Friday, September 24, 2010

معنى الملائكة في الآية الكريمة النازلة في سورة المدثر


معنى الملائكة في الآية الكريمة النازلة في سورة المدثر

{ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا }

فاعلم أن لفظ الملك واحد الملائكة والملائكة في اللغة العربية توافق لفظًا ومعنى ما في اللغة العبرانية حيث أنها مأخوذة من الأصل السامي الذ منه اشتقت اللغات السريانية والعبرانية والعربية والآشورية والكلدانية وهو يفيد معنى المالكية والاستيلاء على شيء فكما أنه أطلق لفظ الملك والملائكة في الكلمات النبوية المحفوظة في الكتب السماية على النفوس القدسية والأئمة الهداة لخلعهم ثياب البشرية وتخلقهم بالأخلاق الروحانية الملكوتية فملكوا زمام الهداية وصاروا ملوك ممالك الولاية كأهنم أعطوا سلطة مطلقة في سعادة الناس وشقاوتهم وهدايتهم وضلالتهم وهذا هو معنى الولاية المطلقة التي جاءت في الأخبار ولذا سمي سيد الأبرار وأمير الأبراربقيم الجنة والنار كذلك أطلق هذا اللفظ في الكلمات النبوية على رؤساء الأشرار وأئمة الضلال حيث أنهم قادة الفجّار يقودونهم إلى النار ولذا أطلق عليهم لفظ الملائكة كما أنه أطلق عليهم لفظ الأئمة في قوله تعالى { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } وفي الكتب المقدسة العتيقة أيضًا أطلق لفظ الملاك والملائكة عليهم كما جاء في سفر الرؤية في الإصحاح التاسع بعد إخباره عن ظهور الخلافة الجائرة الأموية والمملكة العضوضية المروانية في الدورة الإسلامية بقوله ( ولها ملاك الهاوية ملكًا عليها اسمه بالعبرانية ابدون وباليونانية ابوليون ) وهذا على حسب الترجمة البروتستانتية * واما على حسب ترجمة اللاتينيين أي الكاثوليك فهكذا ( ولها ملاك وهو ملاك الهاوية اسمه بالعبرانية ابدون وباليونانية ابوليون أي مهلك ) والمقصود هم أئمة الضلال ورؤساء تلك الخلافة الظالمة التي أساءت سياسة الأمة الإسلامية حتى أدت أخرتها إلى الذل والهوان والتهلكة والخسران كما تراه وتعلمه بالمشاهدة والعيان والله تعالى أعلم بما ينتهي إليه عاقبة تلك الأمة الأسيفة والملة الغافلة من غلبة أعداءهم وسوء نية رؤسائهم وجهل أوليائهم وتخاذلهم وخمولهم وغفلتهم وذهولهم مما يبكي العيون ويثير الشجون ويدمي القلوب ويهيج الكروب فلنترك هذا الذكر المحزن والأمر المشجي المشجن ولنرجع إلى ما كنا نتكلم فيه فإن داء هذه الأمة داء أعي كل نبيه وعز دواؤه على كل فطن * وجاء في الآية السابعة من الإصحاح الثاني عشر من هذا السفر أيضًا ( وحدث حرب في السماء ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وملائكته ولم يقودوا فلم يوجد بعد ذلك مكانهم في السماء فطرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان الذي يضل العالم كله طرح إلى الأرض وطرحت معه ملائكته . )

والمقصود بميخائيل هو مظهر أمر الله وبالملائكة أوليائه وأحبائه كما أن المقصود من التنين العظيم والحية القديمة أو الشيطان وملائكته هم رؤساء الظلم وأئمة الضلال وأتباعهم وأشياعهم لأنه روح الضلالة تجلت وظهرت باسم الخلافة الجائرة والملك المعضوض حيث أن رؤساءها قاوموا المظاهر المقدسة وحاربوا العترة النبوية حتى أودت بالأمة الأسيفة إلى الهلاكة الأبدية والذلة الدائمة * أن الديانات كلها أبواب للدخول في جنة رضاء الله تعالى أو أن تشريعها وظهورها كذلك تصير أبوابًا للدخول في جهنم بسخط الله حين نسخها وتغييرها مثلا كما أن الديانة الموسوية وشريعة التوراة كانت بابا للجنة ودخلت منها نفوس كثيرة في حوزة رضاء الله كذلك عين هذه الديانة صارت بابًا لجهنم في ظهور سيدنا عيسى عليه السلام فدخلت منها نفوس كثيرة في نار سخط الله لان اليهود بسبها أنكروا روح الله وخالفوا أمر الله وكذلك الديانة النصرانية كما أن في أول تشريعها دخلت نفوس كثيرة في النار لان النصارى بسببها أنكروا رسول الله وكذّبوا نبي الله ودخلوا في نار سخط الله وهكذا سائر الأديان في سائر الأديان في سائر الأزمان وكما أن الباب صح إطلاقه على الديانات لانها أبواب دخول الخلق في جنة الرضا كذلك أطلق في الكلمات على الأنبياء وكبار الأنبياء بمناسبة المعنى الذي ذكرناه ولذا جاء في زيارة الجامعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام هذه العبارة ( أنتم باب الله المؤتى والمأخوذ عنه )

وإليه أشير في الآية الكريمة { فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه رحمة وظاهره من قبله العذاب } فالمراد بملائكة النار في الآية المباركة هو هذه الرجال من أصحاب الدجال وأئمة الضلال. واما في هذا الدور الحميد والكور المجيد فعدوا أبواب النار ثلاثة وهؤلاء أيضًا ملائكة الجحيم وقادة أصحاب الشمال إلى العذاب الأليم وعلو مقامهم وسمو مراكزهم صار سبب افتتان الجهال وإضلال أصحاب الشمال كما يدلك عليه قوله تعالى

{ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب } وفي كل دور وزمان توجد لكلمات الله تعالى مصاديق يعرفها أهل الإيمان وحملة القرآن ومخازن الحكمة ومطالع البيان حيث أن روحي الهداية والضلالة دائمًا ساريتان في الخلق وينبوع الكفر والإيمان تجريان بين نوع الإنسان في طول الأزمان وليس لظهور الله حد محدود وميعاد مخصوص فإنه جلّت قدرته ناظر دائمًا في قلوب عباده وأفئدة خلقه فإذا رأى فيها استعدادًا للقوب والإقبال يظهر الأمر في الحال فلابد أن تكون مصاديق كلماته موجودة في كل الأزمان وأبواب الجنة مفتوحة في جميع الأحيان * ( أبو الفضل كليايكاني الإيراني )

وذلك في 30 من شهر شوال المكرم سنة 1318


Friday, September 10, 2010

عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون (13)


عفواً يا أمة الإسلام

قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون

(13)

روى العلامة سهل بن عبدالله التوسترى فى تفسيره عن عكرمة بن عباس(رض) أنه قال سالت رسول الله(ص) فى مَ النجاة غداً فقال:" عليكم بكتاب الله عز وجلّ فإن فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم من دينكم الذى تعبّدكم به الله عزّ وجلّ". إلى آخر الحديث. فترى أن رسول الله(ص) أخبر أمته بأن فى القرآن نبأ من قبلهم من الأمم وخبر من بعدهم من الأمم وحكم ما بين أمته وهو يخاطب هذه الأمة المحمدية . فإذاً يريد بالأمم الآتية والماضية امم الرسل وهى أمم الاجابة فالأمم الآتية هى التى تتكون بإرسال الرسل لها كما تكوّنت أمة موسى وأمة عيسى والأمة المحمدية بإرسال رسلها لها فخبر تلك الأمم بالقرآن كما كان خبر الأمة المحمدية فى الانجيل والتوراة وخبر الأمة العيسوية فى التوراة وغيرها من الكتب المقدسة القديمة فإذا يأتى بعد انتهاء أجل هذه الأمة المحمدية رسل تتعاقب وتكوّن امماً.

براهين الطريق الثالث

ع-هل وردت بشائر بشأن السيد على محمد الباب وبهاءالله فى الكتب السماوية المتقدمة وهل فى القرآن شيء من ذلك؟

س- نعم. ان البشائر عنهما كثيرة جداً ولا سيما فى القرآن الكريم فكما جاء التبشبر عن سيدنا محمد(ص) فى الكتب السماوية المتقدمة كما قال تعالى" الذين يتبعون النبى الأمى الذي يجدونه مكتوبًا عندهم فى التوراة والانجيل"(الاعراف:156) فكذلك كل رسول يأتى بعده لا بُد له بشائر فى الكتب المتقدمة عليه.

ع- اذاً اسمعنى تبشيراً من القرآن الكريم بشأن السيد على محمد الباب.

س-ان الآيات التى بشأن السيد على محمد الباب بالقرآن الكريم كثيرة منها قوله تعالى:"أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى امامًا ورحمة اولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده فلا تكن فى مرية منه انه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"(هود:17).

قال العلامة البغوي فى تفسيره"الذي على بينة من ربه محمد ويتلوه شاهد منه أي يتبعه من يشهد له بصدقه".

