Friday, October 29, 2010

في عمر نوح عليه السلام


س السائل- عن اعتقادنا في عمر نوح عليه السلام، هل هو كما نزل في القرآن الشريف عاش تسعمائة وخمسين عاما أو له معنى آخر.

(الجواب)

اعلم أيها السائل الفاضل يسّر الله لنا ولكم الوصول الى أقرب الوسائل وأتقن الدلائل، أن لأهل العلم في أمثال هذه المسائل نظرين، ديني وعلمي.

(أما النظر الديني) فمعلوم أن كل من اعتقد بحقية رسالة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وأن القرآن الشريف كتاب الله الذي نزل من السماء اعتقد بالضرورة بصحة جميع ما ورد في هذا الكتاب الكريم وصدق ما نزل في هذا السِفر العظيم سواء كان قريباً من أفهام الناس أو بعيداً عنها ما لم يحكم العقل الصريح باستحالته ولم يقم قاطع البرهان على امتناعه. ومن له أدنى إلمام بالأدلة العقلية والقياسات المنطقية يعرف بالبداهة أن غاية ما ينكرونه في مسألة طول أعمار الأقدمين إنما هو من قبيل الاستبعاد العادي لا الاستحالة الحقيقية والامتناع العقلي، إذ لم يقم أدنى دليل قطعي على استحالة طول الأعمار أكثر مما هو مألوف في هذه الأعصار. خصوصاً في أهل الأزمان القديمة والأعصار الغابرة التي انقطعت يد الكشف والاستقصاء عن تحقيق أحوالهم ومدد أعمارهم بسبب انقطاع تاريخهم ومحو آثارهم. والعاقل اللبيب بمجرد الاستبعاد لا يحكم بخلاف ما نزل به القرآن الشريف وصرح به الكتاب المجيد، إنه لقول فصل وما هو بالهزل.

(وأما النظر العلمي) فمعلوم أن العالم المحقق لا يذعن لأمثال هذه المسائل إلا بعد معرفة مصادرها ومقدار إمكان الوثوق والاعتماد عليها. ومن المعلوم أن التواريخ القديمة المنبئة عن كيفية ابتداء الخلقة ليست إلا أربعة تواريخ مما تعتبره الأمم الكبيرة وتستمد من مصادرها الملل العظيمة. وهي تاريخ البوذية (أهالي الصين) وتاريخ البرهمية (سكان الهند) الأصليين، وتاريخ الزردتشتية (أمم الفرس الأولى والأكاسرة العظمى) وتاريخ العبرية، أي اليهود ومن اعتبر صحة رسالة موسى. ومن عجيب ما ينتبه اليه المتبصر أن هذه التواريخ المذكورة مع اختلاف مفاهيمها اختلافاً لا يرجى جمعها وتطبيق بعضها على بعض وبعد مشارب أهلها والتفاوت الفاحش في أزمانها والاختلاف الواضح بين الأسماء والحوادث المذكورة فيها، اتفقت في مسألتين وهما طول أعمار الأولين طولاً مفرطاً عما هو معهود في أعمار الآخرين ومزجها بحكايات أشبه بالأقاصيص الخرافية عند المحققين وبمعميات وأحاجي ورموز عند المعتدلين.

أما تواريخ البوذية والبرهمية والزردشتية فلا يوجد فيها ذكر من آدم وحواء ولا شيت ونوح وأمثالهم ولا قصصهم ووقائعهم ولا ما يقارب هذه الاسماء، بل وردت كل هذه الأسماء في تاريخ العبريين فقط ومنهم انتقلت الى الأمة النصرانية والملة الاسلامية. ولما صح عن النبي عليه السلام أنه قال (بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب الناس على قدر عقولهم) وكذلك (حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله) كما نقله القاضي العلامة محمد ابن أحمد بن رشد الأندلسي في كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملّة عن البخاري، فلا يمكن للعالم المحقق والحالة هذه أن يستمد في المسائل التاريخية عن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ومن المعلوم أن الأنبياء ومظاهر أمر الله عليهم السلام بعثوا لهداية الأمم وتهذيب أخلاقهم وتقريب الناس الى مرجعهم ومآبهم وما بعثوا مؤرخين أو فلكيين وفلاسفة وطبيعيين فان شؤونهم في عالم الخلق كشأن القلب في عالم البدن شأن كلي وأثر عام. وشؤون العلماء في عالم الملك كشأن العضو المعين بين الأعضاء شأن خاص وأثر مخصوص. ولذلك تساهل الأنبياء عليهم السلام مع الأمم في معارفهم التاريخية وأقاصيصهم القومية ومباديهم العلمية، فتكلموا بما عندهم وتفاوضوا بما يلائمهم وستروا الحقائق تحت أستار الإشارات وخدّروا حوريات المعاني في قصور الآيات وأسدلوا عليها ستائر بليغ الاستعارات، فلا يشك عاقل إذاً أن ما ورد في القرآن المجيد والفرقان الحميد من كيفية بدء الخلقة ومناظرة الملائكة وقصص آدم وشيطانه ونوح وطوفانه كلها حقائق تخبر عما يتجدد في مواعيد تجدد العالم ويتحقق في مواقيت انقضاء آجال الأمم بظهور الحقيقة المقدسة الأولية وتجدد الشرائع الإلهية. فلا يجوز للمؤرخ من حيث العلم أن يعتمد على ظواهر هذه الآيات إذ لا يمكنه سد باب الاحتمال الراجح أن تكون لها معان عالية وتأويلات سامية غير ما هو مفهوم من ظواهرها ومسموع من مصادرها. وليس احتمال تأويل الآيات من شذوذ التصورات أو نوادر الاحتمالات حتى لا يعبأ به أرباب الفضل ولا يعتني به أهل العلم بعدما نزل في الكتاب المجيد (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) وجاء في القرآن الحميد (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)، وبعد ما صحّ من الأثر الشريف واستفاض من السنّة المأثورة أن لآيات القرآن بطونا غامضة عميقة وتأويلات عالية دقيقة عرفها أهله وأدركها حملته منَّ الله بكشفها على عباده الثابتين وأرقائه المخلصين. وليس المراد من التأويل إلا المعاني الأصلية المقصودة مما ستره الله تعالى في بطون الآيات وأخفاه تحت ستائر الاستعارات. وليس هذا من شأن البشر حتى يخوض في غماره كل جاهل ويفسر الآيات برأيه كل خامل كما فعله بعض الجهلة بغرورهم وضلوا وأضلوا كثيراً بتفاسيرهم وأبعدوا الناس عن معين الحياة وأخفوا عنهم سبيل النجاة. بل هو من شؤون مظهر أمر الله ومنجز وعده كما صرح به في الكتاب حيث قال (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)(1).

فاذا ثبت أنه لا يمكن للمؤرخ أن يستمد في معارفه التاريخية من ظواهر آيات القرآن ولا ذكر لنوح وأمثاله في سائر التواريخ القديمة، فلا يبقى إذاً بين يدي المؤرخ إلا التوراة وسائر الكتب من العهد العتيق. والناقد البصير إذا أمعن النظر في هذه الكتب المقدسة مجانباً أمياله المذهبية والتقاليد والآراء الملفقة القومية يرى فيها قسمين مفروزين من التعليمات جديرين بمزيد التوجه والالتفات.

(القسم الأول) ما نسب في الكتاب بأنه من الله وتكلم به الله أو أنزل من لدى الله. وفيه الأحكام والحدود والشرائع والسياسات والأخبار عن الأمور الآتية من قبيل الانذارات والبشارات، وأعظم هذه بشائر ورود (يوم الله) وآثاره وآياته وعلائمه واشراطه مثل الكلمات العشر في أصل التوراة والنشيد والبركة الواردة في أواخر سفر التثنية وزبور داود وكتاب أشعياء النبي وكتب يرميا ودانيال وحزقيل وزكريا وغيرهم من أنبياء بني اسرائيل. ومن أوتي بصيرة من الله وموهبة المعرفة والتمييز بين تصانيف البشر وآيات الله يعترف بأن هذه الكتب كلها آيات إلهية وكلمات سماوية وبشائر ونذر ربانية توقد وتضيء وتتألق من الشجرة المباركة الموسوية كسراج منير في الليلة الليلى أو كنجم بازغ من السماء القصوى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسيلحق تفسير هذه الآية الكريمة في آخر الكتاب ويجب أن ينتبه اليه فانه في غاية من النفاسة.

