Wednesday, July 2, 2008

تأملات روحانية مع سيفى سيفى

ونتابع مع ناقة النبى صالح(ع)
(6)
وجاء في سورة النمل:
* [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ](45 النمل).
ينتقل سبحانه وتعالى في هذه المجموعة من الآيات الكريمة الى توضيح ما يحصل بين الناس وعلى الخصوص بين أمم أصحاب الكتاب عند ظهور رسول جديد من عند الله بينهم، فبعد أن أشار لما لصفات العناد والتعصب والغرور والغلو في محبة الدين القديم من تأثير واضح في اختفاء آثار حضارات الأمم، ينتقل سبحانه وتعالى ليوضح ما يحصل من انقسام بين أمم أصحاب الكتاب حال ظهور دعوة سماوية بينهم، إذ تنقسم الأمة على العموم الى فريقين، مهما كانت النسبة والتناسب بينها عدديهما، فريق يخضع ويؤمن بدعوة الله، فيعود أو فينتقل الى الحياة الروحانية مرة ثانية من جديد، وهذا الفريق يكون على الغالب قليل العدد. وفريق يصدَّ ويبعد عن الأيمان فيموت موتاً روحانياً، وعلى العموم يكون هذا الفريق من غالبية الناس وأكثرهم عدداً (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)(102 الأعراف). إذ لابد وأن يؤمن بكل دين جديد قلة قليلة من الناس في أول ظهوره، كما قال تعالى وأكد على ذلك (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ)(13 سبأ). وكذلك قوله الكريم (ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ)(14 الواقعة)، وبهذا يحضرنا سؤال: إذا كان سبحانه وتعالى قد غضب على الكافرين بدعوة النبي صالح(ع) ومحا أثرهم، فما بال الذين آمنوا بها، وأين هم؟ وما كان من مصيرهم؟
هنا نتذكر مرة أخرى ما سبق وجئنا عليه، فسبحانه تعالى، يترك الفريقين على الأرض ليعيشا معاً، هذا يلهو بكفره، وهذا يتمتع بأيمانه، كما قال تعالى (كُلا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)(20 الإسراء)، فالفريقان يبقيا يعيشان على الأرض، لكن الكافرين يموتون بكفرهم روحانيا بالتدريج، ولا يبقى لهم شان عند رب العالمين، وفي النهاية يمحى أثرهم من خلال تغلغلهم بين بقية الشعوب. بينما يبقى المؤمنون خميرة الأيمان للأجيال القادمة وتزداد أعدادهم حتى يمسوا أمة عظيمة، وحال موتهم يدخلون جنات الخلد عند مليك مقتدر عظيم، كما قال تعالى (قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ)(26 يس)، فهذا المؤمن الشهيد يتمنى أن يعلم من بقي من قومه على الأرض أنه قد دخل جنة الله حال استشهاده ومقتله.
فالآية الكريمة مورد البحث تقول: لقد أظهرنا بين قوم ثمود، رجلا منهم وبينهم، أمرهم بالعودة الى عبادة الله الواحد الأحد مرة أخرى، فلم يؤمن به إلا فئة قليلة وكفر أكثرهم.
* [قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ](46 النمل).
كيف يستعجل الناس السيئة ويطلبونها ويسعون خلفها ويتركون الحسنة ويبعدون عنها، وبينهم العلماء والعقلاء؟ أليس بينهم رجل رشيد؟ من هذا لابد أن يكون للسيئة معنى غير ما ينتشر بيننا من معانيها الكثيرة، عجز عقلاء قوم ثمود عن تمييزها أو التعرف عليها. هنا علينا ان نتذكر مرة أخرى ما لتأثير حجاب العلم وما لآفات التعصب والغلو في محبة الدين من تأثيرات قوية على أتباع الكتاب، وكيف تحجب مثل هذه السحب الكثيفة والستائر السميكة أنوار الحقيقة عن طالبيها.
فإذا علمنا أن شريعة الله توصف بالحسنة عندما تكون حيّة فاعلة طازجة فعّالة عندما تحيي الأرواح وتنعش العقول. وتوصف بالسيئة عندما ينتهي مفعولها وتنسخ أحكامها ويكون الأخذ بها مصدراً للأمراض الفكرية والروحية. نفهم أن الحالة الأولى نتيجتها جنان الله وكسب مرضاته ورحمته والتنعم ببركاته، بينما تكون نتيجة الحالة الثانية غضب الله وسخطه. من هذا نفهم لماذا توصف مرة بالسيئة ومرة أخرى بالحسنة.
