Wednesday, September 17, 2008

الأمة الوسط

الأمة الوسط

قال تعالى فى القران الكريم : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }البقرة143

ولكن ما معنى كلمة او اصطلاح الشهادة هنا فى تلك الاية وما معنى ان تكون الامة الاسلامية شهيدة على الناس ويكون الرسول شهيد عليهم

{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }المائدة44

اذن الشهادة هنا تعنى الاقرار بما جاء فى كتاب الله من اوامر واحكام فلا نكتم الشهادة وعدم تحريف المعانى والمقاصد والمفاهيم الالهية المراد من اوامر الله ونواهيه لنشترى بتحريف تلك الايات ثمنا قليلا من متاع الدنيا وزخرفها ورضا الناس والعامة واشعال حماسة الاتباع والسلطان وقطع ما امر الله به ان يوصل بين وحدة الاديان السماوية وطمس جوهر رسله ورسالات وقد حكم الله بان من يفعل ذلك " فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ " , وايضا " أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ "

ولفظة وسط تفيد بين سابق ولاحق ولم تعنى باى حال ان الامة الاسلامية جاءت وسطية فى مكارم الاخلاق وعدم الغلو فى الدين والتدين كما حاول البعض تفسيرها0

وفى حديث صحيح للرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامة يؤكد وسطية الامة الاسلامية بين الامم يقول : " القران فيه خبر من قبلكم وحكم ما بينكم ونبأ من بعدكم "

ويوثق القران الكريم هذا الحديث الشريف فيقول تعالى :

{أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ }التوبة70

وايات كثيرة تحكى نفس المعنى بنفس الكلمات كما فى سورة ابراهيم ايه 9 مثلا

وتعالوا حضراتكم نتأمل ونتدبر هذا الحديث الشريف وما جاء فى القران الكريم عن تاريخ تلك الامم السابقة الى توالت اليهم رسالات الله حاملة لهم الهداية والبشارة 0

{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ }القصص80

ولكن الامم السابقة لم تنصاع للاوامر الالهية واستكبروا وعاندوا رسل الله فتوالت الانذارات الالهية لتلك الامم لمن رفض التسليم لله والانقياد لشرائعه0

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }هود25

{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ }الشعراء142

وحاول سيدنا هود عليه السلام ان يعطى مثلا قريبا ليروا بأم اعينهم عذاب الله وعقابة

{وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ }هود89

الا ان تلك الامم لم تؤمن لرسل الله ولم تتعظ وتستفيد من الدروس والعبر التى ساقها الله اليهم فى ايات بلغت خمسة الاف اية لم تخلو منها سورة من سور القران

{قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ }آل عمران137

وانا اتمنى من حضراتكم ان تتأملوا فى سكون وفى تمعن تلك الاية الشريفة وقد امرنا الله فى القران ان نتدبر اياتة بمعنى ان نتفهم المراد والقصد من ايات الله 0فاذا كان الاسلام هو اخر الرسالات الالهية ولن يحدث للمسلمين المؤمنين بالقران ما حدث للاقوام السابقة من تكذيب للرسل لانه كما يعتقدون انه لا رسول بعد سيدنا محمد فلماذا طلب الله منهم فى القران ان يسيروا فى الارض لينظروا عاقبة المكذبين وسيقول البعض انها عظة وعبرة 0 نعم هى عظة وعبرة ولكن ما اثر هذه العبر اذا لم تكن تخويف وترهيب من ذات المصير مصير الاولين البائس0

فما ارسل الله رسولا لقوم الا كانوا به يستهزئون ويكذبون وكأنها سنة من سنن الخلق او الخلق الانسانى0

{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ }الشعراء105

{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ }الشعراء123

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ }الشعراء141

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ }الحاقة4

وازداد الناس البشر العقلاء مع الاسف تكبرا وقسوة حتى قال الله متعجبا

{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ }يس77

والانكى والادهى انهم اجمعوا على حربهم للرسل واستمرأوا قتلهم وتكذيبهم وهنا كان لا بد من العقاب والجزاء الصارم لما اكتسبت ايدهم فدمر الله جمعهم وبدد شملهم0

{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ }الحاقة7

{وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً }الفرقان37

{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }فصلت17 {وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى }النجم51

وكانت سنة الله ان تظل كل اثار هذه الاقوام شاهدا لايموت ولا يفنى فجعلهم الله احاديث وروايات تحكى وتتلى فى كل الكتب المقدسة لغيرهم من الامم اللاحقة0

{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ }المؤمنون44

والمعنى المتبادر الى الذهن ان هناك امما سابقة جاء خبرها فى القران الكريم واوضح الله اثارها وما جرى عليها عندما رفضت واستكبرت على الله وعلى رسلة فحاق بهم سوء العذاب0

هذا ما كان من خبر من قبلنا فماذا عن نبأ الذين من بعدنا أى بعد المسلمين ؟

جاءت وتوالت انذارات الله الينا فى ايات القران بالبشارات والوعدود والانذارات تماما كما جاءت لمن قبلنا مهددة منذرة فقال تعالى فى ايات بديعة مذكرا ومحذرا الناس والمؤمنين فى منتهى الصراحة والوضوح بأنهم لا يتوقعوا من الله شيئا الا سنن الله التى جرت وصدقت على كل السابقين من البشر0

(َهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ) فاطر43

(فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ) يونس102

{قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ }آل عمران137

ولقد رجوت حضراتكم ان تتأملوا تلك الآيات لان فيها نظر كبير ومعانى عظيمة وتحوى حكمة ربما اذا ما تدبرناها وتفهمناها تغير كثيرا من نظرتنا لهذا الكون0 فلماذا حكم الله باستمرار سريان سنن الاولين والغابرين علينا وخضوعنا لنفس القانون وعين الناموس القديم ؟ وفى رأى المتواضع ان هذه المساواة فى الاحكام بين خلق الله هى العدالة الالهية فى اروع صورها لانه لو حكم الله على الاولين بقانون ثم حكم على المحدثين بقانون اخر لحسبنا ان الله يكيل للناس بمكيالين ولما تساوت الموازين بين البشر ولذلك ظهرت الوحدانية الالهية فى وحدة ذلك المنهج الالهى العادل0

وايضا يأتى فى طيات كتاب الله القران ذلك التحذير الصريح 00 ذلك التحذير الذى لا يخص الماضى الذى انقضى وانتهى وحدة بل يشير الى المستقبل بكل تأكيد 0

( وَلاَتَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ) ال عمران105

ولم يتركهم الرسول عليه السلام يظنون ان هذا التحذير قد قصد به اقواما اخرين غيرهم فكان التحذير الصارخ فى حديث الرسول علية السلام ( والله لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراع بذراع حتى اذا دخلوا جحر ضب دخلتموه فقالو اليهود يا رسول الله قال فمن ! )

وفى آية لها دلالة لا يخطأها الوجدان ولا تعمى عنها البصيرة يقول تعالى :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً }الأحزاب69 وهذه الاية فيها ثلاث مفاهيم

والذين كذبوا موسى كانت الأمة السابقة على مجيئه , فمنهم فرعون وهامان ومنهم من كان من المؤمنين برسالة يوسف علية السلام فاتهموا سيدنا موسى علية السلام بالكذب والكفر والسحر 000000 الخ

{وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ }الشعراء19

{قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى }طه63

ولكن الله اظهر براءته وجعله الأعلى ووجيها في الأرض وفى السماء 0والمعنى المستفاد من هذا التحذير الذي أطلقه القران الكريم – هو التحذير الواضح من إتباع سنن الأولين – بمعنى أن لا تكذب الأمة الإسلامية الرسول القادم إليها هو حضرة بهاء الله كما فعل السابقين لان الله سوف يظهر براءته من هذا التكذيب تماما كما فعل مع سيدنا موسى عليه السلام ويبرز مقامه العظيم 0 وإذا كان هناك مفهوم آخر لتلك الآية فلماذا قال الله لا تكونوا مثل تلك الأمة إذا لم يكن هناك رسول جديد ياتى 0 وأيضا تتوالى التحذيرات وتترى لمن له سمع فليسمع

وتتوالى ما ينتظره الناس من نبأ ما بعدكم كالغيث الهاطل0

فيقول الله (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ }ق41 -42

ومعنى المنادى هو رسول من عند الله كما يوضحه القران الكريم في سورة آل عمران آية 193

{رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ }آل عمران193

اما كلمة الحق فوهو الحق الذي لا ريب فيه توضحه الآية 91 من سورة البقرة

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ } البقرة91

ولا يصح ان نقول ان هذا الخطاب كان لليهود دون غيرهم فعندما يوجه الله الخطاب الى قوم من الاقوام لا يختص هذا الخطاب بهم وحدهم بل يكون خطابا يشمل كل الانسانية قديمها وحديثها ايضا فرحمة الله تعم وتشمل كل الناس والتحذير والتبشير لكل خلق الله دون تفرقة او تمييز فمثلا عندما عاتب الله سبحانه وتعالى رسوله قائلا:

{عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى }عبس1 – 3

فهل كان المقصود من هذا العتاب الرسول وحده أم هو ومن بعده الأمة بكاملها وكان الرسول عندما يرى شيئا ينكره من احد الناس وفرد بعينه لم يكن يوجه خطابه له وحدة بل كان يقول ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا فكان خطابة شاملا وعاما للمحيطين من حوله ودرسا وعظة لمن يأتوا من بعده 0

{قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً }الجن 26

ويجيب الله عنا عن هذا التساؤل قائلا ومؤكدا { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ }الذاريات5

{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ }القمر6

{يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً }طه108

{مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ }القمر8

وأيضا من الأمور التي تترقبها الناس نزول المهدي وعيسى عليهم السلام

{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً }مريم33

وفى سور عديدة منها ال عمران والقيامة والاعراف ينتظرون بيان وتأويل القران لان الله اختص به علمه ووعد ببيان تأويلة

(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ) آل عمران 7

(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) القيامة19

(هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) الاعراف 5

وفى معانى ذلك التأويل الذى سيوضح لكل الناس فيما كانوا فيه يختلفون تتضح ارادة الله وهيمنه حيث

(يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) الرعد35

وتفضل حضرة بهاء الله موضحا هذا المعنى فى سور ايوب متفضلا :