فعلى هذا الذي يعقب محمدًا(ص) هو الذى يشهد له على صدق ما ادعى من الرسالة ويقتضى ان يكون رسولاً مستقلاً بشريعة غير تابعة لمحمد(ص) والا فكل تابع لمحمد(ص) يقول:( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله) أى يشهد بصحة رسالة محمد(ص) فلا بُد إذًا أن يكون هذا الشاهد غير تابع لمحمد(ص) بل مستقلاً برسالة وتشريع ولم نر بعد محمد (ص) من ادعى رسالة أو تشريعاً غير السيد على محمد الباب قد شهد لمحمد(ص) وصدقه برسالته ودعواه وهذا الشاهد هو منه أى من ذريته ونسله والضمير هنا يرجع إلى من كان على بينة من ربه وهو محمد(ص) كما تقدم والسيد على محمد الباب هو من ذرية فاطمة من نسل محمد(ص) ومثل هذا الشاهد المتأخر مجيئه بعد محمد(ص) شاهد آخر متقدم بمجيئه عن محمد(ص) وهو كتاب موسى عليه السلام وهذا المتأخر امامًا ورحمة للناس والرسل هى رحمة لأممها قال تعالى(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(الانبياء:107) اولئك يؤمنون به فالاشارة من اولئك ترجع إلى الذين يقولون افتراء فى الآية الرابعة قبل قوله أفمن كان على بينة من ربه والمراد بهم كل من كذب محمدًا(ص) من مشركين ونصارى ويهود ومجوس وغيرهم فقد وعد الله سبحانه وتعالى ان الذين كذبوا محمداً(ص) يؤمنون بهذا التالى أعنى السيد على محمد الباب وكذلك كان الامر فقد آمن به الآن ممن قد كذبه من مشركين وموسويين وزردشتيين(مجوس) ومسيحيين وغيرهم لم يكونوا قد آمنوا بمحمد(ص) من قبل وكانوا يقولون افتراء ولا بُد أن يعم الايمان العالم أجمع بهذا التالى أعنى السيد علي محمد الباب تبعاً لايمانهم ببهاء الله.ثم أن الله عز وجل توعد بالنار من كفر بهذا التالي ولم يؤمن به قال عز من قائل:-

(ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده) أى كفر به من اية فرقة من الفرق فالنار موعده وهى جزاؤه وهل يجازى إلا الكفور (فلا تك فى مرية منه) أى فى شك من أحقية مايجيء به أنه الحق من ربك وهذا الخطاب وان كان موجهاً لمحمد(ص) فانه يراد به الأمة ولكن أكثر الناس سيؤمنون أي به فى دورته ففيها لم يؤمن به إلا القليل من الايرانيين وبعضاً من العرب فضلاً عن العالم كله ولكن الناس سيؤمنون به تبعاً لإيمانهم ببهاءالله فقد تبين لنا من صريح هذه الآية الكريمة خمس علامات لهذا التالي لمحمد(ص).

الأولى-أنه من ذرية محمد(ص) وكذلك كان علي محمد الباب.

الثانية-أنه يشهد لمحمد(ص) بصدق ما جاء به وكذلك كان السيد على محمد الباب.

الثالثة-أنه امامًا والامام القدوة ويكون بمعنى الرسول قال تعالى لابراهيم عليه السلام:"انى جاعلك للناس امامًا"(البقرة:124) والرسل رحمة لأممها وقدوة وهكذا كان السيد علي محمد الباب رسولاً وقدوة لتابعيه.

الرابعة-ان بعض الذين لم يؤمنوا بمحمد(ص) وقالوا أنه مفتر يؤمنون بهذا التالي وكذلك وقع فآمن بالباب نصارى ويهود ومشركون وغيرهم.

الخامسة-ان الذين لا يؤمنون به هم أكثر الناس وكذلك الباب كان الذين آمنوا به فى دورته قليلون –فهل تريد أكثر من هذا وضوحاً على صحة ما جاء به السيد على محمد الباب.

وكان على مقربة من هذين الفاضلين أعنى-(ع،س)-رجل يهودى اسمه عزرا قد كان يسمع لحديثهما من حين البدء به فقال:-

عزرا-أفى كتاب موسى شهادة لمحمد على صحة دعواه؟

س-ان فى التوراة كثير من الشهادات على صدق ما جاء به محمد(ص) وإليك الآية الواحدة والعشرين وما بعدها من الاصحاح الثامن عشر من سفر التثنية تشهد لمحمد (ص) على صدق كل من جاء بمثل ما جاء به محمد(ص) وانطبقت العلامات التى فيها عليه وهى"وان قلت فى قلبك كيف تعرف الكلام الذى يتكلم به الرب فما تكلم به النبىباسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذى لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبى فلا تخف منه" والمراد بما تكلم به النبى هى نفس دعواه فان نفذت فى النفوس واطاعه الناس وانقادوا إليه فذلك هو النبى المرسل الصادق لأن الرسول انما يقول للناس ويتكلم به باسم الرب هو قوله آمنوا بى واطيعونى واتبعوا بما آمركم به وما جئتكم به من تشريع فان نفذت كلمته هذه فيهم وانقادوا له واطاعوه فقد صار ما تكلم به باسم الرب فيعلم أنه صادق فيما ادعاه وان لم تنفذ فيهم كلمته ولم يطع أو اطيع ولم يلبث إلا وارتد عنه كل من صدقه فيعلم أنه كاذب فى دعواه الرسالة لأن الذى تكلم به لم يحدث ولم يصر فالفارق بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة هو نفوذ كلمة الصادق فى من ارسل إليهم باطاعتهم له وانقيادهم لما جاء به والكاذب بعكس ذلك انظر كيف ان معلم الناموس غمالائيل أحد علماء الفريسيين أمر الكهنة أن يتركوا الرسل الذين كانوا يعلمون شعب اسرائيل باسم المسيح وشأنهم وقال لهم ان كان هذا العمل من الله فلا تقدرون عليه وان كان من الناس فسوف ينتقض وهذه الحادثة جاءت فى اعمال الرسل:الآية الرابعة والثلاثون من الاصحاح الخامس وإليك نصها:-

"فقام فى المجمع رجل فريسى اسمه غمالائيل معلم الناموس مكرم عند جميع الشعب وأمر أن يخرج الرسل قليلاً ثم قال لهم ايها الرجال الاسرائيليون احترزوا لأنفسكم من جهة هؤلاء الناس فيما أنتم مزمعون أن تفعلوا لأنه قبل هذه الأيام قام ثوداس قائلاً عن نفسه أنه شيء الذى التصق به عدد من الرجال نحو اربع مئة الذى قتل وجميع الذين انقادوا إليه تبددوا وصاروا لا شيء بعد هذا قام يهوذا الجليلى فى أيام الاكتتاب وازاغ ورائه شعباً غفيراً فذلك أيضاً هلك وجميع الذين انقادوا إليه تشتتوا والآن أقول لكم تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم لأنه ان كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض. وان كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه لئلا توجدوا محاربين لله أيضاً فانقادوا إليه ودعوا الرسل وجلدوهم واوصوهم أن لا يتكلموا باسم يسوع ثم اطلقوهم".

فاذا علمت هذا فمحمد(ص) أليس قد نفذت كلمته فى الناس وعمّ الإيمان به وانقاد لأمره من لايحصى من الامم والشعوب اذاً فمحمد(ص) صادق فى دعواه وهذه احدى شهادات كتاب موسى لمحمد(ص) وقس على سيدنا محمد(ص) كل من جاء بمثل ما جاء به محمد(ص) وصدق واتبع فهو الصادق فيما جاء به كالسيد على محمد الباب وبهاءالله.

ع- هذه الآية من التوراة تطابق بمعناها الآيات التى اوردتها وبرهنت بها على التفريق بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة بالطريق الأول.

س-فما جاء من الله لا يختلف بعضه عن بعض وبمثل هذا الدليل استدل المسيح عليه السلام على صحة دعواه ايضاً كما جاء فى انجيل.( يوحنا الاصحاح الخامس الآية 31)

" ان كنت أشهد لنفسي فشهادتى ليست حقاً الذي يشهد لى هو آخر وانا أعلم أن شهادته التى يشهدها لي هي حق أنتم أرسلتم لي يوحنا فشهد للحق وانا لا أقبل شهادة من انسان ولكنى أقول هذا لنخلصوا أنتم كان هو السراج الموقد المنير وأنتم أردتم أن تبتهجوا بنوره ساعة وأما أنا فلي شهادة أعظم من يوحنا لأن الاعمال التى أعطانى الاب لاكملها هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها هى تشهد لي أن الأب قد أرسلنى والأب نفسه الذى أرسلني يشهد لي ولم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته وليست لكم كلمته ثابتة لكم كلمته ثابته فيكم لأن الذى أرسله هو لستم أنتم تؤمنون به.فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهى التي تشهد لي ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة".

فالمسيح عليه السلام استشهد كما رأيت فى هذه الاية على أن اكمال الاعمال التى جاء بها هى تشهد له والاعمال التى جاء بها هى دعوة الناس لاتباعه والايمان به واطاعته واكمالها هى أن تستجيب الناس لدعوته وتؤمن به وتطيعه فيما أمر فإذا حصل هذا فقد كملت اعماله وكمال اعماله هى تشهد له على صدق دعواه أفرايت كيف تطابقت الكتب السماوية الثلاثة على أن استجابة الدعوة والثبوت عليها لرسول جاء بتشريع جديد دليل على صدقه ثم أن المسيح عليه السلام استشهد بشاهد آخر وهو شهادة الكتب له ويعنى بها الكتب السماوية السابقة.

ولما كان اكمال الاعمال التى جاء بها المسيح شاهد على صدقه فكذلك هو شاهد على صدق محمد(ص) وصدق كل مدع دعوى مثل دعوة المسيح ومحمد عليهما الصلاة السلام وكالسيد على محمد الباب وبهاءالله فهذه الكتب السماوية قد تظافرت على أن هذا الدليل هو دليل صدق مدعى الرسالة.(من كتاب-التبيان والبرهان)


Saturday, August 21, 2010

عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون (12)


عفواً يا أمة الإسلام

قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون

(12)

قال أبوعيسى الترمذى : ثنا عبد بن حميد ثنا حسين بن على الجعفى ثنا حمزة الزيات عن أبى المختار الطائى عن ابن أخى الحارث الأعور عن الحارث الأعور قال : [ مررت إلى المسجد فاذا الناس يخوضون فى الأحاديث فدخلت على علي فقلت : يا أمير المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضو فى الأحاديث ؟ قال : أوقد فعلوها ؟ قلت : نعم قال : أما إنى قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ألا إنها ستكون فتنة فقلت : فما المخرج منها يارسول الله ؟ قال : كتاب الله فيه نبأ ماقبلكم وخبر مابعدكم وحكم مابينكم وهو الفصل ليس بالهزل.

براهين الطريق الثانى

الطريق الثانى-كتب صاحب الرسالة وصحفه فهى برهان على صحة دعواه لقوله تعالى ( وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين* أو لم يكفهم انا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم)(العنكبوت:51/52) فاخبر ان الكتاب آية ومعجزة كافية فى الدلالة على صدق محمد(ص) فى دعوى رسالته ومثل كتاب محمد(ص) كل كتاب يأتى به رسول من عند الله فهو معجزة له وآية على صحة ما جاء به وما ادعاه من حيث هدايته وتأثيره على النفوس ونقله للناس من الظلمات إلى النور وإلى الظل من الحرور معجز بعظمته وسلطانه على القلوب معجز فى اخباره بالغيوب،معجز فى أمره ونهيه، معجز فى وعده ووعيده ففيه تحيى الأمم من موتها وتستيقظ النفوس من غفوتها وغفلتها (ترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير)(الحج:5و6).