فخاطب صالح(ع) قومه معاتباً: ما لكم تستعجلون في صدكم عن سبيل الله وتستنكرون ظهور رسول بينكم، وتصرون على التمسك بشريعتكم المنسوخة قبل أن تتحققوا وتتأكدوا من صدق دعوتي، فلن تخسروا شيئاً إذا ما استغفرتم الله وعدتم الى دين الحق والصراط المستقيم. بل على العكس، ستتنعمون برحمة الله وبركاته لاستجابتكم له، وسيعود لكم مجدكم وعزكم. فتحققوا فيما بين أيديكم من آيات كتابكم، وستجدون فيها ما يشير الى صدق دعوتي ويبشّر بحقيقة رسالتي.

* [قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ](47 النمل).
ولأن كل فكرة جديدة تحدث هزّة واضطراب وتعكر صفو وسكون ماء بحر عادات الناس وتقاليدها ومفاهيمها القديمة. كان جواب قوم ثمود، لقد كنا قبل ظهورك أمة متفقة على دين واحد ولنا شريعة واحدة وأحكام ثابتة، ولكن بظهورك، ظهرت بيننا مجموعة جديدة تتبعك وتدعو لأحكام جديدة مخالفة لما وجدنا عليها آبائنا وأجدادنا، وما نراك إلا السبب الأساس في هذا التفرّق والانقسام. فيجيبهم النبي صالح: أن ما يحصل في أمتكم هو سنة إلهية دائمة لا تغيير ولا تبديل لها، وهذا ما كان يحصل بين أمم أصحاب الكتاب على الدوام، وما هذه الحالة إلا امتحان لحقيقة أيمانكم ليفرز المؤمن من المعاند بينكم.
* [وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ] (48 النمل).
بعد أن يوضح سبحانه وتعالى ما يحدث لأمم أصحاب الكتاب حال ظهور رسول بينهم، وكيف ينقسمون الى فريقين، فريق قليل العدد يسمع ويطيع ويخشع، وفريق كبير العدد يتعصب ويصد ويغلو في دينه. يعود في هذه الآية الكريمة ليوضح حالة أمة ثمود آنذاك، حيث نفهم أن قوم ثمود كانوا منقسمين الى تسعة مذاهب أو تسعة شيع في زمن ظهور النبي صالح(ع)، ومن المؤكد أن أتباع كل واحد منها كانوا يظنون أنهم على طريق الحق والصراط المستقيم، كما هو الحال اليوم مع مختلف المذاهب والنحل لمختلف الأديان. لكن الحقيقة، وحسب منطوق الآية الكريمة، كان أتباع جميع تلك النحل يجهلون أنهم مفسدون للدين وكافرون بحقيقة ما بين أيديهم من دين الحياة الدنيا، وأنهم جميعا يقودون الناس الى طريق الكفر وسوء السبيل ويخربون عقولهم ويمنعونهم من دخول جنة دين الله الجديدة حالما أمر الله بنسخ جنة شريعتهم. ولقد سبق وقلنا أن رجال الدين ومذاهبهم يكونون أعلام هدى ونجوم رحمة وأيمان وكواكب تقوى واطمئنان، عندما يكون دينهم حيّ فاعل. أما عندما يأمر سبحانه وتعالى بنسخ شريعتهم وينزل جنة شريعة جديدة، عندها تنقلب أحوالهم على العكس تماما، فيمسون أعلام ضلالة ونجوم ضياع للناس ولأتباعهم.

* [قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ](49 النمل).
تذكرنا هذه الآية الكريمة، بما أجمع عليه رؤساء القبائل العربية المشركة، حينما تفتقت عقولهم عن فكرة شيطانية وحزموا أمرهم على اختيار رجل واحد من كل قبيلة، ليقتلوا سيدنا محمد(ص) في ليلة دهماء، وكيف فشل مخططهم بحلول موعد هجرته الى المدينة المنورة. كما تذكرنا وتؤكد لنا ان قوم ثمود كانوا يؤمنون بالله وأن لهم دين وشريعة سماوية ولم يكونوا من الملحدين الكافرين، بدليل أنهم يقسمون ويحلفون بالله، وهذا ما سبق وأشرنا اليه.
