Tuesday, November 30, 2010

خاتم النبيين -هاتوا برهانكم سورة 28, آية: 75


خاتم النبيين -هاتوا برهانكم سورة 28, آية: 75

لقد كُتب هذا الكتاب في المقام الأول للمسلمين ويُرَكّزُ الاهتمامَ على موضوع له أهمية خاصة وعظيمة لهم، ولكن قد يكون الموضوع لا يحمل الأهمية ذاتها لأتباع الأديان الأخرى. فلو كنتَ مسلماً وتعتقد اعتقادًا وثيقاً بـ "عقيدة خاتم النبيين" سوف تجني الكثير من قراءة هذا الكتاب حيث الاعتقاد بأن محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل لهو من العقائد الأكثر أهمية لدى معظم المسلمين.

يكشف هذا الكتاب عن آيات قرآنية عديدة ربّما لم تلاحظها من قبل، فالآيات تبدو للوهلة الأولى غير مستحبة بل ومؤلمة لأكثر المؤمنين لأنها تتحدى أهم عقيدة أو مبدأ فيما بين المسلمين وهي أنه لم ولن يكون بعد الإسلام دين آخر.

فهذا الفصل هو تمهيد للفصول القادمة وفيه نركز على المواضيع التالية:

كيف ينبغي للمسلم الصادق أن يقبلَ معتقداته ويذعن بها؟ هل يكون ذلك من خلال الامتثال والتقيد باتّباع المألوف؟ أو الاقتناع بالحجة والمنطق؟ نظراً للقوة المهيمنة للامتثال في الدين بما هو متبّع من قبل الجميع فقد اختُصَ معظم هذا الفصل لهذا الموضوع.

ما معنى "خاتم النبيين" وما هو مضمونه؟

احترام المنطق (العقل)

والمعرفة

".....قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ "

(سورة 27, آية: 64)

خلافا لما يفترضه كثيرٌ من الناس فإن القرآن الكريم يشجعنا مراراً على أن نكون موضوعيين وأن نبحث عن الحقيقة ولا نقبل الأفكار الموروثة بدون اختبارها بالحجة والعقل. تأملوا هذه الآيات:

"وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً " (سورة 17, آية: 36).

".....وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ " (سورة 24, آية: 15).

"بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ....." (سورة 30, آية: 29).

تفكر الآن في هذه الآية:

"وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ". (سورة 10, آية: 100).

ما هي عاقبة الذين يهملون التفكير والمنطق حسب الآية السابقة:

لا يمكنهم أن يدركوا ويتبينوا الحقيقة.

يضع الله العوائق أمامهم فيظلمون أنفسهم ويُحرمون من دخول ملكوته.

تأملوا الندم والأسف الذي يُعبِّر عنه أهل جهنم :

الآية التالية تصف ما يقولونه وهي كافية لإيقاظ كل نفس من نوم الغفلة، وتبين لنا النتائج الوخيمة للّذين لا يعقلون, أي يخفقون في استخدام أكثر النعم الإلهية قيمةً للإنسان ألا وهو العقل.

نظراً لأن الاخفاق في استخدام عقولنا أمر خطير جداً دعونا نرى الآية التالية:

"وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ " (سورة 67, آية: 10).

إن مضمون الآية السابقة واضح جداً، لن نكون في عداد أهل النار "لو كنا نسمع سماع مَن يطلب الحق, أو نفكر فيما نُدْعى إليه" (التفسير الميسر للمصحف الرقمي) إننا نستعمل المنطق في كل أوجه حياتنا فيما عدا مجال الدين. فلماذا هذا الاستثناء؟ لماذا يتبع العباد معتقدات أسلافهم لآلاف السنين دون تحقيق؟

إن الكثير من البؤس والشقاء في العالم ينتج وينبثق من هؤلاء الملتزمين الذين يتبعون جماهير الناس بدون تفكير والذين بدورهم يتبعون ساداتهم والذين هم من خدّام السلطة والغرور. إن الله يزدري هؤلاء أيّاً كان جنسهم، لونهم، ملتّهم،عِرّقهم أو دينهم.

"وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ". (سورة 8, الآية: 21 و 22).

"أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ". (سورة 13, آية: 19).

أنظر أيضاً :سورة 10,آية: 24; سورة 20, آية : 54; سورة 38, آية :29; سورة 21, آية: 45.

يشير القرآن الكريم إلى المؤمنين الّذين لا يبحثون عن الحقيقة ومقتنعين بالافتراضات والظنون:

"وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ " (سورة يونس آية: 36)

انظر أيضًا:

سورة 6, آية : 116 ؛ سورة 45, آية: 23 ؛ سورة 10, آية: 66.

يطلب الخالق منّا الاعتماد على العقل وأن نحضر دليلنا لصحة ما ندّعيه، فيقول: " هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ " (سورة 28, آية: 75).