ع- ان محمداً(ص) قد تحدى الناس بالقرآن واستدل به عليهم على أنه رسول من عند الله وتحداهم بفصاحته وبلاغته بما هو مشهور أما بهاءالله فلم يستدل بذلك وما تحدى به على ما أعلم.

س- أن سائر كتب الأنبياء هى معجزة لهم كما تقدم من أن جميع حركات رسل الله معجزة للناس وليس من شرطها استدلال الرسول بها ولا تحديده بالاتيان بمثلها،بل دليل على صحة رسالته وان خلت من هذين القيدين.فالتوراة معجزة لموسى عليه السلام كما أن القرآن معجزة لمحمد(ص) وانما دلل محمد(ص) على رسالته بالقرآن وتحدى الناس به لأنهم قالوا أن محمداً افترى القرآن على الله فتحداهم بأن يأتوا بمثله وان هذا القرآن دليل على رسالته والا فسائر الكتب المنزلة هى معجزة لمن انزلت عليه ودليل على رسالته ألا ترى أن الله أمر محمداً أن يتحدى الناس بالتوراة والقرآن معاً كما حكى الله جل شأنه ذلك بالقرآن فقال وقوله الحق:

( فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا اوتي مثل ما اوتي موسى أو لم يكفروا بما اوتى موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا انا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه إن كنتم صادقين فإن لم تستجيبوا لك فاعلم إنما يتبعون أهواءهم)(القصص:48/50).

فانظر كيف أمر الله رسوله محمداً (ص) ان يتحدى قريشاً بالتوراة كما يتحداهم بالقرآن لأنها معجزة لموسى فقال (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما فاتبعه) فلو لم يكن معجزة لما تحداهم بها مع أن موسى لم يتحد به أحداً فى حين أنها هى معجزة له وما دلل بها على أنه رسول من عند الله مع أن محمداً(ص) دلل بها على أن موسى رسول من عند الله وهكذا سائر آيات الرسل تدل على رسالة الله لرسله وان لم يتحدوا بها ولا دللوا ، فما كان محمد(ص) يتحدى أحداً فيما كان يظهره الله على يديه من تكثير الطعام ونبع الماء من بين أصابعه ولا كان يستدل بها على رسالته بل كان يأتى بذلك لحاجة المسلمين إليه ولا يشترط فى دلالة الدليل استدلال أحد به بل ما كان النظر الصحيح فيه موصلاً إلى علم فهو دليل وان لم يستدل به أو لم يستدل،أما قولك أن القرآن معجز بفصاحته وبلاغته فهو وان كانت فصاحته وبلاغته معجزة أيضاً لمن كان يعلم الفصاحة والبلاغة لكن ليس هو الذى تحداهم به الرسول بل الذى تحداهم به هو هدايته للنفوس وتأثيره فى القلوب ونقل الناس به من الظلمات إلى النور.

فهذا هو اعجاز القرآن والمقصود من انزاله وهذا شأن كل كتاب جيء به من عند الله ألا ترى قوله تعالى:

(قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه)

ولم يقل بأفصح منها ولا ابلغ فالرسل انما تأتى إلى الناس لهدايتهم ونقلهم من الضلالة والجهالة إلى الإيمان والهداية ألا ترى تأثير القرآن فى النفوس وهدية الى الحق قد جعل الله به أقواماً كانوا فى هيماء الضلالة ومفاوز الشرك والغواية هداة للناس وقادة للأمم ونبراساً للصلاح، وهكذا كتب بهاءالله صحفه وألواحه ، كيف أنها قلبت العالم رأساً على عقب وجعلت الناس يؤمنون به، ويستجيبون لدعوته،وينقادون لأمره بعد انكارهم صحة ما جاء به ومقاومتهم اياه.

فكتبه وألواحه هى التى أثرت فى النفوس وجعلت الناس يؤمنون به دون أن يروه أو يحادثوه اذ قل من كان يستطيع الوصول إليه فانظر كم هى تأثير هذه الكتب والألواح!!!...

فلا جدران تلك السجون والقلاع التى سجن بها حضرة بهاءالله ولا الحرس الذين احاطوا بهذه السجون استطاعوا منع تأثير تلك الكتب ولم يكن حبس بهاءالله ولا احاطة الحرس به إلا لئلا ينتشر دينه،بين الناس ويتبعون تعاليمه ،ولكن الأمر جاء بالعكس فكتبه وألواحه فعلت ما كانوا يحذرونه،أليس هذا اعظم برهان على أن كتب بهاءالله وألواحه هى من عند الله؟ وهى معجزة له كما أن القرآن معجزة لمحمد (ص) والتوراة معجزة لموسى عليه السلام؟ ومما يزيدك ايقاناً بأن مثل هذه الكتب التى لها هذا التأثير هى من عند الله جل وعز صدورها من اناس لم يتعلموا عند احد ولم يدخلوا المدارس مثل عيسى ومحمد والباب وبهاءالله.

ع- أنا لا أستطيع أن أكابر وأقول أن كتب بهاءالله وألواحه لم تؤثر فى الناس بل تأثيرها باد للعيان كالشمس فى رابعة النهار ولكننا نعلم أن لكل رسول كتاب واحد فكيف يكون لبهاءالله كتب وألواح؟؟

س- ألم تر أن القرآن يصرح بذلك فى سورة البينة فى قوله تعالى: (رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة)(البينة:2،3). والكتب جمع كتاب والصحف جمع صحيفة وقوله تعالى يتلو صحفاً فيها كتب أى من هذه الصحائف ما هي كتب لأن الصحيفة ما يكتب فيها من قرطاس ونحوه،والكتاب هو الضم والجمع يقال تكاتبت بنو فلان اذا انضموا واجتمعوا فالصحائف اذا انضم بعضها إلى بعض كونت كتاباً ففى هذه الصحائف ما قد ضم بعضه إلى بعض ومن هذه الانضمامات تكوّنت كتباً ذلك معنى قوله تعالى فيها كتب قيمة،ويطلق البهائيون الألواح على ذه الصحف،والألواح والصحف بمعنى واحد.

قال العلامة الاصفهانى فى كتابه (غريب القرآن) "اللوح ما يكتب فيه من خشب وغيره كما قال الصحيفة ما يكتب فيها".

ع- هل هذا الرسول الذى يتلو الصحف والكتب معنيّ به بهاءالله؟

س- نعم. ان هذا الرسول المعنى به هو بهاءالله فاصغ إلى ما أسرده عليك من الأدلة عل ذلك قال تعالى:( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين اوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة)(البينة).

لما كان المفسرون يقولون أن لا رسول ياتى إلى الناس بعد محمد(ص) فسروا البينة فى الموضعين بمحمد(ص) فحصل الارتباك فى تفسير هذه السورة فذهبوا إلى عدة تأويلات بعيدة ومع هذه التأويلات البعيدة لم يستقم المعنى والصحيح أن البينة الاولى التى هى رسول من الله يتلو صحفاً فيها كتب ليست بمحمد(ص) بل أنه رسول يأتى من بعد محمد(ص) والمراد منه هو بهاءالله وليس أيضاً على محمد الباب كما ستعلمه.

اما البينة الثانية فهى محمد(صلى الله عليه وسلم) كما قال المفسرون وإليك جملة من الجلائل على صحة هذا:-

الدليل الأول-قال تعالى (حتى تأتيهم البينة) أى انهم لا ينفكون عما هم عليه من انكار رسالة محمد(ص) وجحودها إلى أن تأتيهم البينة فى المستقبل وهذه البينة هى رسول من الله أما محمد(ص) فقد أتى.

فإذاً هى ليست بمحمد ويؤيد هذا قوله (رسول) بالتنكير أما قول المفسرين تأتى بمعنى أتت فهذا يحتاج إلى قرينة تمنع صرف الكلام عما وضعت له وقرينتهم هى ما يعتقده الناس من انقطاع الرسالة بمحمد(ص) وهذا لا دليل فيه.

الدليل الثانى-ان هذا الرسول هو بينة وحجة واضحة على صدق محمد(ص) فيما ادعاه وجاء به ذلك لأن كل كتاب سماوى يبشر بالرسل التى تأتى بعد نزوله فإذا جاء الرسول الذى بشر به ذلك الكتاب كان ذلك الرسول هو بينة ودليل ظاهر على صدق الرسول المتقدم الذي قد بشر به بكتابه وكذلك بهاءالله لما كان مبشراً به فى القرآن فمجيئه كان بينة وحجة لمحمد(ص) على صدقه فيما ادعاه وجاء به من ربه.

الدليل الثالث- ان هذا الرسول يتلو صحفاً وكتباً ومحمد(ص) كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب فهو لا يتلو ما فى الصحيفة أما بهاءالله فكان يقرأ ويكتب فكان يتلو الصحف والكتب.

الدليل الرابع-أن بهاءالله قد نزلت عليه صحف وكتب فهو يتلوها أما محمد(ص) فلم ينزل عليه إلا كتاب واحد وهو القرآن الكريم ولا يمكن أن يوصف القرآن بأنه صحف فيها كتب أما تأويل بعض المفسرين يتلو صحفاً فيها كتب أي مكتوبات فهذا لا قيمة له لأن قوله تعالى (يتلو صحفاً) معناه أنها مكتوبة فالصحيفة البيضاء لا تتلى فقوله فيها كتب أي فى هذه الصحف كتب أى فيها ما هو أكبر من أن يسمى صحيفة أو لوحاً لكثرة صحائفه كما تقدم.