وعلى سبيل العاجزين ووسيلة الضعفاء، لما لم يجد كبار علماء مذاهب ملة ثمود طريقة مقنعة أو حجة دامغة أو دلائل ساطعة في كتبهم تمكّنهم من دحض وتكذيب النبي صالح وشريعته، وبعدما عجزوا من وقف انتشارها في أراضي قلوب العباد، وشاهدوا خطرها الداهم على مصالحهم، وتفرّق أتباعهم من حولهم وانضمامهم الى دين النبي صالح، ولما عرفوا أنه لن يمضي وقت طويل حتى تجف منابع خيراتهم وموارد غنائهم وثرائهم، وأنهم لم يتركوا سبيلا لوقف دعوة هذا النبي إلا وسلكوها. فلقد عارضوه وكذبوا دعوته واعتدوا عليه وعلى أتباعه وجاهدوا في سبيل دحض حججه وإطفاء أنوار تأثيراتها في عقول أتباعهم. هنا خطرت في أذهانهم فكرة شيطانية أخرى للتخلص منه ومن دعوته الى الأبد، لذلك فكّروا بقتله والتخلص منه وبذلك استعجلوا بالسيئة قبل الحسنة.
فلقد اتفق رؤساء مذاهب قوم ثمود التسعة القائمين على شؤونها، على اغتياله وآل بيته بيد مجموعة من أشداء رجالهم. وإذا ما سئلوا عن الفاعل أو اتهموا بهذه الجريمة فيما بعد، فسيقسمون بالله ويحلفون بمقدساتهم أنهم لم يشاهدوا من فعلها، فيكونوا صادقين في قسمهم، لأنهم خططوا وتآمروا وحرضوا فقط، أما عملية القتل فقد تمت بأيدي غيرهم.
فيا سبحان الله ويا قدرته وعلمه وقوته وعظمته، فهذه السورة الكريمة (سورة النمل)، نزلت في مكة (مكّية)، وهي تكشف عن معجزة إلهية ما زالت مدوّنة تسطع بأشعتها الباهرة من كتابه الكريم، وتذكّرنا بها أيضاً ما سردته كتب التاريخ من أحداث وأسباب لهجرة الرسول الكريم، وتكشف عن قدرة الله سبحانه وتعالى في معرفة أسرار نفوس البشر وطرق تفكيرهم وما يتهامسون به في ظلمات الليالي وزوايا مساكنهم البعيدة. وهذه الآيات الكريمات تكشف أن ربّ العباد وعالم الغيب قد أخبر رسوله الكريم ونبيّه العظيم والمصطفى المختار مسبقا بما يخطط له كبار رجالات قريش وما يتآمرون به على نفسه الكريمة وأنه حذّره منها، وكيف نجّاه من خطر ذلك المخطط الشيطاني بطريقته الإلهية العجيبة. ومن المؤكد أن عرب الجاهلية لم يدركوا أنهم يكررون فعلة قوم ثمود الشنعاء، وأن هناك وقبل آلاف السنين من أقدم على ذات فعلتهم الشريرة. فها هو رب العباد يعيد ذكراها في قرآنه الكريم، لما لها من تأثير خطير على ذاته المقدسة وعلى رسله الكرام وعلى عباده المؤمنين.
* [وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ](50 النمل).
قد يستغرب البعض لكلمة المكر، ويتعجب كيف يستعملها رب العزة وينسبها الى نفسه المقدسة! فلو تذكرنا قوله الكريم (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)(54 آل عمران)، وبحثنا عن أصل الكلمة، لوجدنا أن لها معنى آخر، هو الصبغة والطلاء، وبهذا يكون لها استعمالان اثنان، الأول هو المكر والخديعة، والثاني هو الصبغة والطلاء، وبهذا نفهم أن الله سبحانه وتعالى يستعملها بمفهومها الشائع عندما يتكلم عن الكافرين، بينما يستعملها لذاته المقدسة بالمفهوم الثاني.
لكن الله سبحانه وتعالى كان لقوم ثمود ولمكرهم بالمرصاد، فلم يستطيعوا إطفاء نوره، لا بقوة اليد ولا بقوة الكلام أو الدلائل؛ ولأنهم كانوا كافرين، لم يفهموا قدرة الله على حفظ دعواته السماوية ولم يدركوا طريقته في هداية البشر وكيف يصطبغ عباده بصبغة الدين ولون الأيمان، كما سبق وحصل لاحقاً عندما أنقذ سيدنا موسى(ع) من يد فرعون وقومه، وأنقذ سيدنا المسيح(ع) من يد اليهود، وحفظ سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام من يد المشركين ونجّاه من مؤامراتهم وممن ساندهم من أصحاب الكتاب، وكما قال تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(32 التوبة).