" قل أما نزل في الفرقان بقوله الحق كذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً وفسرتم هذه الآية بأهواء أنفسكم وكنتم موقناً معترفاً بما نزل بالحق لا يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم... إذاً فسئل عنهم كيف يفسرون ما نزل من جبروت العزة على محمد عربياً وما يقولون في معنى الوسط لو ختم النبوة به فكيف ذكرت أمته وسط الأمم... وقالت اليهود تالله هذا الذي افترى على الله أم به جِنة أو كان مسحوراً. قالوا إن الله ختم النبوة بموسى... والذي يأتي من بعد يبعث على شريعتها... والذين أوتوا الإنجيل قالوا بمثل قولهم... قل قد بعث الله رسلاً بعد موسى وعيسى وسيرسل من بعد إلى آخر الذي لا آخر له بحيث لن ينقطع الفضل من سماء العناية يفعل ما يشاء ولا يُسئل عما يفعل وكلٌ عن كل شئ في محضر العدل مسئولاً." ( لوح أيوب ص 273 )0

والقصد أن البشرية وعدت بان هناك امة ستأتيهم بالبيانات مثل باقي الأمم ويحذرهم الله من رفضها والاستكبار على آياته وشرائعة التي جاءت مصدقة لما بين أيدي أتباع الأديان جميعا ومؤكدة بتواصل الرسالات واستمراريتها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وفى خلال تلك الساعات العصيبة سوف نرى كيف ذلك اليوم الذى فيه (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ) الزمر69

(يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) النور25

{يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً }طه108

وساعتها تتضح سنة الله فى نصرة المؤمنين فينزع الملك ممن يشاء ويهبه لمن يشاء من عباده الصالحين

{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء }آل عمران26

{ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ }البقرة251

وقضى وعد الله ان يجعل هؤلاء المؤمنين الائمة ويجعلهم الوارثيين فيستخلفهم فى الارض ويجعلهم وارثوا ملكوت الله0

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ }الأنبياء105

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ }النور55

ويؤكد التوراة هذا المبدأ " انجيل متى اصحاح الحادى والعشرين اية 43 " لذلك اقول لكم ان ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لامة تعمل اثماره "

وعلى هذه السنة جاءت ايضا الامة الاسلامية وعليهم ان يعوا المراد من كلمات الله تماما فقال تعالى مشيرا الى هذا المصير لكل امم الارض قائلا :

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } يونس13 – 14


Monday, September 15, 2008

قادة عمي يقودون عميانا

قادة عمي يقودون عميانا

متّى 14:15:" اتركوهم. هم عميان قادة عميان. وان كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة".

ان الله قد اخبرنا بواسطة اشعيا بأحوال رؤساء الأديان الذين يسمون" بالحراس المراقبين" . فهم وان كانوا يترقبون مجئ المسيح لكنهم لا يفهمون معنى النبوات فهماً حقاً ولا يجاهدون في البحث لفهم ذلك.

اشعيا 10:56:" مراقبوه عمي كلهم، لا يعرفون. كلهم كلاب بُكم لا تقدر ان تنبح . حالمون مضطجعون محبو النوم

11: والكلاب شرهة لا تعرف الشبع وهم رعاة لا يعرفون الفهم . التفتوا جميعاً الى طرقهم كل واحد الى الربح عن أقصى".

وتدل نبوة اشعيا هذه علي انها تشير إلى وقت المنتهى وقد وبّخ يسوع الرؤساء الدينيين في زمانه بالعبارات التالية:-

متى 4:23:"فانهم يحزمون احمالاً ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها علي اكتاف الناس وهم لا يريدون ان يحركوها بإصبعهم.

5: وكل أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس فيعرضون عصائبهم ويعظمون أهداب ثيابهم.

13: لكن ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس. فلا تدخلون انتم ولا تدعون الداخلين يدخلون.

15: ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحداً ومتى حصل تصنعونه ابناً لجهنم اكثر منكم مضاعفاً".

لوقا 45:19:" ولما دخل الهيكل ابتدأ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون فيه

46: قائلا لهم مكتوب ان بيتي بيت الصلاة وانتم جعلتموه مغارة لصوص.

47: وكان يعلّم كل يوم في الهيكل وكان رؤساء الكهنة والكتبة مع وجوه الشعب يطلبون ان يهلكوه".

متى 23:23:" ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع والشبث والكمون وتركتم اثقل الناموس الحق والرحمة والايمان كان ينبغي ان تعملوا هذه ولا تتركوا تلك .

24: ايها القادة العميان الذين يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل

25: ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تنقون خارج الكأس والصفحة وهما من داخل مملؤآن اختطافا ودعارة.

26: ايها الفريسي الأعمى نق اولا داخل الكأس والصفحة لكي يكون خارجهما أيضاً نقيا

27: ويل لكم الكتبة والفريسيون المرآؤون لأنكم تشبهون قبورا مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام اموات وكل نجاسة .

28: هكذا انتم ايضا من خارج تظهرون للناس ابرارا ولكنكم من داخل مشحونون رياء وإثما".

ولرجال الكهنوت في كل عصر ميل الي عدم الاكتراث بل السماح للدين ان ينحط ويتدنى ويتحول الي طقوس مفصلة لكن النبوات تنطق بوضوح انه سيأتي وقت يبدل الله هذه الأمور ويقيم راعيا يرعى الأغنام ويهديها ويطعمها ويرشدها بالعدل ويقوم الجميع من قبور المادية والتجاوز عن الحق الي نسمات روحانية من ادراك القانون الالهي والعيش بوئام وصفاء بخبز الحياة الحقيقي. وأي شئ اصرح من العبارة التالية:

حزقيال 2:34:" يا ابن آدم تنبأ علي رعاة اسرائيل تنبأ وقل لهم. هكذا قال السيد الرب للرعاة. ويل لرعاة اسرائيل الذين كانوا يرعون انفسهم الا يرعى الرعاة الغنم".

10:" هكذا قال السيد الرب هانذا علي الرعاة واطلب غنمي من يدهم واكفهم عن رعي الغنم ولا يرعى الرعاة انفسهم بعد فأخلّص غنمي من افواههم فلا تكون لهم مأكولا

11: لأنه هكذا قال السيد الرب هانذا اسأل عن غنمي وافتقدها".

16:" وأطلب الضال واسترد المطرود واجبر الكسير واعصب الجريح وابيد السمين والقوي وارعاها بعدل".

23:"وأقيم عليها راعياً واحداً فيرعاها عبدي داود هو يرعاها وهو يكون لها راعيا.

24: وأنا الرب أكون لهم آلها وعبدي داود رئيسا في وسطهم. أنا الرب تكلمت".

28:" فلا يكونون بعد غنيمة للأمم ولا يأكلهم وحش الأرض بل يسكنون آمنين ولا مخيف".

ملاحظة: عاش حزقيال حوالي سنة600 ق.م. وعاش داود حوالي سنة1000 ق.م. فالواضح اذا ان حزقيال لا يشير الي داود ابن يسي والد سليمان النبي ولا يشير لي المسيح ولو ان داود هو جد يوسف زوج مريم ام عيسى ومع هذا المسيح كان ابن الله بينما يسمى حضرة بهاء الله دائما بالآب ويسمى عبد البهاء برجعة الابن في مجد أبيه وينادي عبد البهاء في ألواحه بأنه ليس الا عبدا لبهاء الله وقد عينه بهاء الله بعده راعيا للبهائيين ورئيسا لهم وقد فصل عبد البهاء في ألواحه ووصاياه أسس النظم الاداري الذي وضعه الآب. كما ان قول حزقيال "لا يكونون بعد غنيمة للأمم" و"لا مخيف لهم" لا يشير الي مجئ حضرة المسيح الذي بظهوره بدأ تشتت اليهود بل يشير إلي وقت المنتهى.

وينذرنا حضرة بهاء الله بكلماته التالية مرة أخرى ويحذرنا من الرعاة الغافلين المرائيين بقوله الأحلى:

"أيها الجهلاء المعروفون بالعلم!

لماذا تدعون في الظاهر بأنكم الرعاة ثم غدوتم في الباطن ذئاب أغنامي، إنما مثلكم كمثل نجم ما قبل الصبح، فهو درى منير في الظاهر، إلا أنه في الباطن سبب إضلال قوافل مدينتي ودياري وهلاكها . (مترجم عن الكلمات المكنونة الفارسية)

"قل يا معشر العلماء لا تزنوا كتاب الله بما عندكم من القواعد والعلوم انه لقسطاس الأعظم وانه بنفسه لو أنتم تعلمون ... يا معشر العلماء هل يقدر أحد منكم ان يستن معي في ميدان المكاشفة والعرفان أو يجول في مضمار الحكمة والتبيان لا وربي الرحمن كل من عليها فان وهذا وجه ربكم العزيز المحبوب...... يا قوم انا قدرنا العلوم لعرفان المعلوم وانتم احتجبتم بها عن مشرقها الذي به ظهر كل امر مكنون. لو عرفتم الأفق الذي منه اشرقت شمس الكلام لنبذتم الأنام وما عندهم واقبلتم الي المقام المحمود ..... انا ما دخلنا المدارس وما طالعنا المباحث اسمعوا ما يدعوكم به هذا الأمي إلي الله الأبدي انه خير لكم عما كنز في الأرض لو أنتم تفقهون" (من كتاب الأقدس)

ويتفضل حضرته في كتاب الايقان :" ان علماء العصر في كل الأزمان كانوا سببا لصد العباد ومنعهم عن شاطئ بحر الأحدية لأن زمام هؤلاء العباد كان في قبضة قدرتهم فكان بعضهم يمنع الناس حباً للرياسة والبعض الآخر يمنعهم لعدم العلم والمعرفة. كما انه باذن علماء العصر وفتاويهم قد شرب جميع الأنبياء سلسبيل الشهادة وقد طاروا إلي أعلى أفق العزة. فكم ورد علي سلاطين الوجود وجواهر المقصود من ظلم رؤساء العهد وعلماء الذين الذين قنعوا بهذه الأيام المحدودة الفانية ومنعوا أنفسهم عن الملك الذي لا يفنى كما حرموا عيونهم من مشاهدة أنوار جمال المحبوب ومنعوا آذانهم عن استماع بدائع نغمات ورقاء المقصود ولهذا ذكرت احوال علماء كل عصر في جميع الكتب السماوية" (الايقان ص11)

وماذا سيحدث في ذلك اليوم الذي فيه سيمجد الرب وحده؟ "هكذا قال السيد الرب هانذا أسئل عن غنمي واتفقدها": ان هذه العبارة تعني انه لابد لازالة العقبات التي تقف في سبيل السلم العالمي ان تمحى كل سلطة غير سلطة الله وكل تسلط وفوضى وسوف لا يبقي فريسيون "يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل" بل ستطهر القوة الالهية المكان المقدس وعما قريب ستتحقق كلمات ارميا.

ارميا 35:25:" ويبيد المناص عن الرعاة والنجاة عن رؤساء الغنم.

36: صوت صراخ الرعاة وولولة رؤساء الغنم لأن الرب قد أهلك مرعاهم".