(والقسم الثاني) ما يخبر عن الأمور التاريخية من كيفية ابتداء الخلقة وانشعاب القبائل وانبثاث الخلق على وجه الأرض وتاريخ حياة الأنبياء وحوادث أيامهم وتعداد الملوك ووقائع دولهم، كالتورايخ الواردة في الأسفار الخمس من ابتداء خلقة آدم الى وفاة موسى عليه السلام وكتاب يوشع وكتاب القضاة وكتابي الصموئيل وكتابي الملوك وكتابي أخبار الأيام وكتاب عزرا وكتاب نحميا وأمثالها من كتب المؤرخين. وهذه الكتب ليس فيها تصريح أو تلويح أو أدنى إشارة بأنها وحي سماوي أو كلام أو إلهام إلهي، فلا يجوز على المؤرخ أن يعتمد عليها ويجزم بصحة ما ورد فيها، ويحلها محل الوحي السماوي إلا إذا عرف مصنفي هذه الكتب، ومن يعرف مقدار اختلاف العلماء في تعيين مصنفي هذه الأسفار والأدلة التي اعتمد كل فرقة منهم عليها في رأيه واعتقاده، يعرف عدم جواز الركون والاعتماد على صحة ما ورد فيها. ومن الحماقة أن يعتمد العاقل الناقد على كتاب لا يعرف بالتحقيق مصنفه ويحسب وحياً إلهياً وكلاماً سماوياً ما لم يتعين بعد الفحص والتدقيق مصدره ومؤلفه. مثلا إذا تصفحنا أقوال كبار العلماء في تعيين مصنف الأسفار الخمس أصل التوراة وأساس التواريخ العبرية، نرى ثمة إختلافاً كبيراً لا يرجى بالكشف والاستقصاء زواله ولا ينتهي الى ركن وثيق غايته ومآله، فان كثيراً من العلماء اعتقدوا بأن مصنف هذه الأسفار هو موسى عليه السلام، ولكن يكذبهم ويذهب بقيمة رأيهم ما ورد في آخر هذا الكتاب من ذكر وفاة موسى وكيفية إقامة بني اسرائيل مناحة له بعد وفاته. وثمَّ شواهد أخرى تدل دلالة واضحة على أنها صنفت بعد وفاة موسى بمدة غير وجيزة وبعضهم ذهب بلا دليل يركن اليه الى أن الفصلين الأخيرين من سفر التثنية من تصانيف يوشع بن نون فإنه صنفهما وأضافهما على الأسفار الخمس التي صنفها موسى تتميماً لمصنفاته وتكميلاً لتاريخ حياته وتوضيحاً لحال الشعب بعد وفاته. وبعضهم قال أن هذه الأسفار من مصنفات يرميا أو أحد غيره من أنبياء بني اسرائيل. وهذا القول أيضاً كأقوالهم السابقة لا يخلو من ضعف التعليل أو فقدان الدليل. وجماعة من المحققين ذهبوا ولعلهم أصابوا (إذ لا يخلو هذا القول من قوة نوعاً) الى أنها من تصانيف عزرا الكاهن الذي عبر عنه في القرآن الشريف بعزير. فإنه بعدما رجع القوم من جلاء بابل بأمر الملك الكبير أردشير وبنى القدس الشريف وجمع شمل اليهود وأحيى بيت داود، طلب الشعب منه نسخة التوراة وكان عزرا رجلاً فاضلاً، وكاتباً ماهراً، وكاهناً ديناً، تعلم في مدينة بابل في مدارسها الكبيرة، وحاز معارفاً واسعة وفنوناً نافعة على مقدار ما بلغت سعة المعارف في تلك الأوقات فإن مدينة بابل إذ ذاك كانت موئل المدنية ومشرق أنوار العلم والحكمة، فكتب عزرا إجابة لطلب الشعب كيفية إبتداء الخلقة وتفرق النسل وانشعاب القبائل وانبثاث الخلق الى وفاة موسى عليه السلام في خمسة أسفار وأدرج فيها ما أوحي الى موسى من ربه وما شرع موسى (او يوشع كما يشهد به بعض عبارات السفر)(1( لانتظام أحوال شعبه.

فإذا علم بالاجمال أن قصص نوح وأمثاله لم تذكر في تواريخ الملل الكبيرة العتيقة، مثل الأمم الصينية والفارسية والهندية، ممن لا يهان بسعة معارفهم وقدم تمدنهم وتقادم عهدهم ووسعة ممالكهم وانتشار مآثرهم، ولا يعلم بالتحقيق مصنف الأسفار الخمس العبرية. وعلم أيضاً أن سيدنا النبي وسائر الأنبياء عليهم السلام كانوا لا يناقشون الناس في عقائدهم التاريخية، وكانوا يتكلمون معهم بما عندهـــم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أي اصحاح 24 من سفر يوشع.

من المعارف الموروثة القومية. علم بالضرورة أنه لم يبق مجال لأهل الاجتهاد والتحقيق أن يبتّوا رأياً في هذه المسائل من جهة العلم. فإذا سدًّ طريق الاجتهاد فما بقي ثمة إلا وجهة الدين والاذعان التعبدي لظواهر ما ورد من الأنبياء والمرسلين.

ومن المدهشات التي تحير العالم الفاضل، وتجلب نظر الفطن العاقل، وتسيء الظن بما كانوا يحسبونه من المسلميات وتوجب على المؤرخ غاية الدقة في الكشف والاستقصاء حتى على ما يعدونه من البديهيات. إنه الى يومنا هذا ما وجدوا في الآثار العتيقة المصرية ما يدل أدنى دلالة على كون بني اسرائيل في مصر وقيام موسى عليه السلام بينهم بالرسالة، وطلبهم النجاة من ظلم الفراعنة بزعامته، وهجرتهم الى بر الشام تحت رايته، وهم قوم حربيون يعد المحاربون منهم ثمانمائة ألف أو يزيدون، فاتبعهم فرعون بجنوده، وغرقوا في البحر بكفرانه وجحوده. مع أن الآثار العتيقة المصرية كما يعرفه أهل العلم اكتشفت بها في هذا القرن من التورايخ الصحيحة ما أخنى عليه الدهر وأخفاه مدة مديدة تحت حجاب كثيف من الستر حتى محي ذكرها من الكتب والأسفار وتتابعت عليها القرون والأدوار الى ان أحياها الله في هذا العصر المجيد الذي هو عصر ظهور الأسرار وطلوع نور الأنوار، وزوال الظلمات المتراكمة الحائلة دون الأنظار. فقام جماعة من أفاضل الغربيين واكتشفوا من تلك الآثار العتيقة حقيقة تاريخ المصريين، فظهرت أسماء ملوكهم وفراعنتهم وأفعالهم وأحوالهم وعدة بيوتهم وعائلاتهم وديانتهم وعاداتهم وآلهتهم ومعبوداتهم. فأحييت تلك الآثار للفراعنة ذكراً صريحاً ورتبت لدولهم ترتيباً صحيحاً ومهدت للتاريخ دوراً جديداً وأسست للعلم أساساً سديداً. وكل هذه الآثار العتيقة ورمم الفراعنة وجثثهم المحنطة موجودة ومحفوظة في متحف مصر وبقايا هياكلها العظيمة تشد عليها الرحال ويقصدها أفاضل الرجال من أقطار أوربا وأمريكا لكشف المعارف التاريخية وزيارة المعالم المصرية، وما وجدوا بعد ما يصحح أخبار توراة من قصص موسى وهارون ويوشع وأحوالهم فكيف من تقدمهم من آدم وشيت ونوح وأمثالهم، فتحير المعتقدون بتاريخ التوراة في كيفية تدارك هذا الخلل الكبير، وهالهم اختلال أساس هذا التاريخ الخطير، إذ لا يعقل أن المصريين الذين رسموا على الأحجار جميع وقائعهم الكلية والجزئية ونقشوا في الصخور كل ما حدث في مصر من الحوادث الملكية والدينية، كيف أعرضوا عن ذكر تلك الأمور الهائلة الجسيمة من قيام موسى عليه السلام وإظهاره الآيات العجيبة وغرق فرعون وجنوده الجرارة الكثيرة، فمنهم من هو واضع كف الحيرة تحت ذقنه يتفكر بعد في التطبيق والتدقيق لعله يجد طريقاً يأول الى التصحيح والتوفيق. والله تعالى أعلم بما ينتهي اليه أمر المكتشفين والمنتظرين، وفي ذلك كفاية للمتبصرين.(ابو الفضائل- كتاب الدرر البهية)