يتَّبع هذا الكتاب ما أمرنا به القرآن الكريم. فيقدّم كل الحجج والبراهين العقلية والمراجع القرآنية وهو البرهان على صحة المُدعىٰ. فهل هناك أي ضرر من المعرفة والدراية؟!

" رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا " (سورة 20, آية: 114).

".... هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ" (سورة 39, آية: 9).

أنظر أيضًا :

سورة 13, آية: 16.

"..... هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ "؟ (سورة 6, آية: 50).

إن هدف هذا الكتاب هو مساعدة القارئ على ازدياد معرفته وإدراكه لمعاني الآيات القرآنية. كما نعلم إن القرآن الكريم شامل لكل شئ ويشير في عديد من الآيات على مجئ رسل من عند الله في المستقبل، فكيف يُمكن تجاهل موضوعٍ بهذه الأهمية والذي يحمل عواقب لا يمكن تصورها ؟! سوف نرى أن القرآن الكريم وهو مرجع لمواضيع كثيرة، وموسوعة لكل شيء لم يتجاهل هذا الموضوع فقد ذكر أن فيه تفصيل كل شيء قال تعالى:

"...... وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ ......" (سورة 12,آية: 111).

".... مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ .........." (سورة 6,آية: 38).

هل قراءة كتاب خاتم النبيين سوف يقوِّض إيمانك بالقرآن ؟ لا بل إنه سوف يساعدك لكي تزداد إيماناً وحباً لله . إن قراءتك للكتاب ستُثري وتُغني حياتك الروحانية وتقدم لك الجواهر النفيسة التي لم تلاحظها في ذلك الكتاب الجليل (القرآن). وباكتشافك لمثل هذه الجواهر في كتاب الله تستطيع أن تقوّي وتدعّم إيمانك فتصبح مؤمناً حكيماً ومنطقياً بدلاً من أن تكون تابعاً ومقلّداً للعموم ومطيعاً للأغلبية. وإن المعرفة التي يحتويه هذا الكتاب ستكون لها نتيجتان متضاربتان فإنها سوف :

تزيد من اعجابك بالقرآن الكريم للغاية.

تقلل من ثقتك بهؤلاء الذين يحترمون الأفكار الموروثة أكثر من احترامهم للحقيقة ويتبعون التقاليد أكثر من اتباعهم للمنطق أي أنهم يتبعون الظن والافتراض كما جاء في القرآن الكريم:

" وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا". (سورة 53, آية : 28.

"..... إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ........" سورة 10 آية: 66.

أنظر أيضًا: سورة 6, آية: 116.

إن قراءة هذا الكتاب ستزيد من اعجابك وتقديرك للقرآن الكريم أكثر من أي وقتٍ مضى. وستكتشف أن في أعماق بحرالآيات التي تبدو من أوّل وهلة بسيطة وغالباً غير مترابطة, تكمن لئالئ لا تعد من المعرفة والحكمة والتي ستظل وتبقى بعيداً عن متناول عقول أعظم المفكّرين. فقط أولئك الّذين في استطاعتهم الغوص إلى أعماق ذلك المحيط بإمكانهم أن يطّلعوا على الأسرار الخفيّة والجواهر البديعة للعلوم والمعارف الإلهية المخزونة في تلك الآيات.

إن القرآن الكريم هو أكثر الكتب السماوية تقدّمًا في التصريح بأن المنطق والدليل يجب أن يتغلب على التقليد الأعمى ومتابعة الأغلبية حيث يحثنا الخالق بالتفكر والتمعن في جميع الأمور ومن أهمها أن نتبيّن أي خبر حتى لو كان من رسول ليس بحقٍ وغير جدير بالثقة لأنه من الواجب علينا التحقيق في النبأ خشية أن نصيب قوم برآء كما جاء في الآية التالية:

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ". سورة 49, آية: 6.

وحتى نصل إلى الرأي الصائب السليم، يوصينا القرآن الكريم بالاستماع النقدي الحر والمجرد والمنزه إلى جميع الآراء ومن ثم اختيار الرأي الصائب:

".........فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ". سورة 39, آية: 17-18.

أنظر أيضا:

سورة 22, آية: 24.

إن معظم الناس – أيًّا كان دينهم – يتعلمون ويقبلون معتقدات أسلافهم كما لو كانوا يتعلّمون لغتهم الأم. فهكذا نجد أن الأطفال المسلمين هم لآباء مسلمين، وأطفال اليهود هم لآباء يهوديين ، وأطفال المسيحيين هم لآباء مسيحيين، وأولاد الملحدين هم لآباء ملحدين أيضًا. يبين لنا التاريخ أنه عندما يتعلق الأمر بالمعتَقَد والإيمان تكون الموروثات والتقاليد لها تأثيرها الجدير بالملاحظة. فقليل من المؤمنين يبحثون ويُحقِقون في معتقداتهم الموروثة. إن الآيات التالية لدليل على ذلك:

" وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ". (سورة 31, آية: 21)

أنظر أيضًا:

سورة 10, آية: 78.

" إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ " سورة 53 آية: 23.

إنه من الأفضل قبل قراءة الفصل القادم أن نمتحن معلوماتنا عن عقيدة "خاتم النبيين" بالرد على الأسئلة التالية:

• هل تعتقد أن الإسلام هو آخر دين من عند الله؟ وإذا كنت تعتقد ذلك، كيف وصلت إلى هذا الاعتقاد؟.

• هل سبق لك أن بحثت وقمت بالتحقيق في معنى "خاتم النبيين"؟

• ما ذا يعني لك ذلك العنوان؟ وكيف تربطه بالاعتقاد والإيمان بأن سيدنا محمد هو خاتم النبيين؟

• هل سألت أحداً ما , ما هى الصلة بين كلمة "خاتم" وكلمة "آخر"؟

• هل تعرف الفرق بين كلمة "خاتَم" وكلمة "خاتِم"؟

• هل فكرت لماذا قيل عن سيدنا محمد أنه "خاتَم" وليس بـ "خاتِم"؟

• هل هناك آية أخرى في القرآن الكريم تصف سيدنا محمد بأنه آخر الأنبياء؟

• هل سمعت أو عبّر لك أي شخص عن شكوكه بشأن مدى دقة الاعتقاد بأن : سيدنا محمد هو آخر رسل الله؟

• هل قرأت في القرآن الكريم عن أي آية تشير إلى مجيء رسول جديد من عند الله؟

إن الإستفسار عن أو التأمل في الأسئلة السابقة سوف يُعزز بصيرتَك فيما يتعلق بهذه العقيدة الهامة العظيمة ويُهيؤك ويُعِدُّك لما هو آتٍ. فلكي تستفيد من هذا الكتاب يجب أن تكون محايداً وبمعزلٍ عن المعتقدات الموروثة تماماً. عليك أن تفكر في الدلائل مثل القاضي أو أعضاء هيئة المحلّفين دون التعلّق أو التمسّك بمفاهيم شخصية سابقة.

ونتابع معاً........................


Monday, November 22, 2010

محمد: خاتم النبيين!!


كتاب بين يدي

محمد: خاتم النبيين!

للدكتور محمد ابراهيم خان

سوف نتناول معاً كتاب خاتم النبيين ونقف على المعنى الحقيقي لمعاني الكلمات التي وردت بالآيات الكريمة بالقرآن الكريم وحار فيها العلماء في الدين-فكونوا معي كي نقف على المعنى الصحيح وما يقبله العقل وبما آتت به الآيات الكريمة-سيكون لقاءنا من خلال مقالات اصدرها من هذا الكتاب الذي بين يدي.

خاتم النبيين

ماهو المعني الحقيقي لهذه العبارة؟

"وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى". (سورة النَّجم آية 39).

"وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ". (سورة العنكبوت آية 6).

"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ".. (سورة العنكبوت آية 69).

المقدّمة

لا يمكننا الإنكار بأن البيئة التي نعيش فيها لها دورٌ كبير في التأثير على المعتقدات والتقاليد والعادات وتوجيهها. فلذلك نجد أن الأغلبية الساحقة من المسلمين والمسيحيين واليهود والهندوس يتبعون معتقدات أجدادهم.

فكل ما قيل لنا منذ الطفوله كان منطلقاً لتوجيه معتقداتنا وآمالنا – أي رؤيتنا للواقع. فلو وُلِد طفل لعائلة مسيحيّة متشدّدة وقيل له طوال حياته بأنَّ المسلمين ليس لهم "خلاص" وأن كل صلواتهم لله غير مقبوله لأن إلاههم ليس هو الرّب الحقيقي، فهل في مقدور هذا الشخص أن لا يصدّق والديه أو راعي الكنيسة!.

ولنتطرق الآن إلى موضوعنا الأساسي. ماذا سيكون رد فعل الشخص الذي عاش طوال حياته بفكره الموروث بأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء ولن يأتي رسول آخر من بعده. ثم نقول له اليوم بأن القرآن الكريم يتنبّأ بمجئ رسول جديد بعد سيدنا محمد؟ فهل سيكون هذا الشخص أكثر تفهماً وتقبلاً لنبأ ظهور رسول جديد؟ هذا الكتاب سوف يُظهر لنا بوضوح بأن خطأ التفسير لمفهوم كلمة واحدة – خاتم – كان سببًا في جمود مُفرط وغير مرن للفكر فأصبح كالجبل الثابت. ولكن بقراءتك لهذا الكتاب سوف ترى بأن هذا الجبل يتوارى ويتلاشى تدريجيّا! وعند انهيار الجبل سوف تظهر لك جواهر نيّرة بديعة – كنوز ظلّت محتجبة عن المسلمين جميعاً والسبب هو فى أحرف قليلة لا تتعدى الأربعة والتى تتكون منها كلمة (خاتم) – خ ا ت م – جرفت بنا ونالت منا حتى هذا العصر!