والراعي الذي كان حتى الآن يقود عباد الله ويحب من صميمه الخير الوفير والسعادة للعالم سيبتهج ويجتمع معهم في مجامعهم ليتعاون مع الخطة الإلهية في سبيل عصر جديد من السلم يدوم الف سنة وعرفان هذه النفس المقدسة وتأسيس ملكوته على الأرض هو الطريق الوحيد الذي به يميز بين المرائين والأخيار وبهذه الطريقة توجه ويتوجه الكثيرون الي الله ويحافظون علي الشروط التي وصفها لهم الطبيب الالهي والتي هي ضرورية لتأسيس ملكوت الله علي الأرض كما سبقت به النبوات. فيجب ان يبتهج رجال الكنيسة لأن دورة ألف سنة من السلم ستكون أعلى من أى شيء عرفه العالم ماديا وروحانياً.وقد أنبأنا فوق هذا بأن بعض الرعاة سيتعاونون للتغلب على قوة الله وقهرها ولكن من ذا الذي سيكون أعمى حتى يتبع العمى وينال الخسران الأليم؟ ويصف أشعيا هذه الأمور بالكلمات التالية:

اشعيا 4:31:" لأنه هكذا قال لي الرب كما يهرّ فوق فريسته الأسد والشبل الذي يدعى عليه جماعة من الرعاة وهو لا يرتاع من صوتهم ولا يتذلل لجمهورهم هكذا ينزل رب الجنود للمحاربة.

5: كطيور مرفة هكذا يحامي رب الجنود عن اورشليم يحامي فينقذ يعفو فينجّي.

6: ارجعوا الي الذي ارتد بنو اسرائيل عنه متعمقين ".

ولتفسير الآية السادسة التي اقتبسناها هنا نقول ان حضرة بهاء الله كما هو معلوم قد أوضح حقيقة المسيح ايضاحاً تاماً وقبل أن يصبح اليهودي بهائياً ينبغي عليه ان يعترف بأن المسيح مظهر إلهي لأنه مالم يتم هذا فمن المستحيل عليه ان يعترف بأن حضرة بهاء الله مظهرإلهي كذلك لأن كليهما واحد في الروح ولو ان جسديهما كانا مختلفين ولقد"ارتد بنو اسرائيل عنه متعمقين" لكنهم برجوعهم اليه سينالون فضل الآب مرة أخرى ولا خوف على الذين قد صفت قلوبهم وتوجهوا بوجوههم إلى الله وقد كتب حضرة ولي أمر الله ما يلي:-

" ان الظهور الذي كان حضرة بهاء الله منبعه ومركزه لا ينسخ أي دين من الأديان التي سبقته ولا يحاول اقل محاولة ان يقلل من شأنها أو يشوهها بل يعارض كل أمر يرمى الي تصغير شأن أي نبي من الأنبياء السابقين أو بتر حقيقة تعاليمهم الخالدة ولا يتعارض في أي حال مع الروح التي تحيا بها مدعياتها ولا يحاول تقويض أسس تعلق أي انسان بقضيتها بل يعلن ان هدفه الأول هو ان يمكن كل فرد من معتنقي هذه الأديان من الوصول إلى فهم اكمل للدين الذي يتسمى به ومن الحصول علي ادراك اوضح لمقاصده فلا هو متعصب في عرض حقائقه ولا هو متعند في تأكيد مدعياته.وتدور تعاليمه حول المبدأ الأساسي القائل بأن الحقيقة الدينية ليست مطلقة بل نسبية وان الظهور الالهي متطور من سلم الارتقاء ولا نهاية لتطوره وهو يدعى بكل صراحة وبدون أدنى تحفظ او احتياط ان كل الأديان المؤسسة في العالم الهية في أصلها متطابقة في أهدافها متكاملة في عملها متتامة في مقصودها ضرورية لابد منها في نفعها للبشر..... وان الخصام علي ان الدين الفلاني آخر الأديان وان الظهورات الالهية قد انتهت وان أبواب الرحمة الالهية قد اغلقت فلا تطلع شمس مرة أخرى من عالم القدس وان محيط الفضل قد سكنت أمواجه وانقطع ظهور رسل الله من خيمة المجد القديم ليس في الحقيقة الا كفرا وضلالا" (مترجم عن كتاب نظام حضرة بهاء الله العالمي ص 57-58).

"ومن يستطيع وهو يرى خيبة البشرية وبؤسها في هذا اليوم ان يشك في ضرورة ظهور جديد لقوة محبة الله المنقذة وهدايته المنبهة؟..... ومن الأعمى الذي يشك في ان الساعة قد دنت لمجئ ظهور جديد وتأسيس مقصد إلهي ولإنعاش القوى الروحانية التي أحيت في فترات معينة مقدرات الهيئة الاجتماعية البشرية ؟ والا تتطلب القوى الموحدة للعالم الدائبة علي عملها في هذا العصر ان لا يكتفي حامل رسالة الله في هذا اليوم بالتأكيد علي نفس تلك المثل العليا لسلوك الفرد التي اقرها الأنبياء السابقون فحسب بل يجب ان يحتوي نداؤه لجميع الحكومات والأمم علي أسس ذلك القانون الاجتماعي وذلك الاقتصاد الالهي الذي يجب ان يقود جهود الأمم المتناسقة الى تأسيس اتحاد شامل يرمز الي مجيء ملكوت الله علي الأرض؟..... وهذا الدين هو وحده من بين جميع الظهورات التي سبقته قد نجح في اقامة صرح يجب ان يقترب منه اتباع المذاهب المتمزقة المفلسة المنذهلون ويفحصوه فحصاً دقيقاً ويستظلوا في حمى سلامة ملجأه العالمي المنيع قبل فوات الأوان ... والي أي شيء تشير كلمات حضرة بهاء الله ان لم تشر إلى القوة والجلال اللذين قدر للنظام الاداري الذي هو نواة الحكومة العالمية المحيطة المقبلة ان يظهرهما فيتفضل "قد اضطرب النظم من هذا النظم الأعظم واختلف الترتيب بهذا البديع الذي لم تر عين الابداع شبهه" (مترجم عن كتاب نظام حضرة بهاء الله العالمي ص146).

Friday, September 5, 2008

تطور الوحي الإلهي

تطور الوحي الإلهي

مرقس 26:4 : " وقال: هكذا ملكوت الله كأن انسانا يلقي البذار علي الأرض
27 : وينام ويقول ليلا ونهارا والبذار يطلع وينمو وهو لا يعلم كيف.
28: لأن الأرض من ذاتها تاتي بثمر. اولا نباتا ثم سنبلا ثم قمحا ملآن في السنبل.
29: وأما متى أدرك الثمر فللوقت يرسل المنجل لأن الحصاد قد حضر."

لقد تطورت المدنية الآن وبلغت عهد الحصاد ولهذا فهي تحتاج إلي وحي إلهي أرقي من أي وحي سابق. وفكرة تطور الوحي الإلهي في سلم الارتقاء مشروحة كذلك في التعاليم البهائية فقد ورد فيها: " ان دين الله دين واحد وجميع الأنبياء جاء لتعليمه فهو امر حي نام وليس بأمر ميت غير متطور. ففي تعاليم موسى يمكننا أن نرى أكمام الزهرة وفي تعاليم المسيح نرى الزهرة مفتحة وفي تعاليم بهاء الله نرى الثمرة من الزهرة ولا تناقض بين الزهور وبين اكمامها ولا بين الزهرة وبين الثمرة بل انما يتمم كل منهما الآخر ولابد من سقوط الأكمام حتى تتفتح الزهرة ولابد من سقوط أوراق الزهرة حتى تنمو وتنضج الثمرة. فهل كانت الأكمام والأوراق بدون فائدة أو جدوى حتى نصغر من شأنها ؟ كلا بل انها كانت في وقتها ضرورية وبدونها لا يمكن ان تحصل الثمرة وهكذا الحال في التعاليم الإلهية المختلفة تتغير ظواهرها من عصر إلى آخر ولكن كل دين متمم لسابقه ولا يخالفه بل يكمله وهذه الظواهر أطوار مختلفة لدين واحد كان في وقت من الأوقات كالبذرة ثم كالكم ثم كالزهرة والآن دخل في دور الثمرة (من كتاب بهاء الله والعصر الجديد للدكتور اسلمنت ص127 الترجمة العربية).