ع- صدقت أن الرسول الذى يتلو الصحف والكتب المذكور بهذه السورة هو بهاءالله ولكن يا(س) كيف علمت أن بهاءالله لم يدرس العلوم ولا دخل المدارس؟

س- كثيراً ما كتب بهاءالله فى كتبه وألواحه ذلك عن نفسه وهذا أمر يعرفه أهل ايران ممن عنى منهم بالتحقيق عنه فمنهم من علم ذلك عياناً وتحقيقاً ومنهم من علم ذلك سماعاً وتواتراً ومن قرأ كتابه الذى أرسله إلى ناصر الدين شاه وذكر حضرته: "يا سُلْطانُ، إنّي كُنْتُ كَأحَدٍ مِنَ العِبادِ وَراقِداً عَلى المِهادِ مَرَّتْ عَلَيّ نَسائِمُ السُّبْحانِ وَعَلَّمَني عِلْمَ ما كانَ. لَيْسَ هذا مِنْ عِنْدي بَلْ مِنْ لَدُنْ عَزيزٍ عَليمٍ. وأمَرَني بِالنِّداءِ بَيْنَ الأرْضِ وَالسَّماءِ بذلِكَ وَرَدَ عَلَيَّ ما ذُرِفَتْ بِهِ دُموعُ العارِفينَ. ما قَرَأتُ ما عِنْدَ النّاسِ مِنَ العُلومِ وَما دَخَلْتُ المَدارِسَ، فَاسْألِ المَدينَةَ التي كُنْتُ فيها لِتُوْقِنَ بأنّي لَسْتُ مِنَ الكاذبينَ."

ع-ذكرت فيما مضى أن الكتب السماوية تشتمل على أخبار عن المغيبات فهل كتب بهاءالله اشتملت على مثل ذلك؟

س- نعم. أن كتب بهاءالله اشتملت على أخبار عن مغيبات كما أن القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية اشتملت على أخبار عن مغيبات فمن هذه ما هو عن معارف وعلوم كانت ولم تزل مجهولة ثم اكتشفت أو تكتشف بعد، أو أخبار عن وقائع وحوادث تقع بعد، فمن الأول مثلاً ما جاء فى الورق التاسع من الكلمات الفردوسية لبهاءالله عن عنصر القنبلة الذرية ولما كان حضرة عبد البهاء(الأبن الأرشد لحضرة بهاءالله) فى سانفرانسيسكو سنة 1912م شرح هذه النبوءة أمام جمع من البهائيين فقال:أنها اكتشاف عنصر يرغم الأمم على صون السلام وإلا حاق الدمار بالبشرية جمعاء.

وقد اكتشفت القنبلة الذرية واستعملت عام 1945 ولحق بهاءالله بالرفيق الأعلى عام 1892م بعد أن ترجم إلى اللغة العربية سنة 1920 ونشر هذا النبأ فى كثير من صحف العالم.

ومن الثانى كانذاراته التى أنذر بها الحكومة العثمانية عما سيحيق بها من جراء أعمالهم التى عاملوه وعاملوا اتباعه بها فمن قرأ كتابه الذى كتبه إلى السلطان عبد العزيز وكتابه الذى كتبه إلى الصدر الأعظم رئيس الدولة العثمانية أمين عالى باشا ودرس التاريخ العثمانى من زمن السلطان عبد العزيز إلى اواخر الحرب العامة يرى أن الأخبار كلها وقعت كما اخبر. ومثل ذلك ما جاء فى الكتاب الأقدس عن ألمانيا وبرلين وشواطئ نهر الراين فقد وقع كما اخبر،فالحرب وقعت مرتين مع ألمانيا وفيهما ارتفع حنين أهل برلين وفى الثانية تغطت شواطيء نهر الراين وغيرها بالدماء.

كذلك جاء فى الكتاب الأقدس عن زوال زينة استنبول وهى النقطة الواقعة على شواطيء بحر الأسود وبحر مرمرة فقد زالت زينتها بزوال منصب الخلافة والسلطنة العظمى وأصبحت محصورة فى آسيا الصغرى وفى طرف صغير من اوربا فقط ولو أردنا سرد أمثال ذلك من أخباره عن المغيبات لاحتجنا إلى كتابة مجلدات.

رابط المكتبة البهائية وكتاب الأقدس :

http://reference.bahai.org/ar

وتابعوا معنا براهين الطريق الثالث فى مقالنا القادم........

تحياتى


Monday, August 2, 2010

عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(11)



عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(11)

براهين الطريق الأول

ع-ماهو برهان الطريق الأول؟

س- لهذا الطريق براهين متعددة:

البرهان الأول-ان الكاذب فى دعوى ارسال الله إياه للناس بتشريع جديد لا تنجح دعوته وان اتبع واطيع فى بادئ أمره فإن قصارى أمره للخذلان واضمحلال دعواه، ذلك لأن القرآن قد دلّ على أن الله سبحانه وتعالى لا يؤيد المتقول عليه بل لا بُد أن يظهر للناس تقوله وان ينتقم منه-قال تعالى (ولو تقول علينا بعض لأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين وما منكم من أحد عنه حاجزين) (الحاقة:44/48). فإذا كان هذا شأن من يتقول على الله بعض الأقاويل فما بالك فيمن يدعى ارسال الله له ويتقول عليه التشريع كله،قال العلامة المحقق فخر الدين الرازى عليه الرحمة فى تفسير هذه الآية بعد ايراد عدة وجوه فى معنى قوله (لأخذنا منه باليمين) فاعلم أن حاصل هذه الوجوه انه لو نسب إلينا قولاً لم نقله لمنعناه من ذلك اما بواسطة اقامة الحجة فانا كنا نقيض له من يعارضه فحينئذ يظهر للناس كذبه فيكون ذلك ابطالاً لدعواه وهدماً لكلامه وأما ان نسلب عنه القدرة عن التكلم بذلك القول وهذا هو الواجب فى حكمة الله لئلا يشتبه الصادق بالكاذب".

فخذلان مدعى الرسالة واضمحلال دعوته دليل على أنه متقول على الله مفتر عليه وبمثل هذا يعرف المحق من المبطل فدعوة بهاءالله لم تزل بازدياد ونمو وانتشار منذ ظهورها ولم تصب بأى خذلان فدل هذا على أنه صادق فى دعواه.

البرهان الثانى- استجابة الناس لمدعى الرسالة واتباعهم تشريعه وثبوتهم عليه فإذا استجيب لدعوة مدعى الرسالة واتبعت شريعته ولم يرجع عنها فذلك الدين هو دين الحق والرسول الذى جاء به جاء بالصدق.قال تعالى: (والذين يحاجون فى الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد)(الشورى:16).

قال المفسرون أن الذين يحاجون أي يجادلون فى دين الله وتشريعه فى ايراد الشبهات والضلالات من بعد ما استجاب الناس له حجتهم داحضة أى باطلة وعليهم غضب لمعاندتهم ولهم عذاب شديد على كفرهم فبين سبحانه وتعالى ان الاستجابة للرسول دليل على صدق دعواه وبعد ظهور الحق وثبوته بالدليل فالمجادلة فيه باطلة والمراد من هذه الاستجابة هى الاستجابة الثابتة التى تتكون معها أمة تحت شريعة جديدة بدليل أنه لما نزلت هذه الاية كانت الأمة المحمدية قد تكونت، والمستجيبون لدينه قد ثبتوا على الاستجابة، والشريعة قد تأسست والشريعة السابقة قد نسخت فالاستجابة التى هى مثل هذه الاستجابة هى دليل على صدق من ادعى أن الله أرسله لعباده وبرهان ساطع يميز به الصادق والكاذب منهم وعدمها دليل على تقوله وافترائه قال تعالى:(له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه)(الرعد:15) فعلق سبحانه وتعالى هذه الاستجابة على المحال والمعلق على المحال محال مثله فالماء لا يصعد لمن يبسط كفيه إليه ليبلغ فاه فيدخله فكذلك كل مدع يدعى أنه أرسل من الله بتشريع جديد وهو كاذب لا يستجيب له الناس الاستجابة الثابته بل وقوع ذلك محال فالاستجابة لبهاءالله واعتناق دينه قد عمّ مشارق الأرض ومغاربها حتى انك لا تكاد تجد بقعة من بقاع الأرض ليس فيها معتنق لدين بهاءالله فدل هذا على صدق دعواه-(الدين البهائى هو ثانى دين فى العالم من حيث الانتشار بعد المسيحية).

البرهان الثالث-انتصار الرسول على مكذبيه ومقاوميه دليل على صدقه، ذلك ان ما من رسول يأتى بتشريع جديد إلا كذب واُذي قال تعالى:(ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه)(المؤمنون:44) وقال تعالى "وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فاخذتهم فكيف كان عقاب.."_المؤمن:5). فهذه عادة الله سبحانه وتعالى وسننه فى الأمم ما من رسول ياتى بدين جديد إلا همّت به امته لتقتله أو تحبسه وتجادل بالباطل بايراد الشبهات لتدحض به الحق وما ذلك إلا أن الديانة الحادثة مكروهة عند جميع الأمم وكل نفس تأبى اعتناقها بالبداهة وكل أهل دين يخشون ذلك الرسول ويخافون ان يبدل دينهم على حين أنهم يرون دينهم أبدياً ولا تبديل وأنه هو الحق وما سوى دينهم باطل فيجتمع العالم على مقاومة هذا الرسول وتكذيبه والعالم أمة الدعوى بالنسبة لمحمد(ص) وبهاءالله ومن جاء بالدعوة العامة لأهل الأرض فما من رسول يأتى بتشريع جديد إلا ويكذب ويؤذى ويقاوم وبعد تلك المقاومة وذاك الايذاء ينزل سبحانه وتعالى نصره عليه فتكون لذلك الرسول الغلبة والقهر على من كذبه وقاومه ومهما كانت قوة المقاوم وبأسه،فتبدأ الاستجابة لدعوته الفرد بعد الفرد والجماعة بعد الجماعة فتتبدل مقاومتهم له بالانقياد إليه وايذاؤه ببذل النفس والنفيس بين يديه فتتكون له أمة وتستظل بسماء شريعته فيتبدل شركهم بالتوحيد وكفرهم بالايمان وعنادهم بالاذعان وجهلهم بالعلم والحكمة وجفاؤهم بألألفة والمحبة وهذا هو نصر الله سبحانه وتعالى لرسله وقد جرت بذلك سنته ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً فهذا النصر والتأييد بعد ذلك التكذيب والمقاومة دليل على صدق دعوة مدعى الرسالة وان الله سبحانه وتعالى صدّقه بتاييده ونصره له قال سبحانه وتعالى:

" انا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد"(المؤمن:51) وقال عز من قائل عليم"كتب الله لاغلبن أنا ورسلي ان الله قوي عزيز"(المجادلة:21)

فامر كتبه على نفسه وأقسم عليه ووعد به لا بد من وقوعه ومحال تأخره عن الوقوع وبذلك قد سبقت كلمته قال عز وجل" ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون وان جندنا لهم الغالبون" (الصافات:171).

