التاريخ على ما حل بهم على يد جيوش ملك بابل وقيصر الرومان وغيرهم من سبي وقتل وأسر وتشتيت وتدمير مدينتهم المقدسة أورشليم، وبهذا الاعتراض خسر اليهود مكانتهم الروحية وباءوا بفشل عظيم.
كذلك ما حصل للنصارى بعد ظهور سيدنا محمد(ص)، فهو تكرار لما حدث سابقا، إذ كان المسيحيون أحباب الله سبحانه وتعالى (أحباء الله) في تلك الدورة، حيث انتقلت اليهم الرحمة والبركة والعناية الإلهية واصبحوا هم المختارون وطلاب المرحلة الجديدة ومحط العناية والبركة الإلهية رغم كل ما عانوه من عذاب واضطهاد، حتى زمن بعثة الرسول محمد(ص)، وفي لحظة الظهور تلك، أي ظهور دعوة الإسلام، انتهى منهج الإنجيل السابق ولزم على أتباعه الانتقال الى المرحلة الجديدة والايمان بها وبرسولها، لكنهم عاندوا مثل سابقيهم في قبول رسالته (الا قلة منهم) وفشلوا في ادراك الحكمة الإلهية من التغيير والتجديد ورفضوا الانصياع الى أوامر خالقهم، فكانوا مصداق معنى الآية الكريمة (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(8) مما أدى الى اختيار الله قوما غيرهم وتفضيلهم عليهم، فوقع الاختيار على ملة العرب واصبحوا فيما بعد (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)(9).(من كتاب قبسات-سيفي سيفي)
الهوامش
1 - سورة الأنعام 124 .
2 - سورة الأعراف 172 .
3 - سورة البقرة 285 .
4 - سورة القمر 50 .
5 - سورة القصص 5 .
6 - سورة الأنعام 91 .
7 - سورة الأنعام 154 .
8 – سورة العنكبوت 2.
9 - سورة آل عمران 110 .
تسود العالم اليوم موجة شديدة تدعو الى الابتعاد عن الدين والتقرب من المادية، ويتفاخر بذلك بعض أنصاف المثقفين وينسبون الى الديانات وأفكارها السبب الأساس في تخلف الشعوب واختلافهم وتجدد المنازعات والحروب التي حصلت وما زالت تحصل بين الأمم.
لكن هذا الرأي يحتاج الى وقفة تأمل، رغم امتلاكه شيء من الحقيقة، لأن كثير من أتباع الديانات الجاهلين بحقيقة سماحة دياناتهم، كانوا أنفسهم سبب المآسي والحروب بما حملوه من مفاهيم دينية خاطئة. فالديانات السماوية دعوة صادقة للمحبة والاتفاق والسلام وساهمت بشكل كبير ومباشر في نقل الشعوب نقلات حضارية كبيرة. ومن المؤكد ان سبب تعددها كان نتيجة ضرورية وحتمية لتطور المجتمعات ورقي الشعوب، فالبشرية في حالة تطور وتقدم مستمر ولابد من تغير وتجدد القوانين الشرعية لكل دين حسب مقتضيات الزمان والمكان والمجتمع، مثل أحكام الطلاق والمواريث والقصاص والتعبد والطقوس والصلاة وغير ذلك، أما جوهر وحقيقة الديانات فتبقى ثابتة على حالها دون تغيير، فكلها تدعو الى الخير والعمل الصالح والمحبة والصدق والصفاء والقناعة والشرف والاتحاد والسلام، ولو كان الغرض الحقيقي من تعاقب الديانات وتسلسلها هو عبادة الله فقط، لكان من الأفضل استمرار اعتناق البشرية بتمامها لدين سيدنا إبراهيم(ع) حتى هذا اليوم ولا ضرورة لتعدد الديانات ونزول الرسل والأنبياء. ولكن بما ان صفة التطور والتقدم والرقي والتفتح الفكري هي من الصفات الملازمة لطبيعة الإنسان لذلك كان التجديد والتغيير في الشرائع ضرورياً ومستمراً.