Friday, September 24, 2010

معنى الملائكة في الآية الكريمة النازلة في سورة المدثر


معنى الملائكة في الآية الكريمة النازلة في سورة المدثر

{ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا }

فاعلم أن لفظ الملك واحد الملائكة والملائكة في اللغة العربية توافق لفظًا ومعنى ما في اللغة العبرانية حيث أنها مأخوذة من الأصل السامي الذ منه اشتقت اللغات السريانية والعبرانية والعربية والآشورية والكلدانية وهو يفيد معنى المالكية والاستيلاء على شيء فكما أنه أطلق لفظ الملك والملائكة في الكلمات النبوية المحفوظة في الكتب السماية على النفوس القدسية والأئمة الهداة لخلعهم ثياب البشرية وتخلقهم بالأخلاق الروحانية الملكوتية فملكوا زمام الهداية وصاروا ملوك ممالك الولاية كأهنم أعطوا سلطة مطلقة في سعادة الناس وشقاوتهم وهدايتهم وضلالتهم وهذا هو معنى الولاية المطلقة التي جاءت في الأخبار ولذا سمي سيد الأبرار وأمير الأبراربقيم الجنة والنار كذلك أطلق هذا اللفظ في الكلمات النبوية على رؤساء الأشرار وأئمة الضلال حيث أنهم قادة الفجّار يقودونهم إلى النار ولذا أطلق عليهم لفظ الملائكة كما أنه أطلق عليهم لفظ الأئمة في قوله تعالى { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } وفي الكتب المقدسة العتيقة أيضًا أطلق لفظ الملاك والملائكة عليهم كما جاء في سفر الرؤية في الإصحاح التاسع بعد إخباره عن ظهور الخلافة الجائرة الأموية والمملكة العضوضية المروانية في الدورة الإسلامية بقوله ( ولها ملاك الهاوية ملكًا عليها اسمه بالعبرانية ابدون وباليونانية ابوليون ) وهذا على حسب الترجمة البروتستانتية * واما على حسب ترجمة اللاتينيين أي الكاثوليك فهكذا ( ولها ملاك وهو ملاك الهاوية اسمه بالعبرانية ابدون وباليونانية ابوليون أي مهلك ) والمقصود هم أئمة الضلال ورؤساء تلك الخلافة الظالمة التي أساءت سياسة الأمة الإسلامية حتى أدت أخرتها إلى الذل والهوان والتهلكة والخسران كما تراه وتعلمه بالمشاهدة والعيان والله تعالى أعلم بما ينتهي إليه عاقبة تلك الأمة الأسيفة والملة الغافلة من غلبة أعداءهم وسوء نية رؤسائهم وجهل أوليائهم وتخاذلهم وخمولهم وغفلتهم وذهولهم مما يبكي العيون ويثير الشجون ويدمي القلوب ويهيج الكروب فلنترك هذا الذكر المحزن والأمر المشجي المشجن ولنرجع إلى ما كنا نتكلم فيه فإن داء هذه الأمة داء أعي كل نبيه وعز دواؤه على كل فطن * وجاء في الآية السابعة من الإصحاح الثاني عشر من هذا السفر أيضًا ( وحدث حرب في السماء ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وملائكته ولم يقودوا فلم يوجد بعد ذلك مكانهم في السماء فطرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان الذي يضل العالم كله طرح إلى الأرض وطرحت معه ملائكته . )

والمقصود بميخائيل هو مظهر أمر الله وبالملائكة أوليائه وأحبائه كما أن المقصود من التنين العظيم والحية القديمة أو الشيطان وملائكته هم رؤساء الظلم وأئمة الضلال وأتباعهم وأشياعهم لأنه روح الضلالة تجلت وظهرت باسم الخلافة الجائرة والملك المعضوض حيث أن رؤساءها قاوموا المظاهر المقدسة وحاربوا العترة النبوية حتى أودت بالأمة الأسيفة إلى الهلاكة الأبدية والذلة الدائمة * أن الديانات كلها أبواب للدخول في جنة رضاء الله تعالى أو أن تشريعها وظهورها كذلك تصير أبوابًا للدخول في جهنم بسخط الله حين نسخها وتغييرها مثلا كما أن الديانة الموسوية وشريعة التوراة كانت بابا للجنة ودخلت منها نفوس كثيرة في حوزة رضاء الله كذلك عين هذه الديانة صارت بابًا لجهنم في ظهور سيدنا عيسى عليه السلام فدخلت منها نفوس كثيرة في نار سخط الله لان اليهود بسبها أنكروا روح الله وخالفوا أمر الله وكذلك الديانة النصرانية كما أن في أول تشريعها دخلت نفوس كثيرة في النار لان النصارى بسببها أنكروا رسول الله وكذّبوا نبي الله ودخلوا في نار سخط الله وهكذا سائر الأديان في سائر الأديان في سائر الأزمان وكما أن الباب صح إطلاقه على الديانات لانها أبواب دخول الخلق في جنة الرضا كذلك أطلق في الكلمات على الأنبياء وكبار الأنبياء بمناسبة المعنى الذي ذكرناه ولذا جاء في زيارة الجامعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام هذه العبارة ( أنتم باب الله المؤتى والمأخوذ عنه )

وإليه أشير في الآية الكريمة { فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه رحمة وظاهره من قبله العذاب } فالمراد بملائكة النار في الآية المباركة هو هذه الرجال من أصحاب الدجال وأئمة الضلال. واما في هذا الدور الحميد والكور المجيد فعدوا أبواب النار ثلاثة وهؤلاء أيضًا ملائكة الجحيم وقادة أصحاب الشمال إلى العذاب الأليم وعلو مقامهم وسمو مراكزهم صار سبب افتتان الجهال وإضلال أصحاب الشمال كما يدلك عليه قوله تعالى

{ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب } وفي كل دور وزمان توجد لكلمات الله تعالى مصاديق يعرفها أهل الإيمان وحملة القرآن ومخازن الحكمة ومطالع البيان حيث أن روحي الهداية والضلالة دائمًا ساريتان في الخلق وينبوع الكفر والإيمان تجريان بين نوع الإنسان في طول الأزمان وليس لظهور الله حد محدود وميعاد مخصوص فإنه جلّت قدرته ناظر دائمًا في قلوب عباده وأفئدة خلقه فإذا رأى فيها استعدادًا للقوب والإقبال يظهر الأمر في الحال فلابد أن تكون مصاديق كلماته موجودة في كل الأزمان وأبواب الجنة مفتوحة في جميع الأحيان * ( أبو الفضل كليايكاني الإيراني )

وذلك في 30 من شهر شوال المكرم سنة 1318


Friday, September 10, 2010

عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون (13)


عفواً يا أمة الإسلام

قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون

(13)

روى العلامة سهل بن عبدالله التوسترى فى تفسيره عن عكرمة بن عباس(رض) أنه قال سالت رسول الله(ص) فى مَ النجاة غداً فقال:" عليكم بكتاب الله عز وجلّ فإن فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم من دينكم الذى تعبّدكم به الله عزّ وجلّ". إلى آخر الحديث. فترى أن رسول الله(ص) أخبر أمته بأن فى القرآن نبأ من قبلهم من الأمم وخبر من بعدهم من الأمم وحكم ما بين أمته وهو يخاطب هذه الأمة المحمدية . فإذاً يريد بالأمم الآتية والماضية امم الرسل وهى أمم الاجابة فالأمم الآتية هى التى تتكون بإرسال الرسل لها كما تكوّنت أمة موسى وأمة عيسى والأمة المحمدية بإرسال رسلها لها فخبر تلك الأمم بالقرآن كما كان خبر الأمة المحمدية فى الانجيل والتوراة وخبر الأمة العيسوية فى التوراة وغيرها من الكتب المقدسة القديمة فإذا يأتى بعد انتهاء أجل هذه الأمة المحمدية رسل تتعاقب وتكوّن امماً.

براهين الطريق الثالث

ع-هل وردت بشائر بشأن السيد على محمد الباب وبهاءالله فى الكتب السماوية المتقدمة وهل فى القرآن شيء من ذلك؟

س- نعم. ان البشائر عنهما كثيرة جداً ولا سيما فى القرآن الكريم فكما جاء التبشبر عن سيدنا محمد(ص) فى الكتب السماوية المتقدمة كما قال تعالى" الذين يتبعون النبى الأمى الذي يجدونه مكتوبًا عندهم فى التوراة والانجيل"(الاعراف:156) فكذلك كل رسول يأتى بعده لا بُد له بشائر فى الكتب المتقدمة عليه.

ع- اذاً اسمعنى تبشيراً من القرآن الكريم بشأن السيد على محمد الباب.

س-ان الآيات التى بشأن السيد على محمد الباب بالقرآن الكريم كثيرة منها قوله تعالى:"أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى امامًا ورحمة اولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده فلا تكن فى مرية منه انه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"(هود:17).

قال العلامة البغوي فى تفسيره"الذي على بينة من ربه محمد ويتلوه شاهد منه أي يتبعه من يشهد له بصدقه".