فانظر كيف حصر سبحانه وتعالى نصره لرسله على من كذّّبهم وقاومهم دون المتقولين عليه المدعين رسالته افتراءً وكذباً فالرسول الصادق لا محالة أن الله ناصره ومؤيده وجاعل له القهر والغلبة على من قاومه وكذّبه فنصر الله وتأييده له دليل على صدقه فبهاءالله مع كونه فى قبضة ناصر الدين شاه ثم قبضة السلطان عبد العزيز ثم قبضة السلطان مراد ثم قبضة السلطان عبد الحميد الثانى،انتصر عليهم جميعاً ونفذت كلمته ولم يمنع ذلك حبسه ولا سلطتهم عليه بل السلطان والسلطة صارت له دونهم أفليس هذا دليل واضح وبرهان بيّن على صدقه؟

البرهان الرابع- ان الله جلّت حكمته لا يساوى بين مدعى الرسالة الصادق ومدعى الرسالة الكاذب فأما إذا نظرنا إلى حكمة الله وعدله نجد أنه يمتنع فى حكمة الرب وعدله ان يساوى بين خيار الخلق هؤلاء وبين شرار الخلق هؤلاء لا فى سلطان العلم وبراهينه ولا فى سلطان النصر والتأييد والله سبحانه وتعالى يقول:"أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون"(ن:25) ويقول "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار"(ص:28).

فإذا كان جل شأنه لا يساوى بين المسلم والمجرم ولا بين المؤمنين الذين عملوا الصالحات والمفسدين ولم يجعل المتقين كالفجار فكيف يساوى بين الرسول الصادق الذى هو خير خلق الله وبين المتقول عليه الذى هو أسوأ خلق الله وأشرهم.

ولو فرضنا محالاً وقلنا يقع مثل ذلك استغفر الله كيف يعذب من لا يستجيب لرسوله اذ لا ميزة بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة ولكن جلت حكمته ميز بين هذا وهذا بتأييد الصادق بنصره والمتقول بخذلانه واضمحلال دعوته وهذا هو الواقع.

ألا ترى أن محمداً وعيسى وموسى وسائر رسل الله عليهم الصوة والسلام نجحوا فى دعواهم وكوّنوا أمماً وأسسوا شرائع لأنهم كانوا صادقين فى دعواهم. وان مسيلمة الكذاب وخالد طليحة وسجاح كيف أنهم غلبوا واضمحلت دعوتهم لأنهم كانوا كاذبين فى دعواهم وكذلك من جاء بعدهم ممن تقول على الله وادعى الرسالة افتراءً عليه كالحارث الدمشقى الكذاب قتله عبد الملك بن مروان وعيسى الاصفهانى اليهودى وقيل (اوفيد الوهيم) قتل فى زمان المنصور العباسى وغير هؤلاء كثيرون ممن ادعوا مثل ذلك اضمحلت دعوتهم ولم تقم لهم قائمة ولا أثر فإذا علمت هذا ونظرت إلى دعوة بهاءالله تجد أن بهاءالله ادعى ارسال الله إياه للناس وكذبه المكذبون وقاومته الأمة الايرانية وحكومتها والأمة العثمانية وسلاطينها مع استبدادهم بالأمور يفعلون ما يشاؤون وهو فى قبضتهم وفى حبسهم وتحت سيطرتهم وسلطنتهم فريداً وحيداً فلم يستطيعوا خذلانه ولا مقاومته بل كانت دعوته تنتشر وأمره يعلو ولم تقف جدران تلك السجون الضخمة التى سجن بها ولا قلعة عكاء سداً عن انتشارها وقد بلغت مشارق الأرض ومغاربها وكذلك السيد على محمد الباب انتشرت دعوته مع أن أكثر مدة دعوته كان مسجوناً وانتهى الأمر بقتله كما أن بهاءالله كان أكثر مدة حياته مسجوناً ،فكم من الرسل من قتل ظلماً وعدواناً قال تعالى:" قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقين"(آل عمران:183).

فدعوته انتشرت والايمان به لا زال بانتشار تبعاً للإيمان ببهاءالله اذاً فبهاءالله صادق والباب صادق فيما ادعياه من ارسال الله اياهما للناس وقد بلغ الآن دين بهاءالله من الانتشار مبلغاً عظيما ،وتبع الإحصاء العالمى وُجد أن البهائية هى ثانى دين انتشاراً فى العالم بعد المسيحية وقد اعترف بها فى كثير من الأقطاررسمياً واعفيت اوقافه من الضرائب. أما ما ادعاه بهاءالله للرسالة فهذا أيضاً معروف وقد مر البحث فيه فانه ادعى الرسالة واستجاب له الناس وصارت له أمة ثابتة على الاستجابة ولها شريعتها وغلب مقاوميه فالدليل بين والصبح مسفر لذي عينين والحجة واضحة وأحقية هذا الدين ظاهرة وانى لأرى يا (ع) ان علينا لزاماً سلوك هذه الجادة واعتناق هذا الدين.

فالرسول الذى يأتى بتشريع جديد فإن كان صادقاً فالله ينصره لا محالة وأما الكاذب المتقول فتموت دعواه وتضمحل كما تقدم ومن ظن أن الله سبحانه وتعالى ينصر المدعى الكاذب كما ينصر المدعى الصادق أو يخذل المدعى الصادق كما يخذل المدعى الكاذب فقد ظن بربه السوء وعليه دائرة السوء جل وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.

س- هل سمعت يا (ع) المناظرة التى جرت بين العلامة شمس الدين بن القيم الجوزية وبين أحد علماء أهل الكتاب فى اثبات احقية دعوة محمد(ص) وكيف أن العلامة شمس الدين بن القيم اثبتها له باستجابة الناس للرسول (ص) وانتصارها على من كذبه وان جلّت حكمته لا يساوى بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة.

ع- كيف كانت القصة؟

س- قد جاء فى كتاب (زاد المعاد) للعلامة ابن القيم عليه الرحمة فى بحث وقد نجد ان مناظرة جرت بينه وبين أحد علماء أهل الكتاب فى أمر النبى (ص) قال بن القيم" فقلت له فى اثناء الكلام ولايتم لكم القدح فى نبوة نبينا(ص) إلا بالطعن فى الرب تعالى والقدح فيه ونسبته إلى أعظم الظلم والسفه والفساد تعالى الله عن ذلك فقال كيف يلزمنا ذلك. قلت بل ابلغ من ذلك انه إذا كان محمد عندكم ليس بنبى صادق وهو بزعمكم ملك ظالم فقد تهيا له أن يفترى على الله ويتقول عليه ما لم يقله ثم يتم له ذلك ويستمر حتى يحلل ويحرم ويفرض الفرائض ويشرّع الشرائع وينسخ الملل ويضرب الرقاب ويقتل اتباع الرسل وهم أهل الحق ويسبي نساءهم واولادهم ويغنم اموالهم وديارهم ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض وينسب ذلك كله إلى أمر الله تعالى له به ومحبته له والرب تعالى يشاهده وما يفعل بأهل الحق واتباع الرسل وهو مستمر فى الافتراء عليه ثلاثاً وعشرين سنة وهو مع ذلك كله يؤيده وينصره ويعلي أمره ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر ،وأعجب من ذلك أنه يجيب دعواته ويهلك اعداءه من غير فعل منه نفسه ولا سبب بل تارةً يستأصلهم سبحانه من غير دعاء منه صلى الله عليه وسلم.

ومع ذلك يقضى له كل حاجة ساله اياها ويعده كل وعد جميل ثم ينجز له وعده على أتم الوجوه وأهنأها وأكملها هذا وهو عندكم فى غاية الكذب والافتراء والظلم فإنه لا أكذب ممن كذب على الله واستمر على ذلك ولا اظلم ممن ابطل شرائع انبيائه ورسله وسعى فى رفعها من الأرض وتبديلها بما يريد هو وقتل اوليائه وحزبه واتباع رسله واستمرت نصرته عليهم دائمة والله تعالى فى ذلك كله يقرء ولا يأخذ منه باليمين ولا يقطع منه الوتين وهو يخبر عن ربه أنه اوحى إليه انه لا اظلم ممن افترى على الله الكذب أو قال اوحى إلىّ ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثلما انزل الله فيلزمكم معاشر من كذبه احد أمرين لابُد لكم منهما أما أن تقولوا لا صانع للعالم ولا مدبر ولو كان للعالم صانع مدبر قدير حكيم لأخذ على يديه وقابله اعظم مقابله وجعله نكالاً للظالمين، اذ لا يليق بالملوك غير هذا فكيف بملك السماوات والأرض وأحكم الحاكمين الثانى نسبه الرب تعالى إلى ما لا يليق به من الجور والسفه والظلم واضلال الخلق دائماً أبد الآباد لا بل نصرة الكاذب والتمكين له من الأرض واجابة دعواته وقيام امره من بعده واعلاء كلماته واظهار دعوته والشهادة له بالنبوة قرناً بعد قرن على رؤوس الأشهاد فى كل مجمع وناد ،فأين هذا من فعل احكم الحاكمين وارحم الراحمين فلقد قدحتم فى رب العالمين اعظم قدح وطعنتم فيه أشد الطعن وانكرتموه بالكلية ونحن لا ننكر أن كثيراً من الكاذبين قام فى الوجوه وظهرت له شوكة ولكن لم يتم أمر ولم تطل مدته بل سلط الله عليه رسله واتباعهم فمحقوا اثره وقطعوا دابره واستأصلوا شأفته.

هذه سنته فى عباده منذ قامت الدنيا وإلى أن يرث الأرض ومن عليها.

قال ابن القيم: فلما سمع منى هذا الكلام قال معاذ الله ان نقول أنه ظالم أو كاذب بل كل منصف من أهل الكتاب يقر بأن من سلك طريقه واقتفى اثره فهو من أهل النجاة والسعادة فى الاخري إلى آخر ما جاء فى هذه المناظرة".