لنضرب مثلاً على سبب تعدد الأديان: لو كان لرجل، ولد راشد يسكن بعيداً عنه يقوم بعمل معين نيابة عن والده، وكتب الوالد رسالة لولده بخط يده وختمها ووقعها وأرسلها بيد صديق موثوق به عندهما. فمن المؤكد ان الابن سوف يلتزم بأوامر الرسالة ولن يجد بُداً من تنفيـذ ما جاء فيها، هذا إذا كان الابن محباً ومطيعاً لوالده. ولنفترض أن جاء الابن صديق آخر بعد فترة يحمل رسالة أخرى تحمل نفس توقيع الوالد وختمه وبخط يده، إلا انها تحمل بعض الأوامر الجديدة التي تختلف في الظاهر عن أوامر الرسالة السابقة! فما يتوقع ان يفعل الابن؟ هل يترك الرسالة الثانية لأنها تختلف في بعض أوامرها عن الأولى؟ أم يعمل بها ويوقف العمل بأوامر الرسالة الأولى؟ وهل يتردد في التنفيذ ويقول ان والدي متذبذب لا يستقر على رأي وانه حيرني فيما يريد وشتت أفكاري، أم يشرع في التنفيذ دون مناقشة أو تردد؟ من المؤكد إنْ كان الابن واثقاً من حكمة أبيه ورجاحة عقله وقدرته وحسن تصرفه، فإنه سيقول في نفسه ان والدي أعلم مني بمستجدات الأمور وهو أعرف بما يريد وبطريقة التصرف، وهو صاحب المال والعمل، وما أنا الا عامل لديه ومستخدم عنده ومن واجبي تنفيذ ما يريد، لأن الرسالة الأخيرة هي بخط يده وبتوقيعه وختمه ويحملها صديق عزيز ثقة لا يرقى إليه الشك.
ان الله العليم الخبير هو أقدر من البشر وأعلم من عبيده على فهم احتياجاتهم ومصلحتهم، كما انه أكثر رحمة بهم من أنفسهم، فعندما يبعث رسولاً الى قوم يختارهم، فما عليهم ان كانوا يؤمنون بعلم الله وحكمته، سوى الطاعة والتنفيذ، وإلا سيكونون مستحقين لعذابه وسخطه إذا قالوا ان الرسالة الجديدة تخالف الرسالة القديمة في بعض نصوصها وأحكامها ومفاهيمها وتقضي بأوامر لم نسمع بها من قبل، ونحن ننتظر شخصاً معينا بذاته ليجدد ديننا ولا ينسخه، أو ننتظر نفس رسولنا السابق ليأتي حاملا أوامر جديدة وليس هذا الرجل الغريب المجهول الذي لا نعرفه، أو ان هذا قاتل أو غير معروف الأب أو يتيم فقير.
لذا وجب عدم الاعتراض على تتابع وتوالي الشرائع السماوية مهما كانت متباينة في الظاهر ومهما اختلفت هيئات الرسل ومهما تباعدت مواطن ظهورها فـ (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)(1)، لأن المرسل هو الله الحكيم الخالق الجبار وما البشر الا عباده المأمورين بالتنفيذ، دون التفوه بكلمة: لِـمَ أو بِـمَ، فهذا هو شأنهم ومقامهم الحقيقي، انه مقام العبودية لله الحق، بل ان التنفيذ والطاعة هو أساس وجودهم وحقيقته، ألم يأخذ الله عهده منهم في قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)(2). فكيف يحق لأحد منهم اعتراض أو الصد والإنكار؟
ان البشر مثل طلاب مدرسة، فبالرغم من دراستهم جميعاً في مدرسـة واحدة وخضوعهم لنظام واحد ومدير واحد ومنهاج واحد، الا ان مناهج الدراسة وكتبها تختلف باختلاف مستوياتهم، فمنهج الصف الأول غير منهج الصف الثاني، والثالث غير الرابع وهكذا، فلا قدرة ولا قابلية للتلميذ وهو في مرحلة معينة على ترك مستواه الدراسي والانتقال الى مستوى آخر أعلى منه، وما عليه إلا الاجتهاد في دراسته وقراءة منهاجه والمواظبة على الدوام حتى يحقق نجاحه. فإن خالف جزءاً من النظام تعرض للمساءلة، واذا تمادى فمن المحتمل أن يفصل من المدرسة.
عندما يبعث الله الرسل بشرائع وكتب جديدة، فغاية ذلك هو تعليم البشر وتثقيفهم وتطويرهم بتعاليم تتناسب مع مراحل تغير الزمن واختلافه وتجدد متطلبات الحالة الاجتماعية، وليدركوا ان مرحلة رسولية ورسالية قد انتهت وحلّت محلها مرحلة جديدة ورسالة جديدة، وما عليهم سوى الاستبشار بهذا الخير، فهذا دليل النجاح في المرحلة السابقة وليس دليل الفشل والرسوب. ولو أدرك البشر كم هي العنايات الرحمانية والروحانية والعلمية التي تحل عليهم عند قبولهم ديانة جديدة، لما تأخروا لحظة واحدة في قبول رسالات الله. فالاختلاف الظاهري الذي يشاهد في بعض أحكام الديانات مثل الصوم والصلاة والزواج والطلاق والمواريث والعبادات والقبلة ومكان الحج والطقوس الدينية وطرق نشر الدين وتبليغه والتعامل بين أفراد المجتمع وحدود القصاص وغير ذلك، ما هو الا بسبب قصور عقول البشر عن ادراك ضرورة التغيير وحتمية تجدد القوانين الاجتماعية واختباراً لايمانهم وطاعتهم، فالإنسان مخلوق متطور ليس فقط خلال مراحل تاريخه الطويل بل حتى خلال سنين حياته الفردية، فما يوافق عليه اليوم يرفضه غداً، وما يعقله في صغره يستنكره في كبره. فالله واحد ورسله متفقة، كما قال سبحانه وتعالى (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ)(3) ومنهجهم واحد لا تباين ولا اختلاف فيه، كما قال تعالى (وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)(4) ولا سبيل أمام عباد الله سوى الطاعة والموافقة على الانتقال الى الفصل الجديد ودرس الدين الجديد. أما ما يبدو من اختلافات وفروق بين أتباع الديانات والمذاهب، فذلك بسبب تعنتهم وجهلهم وتعصبهم لدينهم ورسولهم وليس مرده الى تباين حقائق الأديان أو أسسها.