فعلى هذا الذي يعقب محمدًا(ص) هو الذى يشهد له على صدق ما ادعى من الرسالة ويقتضى ان يكون رسولاً مستقلاً بشريعة غير تابعة لمحمد(ص) والا فكل تابع لمحمد(ص) يقول:( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله) أى يشهد بصحة رسالة محمد(ص) فلا بُد إذًا أن يكون هذا الشاهد غير تابع لمحمد(ص) بل مستقلاً برسالة وتشريع ولم نر بعد محمد (ص) من ادعى رسالة أو تشريعاً غير السيد على محمد الباب قد شهد لمحمد(ص) وصدقه برسالته ودعواه وهذا الشاهد هو منه أى من ذريته ونسله والضمير هنا يرجع إلى من كان على بينة من ربه وهو محمد(ص) كما تقدم والسيد على محمد الباب هو من ذرية فاطمة من نسل محمد(ص) ومثل هذا الشاهد المتأخر مجيئه بعد محمد(ص) شاهد آخر متقدم بمجيئه عن محمد(ص) وهو كتاب موسى عليه السلام وهذا المتأخر امامًا ورحمة للناس والرسل هى رحمة لأممها قال تعالى(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(الانبياء:107) اولئك يؤمنون به فالاشارة من اولئك ترجع إلى الذين يقولون افتراء فى الآية الرابعة قبل قوله أفمن كان على بينة من ربه والمراد بهم كل من كذب محمدًا(ص) من مشركين ونصارى ويهود ومجوس وغيرهم فقد وعد الله سبحانه وتعالى ان الذين كذبوا محمداً(ص) يؤمنون بهذا التالى أعنى السيد على محمد الباب وكذلك كان الامر فقد آمن به الآن ممن قد كذبه من مشركين وموسويين وزردشتيين(مجوس) ومسيحيين وغيرهم لم يكونوا قد آمنوا بمحمد(ص) من قبل وكانوا يقولون افتراء ولا بُد أن يعم الايمان العالم أجمع بهذا التالى أعنى السيد علي محمد الباب تبعاً لايمانهم ببهاء الله.ثم أن الله عز وجل توعد بالنار من كفر بهذا التالي ولم يؤمن به قال عز من قائل:-

(ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده) أى كفر به من اية فرقة من الفرق فالنار موعده وهى جزاؤه وهل يجازى إلا الكفور (فلا تك فى مرية منه) أى فى شك من أحقية مايجيء به أنه الحق من ربك وهذا الخطاب وان كان موجهاً لمحمد(ص) فانه يراد به الأمة ولكن أكثر الناس سيؤمنون أي به فى دورته ففيها لم يؤمن به إلا القليل من الايرانيين وبعضاً من العرب فضلاً عن العالم كله ولكن الناس سيؤمنون به تبعاً لإيمانهم ببهاءالله فقد تبين لنا من صريح هذه الآية الكريمة خمس علامات لهذا التالي لمحمد(ص).

الأولى-أنه من ذرية محمد(ص) وكذلك كان علي محمد الباب.

الثانية-أنه يشهد لمحمد(ص) بصدق ما جاء به وكذلك كان السيد على محمد الباب.

الثالثة-أنه امامًا والامام القدوة ويكون بمعنى الرسول قال تعالى لابراهيم عليه السلام:"انى جاعلك للناس امامًا"(البقرة:124) والرسل رحمة لأممها وقدوة وهكذا كان السيد علي محمد الباب رسولاً وقدوة لتابعيه.

الرابعة-ان بعض الذين لم يؤمنوا بمحمد(ص) وقالوا أنه مفتر يؤمنون بهذا التالي وكذلك وقع فآمن بالباب نصارى ويهود ومشركون وغيرهم.

الخامسة-ان الذين لا يؤمنون به هم أكثر الناس وكذلك الباب كان الذين آمنوا به فى دورته قليلون –فهل تريد أكثر من هذا وضوحاً على صحة ما جاء به السيد على محمد الباب.

وكان على مقربة من هذين الفاضلين أعنى-(ع،س)-رجل يهودى اسمه عزرا قد كان يسمع لحديثهما من حين البدء به فقال:-

عزرا-أفى كتاب موسى شهادة لمحمد على صحة دعواه؟

س-ان فى التوراة كثير من الشهادات على صدق ما جاء به محمد(ص) وإليك الآية الواحدة والعشرين وما بعدها من الاصحاح الثامن عشر من سفر التثنية تشهد لمحمد (ص) على صدق كل من جاء بمثل ما جاء به محمد(ص) وانطبقت العلامات التى فيها عليه وهى"وان قلت فى قلبك كيف تعرف الكلام الذى يتكلم به الرب فما تكلم به النبىباسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذى لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبى فلا تخف منه" والمراد بما تكلم به النبى هى نفس دعواه فان نفذت فى النفوس واطاعه الناس وانقادوا إليه فذلك هو النبى المرسل الصادق لأن الرسول انما يقول للناس ويتكلم به باسم الرب هو قوله آمنوا بى واطيعونى واتبعوا بما آمركم به وما جئتكم به من تشريع فان نفذت كلمته هذه فيهم وانقادوا له واطاعوه فقد صار ما تكلم به باسم الرب فيعلم أنه صادق فيما ادعاه وان لم تنفذ فيهم كلمته ولم يطع أو اطيع ولم يلبث إلا وارتد عنه كل من صدقه فيعلم أنه كاذب فى دعواه الرسالة لأن الذى تكلم به لم يحدث ولم يصر فالفارق بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة هو نفوذ كلمة الصادق فى من ارسل إليهم باطاعتهم له وانقيادهم لما جاء به والكاذب بعكس ذلك انظر كيف ان معلم الناموس غمالائيل أحد علماء الفريسيين أمر الكهنة أن يتركوا الرسل الذين كانوا يعلمون شعب اسرائيل باسم المسيح وشأنهم وقال لهم ان كان هذا العمل من الله فلا تقدرون عليه وان كان من الناس فسوف ينتقض وهذه الحادثة جاءت فى اعمال الرسل:الآية الرابعة والثلاثون من الاصحاح الخامس وإليك نصها:-

"فقام فى المجمع رجل فريسى اسمه غمالائيل معلم الناموس مكرم عند جميع الشعب وأمر أن يخرج الرسل قليلاً ثم قال لهم ايها الرجال الاسرائيليون احترزوا لأنفسكم من جهة هؤلاء الناس فيما أنتم مزمعون أن تفعلوا لأنه قبل هذه الأيام قام ثوداس قائلاً عن نفسه أنه شيء الذى التصق به عدد من الرجال نحو اربع مئة الذى قتل وجميع الذين انقادوا إليه تبددوا وصاروا لا شيء بعد هذا قام يهوذا الجليلى فى أيام الاكتتاب وازاغ ورائه شعباً غفيراً فذلك أيضاً هلك وجميع الذين انقادوا إليه تشتتوا والآن أقول لكم تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم لأنه ان كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض. وان كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه لئلا توجدوا محاربين لله أيضاً فانقادوا إليه ودعوا الرسل وجلدوهم واوصوهم أن لا يتكلموا باسم يسوع ثم اطلقوهم".

فاذا علمت هذا فمحمد(ص) أليس قد نفذت كلمته فى الناس وعمّ الإيمان به وانقاد لأمره من لايحصى من الامم والشعوب اذاً فمحمد(ص) صادق فى دعواه وهذه احدى شهادات كتاب موسى لمحمد(ص) وقس على سيدنا محمد(ص) كل من جاء بمثل ما جاء به محمد(ص) وصدق واتبع فهو الصادق فيما جاء به كالسيد على محمد الباب وبهاءالله.

ع- هذه الآية من التوراة تطابق بمعناها الآيات التى اوردتها وبرهنت بها على التفريق بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة بالطريق الأول.

س-فما جاء من الله لا يختلف بعضه عن بعض وبمثل هذا الدليل استدل المسيح عليه السلام على صحة دعواه ايضاً كما جاء فى انجيل.( يوحنا الاصحاح الخامس الآية 31)

" ان كنت أشهد لنفسي فشهادتى ليست حقاً الذي يشهد لى هو آخر وانا أعلم أن شهادته التى يشهدها لي هي حق أنتم أرسلتم لي يوحنا فشهد للحق وانا لا أقبل شهادة من انسان ولكنى أقول هذا لنخلصوا أنتم كان هو السراج الموقد المنير وأنتم أردتم أن تبتهجوا بنوره ساعة وأما أنا فلي شهادة أعظم من يوحنا لأن الاعمال التى أعطانى الاب لاكملها هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها هى تشهد لي أن الأب قد أرسلنى والأب نفسه الذى أرسلني يشهد لي ولم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته وليست لكم كلمته ثابتة لكم كلمته ثابته فيكم لأن الذى أرسله هو لستم أنتم تؤمنون به.فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهى التي تشهد لي ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة".