من المؤكد أن بعض المسلمين يرفضون وجود هذه الجواهر، ذلك لأن الفكرة في وجود رسول بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مرفوضة تماماً بالنسبة لهم. كما نجد أن البعض الآخر منهم يرون البهجة والسرور في اكتشاف هذه الجواهر المخفيّة. فهكذا منذ البدء كان الاختلاف في المفاهيم موجود بين العباد وسيظل إلى الأبد، فهذه سُنة الله ولن تجد لسنته تبديلا ولا تحويلا.

لمعرفة المفهوم الحقيقي لعبارة أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو : خاتم النبيين, نجد بأن هذا السياق يرتكز على أساسين من الدلائل:

▪ حكم المنطق

▪ تعاليم القرآن الكريم

إن كلا الاتّجاهين مطلوبان لمعرفة المعنى الحقيقي لـ "خاتم النبيين"، فكما أن الصورة المقطّعة إلى أجزاء صغيرة، حينما يجتمع كل جزء منها مع الجزء المناسب له تظهر الصورة مكتملة الشكل فى النهاية وندرك ما فيها، كذلك حين نقوم بالتأمل في الآيات القرآنية ونقوم بنظرة شمولية فسوف تَكشِفُ لنا هذه الآيات عن المعنى الحقيقي والمراد من عبارة خاتم النبيين. فماذا يمكن أن تخسر إذا وصلتك رؤيا ومفهوم جديد فى الآيات القرآنية عن موضوع "خاتم النبيين" ؟ هل ستُضعِف هذه النظرة الجديدة إيمانك؟ لا! على العكس، ستقوى وتتّسع معرفتك وتقديرك وإيمانك بكتاب الله العظيم ألا وهو القرآن الكريم.

سوف نجد أن بعض الآيات القرآنية، مع الأسف، لم يُفهَم معناها الحقيقي وأُسيء تفسيرها. ألم يكن هذا هو الوضع مع جميع الكتب السماويّة الأخرى؟ ألم يسيء اليهود تفسير التوراة؟ ألم يسيء المسيحييون تفسير الإنجيل؟ إذًا فماذا يمنع المسلمون من الوقوع في الخطأ نفسه؟ هل من المعقول أن نغلق أذهاننا عن أفكار وآراء جديدة تُعرَض علينا؟ هل من الممكن أن نتغاضى عن هذه الآية من القرآن الكريم:

فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ. " (سورة 39, الآية: 17-18).

لماذا لم يعترف المسيحييون بأن الإسلام رسالة سماويّة؟ إذا طبّقوا الآية السابقة واستمعوا إلى رسالة سيدنا محمد(ص) فسوف يعترفون بأنها رسالة سماوية.

لماذا ينقسم الإسلام إلى سنّة وشّيعة وفرق متعددة ؟ هل درسوا عقائد بعضهم البعض بعقل متفتّح؟ هل سيظلّون منقسمين إذا اتبعوا المعنى الصحيح الصائب لأحكام القرآن الكريم؟!

ما هي الديانة التي يتبّعها معظم الناس؟ ألم تكن هي ديانة آبائهم؟ إذا كنت مسلماً، فاسأل نفسك هذه الاسئلة: ما هي نسبة إمكانية أن أكون مسلماً إذا ولدتُ لأب حاخام يهودي في اسرائيل، أو لمبشّر مسيحي في تكساس، أو لأب شيوعي في روسيا، أو لملحد في الصين؟ وما هي نسبة إمكانية البابا أن يكون مسيحيّا إذا ولد لعائلة مسلمة في مكّة أو عائلة هندوسية في بنجلور؟

يعلمنا القرآن الكريم – أعظم كتاب للمعرفة والحكمة الإلهية – ألاّ نتّبع أي معتقدات ببساطة وذلك لأنها معتقدات أبائنا:

" وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ " (سورة 34, آية: 43).

"إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ". (سورة 37, آية:69،70).

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ " (سورة 2, آية 170).

تأمل أيضاً الآيات التالية:

سورة 43, آية: 22؛ سورة 5, آية: 104 ؛ سورة 11, آية: 62, 87 ؛ سورة 10, آية: 78.

"وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ " (سورة 26, آية: 5).

" وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى .....".(سورة 35, آية: 18).

تأمل أيضاً الآيات التالية:

سورة 7, آية: 39 ؛ سورة 53, آية: 38-39 ؛ سورة, 39 آية: 7-41.