أما من يعتقد ان انتشار الديانات وإيمان الصحابة وأوائل المؤمنين بها قد جاء عن طريق الإقناع والمنطق والمناقشة واستعمال العقل، فتاريخ الأديان وأحداثها الواقعية تخالف هذا المفهوم وتقول بغيره تماما، فالديانات جميعها لم تعتمد في فجر ظهورها على مبدأ العقل والإقناع فقط، فالاسرائيليون كانوا أمة عبيد وأقنان أسرى وأذلاء وعمال سخرة لدى فرعون وقومه، ولم يؤمن بدين سيدنا موسى(ع) إلا عدد قليل من السحرة، بينما اعترض عليه غالبيتهم. كذلك لم يكن أوائل المؤمنين بعيسى(ع) من علماء اليهود وأكابرهم حتى يمكن القول ان الدين المسيحي اعتمد في بداية انتشاره على مبدأ العقل والمعقول والمنطق والمحاججة، فقد كان من بين الحواريون من يمتهن النجارة والرعي وصيد السمك والزراعة، وهؤلاء كانوا من طبقات المجتمع الدنيا، فبطرس(ع) وهو من اعتمد عليه المسيح في نشر دعوته ومثـّله بصخرة دينه، كان صياد سمك لا يعرف حتى أسماء أيام الأسبوع، وعندما كان يخرج من بيته الى البحر لممارسة عمله، كان يأخذ معه سبعة أرغفة من الخبز، ليأكل كل يوم رغيف، وعندما يتبقى معه رغيفا واحدا، يعلم انه يوم سبت وعليه ترك العمل والعودة الى قريته. أما أكابر علماء اليهود وقضاتهم مثل حنان وقيافا فكانوا أول المعترضين على السيد المسيح(ع) ودعوته وهم الذين وافقوا على حكم قتله لاعتقادهم بأنه مدع كذاب. أما عن أوائل المؤمنين بالرسول المصطفى محمد(ص)، فكان غالبيتهم من العبيد الضعفاء ورعاة الإبل وكذلك من غير الأعراب من لا يجيدون اللغة العربية أو فهم فصاحة القرآن بشكل تام مثل بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وغيرهم، فأين موقع العقل والاقناع من هؤلاء الصحابة العظام. وفي المقابل كان أول المخالفين للدعوة الاسلامية أبا الحكم أكبر حكماء العرب آنذاك مما جعل سيدنا محمد(ص) يطلق عليه لقب أبو جهل لشدة اعتراضه وكفره.
ان جميع أتباع وصحابة الرسل الأوائل على العموم كانوا من الأميين والجهلة والعبيد، وهذا ليس عيباً فيهم بل شرفاً لهم، لأن ايمانهم اعتمد في الأساس على طهارة قلوبهم وصفاء نواياهم، لذلك كان للكلمة الإلهية آثاراً خلاقة على أرواحهم الطاهرة وقلوبهم السليمة، كما قال تعالى (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(88،89 الشعراء)، وكذلك قوله الكريم (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ . إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(83،84 الصافات)، لذا فازوا أولئك الأخيار بخلعة الايمان قبل غيرهم من العلماء والحكماء وكانوا مصداقا للآية المباركة (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ)(5).
ان الكلمة الإلهية لها تأثيرات وقوى خاصة مؤثرة على الأرواح فتقلّب قلوب الرجال، قوة لا تمتلكها غيرها من الكلمات، هذا بالإضافة الى قوة الرسل الروحية المستمدة من الوحي الإلهي وروح القدس والنفحات الإلهية، وهذا ما يفسر قدرتهم على تغيير العقائد التي عجز عنها غيرهم من الدعاة المدعين. إضافة الى كل ذلك، ان لله طرقا خاصة في نشر أديانه، فهو لا يعتمد على كبار القوم وعلمائهم أو على الملوك والرؤساء، لأن هذه الطريقة تبطل الغاية الحقيقية من ظهور أي دين جديد، ألا وهي الفصل بين المؤمنين والكافرين، لأن ديدن الناس أن يكونوا على دين ملوكهم، وإلا لكان الله قادراً على تبديل أيمان قلوب الملوك والأباطرة والرؤساء، وبالتالي أيمان شعوبهم من بعدهم.