فالمسيح عليه السلام استشهد كما رأيت فى هذه الاية على أن اكمال الاعمال التى جاء بها هى تشهد له والاعمال التى جاء بها هى دعوة الناس لاتباعه والايمان به واطاعته واكمالها هى أن تستجيب الناس لدعوته وتؤمن به وتطيعه فيما أمر فإذا حصل هذا فقد كملت اعماله وكمال اعماله هى تشهد له على صدق دعواه أفرايت كيف تطابقت الكتب السماوية الثلاثة على أن استجابة الدعوة والثبوت عليها لرسول جاء بتشريع جديد دليل على صدقه ثم أن المسيح عليه السلام استشهد بشاهد آخر وهو شهادة الكتب له ويعنى بها الكتب السماوية السابقة.

ولما كان اكمال الاعمال التى جاء بها المسيح شاهد على صدقه فكذلك هو شاهد على صدق محمد(ص) وصدق كل مدع دعوى مثل دعوة المسيح ومحمد عليهما الصلاة السلام وكالسيد على محمد الباب وبهاءالله فهذه الكتب السماوية قد تظافرت على أن هذا الدليل هو دليل صدق مدعى الرسالة.(من كتاب-التبيان والبرهان)


Saturday, August 21, 2010

عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون (12)


عفواً يا أمة الإسلام

قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون

(12)

قال أبوعيسى الترمذى : ثنا عبد بن حميد ثنا حسين بن على الجعفى ثنا حمزة الزيات عن أبى المختار الطائى عن ابن أخى الحارث الأعور عن الحارث الأعور قال : [ مررت إلى المسجد فاذا الناس يخوضون فى الأحاديث فدخلت على علي فقلت : يا أمير المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضو فى الأحاديث ؟ قال : أوقد فعلوها ؟ قلت : نعم قال : أما إنى قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ألا إنها ستكون فتنة فقلت : فما المخرج منها يارسول الله ؟ قال : كتاب الله فيه نبأ ماقبلكم وخبر مابعدكم وحكم مابينكم وهو الفصل ليس بالهزل.

براهين الطريق الثانى

الطريق الثانى-كتب صاحب الرسالة وصحفه فهى برهان على صحة دعواه لقوله تعالى ( وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين* أو لم يكفهم انا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم)(العنكبوت:51/52) فاخبر ان الكتاب آية ومعجزة كافية فى الدلالة على صدق محمد(ص) فى دعوى رسالته ومثل كتاب محمد(ص) كل كتاب يأتى به رسول من عند الله فهو معجزة له وآية على صحة ما جاء به وما ادعاه من حيث هدايته وتأثيره على النفوس ونقله للناس من الظلمات إلى النور وإلى الظل من الحرور معجز بعظمته وسلطانه على القلوب معجز فى اخباره بالغيوب،معجز فى أمره ونهيه، معجز فى وعده ووعيده ففيه تحيى الأمم من موتها وتستيقظ النفوس من غفوتها وغفلتها (ترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير)(الحج:5و6).

ع- ان محمداً(ص) قد تحدى الناس بالقرآن واستدل به عليهم على أنه رسول من عند الله وتحداهم بفصاحته وبلاغته بما هو مشهور أما بهاءالله فلم يستدل بذلك وما تحدى به على ما أعلم.

س- أن سائر كتب الأنبياء هى معجزة لهم كما تقدم من أن جميع حركات رسل الله معجزة للناس وليس من شرطها استدلال الرسول بها ولا تحديده بالاتيان بمثلها،بل دليل على صحة رسالته وان خلت من هذين القيدين.فالتوراة معجزة لموسى عليه السلام كما أن القرآن معجزة لمحمد(ص) وانما دلل محمد(ص) على رسالته بالقرآن وتحدى الناس به لأنهم قالوا أن محمداً افترى القرآن على الله فتحداهم بأن يأتوا بمثله وان هذا القرآن دليل على رسالته والا فسائر الكتب المنزلة هى معجزة لمن انزلت عليه ودليل على رسالته ألا ترى أن الله أمر محمداً أن يتحدى الناس بالتوراة والقرآن معاً كما حكى الله جل شأنه ذلك بالقرآن فقال وقوله الحق:

( فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا اوتي مثل ما اوتي موسى أو لم يكفروا بما اوتى موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا انا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه إن كنتم صادقين فإن لم تستجيبوا لك فاعلم إنما يتبعون أهواءهم)(القصص:48/50).

فانظر كيف أمر الله رسوله محمداً (ص) ان يتحدى قريشاً بالتوراة كما يتحداهم بالقرآن لأنها معجزة لموسى فقال (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما فاتبعه) فلو لم يكن معجزة لما تحداهم بها مع أن موسى لم يتحد به أحداً فى حين أنها هى معجزة له وما دلل بها على أنه رسول من عند الله مع أن محمداً(ص) دلل بها على أن موسى رسول من عند الله وهكذا سائر آيات الرسل تدل على رسالة الله لرسله وان لم يتحدوا بها ولا دللوا ، فما كان محمد(ص) يتحدى أحداً فيما كان يظهره الله على يديه من تكثير الطعام ونبع الماء من بين أصابعه ولا كان يستدل بها على رسالته بل كان يأتى بذلك لحاجة المسلمين إليه ولا يشترط فى دلالة الدليل استدلال أحد به بل ما كان النظر الصحيح فيه موصلاً إلى علم فهو دليل وان لم يستدل به أو لم يستدل،أما قولك أن القرآن معجز بفصاحته وبلاغته فهو وان كانت فصاحته وبلاغته معجزة أيضاً لمن كان يعلم الفصاحة والبلاغة لكن ليس هو الذى تحداهم به الرسول بل الذى تحداهم به هو هدايته للنفوس وتأثيره فى القلوب ونقل الناس به من الظلمات إلى النور.

فهذا هو اعجاز القرآن والمقصود من انزاله وهذا شأن كل كتاب جيء به من عند الله ألا ترى قوله تعالى:

(قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه)

ولم يقل بأفصح منها ولا ابلغ فالرسل انما تأتى إلى الناس لهدايتهم ونقلهم من الضلالة والجهالة إلى الإيمان والهداية ألا ترى تأثير القرآن فى النفوس وهدية الى الحق قد جعل الله به أقواماً كانوا فى هيماء الضلالة ومفاوز الشرك والغواية هداة للناس وقادة للأمم ونبراساً للصلاح، وهكذا كتب بهاءالله صحفه وألواحه ، كيف أنها قلبت العالم رأساً على عقب وجعلت الناس يؤمنون به، ويستجيبون لدعوته،وينقادون لأمره بعد انكارهم صحة ما جاء به ومقاومتهم اياه.

فكتبه وألواحه هى التى أثرت فى النفوس وجعلت الناس يؤمنون به دون أن يروه أو يحادثوه اذ قل من كان يستطيع الوصول إليه فانظر كم هى تأثير هذه الكتب والألواح!!!...

فلا جدران تلك السجون والقلاع التى سجن بها حضرة بهاءالله ولا الحرس الذين احاطوا بهذه السجون استطاعوا منع تأثير تلك الكتب ولم يكن حبس بهاءالله ولا احاطة الحرس به إلا لئلا ينتشر دينه،بين الناس ويتبعون تعاليمه ،ولكن الأمر جاء بالعكس فكتبه وألواحه فعلت ما كانوا يحذرونه،أليس هذا اعظم برهان على أن كتب بهاءالله وألواحه هى من عند الله؟ وهى معجزة له كما أن القرآن معجزة لمحمد (ص) والتوراة معجزة لموسى عليه السلام؟ ومما يزيدك ايقاناً بأن مثل هذه الكتب التى لها هذا التأثير هى من عند الله جل وعز صدورها من اناس لم يتعلموا عند احد ولم يدخلوا المدارس مثل عيسى ومحمد والباب وبهاءالله.

ع- أنا لا أستطيع أن أكابر وأقول أن كتب بهاءالله وألواحه لم تؤثر فى الناس بل تأثيرها باد للعيان كالشمس فى رابعة النهار ولكننا نعلم أن لكل رسول كتاب واحد فكيف يكون لبهاءالله كتب وألواح؟؟

س- ألم تر أن القرآن يصرح بذلك فى سورة البينة فى قوله تعالى: (رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة)(البينة:2،3). والكتب جمع كتاب والصحف جمع صحيفة وقوله تعالى يتلو صحفاً فيها كتب أى من هذه الصحائف ما هي كتب لأن الصحيفة ما يكتب فيها من قرطاس ونحوه،والكتاب هو الضم والجمع يقال تكاتبت بنو فلان اذا انضموا واجتمعوا فالصحائف اذا انضم بعضها إلى بعض كونت كتاباً ففى هذه الصحائف ما قد ضم بعضه إلى بعض ومن هذه الانضمامات تكوّنت كتباً ذلك معنى قوله تعالى فيها كتب قيمة،ويطلق البهائيون الألواح على ذه الصحف،والألواح والصحف بمعنى واحد.