وهناك حجر عثرة عظيم يقف في سبيل الوحدة الدينية هو الاختلاف المشهود بين الوحي الذي جاء به غيره إلا أن الأفكار السابقة الناقصة اخذت بفضل الله تزول وتحل محلها افكار لائقة مقبولة وقد سبق للمسيحيين الأوائل ان اعلموا الناس تطور الوحي وتدرجه فقد جاء في:
اكورنثوس2:3: " سقيتكم لبناً لا طعاما لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون بل الآن ايضاً لا تستطيعون ."
عبرانيين13:5: " لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البر لأنه طفل ."
وقد عرف حضرة المسيح أن البشرية لم تصل بهد درجة البلوغ حين تفضل :
يوحنا12:16: " أن لي امورا كثيرة ايضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون ان تحتملوا الآن ."
فيجب ان ياتي بعد المسيح ظهور إلهي آخر قبل زمن الحصاد.
يوحنا16:14: " وانا اطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم الي الأبد ."
تيطس31:2: " منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح ."
ويتفضل حضرة بهاء الله : " أيها الناس قد نزلت الكلمات وفقا للقابليات حتى يترقى الناشؤون . فالحليب ينبغي أن يعطى علي قدر الطفل حتى يدخل العالم في ملكوت العظمة ويستقر في فناء الوحدة " ( من كتاب بهاء الله والعصر الجديد ص 126)
" بالحليب يقوى الطفل وبه يستطيع ان يهضم فيما بعد الاطعمة الصلبة. واذا قلنا أن احد الأنبياء كان علي صواب حين نادى ببعض التعاليم في وقت مخصوص وان نبياً آخر علي ضلال حين قدم تعاليم غيرها في وقت آخر فان قولنا هذا يصبح كقولنا بأن الحليب احسن غذاء للطفل الحديث الولادة ويجب أن لا يعطى غير الحليب طعاما للرجل البالغ أيضاً وان اعطاء أي طعام آخر اليه يكون خطأ كبيراً ( بهاء الله والعصر الجديد ص126)
عبرانيين 12:5: " لأنكم إذ كان ينبغي أن تكونوا معلمين لسبب طول الزمان تحتاجون ان يعلمكم أحد ما هي اركان بداءة اقوال الله وصرتم محتاجين الى اللبن لا الى طعام قوي .
13: لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البر لأنه طفل .
14: وأما الطعام القوي فاللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة علي التمييز بين الخير والشر ".
1 بطرس2:2: " وكأطفال مولودين الآن اشتهوا اللبن العقلي العديم الغش لكي تنموا به".
وكما تتجدد الطبيعة في كل ربيع بفضل القوة الباعثة الموقظة كذلك يبعث الله في البشر حين وآخر روحاً إلهياً . فحضرة المسيح قد بعث تعاليم حضرة موسى واكملها وفقاً لما تنبأ به حضرة موسى. وحينما يجدد الله فيوضات قانونه الروحاني من عصر لعصر عن طريق مظاهره البشرية الذين يأتون الى الأرض لهذا الهدف المعروف تتبدل نسمات الأرض فتمكن بذلك جميع المخلوقات من ان يظهروا صفات الله بنحو اكمل وأتم وحينئذ توهب أوامر جديدة أعلى من التي سبقتها .
يوحنا 13: 34" وصية جديدة أنا اعطيكم ان تحبوا بعضكم بعضا. كما احببتكم أنا تحبون انتم ايضا بعضكم بعضا".
ولأجل تقديم هذا التعليم الجديد إلى البشرية لبعث الحياة في تعليم حضرة موسى كان من الضروري ان يظهر مظهر إلهي جديد اذ لا يكون الربيع اذا لم تظهر اوراق وازهار جديدة ولهذا ارسل الله الي البشرية معلما في هيئة ابنه ومع هذا فقد يتمسك البعض في هذا اليوم بأن القانون الذي جاء به حضرة موسى والتعاليم التي جاء بها حضرة المسيح يكفيان على مدى الدهور ولا يمكن ان يكون هناك شئ مهم يضاف اليهما.
وكما تنبأ حضرة موسى عن مجيء خلفه حضرة المسيح كذلك المسيح تنبأ شخص سيأتي بعده:
يوحنا 16:14: " وانا اطلب من الأب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم الي الأبد".
يوحنا 26:15: " ومتى جاء المعزي الذي سأرسله انا اليكم من الآب الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي".
يوحنا7:16: " لكني اقول لكم الحق إنه خير لكم ان انطلق لأنه ان لم انطلق لا يأتيكم المعزي ولكن ان ذهبت ارسله اليكم .
8: ومتى جاء يبكت العالم علي خطية وعلي بر وعلى دينونة".
12: " ان لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون ان تحتملوا الآن .
13: وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم الي جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية".
ومقصود حضرة المسيح من كلمة المعزي في الاصحاح السادس عشر هو مجئ شخص ملهم بالالهامات الربانية سيظهر بعد حضرة المسيح وليس مقصود حضرته بكلمة المعزي ما فسره الكثيرون بأنه روح القدس المجرد الذي حلَّ علي الحواريين بعد صعود حضرة المسيح وذلك "اولا لأن روح القدس كان ملازماً لحضرة المسيح في زمان وجوده علي الأرض في حين ان قوله " ان لم انطلق لا يأتيكم المعزي " دليل على ان المعزي ما كان موجودا في زمن حضرة المسيح وثانيا ان الحواريين اذا لم يستطيعوا ان يتحملوا ويستوعبوا اسرار الحقيقة من الاقنومين الأعظمين الأول والثاني فكيف يستطيعون ان يتحملوها من الأقنوم الثالث وحده بعد صعود حضرة المسيح وثالثا ان قوله بأن روح الحق ذاك يتكلم بما يسمع دليل على انه شخص ملهم بالالهامات الربانية وبمنبع الوحي الالهي بينما ليس لروح القدس اُذُن يسمع بها" (مترجم من مكاتيب حضرة عبد البهاء ج2 ص57)
والاصحاح السادس عشر هذا قد تضمن حوارا استعمل فيه ضمير"هو" احدى عشرة مرة ولم يذكر الضمير"أنا" . هذا وان الله منذ بداية التاريخ قد اعطى البشرية هدايته عن طريق كائن بشري يراه الناس: كائن يعلمهم بمثاله وشاكلته "لنعملن انسانا علي شاكلتنا ومثالنا". ومن هذا الكائن البشري تتعلم البشرية حب الله واحكامه فلا تتسكع في الظلام في سبل شتى بدون هاد أو دليل . ولو يريد الله ان تتعلم البشرية بواسطة روح قدس مجرد غير منظور لكان علمنا هذا منذ ا لبدء دون ان يرسل الرسل ولكان اعطانا تعاليم المسيح من عالم روحاني لا من هيكل انساني ولا من مثال بشري وبمثل هذه الكيفية سيكون مجيئه الثاني.
2 يوحنا:7: " لأنه قد دخل إلى العالم مضلون كثيرون لا يعترفون بيسوع المسيح آتياً في الجسد . هذا هو المضلّ والضّدّ للمسيح".
وقد كتب حضرة بهاء الله في هذا الموضوع ما يلي : " من الواضح المعلوم لدى أهل العالم انه لما احرقت نار المحبة العيسوية حجبات اليهود ونفذ حكم حضرته نوعا ما حسب الظاهر ذكر ذلك الجمال الغيبي في يوم من الأيام لبعض من اصحابه الروحانيين أمر الفراق واشعل فيهم نار الاشتياق قائلا لهم :" اني ذاهب ثم اعود " وقال في مقام آخر" اني ذاهب ويأتي غيري حتي يقول ما لم اقله ويتمم ما قلته " وهاتان العبارتان هما في الحقيقة شئ واحد لو انتم في مظاهر التوحيد بعين الله تشهدون" (مقتبس من كتاب الايقان ص16)
وتتضمن ألواح حضرة بهاء الله ايضاحات كافية حول موضوع تطور الوحي الالهي وترقيه منها قوله عز بيانه " فانظر بطرف البدء فيما نظرت إلي آدم الأولى ثم من بعده إلي أن يصل الأمر إلي علي قبل نبيل .قل تالله كلهم قد جاؤوا عن مشرق الأمر بكتاب وصحيفة ولوح عظيم واوتوا كل واحد منهم علي قدر لهم وهذا من فضلنا عليهم إن انتم من العارفين...
حتى اذا بلغ الأمر الي وجهه العزيز المقدس المتعالي المنير إذا احتجب نفسه في ألف حجاب لئلا يعرفه من أحد..."
( من كتاب منتخباتي از آثار حصرت بهاء الله ص55-56 (رقم 31).

Sunday, August 24, 2008

تحقق الوعد وظهر الموعود-1(دكتور نبيل حنا)

الموعود

تبشر الكتب المقدسة إلى مجىء اليوم ’الموعود‘كما تصفه ’بيوم الله‘،وتشيرالآيات الخاصة لهذا اليوم المجيد بأنه يوم تحقق ملكوت الله ومشيئته على الأرض كما هى في السماء: فيقهر الشر وينتصر العدل، ويأكل الذئب مع الحمل في مرعى واحد، وتوضع نهاية للحروب والأحزان والآلام، وتشرق الأرض بنور ربها. سوف تتحقق كل هذه الوعود تدريجيًا بعد مجىء الموعود الذي وعدت به الكتب السماوية. ففى الانجيل المقدس يوصف هذا اليوم بقوله: " ثم رأيتُ سماءً جديدةً وأرضًا جديدةً لأنَّ السماءَ الأولى والأرضَ الأولى مضتا والبحر لا يوجدُ في مابعد. وأنا يوحنَّا رأيتُ المدينةَ المقدَّسةَ أورشليم الجديدة نازلة من السماءِ من عند الله مُهَيَّأةً كعروسٍ مزيَّنةً لرجلها. وسمعت صوتًا عظيمًا من السماءِ قائلا هوذا مسكنُ الله مع الناسِ وهو سيسكنُ معهم وهم يكونونَ له شعبًا والله نفسه يكون معهم إِلَهًا لهم." [ رؤيا يوحنَّا اللاهوتي 21: 1-3].

يشرح حضرة بهاءالله معنى المدينةَ المقدَّسةَ أورشليم الجديدة النازلة من السماء من عند الله بقوله: وأما تلك المدينة فهي الكتب الإلهية في كل عهد. فمثلاً في عهد موسى كانت التوراة وفي زمن عيسى كان الانجيل. وفي عهد محمد رسول الله كان الفرقان. وفي هذا العصر البيان. وفي عهد من يبعثه الله كتابه الذي هو مرجع كل الكتب والمهيمن على جميعها. وفي هذه المدائن أرزاق مقدرة، ونعم باقية مقررة، تهب الغذاء الروحاني، وتطعم النعمة القدمية، وتمنح نعمة التوحيد لأهل التجريد. وتجود على من لا نصيب لهم بنصيب. وتبذل كأس العلم للهائمين في صحراء الجهل. وفي هذه المدائن مخزون ومكنون الهداية والعناية، والعلم والمعرفة، والإيمان والإيقان لكل من في السموات والارض. [بهاءالله، كتاب الإيقان ص 159].

تشير آيات هذا الفصل إلى أن الذي سيأتي مرة أخرى ليس هو بيسوع المسيح نفسه، ولكنه الموعودالمشار إليه،والذى سيأتي بإسم جديد. ففي الإنجيل المقدّس تشير الآيات إلى بعض أسماء أو ألقاب الموعود ومنها: بهاءالله أو مجدالله، روح الحق، روح القدس،رب الجنود،المُعزّي، ملك المجد، ابن الانسان الآتي فى مجد أبيه، يوم يهوه. وتشير بعض الألقاب بخصوص الموعود في القرآن الكريم إلى: المهدي، القائم، القيّوم، الدَّاعى والنبأ العظيم.

أعلن حضرة الباب- ( مظهر الله والمبشّر بمن يظهره الله)فى سنة 1844،أنه قد جاء اليوم الموعود الذي تنبّأت به جميع الكتب السماوية. وفي سنة 1863 أعلن حضرة بهاءالله أنه هو الموعود المنتظر،والذي بُشر به من قبل جميع الرسل والأنبياء ووصفوا يومه بيوم الله. وصف حضرة الباب” من يظهره الله بقوله: قل انّ من يظهره الله حجاب الله الاوّل إن انتم من وراء ذلك الحجاب غير الله لا تدركون، ومن دون ذلك الحجاب كلّ ما يظهر من عند الله تدركون والله غيب ممتنع متعالي محبوب ان تريدون الله فلتريدنّ من يظهره الله. [منتخبات آيات از آثار حضرت نقطهء اولی عزّ اسمه الأعلی، ص 63].