يمكن ببساطة تشبيه فجر الديانات الإلهية بيوم القيامة ويوم الحشر والطامة والساعة والحاقة، ففي يوم القيامة يفصل المؤمن عن الكافر ويجازى كل منهما حسب فعله، وكذلك في فجر ظهور الديانات يحصل نفس الهدف وذات الغاية فالذين يؤمنون بالرسول الجديد يذهبون الى الجنة ومن يكفر به يذهب الى النار.
عندما جاءت رسالة سيدنا موسى(ع)، كانت رسالة كاملة تامة ضمن زمانها لا نقص فيها آنذاك بشهادة القرآن الكريم (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ..)(6)، وكذلك (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ)(7)، فالمنهج الإلهي لا يمكن ان يكون ناقصاً (حاشا لله) وما ظهور السيد المسيح(ع) بعد ذلك إلا إعلانا بانتهاء أمة اليهود من دراسة المنهج السابق (شريعة التوراة) وتحقق الهدف والغاية من الديانة اليهودية وازوف وقت الانتقال. ولكن باعتراضهم عليه وتكذيبه وإصرارهم على بقائهم في فصلهم ودينهم السابق، استحقوا عذاب الله وسخطه، فكان لهم ذلك الجزاء الذي شهد التاريخ على ما حل بهم على يد جيوش ملك بابل وقيصر الرومان وغيرهم من سبي وقتل وأسر وتشتيت وتدمير مدينتهم المقدسة أورشليم، وبهذا الاعتراض خسر اليهود مكانتهم الروحية وباءوا بفشل عظيم.
كذلك ما حصل للنصارى بعد ظهور سيدنا محمد(ص)، فهو تكرار لما حدث سابقا، إذ كان المسيحيون أحباب الله سبحانه وتعالى (أحباء الله) في تلك الدورة، حيث انتقلت اليهم الرحمة والبركة والعناية الإلهية واصبحوا هم المختارون وطلاب المرحلة الجديدة ومحط العناية والبركة الإلهية رغم كل ما عانوه من عذاب واضطهاد، حتى زمن بعثة الرسول محمد(ص)، وفي لحظة الظهور تلك، أي ظهور دعوة الإسلام، انتهى منهج الإنجيل السابق ولزم على أتباعه الانتقال الى المرحلة الجديدة والايمان بها وبرسولها، لكنهم عاندوا مثل سابقيهم في قبول رسالته (الا قلة منهم) وفشلوا في ادراك الحكمة الإلهية من التغيير والتجديد ورفضوا الانصياع الى أوامر خالقهم، فكانوا مصداق معنى الآية الكريمة (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(8) مما أدى الى اختيار الله قوما غيرهم وتفضيلهم عليهم، فوقع الاختيار على ملة العرب واصبحوا فيما بعد (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)(9).(من كتاب قبسات-سيفي سيفي)
الهوامش
1 - سورة الأنعام 124 .
2 - سورة الأعراف 172 .
3 - سورة البقرة 285 .
4 - سورة القمر 50 .
5 - سورة القصص 5 .
6 - سورة الأنعام 91 .
7 - سورة الأنعام 154 .
8 – سورة العنكبوت 2.
9 - سورة آل عمران 110 .
صدر لي الآن 21/10/2015 مقالي "ابدية الشريعة 3-7"
أبدية الشريعة 3-7
https://randaelhamamsy.wordpress.com/2015/10/21/أبدية-الشريعة-3-7/
Thursday, October 15, 2015
صدر الآن 15/10/2015 مقالي "هل البهائية دين"
هل البهائية دين
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=488693
Saturday, September 12, 2015
صدر لي الآن 12/9/2015 مقالي "اتركوا التقاليد والموروثات وتحرّوا الحقيقة"
اتركوا التقاليد والموروثات وتحرّوا الحقيقة
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=484451
Saturday, August 29, 2015
صدر الآن 29/8/2015 مقالي "العلم والدين هما الجذور والأصول والسلف الأساسى والحقيقى للمدنية"
العلم والدين هما الجذور والأصول والسلف الأساسى والحقيقى للمدنية
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=482505
Saturday, August 22, 2015
صدر الآن 22/8/2015 مقالي "التعايش بين الأديان"
التعايش بين الأديان
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=481625
Saturday, August 15, 2015
صدر الآن 15/8/2015 مقالي "الإنسانية اليوم في مرحلة المخاض"
الإنسانية اليوم في مرحلة المخاض
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=480574
Thursday, August 13, 2015
في القيامة 4-4
في القيامة 4-4
جميع الديانات السماوية تنبّأت عن يوم
القيامة والدينونة. ولو أن آيات الكتب السماوية كثيرة في هذا الموضوع لكن ما زال
مفهوم يوم القيامة والدينونة من أكثر المواضيع غموضًا. مثال ذلك، قال السيد
المسيح: " أنا هو القيامةُ والحياةُ" [انجيل يوحنا 11: 25]. فمن معاني هذه
الفقرة هو أن من آمن بأن يسوع المسيح هو ابن الله والمظهر الإلهي لذلك اليوم
واتّبع تعاليم رسالتة قد انتقل من الموت إلى الحياة، بمعنى انه أصبح حيًا
’روحيًا‘، والدليل على ذلك فلماذا قال السيد المسيح: "دع الموتى يدفنون
موتاهم" [انجيل لوقا 9: 60]، أي دع الذين لم يؤمنوا برسالته يدفنون موتاهم.