فهذه القصة تدلك على صحة دعوة بهاءالله ودعوة الباب قبله كما تدلك على صحة دعوة محمد(صلعم) وليس ثمّ فرق بين دعوة بهاءالله ودعوة محمد(ص) فكما فعل محمد(ص) فعل بهاءالله غير أن التشريع الذى جاء به محمد (ص) جاء فيه القتال والحرب، والشرع الذى جاء به بهاءالله جاء فيه السلام العام ووضع الحرب كما اقتضته الحكمة الإلهية وقضته المشيئة الرحمانية.

والا فكما نسخ محمد(ص) الشرائع المتقدمة وأتى بشريعة جديدة وأحل الحرام وحرم الحلال وفرض الفرائض وحول الناس من الشريعة التى كانوا عليها إلى الشريعة التى جاء بها فكذلك فعل بهاءالله فكما أن ذلك الفعل كان دليلاً على صحة ما جاء به سيد يثرب والبطحاء خاتم النبيين(ص) كذلك هو دليل على صحة ما جاء به بهاءالله.

ونتابع معكم فى مقالنا القادم-براهين الطريق الثانى...فإلى لقاءنا................


Wednesday, July 21, 2010

عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون –(10)


عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون –(10)

بماذا يميز بين الصادق والكاذب

من مدعى الرسالة

ع-كيف نميز بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة؟

س- فى القرآن الكريم طرق متعددة للتمييز بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة وأورد لك منها ثلاثة طرق :-

الطريق الأول-من ادعى ان الله سبحانه وتعالى ارسله لعباده بتشريع جديد فاستجاب الناس لدعوته وانتصر على من قاومه وكذّبه وناوأه وكوّن أمة جديدة فذاك هو الرسول الصادق فنصر الله له وتأيه إياه هو برهان صدقه فذاك هو المتقول على الله تعالى وخذلانه هو دليل تقوله على الله عز وجل وافترائه عليه وتلك سنة الله فى خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

الطريق الثانى-كتبه وصحفه المنزلة قال تعالى ( أو لم يكفهم أنا انزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) (العنكبوت:51).

الطريق الثالث-البشائر التى جاءت بها الكتب السماوية السابقة قال تعالى (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الاولى)(طه:132) فهذه طرق ثلاث كل واحد منها دليل وبرهان قائم بنفسه.

ع-أليس من ادعى الرسالة أن يأتى بالمعجزة الحسية الظاهرة كقلب العصا حية وفلق البحر وخروج الناقة؟

س- هذه المعجزات لا تفيد تصديقاً ولا تدعو للإيمان وليست هى شرط فى صحة الدعوى قال تعالى (وما منعنا ان نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ولآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً) (بنى اسرائيل:59) وقال جل من قائل (وقالوا لولا اوتي مثل ما اوتى موسى أو لم يكفروا بما اوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا{قوله سحران تظاهرا يريدون موسى ومحمداً عليهما السلام}(القصص:48) ذلك لأنهم كانوا يعللون ما يرونه من تلك الآيات بالسحر كالشعوذة وأمثالها قال تعالى (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون*لقالوا إنما سكّرت ابصارنا بل نحن قوم مسحورون)(الحجر:14،15) وقال تعالى (ولو نزّلنا عليك كتاباً فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين)(الانعام:7) وهذه المعجزات وامثالها لا تؤثر فى الأمم ولا تكسبهم شيئاً من التصديق برسلها ومع ذلك فقد اجاب بهاءالله طلب العلماء الذين اجتمعوا فى النجف وكربلاء فى الكاظمية-وأرسلوا أحدهم وهو الشيخ حسن عمو بطلب معجزة منه قطعاً لعذرهم وحجتهم وطلب منهم ان يكتبوا كتاباّ وان يتفقوا على شيئ واحد فيظهره لهم زعليهم حينئذ ان يؤمنزا به وان لم يظهره فباطل ما يدعى، فلم يتفقوا على شيئ فالبعض منهم قال لا نؤمن وان أظهر معجزة فماذا يدرينا لعلها سحر والآخرون كل واحد منهم اقترح اقتراحاً غير الاقتراح الذى اقترحه صاحبه وهؤلاء فعلوا كما فعلت قريش مع محمد(ص) حذو الفذة بالفذة كما أخبر الله سبحانه وتعالى بقوله (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة) (المدثر:52) وذلك أن قريشاً قالت للنبى(ص) لن نتبعك حتى تأتى كلاً منا بكتاب من السماء فيه من الله إلى فلان أن اتبع محمداً (1).

ولو فرضنا ان هذه المعجزات الظاهرة هى أعظم برهان على صدق الرسل لكانت حجة على شاهدها لا على من لم يشاهدها أما الرواية عنها ونقلها فى المدونات فلا يكفى لأنها تعارض بمثل ما ينقل عن الاصنام والذابين من مدعى الرسالة من خارق العادات فكيف لطالب الحق أن يميز بين الروايتين وكلاهما خبر يحتمل الصدق والكذب وكلاهما منقول بالالسنة فى الكتب وبماذا يرجح ما جاء عن موسى عليه السلام على ما جاء عن الحارث الكذاب الدمشقى مثلاً فلاجل ذلك لم تكن هذه المعجزات برهاناً يعتد به أما ذوى العقول الراجحة والافهام السليمة من أهل البصيرة فيعتبرون جميع ما يصدر من الرسول فى زمانه معجزات لأنها تمتاز عمّا سواها فما دامت ممتازة فهى خارقة للعادة لأن مرتبة الرسالة هى فوق مرتبة الانسان وحركات الرسل معجزة للانسان كما أن حركات الانسان معجزة للحيوان.

قال العلامة الشهرستانى فى كتابه(نهاية الاقدام) "من اصطفاه الله عز وجل لرسالته من عباده واجتباه لدعوته كساه ثوب جمال فى ألفاظه وأخلاقه وأحواله وما يعجز الخلائق عن معارضته بشيء من ذلك فتصير جميع حركاته معجزة للناس كما صارت حركات الناس معجزة لمن دونهم من الحيوانات ويكون مستتبعاً جميع نوع الانسان كما صار الانسان مستسخراً جميع أنواع الحيوانات.

(الله يصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس)(الحج:75)

(رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)(النساء:164).

فلذلك كان ما يصدر من رسل الله من أقوال وأفعال تؤثر فيمن سبقت له العناية من الله تعالى فينقادون لطاعتهم ويستجيبون لامرهم وأما الكاذبون المدعون الرسالة كذباً وتقولاً عليه تعالى فمهما بلغوا شأواً من العلم والدراية واوتوا من قدرة وذلاقة فى اللسان فحبوط مسعاهم وخذلانهم أمر محقق الوقوع.

ونتابع معاً فى المقال القادم-براهين الطريق الأول...فإلى لقاءنا القادم......


Sunday, June 27, 2010



عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(9)

تاريخ بهاءالله

البهائيّة هي الإشراق الّذي هيّأت له الدّورة السّابقة. وأحداث الدّورتين مرتبطة، يتعذّر تحديد خطّ فاصل بينهما، إلاّ أنّ بهاء الله بيّن أنّ بعثته بدأت أيّام سجنه في سياه چال بطهران. ولكن لا يمكن تقسيم تاريخ هذه الدّورة بالبساطة الّتي اتّبعناها في الدّورة البابيّة، لأنّ أحداثها لا تقتصر على ما وقع منها في حياة بهاء الله فحسب، بل يشمل أيضًا ما أنجزه ابنه ومركز عهده عبد البهاء، ومن بعده شوقي ربّاني حفيد عبد البهاء ووليّ الأمر. وينبغي قبل تفصيل هذه المراحل أن نقدّم بكلمة عن صاحب هذه الدّورة.

بهاء الله هو الّلقب الّذي عُرف به ميرزا حسين علي النّوري، وهو سليل مجد وشرف، إذ كان أبوه ميرزا عبّاس المعروف بميرزا بزرﮒ، أحد النّبلاء المقرّبين إلى بلاط الملك فتح علي شاه، وحاكمًا على منطقة بروجرد ولُرستان. اتّصف بهاء الله منذ طفولته بحميد الخلال، وجميل الخصال، وتميّز بحدّة الذّكاء، ورجاحة العقل، والشّجاعة والإقدام، وأبدى منذ بكرة صباه كفاءة ومهارة فائقتين في حلّ أعقد المشاكل، وأظهر معرفة وعلمًا لَدُنيًّا أدهشا مَن حوله من كبار رجال الدّولة. ورغم كثرة ما عُرض عليه من مناصب الدّولة، انصرف كلّية إلى أعمال البِرّ، ورعاية المساكين، منفقًا ماله الخاص على الفقراء والمعوزين.

في بغداد

بعد محاولة الاعتداء على حياة الشّاه، قضى حضرة بهاء الله أربعة شهور سجينًا في طهران، ينتظر دوره للإعدام بصفته أحد أقطاب البابيّة، ولكن نجح بعض أصدقائه القدامى في إقناع الملك بالتّحقيق في هذا الحادث، فثبتت براءته، وأطلق سراحه، ولكن أمرت السّلطات بإبعاده، وصادرت أمواله، فقصد العراق.

بعد إقامة قصيرة في بغداد قرّر بهاء الله الاعتزال في جبال السّليمانيّة حيث انقطع متعبّدًا في خلوة دامت عامين، لم يكن أحد يعلم خلالها مكانه. وعندما عُرف مكانه إنهالت عليه التّوسّلات للعودة لجمع شملهم، وتنظيم صفوفهم من جديد.

اهتمّ بهاء الله بشرح وبيان تعاليم الباب على نحو لا يمكن أن يكون إلاّ إلهامًا إلهيًّا. ومن بين مآثر هذه الفترة رسالتين على جانب عظيم من الأهميّة، ولا زالتا آيتين من آيات الإعجاز: هما الكلمات المكنونة، وكتاب الإيقان. تتعدّى الرّسالة الأولى حدود جمال التّصوير وبلاغة اللّفظ ورقّة التّعبير، إلى عمق المعنى وسموّ الفكرة، مع شدّة الاختصار وسحر البيان، وهي موجز للفضائل والإلهيّات الّتي جاءت بها الأديان سابقًا، أو كما قدّم لها بهاء الله:

هذا ما نُزِّلَ مِنْ جَبَرُوتِ العِزَّةِ بِلِسانِ القُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ عَلَى النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلُ. وَإِنَّا أَخَذْنا جَوَاهِرَهُ وَأَقْمَصْناهُ قَمِيصَ الاخْتِصارِ فَضْلاً عَلَى الأَحْبَارِ لِيُوفُوا بِعَهْدِ اللهِ وَيُؤَدُّوا أَمانَاتِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلِيَكُونُنَّ بِجَوْهَرِ التُّقَى فِي أَرْضِ الرُّوحِ مِنَ الفائِزِينَ.