قال العلامة الاصفهانى فى كتابه (غريب القرآن) "اللوح ما يكتب فيه من خشب وغيره كما قال الصحيفة ما يكتب فيها".

ع- هل هذا الرسول الذى يتلو الصحف والكتب معنيّ به بهاءالله؟

س- نعم. ان هذا الرسول المعنى به هو بهاءالله فاصغ إلى ما أسرده عليك من الأدلة عل ذلك قال تعالى:( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين اوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة)(البينة).

لما كان المفسرون يقولون أن لا رسول ياتى إلى الناس بعد محمد(ص) فسروا البينة فى الموضعين بمحمد(ص) فحصل الارتباك فى تفسير هذه السورة فذهبوا إلى عدة تأويلات بعيدة ومع هذه التأويلات البعيدة لم يستقم المعنى والصحيح أن البينة الاولى التى هى رسول من الله يتلو صحفاً فيها كتب ليست بمحمد(ص) بل أنه رسول يأتى من بعد محمد(ص) والمراد منه هو بهاءالله وليس أيضاً على محمد الباب كما ستعلمه.

اما البينة الثانية فهى محمد(صلى الله عليه وسلم) كما قال المفسرون وإليك جملة من الجلائل على صحة هذا:-

الدليل الأول-قال تعالى (حتى تأتيهم البينة) أى انهم لا ينفكون عما هم عليه من انكار رسالة محمد(ص) وجحودها إلى أن تأتيهم البينة فى المستقبل وهذه البينة هى رسول من الله أما محمد(ص) فقد أتى.

فإذاً هى ليست بمحمد ويؤيد هذا قوله (رسول) بالتنكير أما قول المفسرين تأتى بمعنى أتت فهذا يحتاج إلى قرينة تمنع صرف الكلام عما وضعت له وقرينتهم هى ما يعتقده الناس من انقطاع الرسالة بمحمد(ص) وهذا لا دليل فيه.

الدليل الثانى-ان هذا الرسول هو بينة وحجة واضحة على صدق محمد(ص) فيما ادعاه وجاء به ذلك لأن كل كتاب سماوى يبشر بالرسل التى تأتى بعد نزوله فإذا جاء الرسول الذى بشر به ذلك الكتاب كان ذلك الرسول هو بينة ودليل ظاهر على صدق الرسول المتقدم الذي قد بشر به بكتابه وكذلك بهاءالله لما كان مبشراً به فى القرآن فمجيئه كان بينة وحجة لمحمد(ص) على صدقه فيما ادعاه وجاء به من ربه.

الدليل الثالث- ان هذا الرسول يتلو صحفاً وكتباً ومحمد(ص) كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب فهو لا يتلو ما فى الصحيفة أما بهاءالله فكان يقرأ ويكتب فكان يتلو الصحف والكتب.

الدليل الرابع-أن بهاءالله قد نزلت عليه صحف وكتب فهو يتلوها أما محمد(ص) فلم ينزل عليه إلا كتاب واحد وهو القرآن الكريم ولا يمكن أن يوصف القرآن بأنه صحف فيها كتب أما تأويل بعض المفسرين يتلو صحفاً فيها كتب أي مكتوبات فهذا لا قيمة له لأن قوله تعالى (يتلو صحفاً) معناه أنها مكتوبة فالصحيفة البيضاء لا تتلى فقوله فيها كتب أي فى هذه الصحف كتب أى فيها ما هو أكبر من أن يسمى صحيفة أو لوحاً لكثرة صحائفه كما تقدم.

ع- صدقت أن الرسول الذى يتلو الصحف والكتب المذكور بهذه السورة هو بهاءالله ولكن يا(س) كيف علمت أن بهاءالله لم يدرس العلوم ولا دخل المدارس؟

س- كثيراً ما كتب بهاءالله فى كتبه وألواحه ذلك عن نفسه وهذا أمر يعرفه أهل ايران ممن عنى منهم بالتحقيق عنه فمنهم من علم ذلك عياناً وتحقيقاً ومنهم من علم ذلك سماعاً وتواتراً ومن قرأ كتابه الذى أرسله إلى ناصر الدين شاه وذكر حضرته: "يا سُلْطانُ، إنّي كُنْتُ كَأحَدٍ مِنَ العِبادِ وَراقِداً عَلى المِهادِ مَرَّتْ عَلَيّ نَسائِمُ السُّبْحانِ وَعَلَّمَني عِلْمَ ما كانَ. لَيْسَ هذا مِنْ عِنْدي بَلْ مِنْ لَدُنْ عَزيزٍ عَليمٍ. وأمَرَني بِالنِّداءِ بَيْنَ الأرْضِ وَالسَّماءِ بذلِكَ وَرَدَ عَلَيَّ ما ذُرِفَتْ بِهِ دُموعُ العارِفينَ. ما قَرَأتُ ما عِنْدَ النّاسِ مِنَ العُلومِ وَما دَخَلْتُ المَدارِسَ، فَاسْألِ المَدينَةَ التي كُنْتُ فيها لِتُوْقِنَ بأنّي لَسْتُ مِنَ الكاذبينَ."

ع-ذكرت فيما مضى أن الكتب السماوية تشتمل على أخبار عن المغيبات فهل كتب بهاءالله اشتملت على مثل ذلك؟

س- نعم. أن كتب بهاءالله اشتملت على أخبار عن مغيبات كما أن القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية اشتملت على أخبار عن مغيبات فمن هذه ما هو عن معارف وعلوم كانت ولم تزل مجهولة ثم اكتشفت أو تكتشف بعد، أو أخبار عن وقائع وحوادث تقع بعد، فمن الأول مثلاً ما جاء فى الورق التاسع من الكلمات الفردوسية لبهاءالله عن عنصر القنبلة الذرية ولما كان حضرة عبد البهاء(الأبن الأرشد لحضرة بهاءالله) فى سانفرانسيسكو سنة 1912م شرح هذه النبوءة أمام جمع من البهائيين فقال:أنها اكتشاف عنصر يرغم الأمم على صون السلام وإلا حاق الدمار بالبشرية جمعاء.

وقد اكتشفت القنبلة الذرية واستعملت عام 1945 ولحق بهاءالله بالرفيق الأعلى عام 1892م بعد أن ترجم إلى اللغة العربية سنة 1920 ونشر هذا النبأ فى كثير من صحف العالم.

ومن الثانى كانذاراته التى أنذر بها الحكومة العثمانية عما سيحيق بها من جراء أعمالهم التى عاملوه وعاملوا اتباعه بها فمن قرأ كتابه الذى كتبه إلى السلطان عبد العزيز وكتابه الذى كتبه إلى الصدر الأعظم رئيس الدولة العثمانية أمين عالى باشا ودرس التاريخ العثمانى من زمن السلطان عبد العزيز إلى اواخر الحرب العامة يرى أن الأخبار كلها وقعت كما اخبر. ومثل ذلك ما جاء فى الكتاب الأقدس عن ألمانيا وبرلين وشواطئ نهر الراين فقد وقع كما اخبر،فالحرب وقعت مرتين مع ألمانيا وفيهما ارتفع حنين أهل برلين وفى الثانية تغطت شواطيء نهر الراين وغيرها بالدماء.

كذلك جاء فى الكتاب الأقدس عن زوال زينة استنبول وهى النقطة الواقعة على شواطيء بحر الأسود وبحر مرمرة فقد زالت زينتها بزوال منصب الخلافة والسلطنة العظمى وأصبحت محصورة فى آسيا الصغرى وفى طرف صغير من اوربا فقط ولو أردنا سرد أمثال ذلك من أخباره عن المغيبات لاحتجنا إلى كتابة مجلدات.

رابط المكتبة البهائية وكتاب الأقدس :

http://reference.bahai.org/ar

وتابعوا معنا براهين الطريق الثالث فى مقالنا القادم........