اعتبر السيد المسيح أولائك الذين لم يؤمنوا به وبرسالته كأموات، لأنهم لم يستيقظوا
من غفلتهم أو موتهم الروحانى عند ظهوره.
وقال السيد المسيح شرحًا لمعنى الدينونة:
"وهذه هي الدَّينونة إنّ النور قد جاء إلى العالم وأحبّ الناس الظلمة أكثر من
النور لأنّ أعمالهم كانت شريرة". [انجيل يوحنّا 3: 19]. يصف السيد المسيح
مجيئه الى هذا العالم بـ ’النور‘ والذي رأى وآمن بظهور النور نجى، والذي أحب
الظلمة أكثر من النور لأنّ أعماله كانت شريرة أدان نفسه.
كذلك قال سيدنا محمد في الحديث الشريف:– "إذا
قام القائم قامت القيامة" [حديث شريف]. ان التعاليم الجديدة المنزلة للعهد
الجديد هي التي تحي الانسان وتنجّيه من امتحانات الساعة. فيوم القيامة ليس بظاهرة
من مظاهر الطبيعة أو حدث مادي بل هو حدث روحاني، ولم يحدث آنذاك أي تغييرات في
عالم الطبيعة. ويصف حضرة الباب يوم القيامة بأنه يوم كأي يوم، تشرق الشمس فيه
وتغرب، كما قال أيضًا أن يوم القيامة هو من أعظم الأيّام ولكنه يوم كأي يوم من
الأيّام. [Selections from the Writings of the Bab, pp. 78-79]. ويقول القرآن الكريم:
"فهذا يوم البعثِ ولَكنَّكم كنتم لا تعلمون" [سورة الروم 30: 56]. ويصف
يوم القيامة بمجئ الربيع ويقول: "والله الذى أرسل الرياح فتثيرُ سحابًا
فَسُقْنَاهُ إلى بلدٍ ميِّتٍ فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النُّشُورُ".
[سورة فاطر 35: 9].
رغم كل هذه الآيات، فكثير من المسيحيين
والمسلمين يظنّون أن يوم القيامة والدينونة هو آخر أيّام العالم بدلا من ربيع جديد
أو دورة حياة جديدة. فيتصوّرون مناظر رُوْبَوية مروّعة وفيها تصعد أجساد البشر من
القبور ليوم الدينونة، وتطير الملائكة في السماء ويأخذون البشر أما للجنة أو
النار.
يؤمن البهائيون أنه بظهور كل مظهر إلهي
برسالة جديدة منزلة من عند الله هو يوم ’قيامة‘ وبها يدان البشر. فالذين لا يؤمنون
بالمظهر الالهي وبرسالته لليوم الجديد أدانوا أنفسهم وحرموا من الحياة الأبدية،
والذين آمنوا بالمظهر الالهي الجديد وعملوا بتعاليمة المنزلة للعصر الجديد قد
نالوا حياة جديدة أي بعثوا من الموت الى الحياة.