Monday, July 21, 2008

تأملات روحانية وسيفي سيفي


(8)
ونتابع آخر جزء من ناقة النبى صالح(ع)
ونجد في سورة الحاقة:
* [كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ](4 الحاقة).
هكذا هو حال جميع الأمم القديمة من أصحاب الكتاب، فكل أمة آمنت برسالة سماوية، صدّقت ما سبق وظهر منها قبل رسالتهم، وكفر غالبيتهم بما لحق بها، وما كل ذلك إلا بسبب عدم استعدادهم لمثل هذه الأنباء الإلهية العظيمة التي تقرعهم وتذهلهم وتفزعهم أشد الفزع، كما قال تعالى (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ . أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ)(67،68 ص)، وكذلك قوله الحق (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)(70 المؤمنون).
* [فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ](5 الحاقة).
وما سبب هلاك قوم ثمود إلا ظلمهم أنفسهم وطغيانهم وجهلهم بعقيدتهم وتعصبهم لمذاهبهم ولرجل دينهم (أشقاها) (الطاغية) وغفلتهم عن حقائق دينهم وبشاراته. ومن المؤكد أن مصير قوم عاد كان ذات مصير قوم ثمود ولنفس الأسباب، بعدما جمعتهما الآية الكريمة معاً.
وفي سورة الشمس:

* [كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا](11 الشمس).
ما كان سبب كفر قوم ثمود وصدهم عن رسولهم صالح(ع)، إلا ما طلا عقولهم وطغى عليها من مفاهيم عقيمة ومعتقدات بالية، وما اصطبغت به من صبغ الظنون السخيفة وألوان الأوهام الواهية.
* [إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا](12 الشمس).
خاصة بعد بروز أشهر وأشقى كبار رجال دينهم وتشجيعه لهم بالصد والنأي عن دعوة النبي صالح(ع) وتكذيب رسالته. فمن يفعل ذلك ويعاند أمر الله وسلطته، فهو من أشقى الناس عند رب العباد.
* [فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا](13 الشمس).
لكن النبي صالح(ع) كان يوضح لقومه حقيقة شريعته وينصحهم بالايمان بها وعدم تكذيبها، فهي ناقة دين الله وسفينة شريعته الجديدة على الأرض، ويشجعهم على ركوبها والاهتداء بهديها، وبقي ينصحهم ويطلب منهم تركها وشأنها ترعى في قلوب الناس لتسقيهم لبن آياتها وزلال ماء أحكامها، لمن شاء الشرب والارتواء منها والتمسك بها.
* [فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا](14 الشمس).
لكن قوم ثمود قاموا على النبي صالح(ع) ولم يصدقوه وألبوا الجموع وحشدوهم ضد دعوته، وبذلك صارت أستار عقولهم سميكة وحجب قلوبهم غليظة، وتفاسيرهم دخاناً كثيفاً، وأقوالهم غيوماً ملبدة، وايمانهم وعلومهم عقبات كأداء أمام عيونهم وأبصارهم حجبت شعاع شمس الحقيقة عنها ومنعتهم من رؤية جواهر أسرار آياته الثمينة، وكان هذا الاعراض والصد والعناد هو السبب الرئيس في استقطاب غضب الله وعذابه عليهم.
* [وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا](15 الشمس).
فذلك الشقي (أَشْقَاهَا)، أخطأ مثل من سبقه وتبعه من رجال الدين القشريين الذين يفضلون زينة الدنيا ومكتسباتهم الدنيوية والمادية على التحول الى الأيمان الحق خوفاً على مصالحهم الشخصية، وارتكب ذات الخطأ الأزلي عندما راح يحرض الناس والعباد ضد دعوة النبي صالح(ع)، لأنه ظنَّ كل الظن أنه متأكداً كل التأكد من صدق دين قومه، وأنه على دين الحق ومؤمن بالله ورسوله، وأن شريعته أزلية وحق من عند رب العالمين، وأن ليس هناك بعد دينه ديناً جديداً أو شريعة تالية، وأن كل من يقول أو يدعي مثل هذا الدعوى الخطيرة، لا يستحق في الدنيا إلا الخزي والعار، وفي الآخرة عذاب في أسفل نيران الجحيم. (انتهى).

Friday, July 11, 2008

تأملات روحانية مع سيفى سيفى

تأملات روحانية مع سيفى سيفى

ونتابع مع ناقة النبى صالح(ع)
(7)
وفي سورة فصّلت:

* [وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ](17 فصلت).
من الواضح أن الآية لا تعني أن قوم ثمود كانوا فاقدي حاسة البصر، وكان الله يردّها ويعيدها اليهم، فيرفضونها ويفضلون العمى عليها. فليس من المعقول ان يكون شعباً بتمامه عمي العيون وعلى هذه الدرجة من الغباء والجهل. لكن المقصود أنهم اصبحوا في نهاية حياة شريعتهم عمي البصيرة مبتلين بظلام القلوب والأفئدة مفضلين الكفر والضلالة والتمسك بما بين أيديهم من عقيدة قديمة توارثوها عن آبائهم وأجدادهم، على الايمان بالشرع الصحيح ومخافة الله وطاعته، فما كان جزاء عنادهم وتعصبهم وجهلهم وكفرهم، إلا غضب من الله وعذاب شديد وخزي وهوان وذلة بين بقية الأقوام.
أما في سورة القمر:

* [كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ](23 القمر).
من معاني (النذر) هم رسل الله، كما قال تعالى في خاطبه لسيدنا محمد(ص) (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ)(89 الحجر).
فقوم ثمود لم يصدقوا مثل من سبقهم ومن تلاهم، ما جاءهم في كتابهم السماوي من إنذارات وتحذيرات من الشرك بالله
والكفر برسوله صالح(ع)، فلقد ظنوا أن لا رسول بعد رسولهم ولا كتاب
.
* [فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ](24 القمر).
واستنكروا أن يظهر بينهم رجل واحد يدعوهم لعبادة الله الأحد ويوحدهم على صراط إلهي فريد، لأنهم كانوا قانعين بتعدد مذاهبهم وكثرة رموز رجال دينهم ومنشغلين بتتبع ما بين أيديهم من تفاسير عقيمة، لأنهم يظنون أنهم على دين الحق الأزلي وأنه لن ينسخ أبدا، حتى وإن ظهر بينهم كل هذا الاختلاف والتعدد في المذاهب والشيع. وكانوا يظنون خطأً، أنهم إذا تركوا ما يعتقدون ويؤمنون به وتحولوا عن دينهم السماوي وابتعدوا عن رجال دينهم الذين فتحوا عيونهم على وجودهم وتربوا على احترامهم وتقديرهم وتبجيلهم، وآمنوا بدعوة صالح(ع)، فسيكونون من الكافرين بالله وسيضلون عن سواء السبيل ويكون مستقرهم جهنم وبئس المصير.
* [أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ](25 القمر).
وتعجبوا وراحوا يتساءلون: هل من المعقول أن يختار سبحانه وتعالى رجلاً منهم ليس بذي شأن، ويترك كل هؤلاء
العلماء والفضلاء الممسكين بزمام أمور دينهم؟ فهذا ما لم يسمعوا به من قبل ولم يذكر في بشارات وآيات كتابهم. لذا ظنوا أن النبي صالح(ع) ما هو إلا كذّاب كبير أو ساحر محتال، كما حدث فيما بعد مع سيدنا محمد(ص)، عندما لم يصدّق اليهود والنصارى ما نزل عليه من سماء فضل رب العالمين، بعدما كانوا يظنون أن موعودهم ورسولهم القادم لابد وأن يظهر من بينهم، وليس من أمة أخرى معروفة بالجهل والتخلف، قال تعالى
(وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)(31 الزخرف).
* [سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنْ الْكَذَّابُ الأَشِرُ](26 القمر).
من الوارد ان يكون لكلمة (غَدًا) معاني عديدة، منها: ان النبي صالح(ع) يشير الى أن حقيقة أمره وصدق دعوته ستتضح في مستقبل الأيام، أو عند ظهور رسول لاحق آخر يصدق دعوته، لأن من مهام كل رسول كريم تصديق من سبقه والتبشير بمن سيليه، كما قال تعالى على لسان سيدنا عيسى(ع) (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)(6 الصف
).
ومن معاني كلمة (غَدًا) أيضا، هو يوم الدين التالي الذي سيظهر بعد دين صالح(ع)، لأننا علمنا أن عمر ومدة كل دين أو شريعة، يحتسب عند الله بيوم كامل، فمثلما يكون لليوم الزماني تغير وحالات، كذلك هو يوم الدين، فيه وقت شروق الرسالة وبداية استضاءة العباد بها، ووقت ضحى شمسها وبداية حرارة الأيمان والعقول والأرواح، ثم تحول وانتقال الى مستوى السمت فوق الرأس، وهذا دليل الوصول الى أرقى شؤونها الروحانية وقمة رأس حضارتها الاجتماعية. ثم يأتي دور الهبوط وعصر تدني حرارة أيمانها، فتبدأ بالانخفاض في قلوب أتباعها، وتنتشر الظنون الواهية والأفكار البالية بين معتنقيها، وتستمر في الهبوط حتى تنتهي الى الغروب والزوال. عندها تظلم سماء أحكامها ولا تعد تعطي ضوء هديها إلا لمن يختاره الله برحمته الواسعة، فإذا خليت خربت. في تلك الفترة، لا يعد يعرف أتباعها بمن يستظلون ويقتدون. وبما أنهم لا يجدون في زمن ليل شريعتهم إلا نجوم رجال دينهم، ينجذبون اليهم ويتعلقون بأذيالهم ويهتدون بهديهم. وبعد انقضاء فترة الظلام مهما طالت وامتدت، يظهر في السماء نجم بشارة هدي جديد يبشر بقرب بزوغ شمس الهدى مرة أخرى، ويظهر على الأرض نجم رجل مبارك يبشر الناس بقرب سطوع شمس الرسالة والرسول الجديد، فيعلنان معاً انتهاء يوم دين سابق وبزوغ فجر يوم دين لاحق. وهكذا استمرت أديان الله تتنزل على العباد طالما أن الله سبحانه وتعالى خالد أبدي سرمدي وخلقه موجود باق، حيث لا يمكن ان يكون هناك خالق بدون خلق، ولا مبدع بدون إبداع ولا معبود بدون عابد ولا مشكور بدون شاكر. فلابد من وجود الخلق حتى يعرف الخالق، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ)(56 الذاريات).
* [إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ](27 القمر).
من معاني كلمة (فِتْنَةً) هو الامتحان، وكذلك كل ما يفتن الناس ويمتحنهم ويزلزل أفكارهم ومعتقداتهم، فلا يعودوا يعرفون الحق من الباطل. وهذا ما كان يحدث بالضبط عند بزوغ شموس الشرائع السماوية السابقة أو عند ظهور أنوار رسل الله، لأن الناس كانوا ينقسمون آنذاك الى فريقين، فريق يضم الغالبية ينادي بضرورة التمسك بدين آباءهم وأجدادهم، لتأكدهم ووثوقهم من صدقية تعاليمهم وكتابهم القديم، وفريق يضم أقلية تصدق الديانة الجديدة وتثبت عليها وتفدي النفس والنفيس في سبيلها.
ومن معانيها أيضا: الرسول والرسالة والشريعة والدين، كما قال تعالى
(وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا)(20 الفرقان)، فالخطاب هنا موجه لسيدنا محمد(ص)، وسبحانه وتعالى يصفه وجميع الرسل الكرام بالفتنة، لأنهم يفتنون الناس بدينهم السابق ويمتحنون صدق أيمانهم بفتنة أديانهم التالية. وكذلك قوله الكريم (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ)(17 الدخان)، فسيدنا موسى(ع) كان فتنة لقوم فرعون الذين فتنهم الله بدعوته وامتحن حقيقة أيمانهم، فأرسل الكافرون الى جهنم عذابه بعدما أغرقهم بمياه آيات كتابه، واصطحب المؤمنون الى جنة دينه الجديد بعدما عبر بهم بحر الكفر ونقلهم الى أرض الأيمان. وما ظهور ناقة شريعة صالح(ع) إلا امتحان لقوم ثمود وفتنة لهم، ولمن عاش في زمانهم من أتباع الشرائع السابقة لهم، ليتبين المؤمن الحقيقي من مدعي الايمان الكاذب بينهم.
أما كيف يكون فرعون وقومه من أهل الكتاب وأصحاب شريعة سماوية؟ فالله سبحانه وتعالى لم يترك هذا الأمر المهم دون أن يعطف عليه ويذكره باشاراته اللطيفة الإعجازية. قال تعالى
(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ)(26 غافر)، فكلمة (دِينَكُمْ) فيها إشارة واضحة لاعتقاد قوم فرعون بدين سماوي. ولقد كان من قدرة القدير، ان يستعمل كلمة أخرى غيرها ليشير الى معتقدات فرعون وموروثات قومه، بدليل قوله تعالى (قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(28 الزمر). ففرعون كان يتبع ديناً سماويا من عند الله، بدليل أنه يحذر قومه من تبديل دينهم وعقيدتهم، فهو يخاف أن تكون دعوة سيدنا موسى(ع) باطلة، وبدلا من استمرار قومه على التمسك بدينهم السماوي وأحكام شريعتهم الإلهية، ينقلبون ـ حسب ظنه ـ الى اتباع دعوة رجل مدّعي كاذب لم يشتهر بينهم لا بالعلم ولا بالمعرفة ولا بالدين؛ بل يشتهر بقتل نفس. وبهذا ينتشر بينهم الفساد والكفر.
ومن الأدلة على صحة هذه الفكرة، ما تم اكتشافه مؤخرا من تفاصيل حياة الفراعنة ومعتقداتهم، وكيف كانوا يحنطون موتاهم ويدفنون حليّهم وأدواتهم معهم، ظنّاً منهم أنهم سيعودون لهذه الحياة أو أنهم سينتقلون الى حياة أخرى فيستفيدون من لوازمهم. ففكرة البعث والعود والخلود كانت منتشرة بينهم ولو بتلك الطريقة البسيطة، ومثل هذه المعتقدات الروحانية ليس لها مصدر أو منبع إلا أديان الله وشرائعه ورجاله المقدسين.
وهناك آية كريمة أخرى تبين أن فرعون وقومه كانوا من أصحاب الكتاب، وهي
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(11 التحريم).
فنفهم من معانيها أن امرأة فرعون كانت تعرف الله وتعلم أن هناك جنة له، وبهذا فهي تعلم أن هناك جهنم، وبهذا فهي تدرك أن هناك أيمان وكفر، وهذا يثبت ان فرعون وقومه كانوا يتبعون ديناً سماويا قديما من عند الله قبل ظهور النبي موسى(ع) بينهم، وإلا من أين جاء أيمانها بكل هذه الأمور المعنوية والدينية، وكيف ارتضت بفرعون زوجاً لها، إن كان لا يؤمن بالله؟ لكنها بعد أيمانها بدين موسى(ع)، أدركت الفرق بين معتقدها الجديد وبين معتقد فرعون زوجها. وبما أن ملوك وأباطرة الأمم الشرقية في قديم الزمان، كانوا يمثلون ويملكون السلطتين الدينية والدنيوية، يتضح من هذا أن فرعون كان رجل دين ودنيا معاً، وأنه مشى على خطى من سبقه من رجال أديان أمم أصحاب الشرائع القديمة الذين كان ديدنهم على الدوام معارضة رسلهم وصدهم. لذلك عارض فرعون، رسول الله موسى(ع)، إما بسبب الجهل رغم اشتهاره بالعلم، أو بسبب التعصب والغلو في محبة دينه. وهذا يعيدنا الى صحة النظرية القائلة بسرعة أيمان بسطاء القلوب والسريرة من الفقراء والمستضعفين قبل علمائهم ورجال دينهم الذين يعجزون عن عبور عوائق العلم وجدران المعرفة، والمصطبغة قلوبهم بصبغة العناد والتعصب.
فامرأة فرعون عرفت الفرق بين الدين الحق الجديد والدين الباطل القديم المنسوخ، وتقدمت للأيمان برسالة الله حال نزولها على سيدنا موسى(ع)، وتركت دين آبائها وأجدادها حال إشراق شمس الحق من أفق الرسالة الموسوية واعتنقتها، وقالت على الفور: ربي إني قد تركت جنة دينك القديم بعد نسخها، وها أنا أتقدم للأيمان بجنة دينك الجديد، فابنِ لي عندك في أرض جنة دينك الجديد بيت أيمان جديد، وأقبل مني زكاة أيماني وهجرتي إليك، وساعدني في فهم شريعة موسى، ونجني مما يتبعه فرعون زوجي وما يأمر به من كفر بدعوة رسولك، وأخرجني من ملة الكفر الذين ظلموا أنفسهم ويظلمون أتباعهم بالكفر والعناد والصد عن سبيلك المستقيم.
نعود للآية الكريمة مورد البحث، فالنبي صالح(ع) لابد وأنه أدى مهمته السماوية على أكمل وجه وبذل جهده وكل ما في وسعه لدعوة قومه الى الله والايمان برسالته، ولم يترك سبيلا إلا وطرقه، بدليل قوله تعالى حينما أشار الى النبي نوح(ع) وما عاناه في سبيل تبليغ دعوته الى قومه
(قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَاراً . وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا . ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا)(5-9 نوح).
لذلك نزل الأمر الإلهي على النبي صالح(ع) بترك الكافرين من قوم ثمود وشأنهم والنظر الى عاقبتهم. فمن آمن، فالله عليم بذات الصدور، ومن
كفر فجزاءه عند ربه أسوأ العقاب. كما قال تعالى في أمره لسيدنا محمد(ص)
(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(125 النحل)، وكذلك قوله الكريم (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)(29 الكهف).
* [وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ](28 القمر
).
وبعدما علمنا أن الكلام في الآيات المباركة السابقة وحسب تسلسلها كان عن الأيمان والأيقان والخشوع والخضوع، إذن لابد أنه لا يخرج عن هذا السياق والنطاق الديني. وقد سبق وذكرنا أن من معاني كلمة (الْمَاءَ) التي ترد في آيات الذكر الحكيم بالاضافة الى معناها العام الشائع، هي ماء الآيات الإلهية وزلال السـور الزكية وفرات الرحمة الربانية التي تهبط مع نزول كل شريعة سماوية من سماء فضل الله لتسقي أشجار أرواح العباد حتى تثمر بفواكه الأعمال الصالحة. فمثلما يروي هذا الماء المادي كل ما هو حيّ من مخلوقات أرضية، حسب قوله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ)(30 الأنبياء)، كذلك هو الماء الرباني يسقي أرواح وعقول وقلوب كل من يقبل الى الله ويؤمن بأديانه المقدسة ليظهر من تراب أرض قلوبهم وعقولهم أزهار الحكمة وأثمار العلوم والمعارف، كما قال تعالى (إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ)(11 الأنفال)، فماء الأمطار لا يطهّر الناس ولا يذهب عنهم رجز الشيطان ولا يربط القلوب ولا يثبت الأقدام. بل هي مياه الأيمان ومياه الأديان وزلال رحمة رب العالمين وفرات النعم والبركات الإلهية، فهي التي تطهر الناس وتذهب عنهم رجز الشيطان وتربط قلوب المؤمنين وتثبت أقدامهم على صراط الله المستقيم. وبهذا فالآية الكريمة لا تتكلم عن هـذا المـاء الجاري فقط، بل تتكلم أيضاً عن زلال ماء الآيات وفرات الأيمان. فيكون من معاني الآية:ـ
أخبرهم يا صالح(ع) أن ماء الغيث الإلهي يُقسَّم بين أمم أصحاب الكتاب بنسب ومقادير متفاوتة محددة، كل أمة لها مقدار معين من ماء شريعتها، يبدأ في لحظة محددة وينتهي في يوم من الأيام. وحالما يحين موعد جفافه واحتضاره ينزل ماء شريعة سماوية جديدة على البشر، كما قال تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (34 الأعراف). فمهما حاولتم يا قوم ثمود، التشبث بماء دينكم وحافظتم عليه وزدتم في تعبدكم وغاليتم في أداء فروضه وواجباته، فلابد أن يأتي اليوم الذي تنسخ فيه شريعتكم وينتهي مفعولها ويجف ماء أيمانها فلا تستطيعون له وصولا.
* [فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ](29 القمر).