ما هي العقبات التي تواجهك عند محاولتك إثبات أن الدين الإسلامي هو دين سماوي لشخص مسيحي ؟ ألا تكون إجابته لك حسب التعاليم الدينية والمعتقدات التي توارثها من آبائه وراعي الكنيسة؟ ألا يحمل كل شخص منا مثل هذا الموروث؟ هل في استطاعة أي شخص الادّعاء بأنه ليس مقيداً بموروثه؟

إن الآيات القرآنية التي استشهدنا بها، إضافة إلى معتقداتنا وتجاربنا في تبليغ ديننا إلى أتباع الأديان الاخرى، كل ذلك يعلمنا درساً نعرفه بإحساسنا الروحي، حتى لو حاولنا إنكاره أحياناً، وهو أنه لا يمكن إضافة نقطة واحدة لكوب ممتلىء بالماء أو طافح بما فيه. ولكي نكون منصفين في رأينا لهذا الموضوع الهام أي مفهوم عبارة "خاتم النبيين" – من الواجب علينا أن نضع جانباً كل ما تعلّمناه وتوارثناه من الماضي. وأن لا نسمح لآرائنا السابقة إجحاف عقولنا وقلوبنا بما سوف نقدّمه من وقائع وحقائق في هذا الكتاب. وعلينا أيضاً أن نبدأ بحثنا بقلوب صافيه مجردة ،كالقاضي أو هيئة المحلّفين،. فإذا بدأنا بحثنا بمخزوننا من التصورات والانطباعات السابقة فسوف يكون كل ما عرفناه في الماضي هو شيء مسلّم به، ومن المستحيل الوصول إلى الحقيقة.

إن الناس في جميع العصور كانوا يكرهون الحقيقة، فهل عصرنا هذا مستثنى من ذلك؟

"لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ". (سورة 43, آية: 78).

إن كل فصل من هذا الكتاب مثل قطعة من الصورة الكاملة(puzzle) ـــ المجزءة إلى قطعٍ أصغر والتي لا تكتمل دلالتها إلا عند اكتمالها ـــ ولكي ترى الصورة بأكملها يجب عليك إرجاء الرأي إلى أن تنتهي من قراءة كل الفصول، عندها ستشهد ظهور السر العظيم للقرآن الكريم فتستطيع حينها أن تقرر ما إذا كان هذا الكتاب يستند على وقائع متينة أم مبني على مجرد خيال.

وكونوا معي في أول مقال قادم من الكتاب كي نقف على المعنى الصحيح....................................


Friday, October 29, 2010

في عمر نوح عليه السلام


س السائل- عن اعتقادنا في عمر نوح عليه السلام، هل هو كما نزل في القرآن الشريف عاش تسعمائة وخمسين عاما أو له معنى آخر.

(الجواب)

اعلم أيها السائل الفاضل يسّر الله لنا ولكم الوصول الى أقرب الوسائل وأتقن الدلائل، أن لأهل العلم في أمثال هذه المسائل نظرين، ديني وعلمي.

(أما النظر الديني) فمعلوم أن كل من اعتقد بحقية رسالة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وأن القرآن الشريف كتاب الله الذي نزل من السماء اعتقد بالضرورة بصحة جميع ما ورد في هذا الكتاب الكريم وصدق ما نزل في هذا السِفر العظيم سواء كان قريباً من أفهام الناس أو بعيداً عنها ما لم يحكم العقل الصريح باستحالته ولم يقم قاطع البرهان على امتناعه. ومن له أدنى إلمام بالأدلة العقلية والقياسات المنطقية يعرف بالبداهة أن غاية ما ينكرونه في مسألة طول أعمار الأقدمين إنما هو من قبيل الاستبعاد العادي لا الاستحالة الحقيقية والامتناع العقلي، إذ لم يقم أدنى دليل قطعي على استحالة طول الأعمار أكثر مما هو مألوف في هذه الأعصار. خصوصاً في أهل الأزمان القديمة والأعصار الغابرة التي انقطعت يد الكشف والاستقصاء عن تحقيق أحوالهم ومدد أعمارهم بسبب انقطاع تاريخهم ومحو آثارهم. والعاقل اللبيب بمجرد الاستبعاد لا يحكم بخلاف ما نزل به القرآن الشريف وصرح به الكتاب المجيد، إنه لقول فصل وما هو بالهزل.

(وأما النظر العلمي) فمعلوم أن العالم المحقق لا يذعن لأمثال هذه المسائل إلا بعد معرفة مصادرها ومقدار إمكان الوثوق والاعتماد عليها. ومن المعلوم أن التواريخ القديمة المنبئة عن كيفية ابتداء الخلقة ليست إلا أربعة تواريخ مما تعتبره الأمم الكبيرة وتستمد من مصادرها الملل العظيمة. وهي تاريخ البوذية (أهالي الصين) وتاريخ البرهمية (سكان الهند) الأصليين، وتاريخ الزردتشتية (أمم الفرس الأولى والأكاسرة العظمى) وتاريخ العبرية، أي اليهود ومن اعتبر صحة رسالة موسى. ومن عجيب ما ينتبه اليه المتبصر أن هذه التواريخ المذكورة مع اختلاف مفاهيمها اختلافاً لا يرجى جمعها وتطبيق بعضها على بعض وبعد مشارب أهلها والتفاوت الفاحش في أزمانها والاختلاف الواضح بين الأسماء والحوادث المذكورة فيها، اتفقت في مسألتين وهما طول أعمار الأولين طولاً مفرطاً عما هو معهود في أعمار الآخرين ومزجها بحكايات أشبه بالأقاصيص الخرافية عند المحققين وبمعميات وأحاجي ورموز عند المعتدلين.