ونعود إلى موضوعنا فنقول
قد يعترض البعض بأنه كيف يمكن أن يتجلى الله وهو الخالق على مرآة أحد من خلقه وهو
مخلوق ويرسله على أنه ظهوره فنقول بما تفضل به حضرة بهاءالله في "لوح العرش":
... ثم انظر في الصانع إنه يصنع خاتماً
مع أنه صانعه يزين إصبعه به وإنه تعالى لو يظهر
بلباس الخلق هذا من فضله لئلا يفرّ منه عباده ويتقربون إليه ويقعدون تلقاء وجهه
ويسمعون نغمات بديعه ويتلذّذون بما يخرج من فمه وما نزّل عليهم من سماء مشيته وفي
ذلك لحكمة لو تفكر فيها بدوام الله لتجد في كلّ حين ما لا وجدته من قبل. وإنه
تعالى لو يظهر على شأنه وصورته وما هو عليه لن يقدر أحد أن يتقرب به أو يؤانس معه
مثلاً فانظر في السرير أو العرش أو الكرسي وأمثالها يصنعها أحد من بريته بتأييدات
التي نزّل عليهم من سماء فضله وسحاب جوده وإنه يستوي عليها، قبل استوائه عليها لا
يعرفها أحد يجدونها مصنوع أيديهم ولكن بعد استوائها عليها ينقطع كلّ النسب عنها
يكون عرش الرحمن ويطوف عليه حقائق كلّ شئ عما خلق في السموات والأرض إذاً يكون
عرفانها منوط بأنظر الناظرين وأبصر المتبصرين من يكون على البصيرة النورانية ليشهد
بأنها خلق قبل خلق السموات والأرض...
"... اعلم أن حقيقة الألوهية
الذات البحت والمجهول النعت لا تدركه العقول والأبصار ولا تحيط بها الأفهام
والأفكار، كلّ بصيرة قاصرة عن ادراكها وكلّ صفقة خاسرة في عرفانها، أنّى لعناكب
الأوهام أن تنسج بلعابها في زوايا ذلك القصر المشيد وتطّلع بخبايا لم يطلع عليها كلّ
ذي بصر حديد، ومن أشار إليه أثار الغبار وزاد الخفاء خلف الأستار، بل هي تبرهن عن
جهل عظيم وتدل على الحجاب الغليظ، فليس لنا السبيل ولا الدليل إلى ادراك ذلك الأمر
الجليل حيث السبيل مسدود والطلب مردود وليس له عنوان على الإطلاق ولا نعت عند أهل
الإشراق، فاضطررنا على الرجوع إلى مطلع نوره ومركز ظهوره ومشرق آياته ومصدر
كلماته، ومهما تذكر من المحامد والنعوت والأسماء الحسنى والصفات العليا كلّها ترجع
إلى هذا المنعوت، وليس لنا إلاّ التوجه في جميع الشؤون إلى
ذلك المركز المعهود والمظهر الموعود والمطلع المشهود، وإلاّ نعبد حقيقة موهومة مقصورة
في الأذهان مخلوقة مردودة ضرباً من الأوهام دون الوجدان في عالم الإنسان وهذا أعظم
من عبادة الأوثان فالأصنام لها وجود في عالم الكيان وأما الحقيقة الألوهية المتصورة في العقول والأذهان
ليست إلاّ وهم وبهتان، لأن الحقيقة الكلّية الإلهية المقدسة عن كلّ نعت وأوصاف لا
تدخل في حيز العقول والأفكار حتى يتصورها الإنسان، وهذا أمر بديهي البرهان
مشهود في عالم العيان ولا يحتاج إلى البيان، إذاً مهما شئت وافتكرت من العنوان
العالي والأوصاف المتعالي كلّها راجعة إلى مظهر الظهور ومطلع النور المتجلي على
الطور [قل ادعوا الله أو ادعوا
الرحمن فأياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى...]"(القرآن الكريم، سورة
الاسراء، الآية 110)
"... اعلم أن الحقيقة
الرحمانية التي عبر عنها بغيب الغيوب ومجهول النعت والمنقطع
الوجداني قد تقدس عن كلّ ذكر وبيان واشارة ونعت وثناء... وأما الحقيقة الكلّية
النورانية والمرآة الصافية التي تحكي بتمامها عن شؤون مجلّيها وتنطبق آثارها على
آثار الشمس الظاهرة فيها فهي الحقيقة الكلّية الإنسانية والكينونة الرحمانية
والذات الصمدانية..."