هذه الآية الكـريمة تشير الى صلب الموضوع وبيت القصيد والى أهم أسباب اعتراض الناس على رسلهم الكرام، وتفصح عن حقيقة مصدر مهم من مصادر الاعتراض والعناد والصد والنكران ومحاربة الله ورسله الكرام.
فكل أمة تلتجئ في ملماتها وخطبها الى رجال دينها وكبار أحبارها لتسألهم عن أمور دينها ودنياها إذا ما استعصى عليها أمرا من أمورها الروحية أو الاجتماعية، خاصة في قديم الزمان. ومن أهم المعضلات التي واجهت عباد الله، كانت مشكلة التمييز بين رجل الدين المؤمن الموقن داعي الحق الحقيقي، وبين مدّعي الدين المزيف القشري وساحر العقول. لذا كانوا بمجرد سماعهم بنبأ ظهور دين جديد وشمس رسول جديد أو نبيّ من الأنبياء، يهرع الأتباع والمريدون الى أولياء أمور دينهم طالبين المشورة والهداية باعتبارهم أصحاب الاختصاص في هذا المجال. وهنا يكون الخطأ الجلل والداهية الدهماء. فإذا كانت الشريعة ما زالت حيّة فاعلة، يكون الناس كمن يطلبون الهداية والاستنارة من
أنوار نجوم الهدى وكواكب التقوى، كما قال تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)(73 الأنبياء). أما إذا كانت شريعتهم قد ماتت بنزول شريعة جديدة وهم غافلين عن ذلك، فيظن رجال الدين المفسدون، أنهم باقون على عهدهم، ومازالوا كما كانوا مصلحون. لكنه سبحانه وتعالى يوضح هذه النقطة الخطيرة ويبيّن لعبـاده كيف ينقلب شـأن هؤلاء من نور نهار الى ظلمة ليل، ومن هدي مبارك الى ضلالة مغضوب عليها، وكيف يستطيع العباد التمييز بين فريقي المصلحين والمفسدين، كما قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)(11 البقرة)، لأن أتباعهم يكونون كمن يطلب الهداية ممن لا هداية له وعاجز عن مساعدة غيره، كما قال تعالى (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا)(3 الفرقان)، وكما قال تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ)(41 القصص).
ومع كل هذه المعضلات وهذه الفتن والامتحانات، قد يتساءل البعض: كيف يمكن للانسان البسيط أن يميز مكانه ودوره وطريقه ويعرف الحق من الباطل وينجو من نار غضب الله ويدخل جنة رحمته ونعيمه؟
لم يترك الله عباده لأنفسهم يحتارون في مثل هذه الأمور الخطيرة، إذا ما حان أجلها وأزف موعدها، فلقد ترك علامات واضحة وآثاراً مكشوفة لخلقه لمعرفة وتمييز مثل هذه الأزمان عند استعمال عقولهم والابتعاد عن التقليد الأعمى، كما قال تعالى
(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)(117 هود)، ففي هذه الآية الكريمة، قانون إلهي عام يوضح ويكشف لجميع الخلق مهما تباينت درجات ذكائهم ومستويات عقولهم، أن بإمكانهم تمييز هذه العلامات الفارقة. فالآية الكريمة تعلن أن شرط الهلاك وبداية زمن النهاية، هو انقلاب أحوالهم وتفشي السيئات وانتشار الشرور بينهم، وعجز رجال الدين المصلحون على أداء أدوارهم الروحانية، كما أيد ذلك قوله تعالى (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(15 الإسراء)، فمن ثمارهم تعرفونهم، فلا تطرح شجرة الشوك أو الحسك تيناً أو عنباً.
لذلك فالآية الكريمة تقول أن قوم ثمود بعدما سمعوا بظهور شريعة صالح(ع) الجديدة بينهم، توجهوا الى كبير رجال دينهم الذي يصفه سبحانه وتعالى (بأشقاهم) ليسألونه عن حقيقة الأمر، وبما أنه كان في جوهره رجلاً غافلاً عن بشارات كتابه وجاهلا بجواهر أسراره، فقد تبينت قشرية علومه وسطحية مفاهيمه حالما أفتى بكذب دعوة النبي صالح(ع) وحكم ببطلان معتقدها وقيامه على تحذير الناس من مغبة الايمان بها، فهي حسب ظنه دعوة باطلة وطريق ضلالة وكفر، ونصحهم بعدم ترك دين آبائهم وأجدادهم الذي أجمعت الأمة على أحقيته وقدسيته وضرورة التشبث به
.
* [فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ](30 القمر).
ويبدو أنه كان هناك صدى واسعاً لنصائح (أشقاها) بين قومه، فلقد تبعه غالبية مريديه وصدّقوا أقواله، لأن هذه الآية الكريمة تفصح ان عذاب الله قد نزل بقوم ثمود بعدما تبعوا (أشقاها) وكذبوا نبيّهم صالح(ع)، وبهـذا تكون أمتهم قد أجمعت على الخطأ والباطل، واتفقوا على الكفر والضلالة، وبالتالي كان ويكون هذا التصرف مغناطيس غضب الله ونقمته.
* [إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ](31 القمر).
فلقد كانت لحظة نطق صالح(ع) بعبارة: أني رسول من عند الله. هي لحظة البدء بنزول العذاب الإلهي وهي لحظة الاعلان عن انتهاء عمر شريعة قوم ثمود السابقة ونسخها، وهي الشرارة الروحانية التي تحولت فيما بعد الى نار مستعرة أكلت وجودهم. ومنذ تلك اللحظة، لم يتبق من عقيدتهم ولا من دينهم، ما ينفع الناس في حياتهم أو يصلح لبناء بيوت أيمانهم وقلاع تقواهم، فلقد دخلوا أول فترة الموت والاحتضار، وما هي إلا مدة محدودة مهما امتدت وطالت، حتى انتهى أمرهم وزال ذكرهم ومحيت عقيدتهم وحضارتهم وآلت الى فناء.

Wednesday, July 2, 2008

تأملات روحانية مع سيفى سيفى

ونتابع مع ناقة النبى صالح(ع)
(6)
وجاء في سورة النمل:
* [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ](45 النمل).
ينتقل سبحانه وتعالى في هذه المجموعة من الآيات الكريمة الى توضيح ما يحصل بين الناس وعلى الخصوص بين أمم أصحاب الكتاب عند ظهور رسول جديد من عند الله بينهم، فبعد أن أشار لما لصفات العناد والتعصب والغرور والغلو في محبة الدين القديم من تأثير واضح في اختفاء آثار حضارات الأمم، ينتقل سبحانه وتعالى ليوضح ما يحصل من انقسام بين أمم أصحاب الكتاب حال ظهور دعوة سماوية بينهم، إذ تنقسم الأمة على العموم الى فريقين، مهما كانت النسبة والتناسب بينها عدديهما، فريق يخضع ويؤمن بدعوة الله، فيعود أو فينتقل الى الحياة الروحانية مرة ثانية من جديد، وهذا الفريق يكون على الغالب قليل العدد. وفريق يصدَّ ويبعد عن الأيمان فيموت موتاً روحانياً، وعلى العموم يكون هذا الفريق من غالبية الناس وأكثرهم عدداً (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)(102 الأعراف). إذ لابد وأن يؤمن بكل دين جديد قلة قليلة من الناس في أول ظهوره، كما قال تعالى وأكد على ذلك (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ)(13 سبأ). وكذلك قوله الكريم (ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ)(14 الواقعة)، وبهذا يحضرنا سؤال: إذا كان سبحانه وتعالى قد غضب على الكافرين بدعوة النبي صالح(ع) ومحا أثرهم، فما بال الذين آمنوا بها، وأين هم؟ وما كان من مصيرهم؟
هنا نتذكر مرة أخرى ما سبق وجئنا عليه، فسبحانه تعالى، يترك الفريقين على الأرض ليعيشا معاً، هذا يلهو بكفره، وهذا يتمتع بأيمانه، كما قال تعالى (كُلا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)(20 الإسراء)، فالفريقان يبقيا يعيشان على الأرض، لكن الكافرين يموتون بكفرهم روحانيا بالتدريج، ولا يبقى لهم شان عند رب العالمين، وفي النهاية يمحى أثرهم من خلال تغلغلهم بين بقية الشعوب. بينما يبقى المؤمنون خميرة الأيمان للأجيال القادمة وتزداد أعدادهم حتى يمسوا أمة عظيمة، وحال موتهم يدخلون جنات الخلد عند مليك مقتدر عظيم، كما قال تعالى (قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ)(26 يس)، فهذا المؤمن الشهيد يتمنى أن يعلم من بقي من قومه على الأرض أنه قد دخل جنة الله حال استشهاده ومقتله.
فالآية الكريمة مورد البحث تقول: لقد أظهرنا بين قوم ثمود، رجلا منهم وبينهم، أمرهم بالعودة الى عبادة الله الواحد الأحد مرة أخرى، فلم يؤمن به إلا فئة قليلة وكفر أكثرهم.
* [قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ](46 النمل).
كيف يستعجل الناس السيئة ويطلبونها ويسعون خلفها ويتركون الحسنة ويبعدون عنها، وبينهم العلماء والعقلاء؟ أليس بينهم رجل رشيد؟ من هذا لابد أن يكون للسيئة معنى غير ما ينتشر بيننا من معانيها الكثيرة، عجز عقلاء قوم ثمود عن تمييزها أو التعرف عليها. هنا علينا ان نتذكر مرة أخرى ما لتأثير حجاب العلم وما لآفات التعصب والغلو في محبة الدين من تأثيرات قوية على أتباع الكتاب، وكيف تحجب مثل هذه السحب الكثيفة والستائر السميكة أنوار الحقيقة عن طالبيها.
فإذا علمنا أن شريعة الله توصف بالحسنة عندما تكون حيّة فاعلة طازجة فعّالة عندما تحيي الأرواح وتنعش العقول. وتوصف بالسيئة عندما ينتهي مفعولها وتنسخ أحكامها ويكون الأخذ بها مصدراً للأمراض الفكرية والروحية. نفهم أن الحالة الأولى نتيجتها جنان الله وكسب مرضاته ورحمته والتنعم ببركاته، بينما تكون نتيجة الحالة الثانية غضب الله وسخطه. من هذا نفهم لماذا توصف مرة بالسيئة ومرة أخرى بالحسنة.
فخاطب صالح(ع) قومه معاتباً: ما لكم تستعجلون في صدكم عن سبيل الله وتستنكرون ظهور رسول بينكم، وتصرون على التمسك بشريعتكم المنسوخة قبل أن تتحققوا وتتأكدوا من صدق دعوتي، فلن تخسروا شيئاً إذا ما استغفرتم الله وعدتم الى دين الحق والصراط المستقيم. بل على العكس، ستتنعمون برحمة الله وبركاته لاستجابتكم له، وسيعود لكم مجدكم وعزكم. فتحققوا فيما بين أيديكم من آيات كتابكم، وستجدون فيها ما يشير الى صدق دعوتي ويبشّر بحقيقة رسالتي.