أما تواريخ البوذية والبرهمية والزردشتية فلا يوجد فيها ذكر من آدم وحواء ولا شيت ونوح وأمثالهم ولا قصصهم ووقائعهم ولا ما يقارب هذه الاسماء، بل وردت كل هذه الأسماء في تاريخ العبريين فقط ومنهم انتقلت الى الأمة النصرانية والملة الاسلامية. ولما صح عن النبي عليه السلام أنه قال (بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب الناس على قدر عقولهم) وكذلك (حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله) كما نقله القاضي العلامة محمد ابن أحمد بن رشد الأندلسي في كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملّة عن البخاري، فلا يمكن للعالم المحقق والحالة هذه أن يستمد في المسائل التاريخية عن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ومن المعلوم أن الأنبياء ومظاهر أمر الله عليهم السلام بعثوا لهداية الأمم وتهذيب أخلاقهم وتقريب الناس الى مرجعهم ومآبهم وما بعثوا مؤرخين أو فلكيين وفلاسفة وطبيعيين فان شؤونهم في عالم الخلق كشأن القلب في عالم البدن شأن كلي وأثر عام. وشؤون العلماء في عالم الملك كشأن العضو المعين بين الأعضاء شأن خاص وأثر مخصوص. ولذلك تساهل الأنبياء عليهم السلام مع الأمم في معارفهم التاريخية وأقاصيصهم القومية ومباديهم العلمية، فتكلموا بما عندهم وتفاوضوا بما يلائمهم وستروا الحقائق تحت أستار الإشارات وخدّروا حوريات المعاني في قصور الآيات وأسدلوا عليها ستائر بليغ الاستعارات، فلا يشك عاقل إذاً أن ما ورد في القرآن المجيد والفرقان الحميد من كيفية بدء الخلقة ومناظرة الملائكة وقصص آدم وشيطانه ونوح وطوفانه كلها حقائق تخبر عما يتجدد في مواعيد تجدد العالم ويتحقق في مواقيت انقضاء آجال الأمم بظهور الحقيقة المقدسة الأولية وتجدد الشرائع الإلهية. فلا يجوز للمؤرخ من حيث العلم أن يعتمد على ظواهر هذه الآيات إذ لا يمكنه سد باب الاحتمال الراجح أن تكون لها معان عالية وتأويلات سامية غير ما هو مفهوم من ظواهرها ومسموع من مصادرها. وليس احتمال تأويل الآيات من شذوذ التصورات أو نوادر الاحتمالات حتى لا يعبأ به أرباب الفضل ولا يعتني به أهل العلم بعدما نزل في الكتاب المجيد (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) وجاء في القرآن الحميد (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)، وبعد ما صحّ من الأثر الشريف واستفاض من السنّة المأثورة أن لآيات القرآن بطونا غامضة عميقة وتأويلات عالية دقيقة عرفها أهله وأدركها حملته منَّ الله بكشفها على عباده الثابتين وأرقائه المخلصين. وليس المراد من التأويل إلا المعاني الأصلية المقصودة مما ستره الله تعالى في بطون الآيات وأخفاه تحت ستائر الاستعارات. وليس هذا من شأن البشر حتى يخوض في غماره كل جاهل ويفسر الآيات برأيه كل خامل كما فعله بعض الجهلة بغرورهم وضلوا وأضلوا كثيراً بتفاسيرهم وأبعدوا الناس عن معين الحياة وأخفوا عنهم سبيل النجاة. بل هو من شؤون مظهر أمر الله ومنجز وعده كما صرح به في الكتاب حيث قال (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)(1).

فاذا ثبت أنه لا يمكن للمؤرخ أن يستمد في معارفه التاريخية من ظواهر آيات القرآن ولا ذكر لنوح وأمثاله في سائر التواريخ القديمة، فلا يبقى إذاً بين يدي المؤرخ إلا التوراة وسائر الكتب من العهد العتيق. والناقد البصير إذا أمعن النظر في هذه الكتب المقدسة مجانباً أمياله المذهبية والتقاليد والآراء الملفقة القومية يرى فيها قسمين مفروزين من التعليمات جديرين بمزيد التوجه والالتفات.