واعلم أن الرؤية في يوم
الله مذكور في جميع الصحائف والزبر والألواح النازلة من السماء على الأنبياء في
غابر الأزمان والعصور الخالية والقرون الأولية، وكلّ نبي من الأنبياء بشر قومه
بيوم اللقاء فارجع إلى النصوص الموجودة في الإنجيل والزبور والتوراة والقرآن قال
الله تعالى في الفرقان "اعلموا أنكم ملاقوه
يوم القيامة". (سورة البقرة، الآية 223) وأيضاً "قد خسر
الذين كذبوا بلقاء ربّهم". (سورة الأنعام،
الآية 31) وأيضاً "لعلكم بلقاء ربكم توقنون". (سورة الرعد، الآية 2)
وفي حديث مروي من أحد وعشرين من الصحابة أن رسول اله صلى الله عليه وآله قال
(سترون ربكم كما ترون البدر في ليلة أربع عشر) وقال علي عليه السلام (رأيت الله والإفريدوس برأي العين) وأيضاً قال (ورأيته وعرفته فعبدته لا
أعبد رباً لم أره)، مع هذه العبارات
المصرّحة والنصوص الصريحة والروايات المأثورة اختلفت الأقوام في هذه المسألة، منهم
من قال إن الرؤية ممتنعة واستدلّ بالآية المباركة وهي "لا تدركه الأبصار
وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير" ومنهم من قال اذا
أنكرنا الرؤية بالكلّية يقتضي إنكار نصوص القرآن ويثبت عدم العصمة للأنبياء، فإن
السؤال عن الممتنع المحال لا يجوز قطعياً من نبي معصوم، وسُئل موسى الكليم عليه
السلام الرؤية "وقال ربي أرني أنظر إليك" (القرآن الكريم،
سورة الأعراف، الآية 143) والعصمة مانعة عن سؤال شئ ممتنع، وحيث صدر منه هذا
السؤال فهو برهان قاطع ودليل لائح على إمكان الرؤية وحصول هذه البغية، وما عدا هذا
الدليل الجليل عندك دليل واضح مبين وهو إذا فرضنا امتناع الرؤية حقيقة في
عالم الشهود والعيان فما النعمة الإلهية التي اختص الله بها في جنة اللقاء عباده
المكرمين من الأصفياء بل امتناع الرؤية إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة متيسرة
حاصلة لكلّ عبد أواب، فإن الكليم الكريم عليه السلام لما شرب مدام محبة الله واهتز
من استماع كلمة الله وثمل من سورة صهباء الخطاب نسي أنه في الدنيا وانكشفت له
الجنة المأوى، وحيث أن الجنة مقام المشاهدة واللقاء قال "رب أرني أنظر إليك."
فأتاه الخطاب من رب الأرباب أن هذه المنحة المختصة
بالأصفياء "والله يختص برحمته من يشاء..." (القرآن الكريم، سورة
البقرة، الآية 105) إنما تتيسر في اليوم الذي ترتعش فيه أركان الأرض والسماء وتقوم
القيامة الكبرى وتنكشف الواقعة عن الطامة العظمى، هذا ما ورد في جميع التفاسير
والتآويل من أعلم علماء الأسرار في كلّ الأعصار من جميع الأقطار، وأما جوهر
المسألة وحقيقة الأمر إن اللقاء أمر مسلم محتوم منصوص في الصحف وألواح الحي القيوم
وهذا هو الرحيق المختوم "ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس
المتنافسون." (القرآن الكريم، سورة المطففين،
الآية 26) فإن للحقيقة الكلّية والهوية
اللاهوتية الظهور في جميع المراتب والمقامات والشئون، لأنها واجدة للمراتب ساطعة
البرهان لامعة الحجة في كلّ كيان، وهو بكلّ شئ محيط كما قال عليه السلام (أيكون
لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك عميت لا تراك) وقال (يا من دلّ
بذاته وتقدس عن مجانسة مخلوقاته) لأن المراتب والمقامات مجال ومرايا لظهور الأسماء
والصفات، فظهور الحق محقق في جميع الشئون حتى يكون الوصول إليه في جميع المراتب
مما كان ويكون، والممكنات ممتلئة من أسرار الأسماء والصفات، والإدراك لا يتحقق إلاّ
من حيث الصفة وأما الذات من حيث هو هو مستور عن الأنظار ومحجوب عن الأبصار، غيب
منيع لا يدرك ذات بحت لا يوصف (السبيل مسدود والطلب مردود) فإن الحق من حيث
الأسماء والصفات له ظهور في جميع المراتب المترتبة في الوجود على النظم الطبيعي والترتيب
الفطري وله تجليات على رؤوس الأشهاد في جنة اللقاء الفردوس الأعلى والملكوت
الأبهى، إذاً فاعلم بأن الرؤية واللقاء من حيث الحقيقة الغيبية التي تعبر عنها
بالغيب الوجداني "لا تدركه الأبصار وهو يدرك
الأبصار" وأما من حيث الظهور والبروز والتجلي وكشف الحجاب
وإزالة السحاب ورفع النقاب في يوم الإياب فالرؤية أمر مشروع موعود في اليوم
المشهود يختص الله بها من يشاء من أهل الجود الذين لهم نصيب مفروض من هذا المقام
المحمود، والبرهان واضح منصوص مثبوت ويشهد به العقول المستوية الربانية الإلهية،
فإن الفيض لا ينقطع من مرتبة من المراتب والفضل والجود لا يحرم منه مقام من
المقامات...
"... يا أيها المتوجه
إلى أنوار الوجه. قد أحاطت الأوهام سكان الأرض ومنعتهم عن التوجه إلى أفق اليقين
وإشراقه وظهوراته وأنواره. بالظنون منعوا عن القيوم. ويتكلمون بأهوائهم ولا يشعرون.