تحياتى


Monday, August 2, 2010

عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(11)



عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(11)

براهين الطريق الأول

ع-ماهو برهان الطريق الأول؟

س- لهذا الطريق براهين متعددة:

البرهان الأول-ان الكاذب فى دعوى ارسال الله إياه للناس بتشريع جديد لا تنجح دعوته وان اتبع واطيع فى بادئ أمره فإن قصارى أمره للخذلان واضمحلال دعواه، ذلك لأن القرآن قد دلّ على أن الله سبحانه وتعالى لا يؤيد المتقول عليه بل لا بُد أن يظهر للناس تقوله وان ينتقم منه-قال تعالى (ولو تقول علينا بعض لأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين وما منكم من أحد عنه حاجزين) (الحاقة:44/48). فإذا كان هذا شأن من يتقول على الله بعض الأقاويل فما بالك فيمن يدعى ارسال الله له ويتقول عليه التشريع كله،قال العلامة المحقق فخر الدين الرازى عليه الرحمة فى تفسير هذه الآية بعد ايراد عدة وجوه فى معنى قوله (لأخذنا منه باليمين) فاعلم أن حاصل هذه الوجوه انه لو نسب إلينا قولاً لم نقله لمنعناه من ذلك اما بواسطة اقامة الحجة فانا كنا نقيض له من يعارضه فحينئذ يظهر للناس كذبه فيكون ذلك ابطالاً لدعواه وهدماً لكلامه وأما ان نسلب عنه القدرة عن التكلم بذلك القول وهذا هو الواجب فى حكمة الله لئلا يشتبه الصادق بالكاذب".

فخذلان مدعى الرسالة واضمحلال دعوته دليل على أنه متقول على الله مفتر عليه وبمثل هذا يعرف المحق من المبطل فدعوة بهاءالله لم تزل بازدياد ونمو وانتشار منذ ظهورها ولم تصب بأى خذلان فدل هذا على أنه صادق فى دعواه.

البرهان الثانى- استجابة الناس لمدعى الرسالة واتباعهم تشريعه وثبوتهم عليه فإذا استجيب لدعوة مدعى الرسالة واتبعت شريعته ولم يرجع عنها فذلك الدين هو دين الحق والرسول الذى جاء به جاء بالصدق.قال تعالى: (والذين يحاجون فى الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد)(الشورى:16).

قال المفسرون أن الذين يحاجون أي يجادلون فى دين الله وتشريعه فى ايراد الشبهات والضلالات من بعد ما استجاب الناس له حجتهم داحضة أى باطلة وعليهم غضب لمعاندتهم ولهم عذاب شديد على كفرهم فبين سبحانه وتعالى ان الاستجابة للرسول دليل على صدق دعواه وبعد ظهور الحق وثبوته بالدليل فالمجادلة فيه باطلة والمراد من هذه الاستجابة هى الاستجابة الثابتة التى تتكون معها أمة تحت شريعة جديدة بدليل أنه لما نزلت هذه الاية كانت الأمة المحمدية قد تكونت، والمستجيبون لدينه قد ثبتوا على الاستجابة، والشريعة قد تأسست والشريعة السابقة قد نسخت فالاستجابة التى هى مثل هذه الاستجابة هى دليل على صدق من ادعى أن الله أرسله لعباده وبرهان ساطع يميز به الصادق والكاذب منهم وعدمها دليل على تقوله وافترائه قال تعالى:(له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه)(الرعد:15) فعلق سبحانه وتعالى هذه الاستجابة على المحال والمعلق على المحال محال مثله فالماء لا يصعد لمن يبسط كفيه إليه ليبلغ فاه فيدخله فكذلك كل مدع يدعى أنه أرسل من الله بتشريع جديد وهو كاذب لا يستجيب له الناس الاستجابة الثابته بل وقوع ذلك محال فالاستجابة لبهاءالله واعتناق دينه قد عمّ مشارق الأرض ومغاربها حتى انك لا تكاد تجد بقعة من بقاع الأرض ليس فيها معتنق لدين بهاءالله فدل هذا على صدق دعواه-(الدين البهائى هو ثانى دين فى العالم من حيث الانتشار بعد المسيحية).

البرهان الثالث-انتصار الرسول على مكذبيه ومقاوميه دليل على صدقه، ذلك ان ما من رسول يأتى بتشريع جديد إلا كذب واُذي قال تعالى:(ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه)(المؤمنون:44) وقال تعالى "وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فاخذتهم فكيف كان عقاب.."_المؤمن:5). فهذه عادة الله سبحانه وتعالى وسننه فى الأمم ما من رسول ياتى بدين جديد إلا همّت به امته لتقتله أو تحبسه وتجادل بالباطل بايراد الشبهات لتدحض به الحق وما ذلك إلا أن الديانة الحادثة مكروهة عند جميع الأمم وكل نفس تأبى اعتناقها بالبداهة وكل أهل دين يخشون ذلك الرسول ويخافون ان يبدل دينهم على حين أنهم يرون دينهم أبدياً ولا تبديل وأنه هو الحق وما سوى دينهم باطل فيجتمع العالم على مقاومة هذا الرسول وتكذيبه والعالم أمة الدعوى بالنسبة لمحمد(ص) وبهاءالله ومن جاء بالدعوة العامة لأهل الأرض فما من رسول يأتى بتشريع جديد إلا ويكذب ويؤذى ويقاوم وبعد تلك المقاومة وذاك الايذاء ينزل سبحانه وتعالى نصره عليه فتكون لذلك الرسول الغلبة والقهر على من كذبه وقاومه ومهما كانت قوة المقاوم وبأسه،فتبدأ الاستجابة لدعوته الفرد بعد الفرد والجماعة بعد الجماعة فتتبدل مقاومتهم له بالانقياد إليه وايذاؤه ببذل النفس والنفيس بين يديه فتتكون له أمة وتستظل بسماء شريعته فيتبدل شركهم بالتوحيد وكفرهم بالايمان وعنادهم بالاذعان وجهلهم بالعلم والحكمة وجفاؤهم بألألفة والمحبة وهذا هو نصر الله سبحانه وتعالى لرسله وقد جرت بذلك سنته ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً فهذا النصر والتأييد بعد ذلك التكذيب والمقاومة دليل على صدق دعوة مدعى الرسالة وان الله سبحانه وتعالى صدّقه بتاييده ونصره له قال سبحانه وتعالى:

" انا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد"(المؤمن:51) وقال عز من قائل عليم"كتب الله لاغلبن أنا ورسلي ان الله قوي عزيز"(المجادلة:21)

فامر كتبه على نفسه وأقسم عليه ووعد به لا بد من وقوعه ومحال تأخره عن الوقوع وبذلك قد سبقت كلمته قال عز وجل" ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون وان جندنا لهم الغالبون" (الصافات:171).

فانظر كيف حصر سبحانه وتعالى نصره لرسله على من كذّّبهم وقاومهم دون المتقولين عليه المدعين رسالته افتراءً وكذباً فالرسول الصادق لا محالة أن الله ناصره ومؤيده وجاعل له القهر والغلبة على من قاومه وكذّبه فنصر الله وتأييده له دليل على صدقه فبهاءالله مع كونه فى قبضة ناصر الدين شاه ثم قبضة السلطان عبد العزيز ثم قبضة السلطان مراد ثم قبضة السلطان عبد الحميد الثانى،انتصر عليهم جميعاً ونفذت كلمته ولم يمنع ذلك حبسه ولا سلطتهم عليه بل السلطان والسلطة صارت له دونهم أفليس هذا دليل واضح وبرهان بيّن على صدقه؟

البرهان الرابع- ان الله جلّت حكمته لا يساوى بين مدعى الرسالة الصادق ومدعى الرسالة الكاذب فأما إذا نظرنا إلى حكمة الله وعدله نجد أنه يمتنع فى حكمة الرب وعدله ان يساوى بين خيار الخلق هؤلاء وبين شرار الخلق هؤلاء لا فى سلطان العلم وبراهينه ولا فى سلطان النصر والتأييد والله سبحانه وتعالى يقول:"أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون"(ن:25) ويقول "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار"(ص:28).

فإذا كان جل شأنه لا يساوى بين المسلم والمجرم ولا بين المؤمنين الذين عملوا الصالحات والمفسدين ولم يجعل المتقين كالفجار فكيف يساوى بين الرسول الصادق الذى هو خير خلق الله وبين المتقول عليه الذى هو أسوأ خلق الله وأشرهم.

ولو فرضنا محالاً وقلنا يقع مثل ذلك استغفر الله كيف يعذب من لا يستجيب لرسوله اذ لا ميزة بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة ولكن جلت حكمته ميز بين هذا وهذا بتأييد الصادق بنصره والمتقول بخذلانه واضمحلال دعوته وهذا هو الواقع.