(القسم الأول) ما نسب في الكتاب بأنه من الله وتكلم به الله أو أنزل من لدى الله. وفيه الأحكام والحدود والشرائع والسياسات والأخبار عن الأمور الآتية من قبيل الانذارات والبشارات، وأعظم هذه بشائر ورود (يوم الله) وآثاره وآياته وعلائمه واشراطه مثل الكلمات العشر في أصل التوراة والنشيد والبركة الواردة في أواخر سفر التثنية وزبور داود وكتاب أشعياء النبي وكتب يرميا ودانيال وحزقيل وزكريا وغيرهم من أنبياء بني اسرائيل. ومن أوتي بصيرة من الله وموهبة المعرفة والتمييز بين تصانيف البشر وآيات الله يعترف بأن هذه الكتب كلها آيات إلهية وكلمات سماوية وبشائر ونذر ربانية توقد وتضيء وتتألق من الشجرة المباركة الموسوية كسراج منير في الليلة الليلى أو كنجم بازغ من السماء القصوى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسيلحق تفسير هذه الآية الكريمة في آخر الكتاب ويجب أن ينتبه اليه فانه في غاية من النفاسة.

(والقسم الثاني) ما يخبر عن الأمور التاريخية من كيفية ابتداء الخلقة وانشعاب القبائل وانبثاث الخلق على وجه الأرض وتاريخ حياة الأنبياء وحوادث أيامهم وتعداد الملوك ووقائع دولهم، كالتورايخ الواردة في الأسفار الخمس من ابتداء خلقة آدم الى وفاة موسى عليه السلام وكتاب يوشع وكتاب القضاة وكتابي الصموئيل وكتابي الملوك وكتابي أخبار الأيام وكتاب عزرا وكتاب نحميا وأمثالها من كتب المؤرخين. وهذه الكتب ليس فيها تصريح أو تلويح أو أدنى إشارة بأنها وحي سماوي أو كلام أو إلهام إلهي، فلا يجوز على المؤرخ أن يعتمد عليها ويجزم بصحة ما ورد فيها، ويحلها محل الوحي السماوي إلا إذا عرف مصنفي هذه الكتب، ومن يعرف مقدار اختلاف العلماء في تعيين مصنفي هذه الأسفار والأدلة التي اعتمد كل فرقة منهم عليها في رأيه واعتقاده، يعرف عدم جواز الركون والاعتماد على صحة ما ورد فيها. ومن الحماقة أن يعتمد العاقل الناقد على كتاب لا يعرف بالتحقيق مصنفه ويحسب وحياً إلهياً وكلاماً سماوياً ما لم يتعين بعد الفحص والتدقيق مصدره ومؤلفه. مثلا إذا تصفحنا أقوال كبار العلماء في تعيين مصنف الأسفار الخمس أصل التوراة وأساس التواريخ العبرية، نرى ثمة إختلافاً كبيراً لا يرجى بالكشف والاستقصاء زواله ولا ينتهي الى ركن وثيق غايته ومآله، فان كثيراً من العلماء اعتقدوا بأن مصنف هذه الأسفار هو موسى عليه السلام، ولكن يكذبهم ويذهب بقيمة رأيهم ما ورد في آخر هذا الكتاب من ذكر وفاة موسى وكيفية إقامة بني اسرائيل مناحة له بعد وفاته. وثمَّ شواهد أخرى تدل دلالة واضحة على أنها صنفت بعد وفاة موسى بمدة غير وجيزة وبعضهم ذهب بلا دليل يركن اليه الى أن الفصلين الأخيرين من سفر التثنية من تصانيف يوشع بن نون فإنه صنفهما وأضافهما على الأسفار الخمس التي صنفها موسى تتميماً لمصنفاته وتكميلاً لتاريخ حياته وتوضيحاً لحال الشعب بعد وفاته. وبعضهم قال أن هذه الأسفار من مصنفات يرميا أو أحد غيره من أنبياء بني اسرائيل. وهذا القول أيضاً كأقوالهم السابقة لا يخلو من ضعف التعليل أو فقدان الدليل. وجماعة من المحققين ذهبوا ولعلهم أصابوا (إذ لا يخلو هذا القول من قوة نوعاً) الى أنها من تصانيف عزرا الكاهن الذي عبر عنه في القرآن الشريف بعزير. فإنه بعدما رجع القوم من جلاء بابل بأمر الملك الكبير أردشير وبنى القدس الشريف وجمع شمل اليهود وأحيى بيت داود، طلب الشعب منه نسخة التوراة وكان عزرا رجلاً فاضلاً، وكاتباً ماهراً، وكاهناً ديناً، تعلم في مدينة بابل في مدارسها الكبيرة، وحاز معارفاً واسعة وفنوناً نافعة على مقدار ما بلغت سعة المعارف في تلك الأوقات فإن مدينة بابل إذ ذاك كانت موئل المدنية ومشرق أنوار العلم والحكمة، فكتب عزرا إجابة لطلب الشعب كيفية إبتداء الخلقة وتفرق النسل وانشعاب القبائل وانبثاث الخلق الى وفاة موسى عليه السلام في خمسة أسفار وأدرج فيها ما أوحي الى موسى من ربه وما شرع موسى (او يوشع كما يشهد به بعض عبارات السفر)(1( لانتظام أحوال شعبه.