* [قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ](47 النمل).
ولأن كل فكرة جديدة تحدث هزّة واضطراب وتعكر صفو وسكون ماء بحر عادات الناس وتقاليدها ومفاهيمها القديمة. كان جواب قوم ثمود، لقد كنا قبل ظهورك أمة متفقة على دين واحد ولنا شريعة واحدة وأحكام ثابتة، ولكن بظهورك، ظهرت بيننا مجموعة جديدة تتبعك وتدعو لأحكام جديدة مخالفة لما وجدنا عليها آبائنا وأجدادنا، وما نراك إلا السبب الأساس في هذا التفرّق والانقسام. فيجيبهم النبي صالح: أن ما يحصل في أمتكم هو سنة إلهية دائمة لا تغيير ولا تبديل لها، وهذا ما كان يحصل بين أمم أصحاب الكتاب على الدوام، وما هذه الحالة إلا امتحان لحقيقة أيمانكم ليفرز المؤمن من المعاند بينكم.
* [وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ] (48 النمل).
بعد أن يوضح سبحانه وتعالى ما يحدث لأمم أصحاب الكتاب حال ظهور رسول بينهم، وكيف ينقسمون الى فريقين، فريق قليل العدد يسمع ويطيع ويخشع، وفريق كبير العدد يتعصب ويصد ويغلو في دينه. يعود في هذه الآية الكريمة ليوضح حالة أمة ثمود آنذاك، حيث نفهم أن قوم ثمود كانوا منقسمين الى تسعة مذاهب أو تسعة شيع في زمن ظهور النبي صالح(ع)، ومن المؤكد أن أتباع كل واحد منها كانوا يظنون أنهم على طريق الحق والصراط المستقيم، كما هو الحال اليوم مع مختلف المذاهب والنحل لمختلف الأديان. لكن الحقيقة، وحسب منطوق الآية الكريمة، كان أتباع جميع تلك النحل يجهلون أنهم مفسدون للدين وكافرون بحقيقة ما بين أيديهم من دين الحياة الدنيا، وأنهم جميعا يقودون الناس الى طريق الكفر وسوء السبيل ويخربون عقولهم ويمنعونهم من دخول جنة دين الله الجديدة حالما أمر الله بنسخ جنة شريعتهم. ولقد سبق وقلنا أن رجال الدين ومذاهبهم يكونون أعلام هدى ونجوم رحمة وأيمان وكواكب تقوى واطمئنان، عندما يكون دينهم حيّ فاعل. أما عندما يأمر سبحانه وتعالى بنسخ شريعتهم وينزل جنة شريعة جديدة، عندها تنقلب أحوالهم على العكس تماما، فيمسون أعلام ضلالة ونجوم ضياع للناس ولأتباعهم.

* [قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ](49 النمل).
تذكرنا هذه الآية الكريمة، بما أجمع عليه رؤساء القبائل العربية المشركة، حينما تفتقت عقولهم عن فكرة شيطانية وحزموا أمرهم على اختيار رجل واحد من كل قبيلة، ليقتلوا سيدنا محمد(ص) في ليلة دهماء، وكيف فشل مخططهم بحلول موعد هجرته الى المدينة المنورة. كما تذكرنا وتؤكد لنا ان قوم ثمود كانوا يؤمنون بالله وأن لهم دين وشريعة سماوية ولم يكونوا من الملحدين الكافرين، بدليل أنهم يقسمون ويحلفون بالله، وهذا ما سبق وأشرنا اليه.
وعلى سبيل العاجزين ووسيلة الضعفاء، لما لم يجد كبار علماء مذاهب ملة ثمود طريقة مقنعة أو حجة دامغة أو دلائل ساطعة في كتبهم تمكّنهم من دحض وتكذيب النبي صالح وشريعته، وبعدما عجزوا من وقف انتشارها في أراضي قلوب العباد، وشاهدوا خطرها الداهم على مصالحهم، وتفرّق أتباعهم من حولهم وانضمامهم الى دين النبي صالح، ولما عرفوا أنه لن يمضي وقت طويل حتى تجف منابع خيراتهم وموارد غنائهم وثرائهم، وأنهم لم يتركوا سبيلا لوقف دعوة هذا النبي إلا وسلكوها. فلقد عارضوه وكذبوا دعوته واعتدوا عليه وعلى أتباعه وجاهدوا في سبيل دحض حججه وإطفاء أنوار تأثيراتها في عقول أتباعهم. هنا خطرت في أذهانهم فكرة شيطانية أخرى للتخلص منه ومن دعوته الى الأبد، لذلك فكّروا بقتله والتخلص منه وبذلك استعجلوا بالسيئة قبل الحسنة.
فلقد اتفق رؤساء مذاهب قوم ثمود التسعة القائمين على شؤونها، على اغتياله وآل بيته بيد مجموعة من أشداء رجالهم. وإذا ما سئلوا عن الفاعل أو اتهموا بهذه الجريمة فيما بعد، فسيقسمون بالله ويحلفون بمقدساتهم أنهم لم يشاهدوا من فعلها، فيكونوا صادقين في قسمهم، لأنهم خططوا وتآمروا وحرضوا فقط، أما عملية القتل فقد تمت بأيدي غيرهم.
فيا سبحان الله ويا قدرته وعلمه وقوته وعظمته، فهذه السورة الكريمة (سورة النمل)، نزلت في مكة (مكّية)، وهي تكشف عن معجزة إلهية ما زالت مدوّنة تسطع بأشعتها الباهرة من كتابه الكريم، وتذكّرنا بها أيضاً ما سردته كتب التاريخ من أحداث وأسباب لهجرة الرسول الكريم، وتكشف عن قدرة الله سبحانه وتعالى في معرفة أسرار نفوس البشر وطرق تفكيرهم وما يتهامسون به في ظلمات الليالي وزوايا مساكنهم البعيدة. وهذه الآيات الكريمات تكشف أن ربّ العباد وعالم الغيب قد أخبر رسوله الكريم ونبيّه العظيم والمصطفى المختار مسبقا بما يخطط له كبار رجالات قريش وما يتآمرون به على نفسه الكريمة وأنه حذّره منها، وكيف نجّاه من خطر ذلك المخطط الشيطاني بطريقته الإلهية العجيبة. ومن المؤكد أن عرب الجاهلية لم يدركوا أنهم يكررون فعلة قوم ثمود الشنعاء، وأن هناك وقبل آلاف السنين من أقدم على ذات فعلتهم الشريرة. فها هو رب العباد يعيد ذكراها في قرآنه الكريم، لما لها من تأثير خطير على ذاته المقدسة وعلى رسله الكرام وعلى عباده المؤمنين.
* [وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ](50 النمل).
قد يستغرب البعض لكلمة المكر، ويتعجب كيف يستعملها رب العزة وينسبها الى نفسه المقدسة! فلو تذكرنا قوله الكريم (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)(54 آل عمران)، وبحثنا عن أصل الكلمة، لوجدنا أن لها معنى آخر، هو الصبغة والطلاء، وبهذا يكون لها استعمالان اثنان، الأول هو المكر والخديعة، والثاني هو الصبغة والطلاء، وبهذا نفهم أن الله سبحانه وتعالى يستعملها بمفهومها الشائع عندما يتكلم عن الكافرين، بينما يستعملها لذاته المقدسة بالمفهوم الثاني.
لكن الله سبحانه وتعالى كان لقوم ثمود ولمكرهم بالمرصاد، فلم يستطيعوا إطفاء نوره، لا بقوة اليد ولا بقوة الكلام أو الدلائل؛ ولأنهم كانوا كافرين، لم يفهموا قدرة الله على حفظ دعواته السماوية ولم يدركوا طريقته في هداية البشر وكيف يصطبغ عباده بصبغة الدين ولون الأيمان، كما سبق وحصل لاحقاً عندما أنقذ سيدنا موسى(ع) من يد فرعون وقومه، وأنقذ سيدنا المسيح(ع) من يد اليهود، وحفظ سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام من يد المشركين ونجّاه من مؤامراتهم وممن ساندهم من أصحاب الكتاب، وكما قال تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(32 التوبة).
* [فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ] (51 النمل).
ولأنهم أصروا على المعاندة والكفر، لاحظوا أيها الناس كيف انتهت أمتهم وحضارتهم، ومحي رمزهم وتشتت شمل شعبهم وتغلغل بين شعوب الأرض، فلم يبق لهم ذكر ولا ركز. فهذا عقاب الله لكل أمة تكفر برسولها.
وهذا ما ينبهها الى ما حصل لأمة العرب المشركين من أهل الجاهلية ويفسر ما كان يحدث للأمم في قديم الزمان. فعلى النقيض من قوم ثمود، استجاب العرب للأيمان بدين الاسلام، ولو بعد عناد ومكابرة وقتال ونزال. فمن كفر منهم ولم يؤمن أو بقي منافقا يظهر أيمانه ويكفر في قلبه، فهذه الفئة الكافرة المنافقة لم يطمس الله بهم الأرض ولم ينزل عليهم نارا مشتعلة من السماء ولم تتلقفهم الطير، ولم يحدث لهم أي شيء من هذا القبيل أو ما شابه؛ بل بقي وعاش وأكمل المؤمنون والكافرون والمنافقون حياتهم على الأرض، وبالتدريج ورويدا رويدا ازداد عدد المسلمين وانتشرت عقيدتهم بين الأمم وجازاهم الله بخلق أمة عظيمة وحضارة راقية بعد أيمانهم بعشرات السنين، وهذا ما سبق وأشرنا اليه في تأثير الأيمان على حياة البشر ومجتمعاتهم. بينما اختفى العرب المشركين بالتدريج بالموت الجسدي أو بتحول أولادهم وأحفادهم الى الأيمان فيما بعد.
* [فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ](52 النمل).
فلاحظوا ما بقي من آثار قوم ثمود وما تركوا من عقيدتهم ودينهم حتى اليوم. فلقد خلت مساكنهم القائمة وقصورهم الشامخة من ساكنيها بالتدريج، لأسباب عديدة منها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والجغرافية والمناخية، تسبب في تدبيرها رب العباد بحكمته البالغة، هذا بالاضافة الى قوة تأثير ظهور حضارة أمة مؤمنة جديدة غيرها، أصبحت مع مرور الوقت محط أنظار الأمم من حولها عندما استقطبت اهتمام الناس بمنجزاتها. فتركوا ما نحتوه من بيوت في جبالهم ليكون أطلال خربة ومأوى للكواسر والجوارح والزواحف، يتردد فيها صدى البوم وتنتشر فيها بيوت العناكب. أما مساكن عقيدتهم وقصور أيمانهم وقلاع هداهم المعنوية الروحانية، فلقد استفرغت من عواميد الايمان وجدران التقوى وجفّت عيون وآبار عقيدتهم ولم يعد يتبعها أو يؤمن بها أحد. وما كل هذه القصة، إلا ليتعظ بها من كان له عقل ويتأمل سنة الله وحكمته.
* [وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ](53 النمل).
وكما سبق ونجى الله نبيّه نوح(ع) ومن ركب معه سفينة أمره ومركب دينه من المؤمنين، فلقد نجى من آمن من قوم ثمود بدين صالح(ع) ومن أناب الله عن نفسه وقلبه وأسلّم له أمر عقيدته وركب معه ناقة شريعته ونهض للمهاجرة من أرض جنة دينه الجرزة الى جنة أرض دين صالح(ع) الغنية الخصبة، وبهذا بقي ذكرهم الطيب في الأرض، ونمت بذورهم الطاهرة لتخرج منها أشجار أمة مؤمنة. واستمر ذكرهم كمؤمنين بين الناس وفي السماء عند رب العالمين. وهذا هو مصير صحابة المؤمنين بأوامر الله في كل زمان، يصبحون خميرة أيمان طاهرة للأمة التالية، فيذوبون داخلها بعد أدائهم أدوارهم ومهامهم المقدسة وإكمالهم ما أمرهم الله به في زمانهم، لأنهم كانوا أصحاب شريعة سماوية حيّة فاعلة، بدليل قوله تعالى (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)(18 الرعد).
Powered By Blogger