ألا ترى أن محمداً وعيسى وموسى وسائر رسل الله عليهم الصوة والسلام نجحوا فى دعواهم وكوّنوا أمماً وأسسوا شرائع لأنهم كانوا صادقين فى دعواهم. وان مسيلمة الكذاب وخالد طليحة وسجاح كيف أنهم غلبوا واضمحلت دعوتهم لأنهم كانوا كاذبين فى دعواهم وكذلك من جاء بعدهم ممن تقول على الله وادعى الرسالة افتراءً عليه كالحارث الدمشقى الكذاب قتله عبد الملك بن مروان وعيسى الاصفهانى اليهودى وقيل (اوفيد الوهيم) قتل فى زمان المنصور العباسى وغير هؤلاء كثيرون ممن ادعوا مثل ذلك اضمحلت دعوتهم ولم تقم لهم قائمة ولا أثر فإذا علمت هذا ونظرت إلى دعوة بهاءالله تجد أن بهاءالله ادعى ارسال الله إياه للناس وكذبه المكذبون وقاومته الأمة الايرانية وحكومتها والأمة العثمانية وسلاطينها مع استبدادهم بالأمور يفعلون ما يشاؤون وهو فى قبضتهم وفى حبسهم وتحت سيطرتهم وسلطنتهم فريداً وحيداً فلم يستطيعوا خذلانه ولا مقاومته بل كانت دعوته تنتشر وأمره يعلو ولم تقف جدران تلك السجون الضخمة التى سجن بها ولا قلعة عكاء سداً عن انتشارها وقد بلغت مشارق الأرض ومغاربها وكذلك السيد على محمد الباب انتشرت دعوته مع أن أكثر مدة دعوته كان مسجوناً وانتهى الأمر بقتله كما أن بهاءالله كان أكثر مدة حياته مسجوناً ،فكم من الرسل من قتل ظلماً وعدواناً قال تعالى:" قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقين"(آل عمران:183).

فدعوته انتشرت والايمان به لا زال بانتشار تبعاً للإيمان ببهاءالله اذاً فبهاءالله صادق والباب صادق فيما ادعياه من ارسال الله اياهما للناس وقد بلغ الآن دين بهاءالله من الانتشار مبلغاً عظيما ،وتبع الإحصاء العالمى وُجد أن البهائية هى ثانى دين انتشاراً فى العالم بعد المسيحية وقد اعترف بها فى كثير من الأقطاررسمياً واعفيت اوقافه من الضرائب. أما ما ادعاه بهاءالله للرسالة فهذا أيضاً معروف وقد مر البحث فيه فانه ادعى الرسالة واستجاب له الناس وصارت له أمة ثابتة على الاستجابة ولها شريعتها وغلب مقاوميه فالدليل بين والصبح مسفر لذي عينين والحجة واضحة وأحقية هذا الدين ظاهرة وانى لأرى يا (ع) ان علينا لزاماً سلوك هذه الجادة واعتناق هذا الدين.

فالرسول الذى يأتى بتشريع جديد فإن كان صادقاً فالله ينصره لا محالة وأما الكاذب المتقول فتموت دعواه وتضمحل كما تقدم ومن ظن أن الله سبحانه وتعالى ينصر المدعى الكاذب كما ينصر المدعى الصادق أو يخذل المدعى الصادق كما يخذل المدعى الكاذب فقد ظن بربه السوء وعليه دائرة السوء جل وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.

س- هل سمعت يا (ع) المناظرة التى جرت بين العلامة شمس الدين بن القيم الجوزية وبين أحد علماء أهل الكتاب فى اثبات احقية دعوة محمد(ص) وكيف أن العلامة شمس الدين بن القيم اثبتها له باستجابة الناس للرسول (ص) وانتصارها على من كذبه وان جلّت حكمته لا يساوى بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة.

ع- كيف كانت القصة؟

س- قد جاء فى كتاب (زاد المعاد) للعلامة ابن القيم عليه الرحمة فى بحث وقد نجد ان مناظرة جرت بينه وبين أحد علماء أهل الكتاب فى أمر النبى (ص) قال بن القيم" فقلت له فى اثناء الكلام ولايتم لكم القدح فى نبوة نبينا(ص) إلا بالطعن فى الرب تعالى والقدح فيه ونسبته إلى أعظم الظلم والسفه والفساد تعالى الله عن ذلك فقال كيف يلزمنا ذلك. قلت بل ابلغ من ذلك انه إذا كان محمد عندكم ليس بنبى صادق وهو بزعمكم ملك ظالم فقد تهيا له أن يفترى على الله ويتقول عليه ما لم يقله ثم يتم له ذلك ويستمر حتى يحلل ويحرم ويفرض الفرائض ويشرّع الشرائع وينسخ الملل ويضرب الرقاب ويقتل اتباع الرسل وهم أهل الحق ويسبي نساءهم واولادهم ويغنم اموالهم وديارهم ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض وينسب ذلك كله إلى أمر الله تعالى له به ومحبته له والرب تعالى يشاهده وما يفعل بأهل الحق واتباع الرسل وهو مستمر فى الافتراء عليه ثلاثاً وعشرين سنة وهو مع ذلك كله يؤيده وينصره ويعلي أمره ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر ،وأعجب من ذلك أنه يجيب دعواته ويهلك اعداءه من غير فعل منه نفسه ولا سبب بل تارةً يستأصلهم سبحانه من غير دعاء منه صلى الله عليه وسلم.

ومع ذلك يقضى له كل حاجة ساله اياها ويعده كل وعد جميل ثم ينجز له وعده على أتم الوجوه وأهنأها وأكملها هذا وهو عندكم فى غاية الكذب والافتراء والظلم فإنه لا أكذب ممن كذب على الله واستمر على ذلك ولا اظلم ممن ابطل شرائع انبيائه ورسله وسعى فى رفعها من الأرض وتبديلها بما يريد هو وقتل اوليائه وحزبه واتباع رسله واستمرت نصرته عليهم دائمة والله تعالى فى ذلك كله يقرء ولا يأخذ منه باليمين ولا يقطع منه الوتين وهو يخبر عن ربه أنه اوحى إليه انه لا اظلم ممن افترى على الله الكذب أو قال اوحى إلىّ ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثلما انزل الله فيلزمكم معاشر من كذبه احد أمرين لابُد لكم منهما أما أن تقولوا لا صانع للعالم ولا مدبر ولو كان للعالم صانع مدبر قدير حكيم لأخذ على يديه وقابله اعظم مقابله وجعله نكالاً للظالمين، اذ لا يليق بالملوك غير هذا فكيف بملك السماوات والأرض وأحكم الحاكمين الثانى نسبه الرب تعالى إلى ما لا يليق به من الجور والسفه والظلم واضلال الخلق دائماً أبد الآباد لا بل نصرة الكاذب والتمكين له من الأرض واجابة دعواته وقيام امره من بعده واعلاء كلماته واظهار دعوته والشهادة له بالنبوة قرناً بعد قرن على رؤوس الأشهاد فى كل مجمع وناد ،فأين هذا من فعل احكم الحاكمين وارحم الراحمين فلقد قدحتم فى رب العالمين اعظم قدح وطعنتم فيه أشد الطعن وانكرتموه بالكلية ونحن لا ننكر أن كثيراً من الكاذبين قام فى الوجوه وظهرت له شوكة ولكن لم يتم أمر ولم تطل مدته بل سلط الله عليه رسله واتباعهم فمحقوا اثره وقطعوا دابره واستأصلوا شأفته.

هذه سنته فى عباده منذ قامت الدنيا وإلى أن يرث الأرض ومن عليها.

قال ابن القيم: فلما سمع منى هذا الكلام قال معاذ الله ان نقول أنه ظالم أو كاذب بل كل منصف من أهل الكتاب يقر بأن من سلك طريقه واقتفى اثره فهو من أهل النجاة والسعادة فى الاخري إلى آخر ما جاء فى هذه المناظرة".

فهذه القصة تدلك على صحة دعوة بهاءالله ودعوة الباب قبله كما تدلك على صحة دعوة محمد(صلعم) وليس ثمّ فرق بين دعوة بهاءالله ودعوة محمد(ص) فكما فعل محمد(ص) فعل بهاءالله غير أن التشريع الذى جاء به محمد (ص) جاء فيه القتال والحرب، والشرع الذى جاء به بهاءالله جاء فيه السلام العام ووضع الحرب كما اقتضته الحكمة الإلهية وقضته المشيئة الرحمانية.

والا فكما نسخ محمد(ص) الشرائع المتقدمة وأتى بشريعة جديدة وأحل الحرام وحرم الحلال وفرض الفرائض وحول الناس من الشريعة التى كانوا عليها إلى الشريعة التى جاء بها فكذلك فعل بهاءالله فكما أن ذلك الفعل كان دليلاً على صحة ما جاء به سيد يثرب والبطحاء خاتم النبيين(ص) كذلك هو دليل على صحة ما جاء به بهاءالله.

ونتابع معكم فى مقالنا القادم-براهين الطريق الثانى...فإلى لقاءنا................


Powered By Blogger