فإذا علم بالاجمال أن قصص نوح وأمثاله لم تذكر في تواريخ الملل الكبيرة العتيقة، مثل الأمم الصينية والفارسية والهندية، ممن لا يهان بسعة معارفهم وقدم تمدنهم وتقادم عهدهم ووسعة ممالكهم وانتشار مآثرهم، ولا يعلم بالتحقيق مصنف الأسفار الخمس العبرية. وعلم أيضاً أن سيدنا النبي وسائر الأنبياء عليهم السلام كانوا لا يناقشون الناس في عقائدهم التاريخية، وكانوا يتكلمون معهم بما عندهـــم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أي اصحاح 24 من سفر يوشع.

من المعارف الموروثة القومية. علم بالضرورة أنه لم يبق مجال لأهل الاجتهاد والتحقيق أن يبتّوا رأياً في هذه المسائل من جهة العلم. فإذا سدًّ طريق الاجتهاد فما بقي ثمة إلا وجهة الدين والاذعان التعبدي لظواهر ما ورد من الأنبياء والمرسلين.

ومن المدهشات التي تحير العالم الفاضل، وتجلب نظر الفطن العاقل، وتسيء الظن بما كانوا يحسبونه من المسلميات وتوجب على المؤرخ غاية الدقة في الكشف والاستقصاء حتى على ما يعدونه من البديهيات. إنه الى يومنا هذا ما وجدوا في الآثار العتيقة المصرية ما يدل أدنى دلالة على كون بني اسرائيل في مصر وقيام موسى عليه السلام بينهم بالرسالة، وطلبهم النجاة من ظلم الفراعنة بزعامته، وهجرتهم الى بر الشام تحت رايته، وهم قوم حربيون يعد المحاربون منهم ثمانمائة ألف أو يزيدون، فاتبعهم فرعون بجنوده، وغرقوا في البحر بكفرانه وجحوده. مع أن الآثار العتيقة المصرية كما يعرفه أهل العلم اكتشفت بها في هذا القرن من التورايخ الصحيحة ما أخنى عليه الدهر وأخفاه مدة مديدة تحت حجاب كثيف من الستر حتى محي ذكرها من الكتب والأسفار وتتابعت عليها القرون والأدوار الى ان أحياها الله في هذا العصر المجيد الذي هو عصر ظهور الأسرار وطلوع نور الأنوار، وزوال الظلمات المتراكمة الحائلة دون الأنظار. فقام جماعة من أفاضل الغربيين واكتشفوا من تلك الآثار العتيقة حقيقة تاريخ المصريين، فظهرت أسماء ملوكهم وفراعنتهم وأفعالهم وأحوالهم وعدة بيوتهم وعائلاتهم وديانتهم وعاداتهم وآلهتهم ومعبوداتهم. فأحييت تلك الآثار للفراعنة ذكراً صريحاً ورتبت لدولهم ترتيباً صحيحاً ومهدت للتاريخ دوراً جديداً وأسست للعلم أساساً سديداً. وكل هذه الآثار العتيقة ورمم الفراعنة وجثثهم المحنطة موجودة ومحفوظة في متحف مصر وبقايا هياكلها العظيمة تشد عليها الرحال ويقصدها أفاضل الرجال من أقطار أوربا وأمريكا لكشف المعارف التاريخية وزيارة المعالم المصرية، وما وجدوا بعد ما يصحح أخبار توراة من قصص موسى وهارون ويوشع وأحوالهم فكيف من تقدمهم من آدم وشيت ونوح وأمثالهم، فتحير المعتقدون بتاريخ التوراة في كيفية تدارك هذا الخلل الكبير، وهالهم اختلال أساس هذا التاريخ الخطير، إذ لا يعقل أن المصريين الذين رسموا على الأحجار جميع وقائعهم الكلية والجزئية ونقشوا في الصخور كل ما حدث في مصر من الحوادث الملكية والدينية، كيف أعرضوا عن ذكر تلك الأمور الهائلة الجسيمة من قيام موسى عليه السلام وإظهاره الآيات العجيبة وغرق فرعون وجنوده الجرارة الكثيرة، فمنهم من هو واضع كف الحيرة تحت ذقنه يتفكر بعد في التطبيق والتدقيق لعله يجد طريقاً يأول الى التصحيح والتوفيق. والله تعالى أعلم بما ينتهي اليه أمر المكتشفين والمنتظرين، وفي ذلك كفاية للمتبصرين.(ابو الفضائل- كتاب الدرر البهية)


Powered By Blogger