وفي الرّسالة الثّانية يفيض بيانه الأحلى بتفسير آيات الكتب المقدّسة السّابقة على نحو يُبرز وحدة معانيها ومقاصدها، ويُلفت الأنظار إلى أبديّة الأديان، وعدم محدوديّة رسالاتها رغم محدوديّة أحكامها في حيّز زمانيّ. وخلت الرّسالتان من أيّ إشارة إلى أمره الجديد، ولكن فتح كتاب الإيقان آفاقًا فسيحة أمام الفكر الدّينيّ لكلّ المهتمّين بالرّوحانيات، مهيّئًا لإعلان ظهوره المبارك. بقي بهاء الله في بغداد قرابة عشر سنوات، علت أثناءها شكوى البلاط الفارسيّ من ازدياد نفوذه في منطقة يحجّ إليها الشّيعة من إيران، وينتهز كثير منهم الفرصة ليستطلع حقائق البابيّة. وزادت مخاوف البلاط الإيرانيّ بعد زيارة عدد من أفراده – من بينهم الأمراء – لبهاء الله في منزله المتواضع. فأمر السّلطان عبد الحميد بحضوره إلى إستنبول. وبينما كان يتأهبّ ركبه للرّحيل في ربيع عام ١٨٦٣، أعلن بهاء الله لأصحابه بأنّه الموعود الّذي بشّر به الباب، والّذي بظهوره تتحقق نبوءات ووعود الأديان السّابقة.

في أدرنة

تمتدّ المرحلة الثّانية من وقت هذا الإعلان الخاص إلى حين إبحار بهاء الله من تركيا، في طريقه إلى عكّا، وتتميّز بتطوّر المبادئ الّتي أعلنها الباب إلى أصول وأحكام مفصّلة، وإعلان دعوة بهاء الله إعلانًا عامًا على التّدريج، وإعداد رسائله الموجّهة الى ملوك ورؤساء الدّول، لإبلاغهم مبادئ العصر الجديد ونظامه العالمي، ودعوتهم للكفّ عن الحروب، والحدّ من التّسلّح، والاتّحاد والتّعاون لخير الشّعوب.

جرت أكثر أحداث هذه المرحلة في مدينة أدرنة على أرض القارّة الأوربيّة. فبعد وصول بهاء الله وصحبه إلى مدينة إستنبول في منتصف أغسطس (آب) ١٨٦٣، من رحلة دامت ثلاثة شهور ونصف على ظهور الدّواب، خلال جبال وعرة، نما إلى علمهم قرار ترحيلهم إلى أدرنة، الّتي وصلوها يوم ١٢ ديسمبر (كانون أول) من نفس السّنة. واصل بهاء الله أثناء إقامته في هذه المدينة، وطيلة السّنوات الخمس التّالية، تفصيل أصول دعوته، وشرح النبوءات والوعود الإلهيّة الخاصة بمجيئه، وتهذيب وتقويم أخلاق أصحابه وأتباعه، وبيان نظامه لحفظ الأمن في العالم، وإقامة السّلام على قواعد العدل والتّآزر، وضمّن ذلك رسائله إلى الملوك الّذين أنذرهم جمعًا وفرادى مغبّة رفض دعوته. وحاق بكلّ منهم ما أنذره مسبقا من خسران مادّي ومعنوّي – نتيجة لاستكبارهم وعدم مبالاتهم بهذه الرّسالة السّماويّة ورفضهم الانصياع لأمر الله – رغم ما كانوا عليه من عزّ مبين.

هنالك ملأ الحسد قلب أخيه لأب، ميرزا يحيى، وانتهز المناوئون الفرصة لتقّسيم الأصحاب، وشجّعوه على المضيّ في غيّه، حتى إذا ما اشتدّت حدّة الخلاف بين الأتباع، طالبوا السّلطان بإبعادهم؛ فصدر الأمر بترحيل ميرزا يحيى ومشايعيه إلى قبرص، وسجن بهاء الله وصحبه في عكّا.

في عكّا

تمتدّ المرحلة الثّالثة، من وقت وصول بهاء الله إلى سجن عكّا حتى وفاته بقربها. شهدت السّنوات الأربع والعشرون الّتي قضاها بهاء الله في عكّا ومَرجِها، إبلاغ رسائله إلى الرؤساء والملوك، ونزول الكتاب الأقدس متضمّنًا حدود وأحكام الشّريعة البهائيّة، وتفصيل نظامه العالمي، وانتشار دعوته من إيران والعراق، إلى تركيا، وروسيا، ومصر، والشّام، والهند.

أعاد سجن بهاء الله بعكّا إلى الأذهان الأحاديث المرويّة حول منزلتها. ومع ذلك لمّا ورد بهاء الله إليها يوم ٣١ أغسطس ١٨٦٨ لم يخرج أهلها مرحّبين بمن صبغ على مدينتهم هذه القداسة، ولكن اجتمعوا ليسخروا بمن وصفه فرمان ٥ ربيع الآخر ١٢٨٥ﻫ بمدّعي الألوهيّة، وقضى بدون محاكمة بالسّجن مدى الحياة على كلّ من صاحب الظّهور وأفراد عائلته، كما أنذر الأهالي مغبّة الاختلاط بهؤلاء الأشرار أو معاشرتهم. واقع الأمر أن العزلة الّتي فُرضت على بهاء الله في سجن عكّا كانت خير دعامة لهذا الظّهور المبارك، وبدأت فترة غنيّة بالتّنزيل، إذ واصل حضرته من السّجن إبلاغ دعوته إلى ملوك ورؤساء العالم، وفصّل في مئات من رسائله معالم النّظم العالمي الّذي أبدعه، وأنزل في كتاب الأقدس التّشريع الجديد، وأجاب على أسئلة المستفسرين، وحرّر كتاب عهده وميثاقه، وحدّد الهيئات والقيادات المستقبلة لإدارة أمر دينه، وبيّن وظيفة وسلطة كلّ منها، وعيّن ابنه الأرشد ليتولّى إدارة شؤون أمره وتفسير تعاليمه من بعده. وبقي في مَرْجِ عكّا حتّى صعدت روحه إلى الرّفيق الأعلى في فجر ٢٩ مايو (أيار) ١٨٩٢.

وخلال السنوات الطويلة التي قضاها في السجن أُنزل من قلم حضرة بهاء الله من الآيات الإلهيّة ما يقع في أكثر من مائة سِفْرٍ مجلّد. فأفاض علينا قلمه المبارك مجموعة من الألواح والبيانات احتوت الكتابات الصوفية، والتعاليم الاجتماعية والأخلاقية، والأوامر والأحكام، بالإضافة إلى إعلانٍ واضح صريح لا لبس فيه عن رسالته وَجَّهَه إلى الملوك ورؤساء الدول وحكامها في العالم، بمن فيهم نابليون الثالث، والملكة فكتوريا، والبابا بيوس التاسع، والشاه الفارسي، والقيصر الألماني ويلهلم الأول، والامبراطور فرانسس جوزيف النمساوي، وآخرون.

إنَّ مفهوم الطبيعة الإنسانيّة في رسالة حضرة بهاء الله يقوم على التأكيد على كرامة الإنسان وما فُطر عليه من خُلُقٍ نبيل. وفي أحد آثاره المباركة يخاطب حضرة بهاء الله الإنسان بلسان الحقّ فيذكّره بمنشأه ومنتهاه: "يا ابن الروح! خلقتك عالياً، جعلتَ نفسك دانية، فاصعد إلى ما خُلقتَ له."(١٤) ويصرّح في موضع آخر: "انظر إلى الإنسان بمثابة منجمٍ يحوي أحجاراً كريمة، تخرج بالتربية جواهره إلى عَرَصة الشهود وينتفع بها العالم الإنسانيّ."(١٥) ويعود حضرة بهاء الله فيؤكد بأنَّ كلّ إنسان قادرٌ على الإيمان بالله، وكل ما هو مطلوب قَدرٌ من التجرد والانقطاع.

"وإذا ما تَطَهّر مشام الروح من زُكام الكون والإمكان، لوجد السالك حتماً رائحة المحبوب من منازلَ بعيدة، ولَوَرَدَ من أثر تلك الرائحة إلى مصر الإيقان لحضرة المنّان وليشاهد بدائع حكمة الحضرة السبحانية في تلك المدينة الروحانية... وأما تلك المدينة فهي الكتب الإلهيّة في كل عهد... وفي هذه المدائن مخزونُ ومكنونُ الهدايةِ والعنايةِ، والعلمِ والمعرفةِ، والإيمانِ والإيقانِ لكل من في السّموات والأَرضين..."(١٦)

دخل بهاء الله مدينة عكّا سجينًا، وبقي فيها سجينًا زهاء ربع قرن – في قبضة طاغ لقبه السّلطان الأحمر لكثرة ما أراق من دماء – واتُّهم بالكفر، وتقويض أركان الدّين، وادّعاء الألوهيّة، وتضليل النّاس؛ فحذرته أهالي عكّا أوّل الأمر، ثم تتبّع النّاس حركاته، وتحرّوا أمره، واطّلعوا على دعوته، وتفحّصوا أقواله وأفعاله قرابة ربع قرن قضاها بينهم، فتبيّنوا كذب كلّ ما أشيع عنه. بذلك شهدت كلماتهم وعباراتهم حين تشييعهم جنازته وتأبينه، وبدا من كلماتهم النّدم والأسى. كانت كلماتهم بسيطة على الفطرة، فعكّا مدينة صغيرة لم تشتهر بعلم أو أدب، ولكنّها أعربت عن مشاعر فاضت بها قلوب صادقة، رغم ما كان يمكن أن يلحق بهم من أذى لمخالفتهم الإرادة السّنيّة. كتب الأستاذ جاد عيد من أهالي عكّا راثيًا بهاء الله: "... فلا محاسن فضله تدرك، ولا مآثر عدله تعدّ، ولا فيوض مراحمه توصف، ولا غزارة مكارمه تحصر، ولا كرم أعراقه ككرم أعراق النّاس. فإنّ كلّ هذه الصّفات الّتي كان فيها آية الله في خلقه لم تكن لتفي بوصف بعثته الشّريفة، فهو الإمام المنفرد بصفاته، والحبر المتناهي بحسناته ومبرّاته، بل هو فوق ما يصف الواصفون وينعت النّاعتون..."