منهم من قال هل الآيات نزلت قل إي ورب السموات. هل أتت الساعة بل قضت ومظهر
البينات. قد جاءت الحاقة وأتى الحق بالحجة والبرهان. قد برزت الساهرة والبرية في
وجل واضطراب. قد أتت الزلازل وناحت القبائل من خشية الله المقتدر الجبار. قل
الصاخة صاحت واليوم لله الواحد المختار. هل الطامة تمت قل إي ورب الأرباب. هل
القيامة قامت بل القيوم بملكوت الآيات. هل ترى الناس صرعى بلى وربي العلي الأعلى.
هل انقعرت الأعجاز بل نسفت الجبال ومالك الصفات. قال أين الجنة والنار. قل الأولى
لقائي والأخرى نفسك يا أيها المشرك المرتاب. قال إنّا ما نرى الميزان. قل إي وربي
الرحمن لا يراه إلاّ أولو الأبصار. هل سقطت النجوم قل إي إذ كان القيوم في أرض
السر فاعتبروا يا أولي الأنظار. قد ظهرت العلامات كلّها إذ أخرجنا يد القدرة من
جيب العظمة والاقتدار. قد نادى المنادِ إذ أتى الميعاد وانصعق الطوريون في تيه الوقوف
من سطوة ربك مالك الإيجاد. يقول الناقور هل نفخ في الصور. قل بلى وسلطان الظهور اذ
استقر على عرش اسمه الرحمن. قد أضاء الديجور من فجر رحمة ربك مطلع الأنوار. قد سرت
نسمة الرحمن واهتزت الأرواح في قبور الأبدان. كذلك قضي الأمر من لدى الله
العزيز المنان. قال الذين غفلوا متى انفطرت السماء. قل إذ كنتم في أجداث الغفلة
والضلال. من الغافلين من يمسح عينيه وينظر اليمين والشمال. قل قد عميتَ ليس لك من
ملاذ. منهم من قال هل حشرت النفوس قل إي وربي إذ كنتَ في مهاد
الأوهام. ومنهم من قال هل نزّل الكتاب بالفطرة. قل إنها في الحيرة. اتقوا يا أولي
الألباب. ومنهم من قال أحشرتُ أعمى. قل بلى وراكب السحاب. قد تزيّنت الجنة بأوراد
المعاني. وسعّر السعير من نار الفجار. قل قد أشرق النور من أفق الظهور وأضاءت
الآفاق إذ أتى مالك يوم الميثاق. قد خسر الذين ارتابوا وربح من أقبل بنور اليقين
إلى مطلع الإيقان." بهاءالله
صدر الآن 13/8/2015 مقالي أبدية الشريعة (2-7)– بشارة يوم الله في كتب الله
أبدية الشريعة (2-7)– بشارة يوم الله في كتب الله
https://randaelhamamsy.wordpress.com/2015/08/13/%D8%A3%D8%A8%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D8%A9-2-7-%D8%A8%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84/
Saturday, August 8, 2015
صدر الآن 8/8/2015 مقالي "العدل الركيزة الأساسية لوحدة الجنس البشري2-2"
العدل الركيزة الأساسية لوحدة الجنس البشري2-2
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=479571
Saturday, August 1, 2015
صدر الآن 1/8/2015 مقالي "العدل الركيزة الأساسية لوحدة الجنس البشري1-2"
العدل الركيزة الأساسية لوحدة الجنس البشري1-2
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=478525
Saturday, July 25, 2015
صدر الآن 25/4/2015 مقالي "مزج الماديات بالروحانيات لخلق المدنية الإلهية2-2"
مزج الماديات بالروحانيات لخلق المدنية الإلهية2-2
http://ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=477635
Tuesday, July 14, 2015
صدر الآن 14/7/2015 مقالي "مزج الماديات بالروحانيات لخلق المدنية الإلهية1-2"
مزج الماديات بالروحانيات لخلق المدنية الإلهية1-2
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=476256
Saturday, July 4, 2015
صدر لي الآن 4/7/2015 مقالي " الميزان الصحيح لإدراك حقائق الأشياء"
الميزان الصحيح لإدراك حقائق الأشياء
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=474910
Saturday, June 27, 2015
صدر لي الآن اليوم السبت 27/6/2015 مقالي "لكل أمةٍ أجل ولكل أجلٍ كتاب (7-7) -عبدالبهاء -"
لكل أمةٍ أجل ولكل أجلٍ كتاب (7-7) -عبدالبهاء -
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=473957
Saturday, June 20, 2015
صدر الآن 20/6/2015 مقالي "لكل أمةٍ أجل ولكل أجلٍ كتاب (6-7) - بهاءالله -"
لكل أمةٍ أجل ولكل أجلٍ كتاب (6-7) - بهاءالله -
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=473053
Subscribe to:
Posts (Atom)