ومن رثاء أمين زيدان:

يا إمام الهدى ونور البهـاء
أيّ لفظ يفيك حقّ العزاء

ليت شعري من لي بلفظ نبيّ
فيه أرثي علامة الأنبياء

كما كذّب المؤرخ الإسّلامي، الأمير شكيب أرسلان، المفتريات الموجّهة إلى بهاء الله، فقال: "وممّا لا جدال فيه أن البهاء وأولاده بمقامهم هذه المدّة الطّويلة بعكّا أصبحوا بأشخاصهم معروفين لدى أهالي بلادنا المعرفة التّامة، بحيث صفا جوهرهم عن أن تعتوره الجهالة، وامتنعت حقيقتهم عن أن تتلاعب بها حصائد الألسنة. أمّا البهاء فقد أجمع أهل عكّا على أنّه كان يقضي وقته معتزلاً معتكفًا، وأنّه ما اطّلع له أحد على سوء، ولا مظنّة نقد، ولا مدعاة شبهة في أحواله الشّخصيّة كلّها..."

وكتب محمود خير الدّين الحلبي، صاحب جريدتي وفاء العرب والشّورى الدّمشقيّتين: "...وانتقل حضرة بهاء الله إلى (البهجة) وواصل جهاده حتى أصبح كعبة الورّاد من جميع الجهات. وبدأت الهبات ترد عليه بكثرة من الأتباع والمريدين. ومع ذلك فما كان يتجاوز حدود البساطة وكان ينفق على الفقراء والمساكين، ويقضي معظم أوقاته بالصّلاة والعبادة..."

وفى ما يو سنة 1892لموافق 2 ذى القعدة سنة 1309 هجرية صعد حضرة بهاءالله إلى الرفيق الأعلى بعد اصابته بالحمى وعاش حضرة بهاءالله خمساً وأربعون سنة فى الدعوة وكتب وصيته وأمضاها وختمها بنفسه وفتحت بعد تسعة أيام من صعوده فتحها نجله الأكبر عبد البهاء بحضور أعضاء أسرته وبعض الاصحاب كان على مقتضى الوصية أن أصبح عبد البهاء خليفة لوالده ومبيناً لتعاليمه وهذه الوصية تسمى (كتاب عهدى) أما بعثته فكما صرح فى كتبه وألواحه هى لتوحيد العالم وجمعه على كلمة واحدة ودين واحد ونشر السلام فى العالم فلا ترفع أمة على أمة سيفاً ولا يعتدى قوم على قوم.

أما كتبه وألواحه فقد بهرت العقول بما اشتملت عليه من معارف وهى ترياق لأمراض هذا العالم المتأصلة فيه والحادثة ،والخاصة والعامة،الروحية والمادية.

فمن تعاليمه كون الدين سبب الألفة بين البشر ففيه يحيى النوع الإنسانى وهو الوسيلة للتعارف بينهم ومساعدة البعض للبعض الآخر، فو كان الدين سبباً فى العداوة والبغضاء والجفاء لكان عدمه خير من وجوده ولكان هجره خطوة فى سبيل الوحدة.

ومن تعاليمه-اتفاق الدين والعلم-فالعلم لا يتنافر مع الدين ولا يباين أحدهما الأخر وهما جناحان لرقى هذا العالم.

ومن تعاليمه-حل المشكلة الاقتصادية ؛فقد حل حضرة بهاءالله هذه المعضلة حلاً شافياً فكما ان الغنى يتمتع باللذات ،كذلك الفقير يجب أن يكون له مأوى حسناً يأوى إليه وألا يكون فى فاقة مدقعة واذا لم يتحقق ذلك فلا تذوق الانسانية طعم الراحة والهناء.

ومن تعاليمه-اللغة العمومية والخط العالمى اللذان هما أعظم وسائل السلام.

ومن تعاليمه-المحكمة العدل الدولية،فبهاءالله منذ أكثر من164 عاماً وضع هذه المبادئ وأمر بتأسيس محكمة عدل دولية عمومية تحت حماية الله ورعاية البشر كله ويجب على الكل أن يخضعوا ويطيعوا لكل ما تقرره هذه المحكمة حتى يمكن حل مشاكل كل الأمم بواسطتها.

ومن تعاليمه-التساوى أى المساواة بين الرجال والنساء ومنها نبذ التعصبات سواء كانت جنسية أو دينية أو وطنية أو سياسية. ومنها تعميم التربية بين جميع أفراد البشر وهذه هى من أهم ضروريات الدين.

ويجب على الابوين أولاً تربية طفلهما وتعليمه فإن عجزا فعلى بيت العدل أن يقوم بذلك حتى ينال كل انسان قسطه من العلم والمعرفة.

ومن تعاليمه-امره بالاشتغال بالحرف والصائع والتجارة ونحوها وجعل ذلك جزءاً من العبادة ونهاهم عن البطالة والكسل وأمرهم بحب الخلق على اختلاف أديانهم وأجناسهم وحثهم على امتثال قوانين الدولة التى هم تحت رعايتها واطاعة الملوك ذوى العدل وعدم الدخول فى الأمور السياسية والحزبية ،وفرّق بين المعاملات والعبادات فأرجاء حكم العبادات إلى الكتاب والمعاملات إلى بيت العدل ونهى عن تأويل الكتاب وخصه بولى الأمر إلى غير ذلك مما يعسر حصره.

ع- هل بهاءالله ادعى أنه مرسل من عند الله لعباده وهل صرح بذلك فى كتبه؟؟

س- نعم صرّح أنه مرسل من عند الله لجميع البشر وصرح بذلك فى كتبه وألواحه منها فى الكتاب الذى أرسله لناصر الدين شاه ومنها لوح (باسم الذى بذكره تحيى قلوب أهل الملأ الأعلى) المطبوع فى محموعة اللواح المباركة وفى غيره من الألواح.

بسم الذی بذکره تحيی قلوب أهل الملأ الأعلی

سبحانک اللّهمّ يا إلهی تشهد و تری کيفَ ابْتُلِيتُ بين عبادک بعد الّذی ما أردتُ الّا الخضوعَ لدی باب رحمتک الّذی فتحته علی من فی أرضک و سمائک * و ما أمرتهم الّا بما أمرتنی و ما دعوتُهم الّا بما بعثتَنی به * فو عزّتک ما أردتُ أن أسْتَعلی علی أحد بشأن من الشّئون و ما أردتُ أن أفتخرَ عليهم بما أعطيتَنی بجودک و افضالک لأنّی لا أجد يا إلهی لنفسی ظهوراً تلقاء ظهورک و لا أمراً الّا بعد اذنک و ارادتک بل فی کلّ حين نطق فؤادی يا ليت کنتُ تراباً تقع عليه وجوه المخلصين من أحبّائک و المقرّبين من أصفيائک * لو يتوجّه ذو أُذُن الی أرکانی لَيسمعُ من ظاهری و باطنی و قلبی و لسانی و عروقی و جوارحی يا ليت يظهر منّی ما تفرح به قلوب الّذين ذاقوا حلاوةَ ذکر ربّی العليّ الأعلی و يَصعدُ بِندائی أحدٌ الی جبروت أمرک و ملکوت عرفانک يا من بيدک ملکوتُ البقاء و ناسوتُ الانشاء * وان قلتُ اليَّ اليَّ يا ملأ الانشاء ما أردتُ بذلک الّا أمرَک الّذی به أظهرتنی و بعثتنی لِيتوجّهنَّ الکلُّ الی مقرّ وحدانيّتک و مقعد عزّ فردانيّتک * و أنت تعلم يا محبوبَ البهاء و مقصودَ البهاء انّه ما أراد الّا حبّکَ و رضاءَک و يريد أن تطهّرَ قلوبُ عبادک من اشارات النّفس و الهوی و تُبلِّغهم الی مدينة البقاء ليتّحدوا فی أمرک و يجتمعوا علی شريعة رضائک * فو عزّتک يا محبوبی لو تُعذِّبنی فی کلّ حين ببلاءٍ جديد لأحَبُّ عندی بان يَحدُثَ بين أحبّائک ما يکدّرُ به قلوبهم و يتفرَّق به اجتماعهم لأنّک ما بعثتنی الّا لاتّحادهم علی أمرک الّذی لا يقوم معه خلق سمائک و أرضک و اعراضِهم عمّا سواک و اقبالِهم الی أُفق عزّ کبريائک و توجّههم الی شطر رضائک * اذاً فانزل يا الهی من سحاب عنايتک الخفيّة ما يُطهِّرُهم عن الأحزان و عن حدودات البشريّة لِيجدَنّ منهم أهلُ الملأ الأعلی روائحَ التّقديس و الانقطاع * ثمَّ أيّدهم يا إلهی علی التّوحيد الّذی أنت أردتَه و هو أن لا ينظر أحد أحداً الّا و قد ينظر فيه التجلّيَ الّذی تجلّيتَ له به لهذا الظّهور الّذی أخذتَ عهده فی ذرّ البيان عمّن فی الأکوان * و من کان ناظراً الی هذا المقام الأعزّ الأعلی و هذا الشّأن الأکبر الأسنی لن يستکبِرَ علی أحد * طوبی للّذين فازوا بهذا المقام انّهم يعاشرون معهم بالرّوح و الرَّيحان * و هذا من التَّوحيد الّذی لم تزل أحببتَه و قدَّرته للمخلصين من عبادک و المقرَّبين من بريَّتک * اذاً أسألک يا مالک الملوک باسمک الّذی منه شرَعتَ شريعةَ الحبّ و الوداد بين العباد بان تُحدِثَ بين أحبّائی ما يجعلهم متَّحدين فی کلّ الشّئون لِتظهرَ منهم آيات توحيدک بين بريّتک

و ظهورات التّفريد فی مملکتک * و انّک أنت المقتدر علی ما تشاء * لا إله إلّا أنت المهيمن القيّوم *

ومازلنا مع هذه السلسلة من مقالات –(عفواً يا أمة الإسلام..............)وإلى لقاء قادم...



Powered By Blogger