* [فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ] (51 النمل).
ولأنهم أصروا على المعاندة والكفر، لاحظوا أيها الناس كيف انتهت أمتهم وحضارتهم، ومحي رمزهم وتشتت شمل شعبهم وتغلغل بين شعوب الأرض، فلم يبق لهم ذكر ولا ركز. فهذا عقاب الله لكل أمة تكفر برسولها.
وهذا ما ينبهها الى ما حصل لأمة العرب المشركين من أهل الجاهلية ويفسر ما كان يحدث للأمم في قديم الزمان. فعلى النقيض من قوم ثمود، استجاب العرب للأيمان بدين الاسلام، ولو بعد عناد ومكابرة وقتال ونزال. فمن كفر منهم ولم يؤمن أو بقي منافقا يظهر أيمانه ويكفر في قلبه، فهذه الفئة الكافرة المنافقة لم يطمس الله بهم الأرض ولم ينزل عليهم نارا مشتعلة من السماء ولم تتلقفهم الطير، ولم يحدث لهم أي شيء من هذا القبيل أو ما شابه؛ بل بقي وعاش وأكمل المؤمنون والكافرون والمنافقون حياتهم على الأرض، وبالتدريج ورويدا رويدا ازداد عدد المسلمين وانتشرت عقيدتهم بين الأمم وجازاهم الله بخلق أمة عظيمة وحضارة راقية بعد أيمانهم بعشرات السنين، وهذا ما سبق وأشرنا اليه في تأثير الأيمان على حياة البشر ومجتمعاتهم. بينما اختفى العرب المشركين بالتدريج بالموت الجسدي أو بتحول أولادهم وأحفادهم الى الأيمان فيما بعد.
* [فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ](52 النمل).
فلاحظوا ما بقي من آثار قوم ثمود وما تركوا من عقيدتهم ودينهم حتى اليوم. فلقد خلت مساكنهم القائمة وقصورهم الشامخة من ساكنيها بالتدريج، لأسباب عديدة منها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والجغرافية والمناخية، تسبب في تدبيرها رب العباد بحكمته البالغة، هذا بالاضافة الى قوة تأثير ظهور حضارة أمة مؤمنة جديدة غيرها، أصبحت مع مرور الوقت محط أنظار الأمم من حولها عندما استقطبت اهتمام الناس بمنجزاتها. فتركوا ما نحتوه من بيوت في جبالهم ليكون أطلال خربة ومأوى للكواسر والجوارح والزواحف، يتردد فيها صدى البوم وتنتشر فيها بيوت العناكب. أما مساكن عقيدتهم وقصور أيمانهم وقلاع هداهم المعنوية الروحانية، فلقد استفرغت من عواميد الايمان وجدران التقوى وجفّت عيون وآبار عقيدتهم ولم يعد يتبعها أو يؤمن بها أحد. وما كل هذه القصة، إلا ليتعظ بها من كان له عقل ويتأمل سنة الله وحكمته.
* [وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ](53 النمل).
وكما سبق ونجى الله نبيّه نوح(ع) ومن ركب معه سفينة أمره ومركب دينه من المؤمنين، فلقد نجى من آمن من قوم ثمود بدين صالح(ع) ومن أناب الله عن نفسه وقلبه وأسلّم له أمر عقيدته وركب معه ناقة شريعته ونهض للمهاجرة من أرض جنة دينه الجرزة الى جنة أرض دين صالح(ع) الغنية الخصبة، وبهذا بقي ذكرهم الطيب في الأرض، ونمت بذورهم الطاهرة لتخرج منها أشجار أمة مؤمنة. واستمر ذكرهم كمؤمنين بين الناس وفي السماء عند رب العالمين. وهذا هو مصير صحابة المؤمنين بأوامر الله في كل زمان، يصبحون خميرة أيمان طاهرة للأمة التالية، فيذوبون داخلها بعد أدائهم أدوارهم ومهامهم المقدسة وإكمالهم ما أمرهم الله به في زمانهم، لأنهم كانوا أصحاب شريعة سماوية حيّة فاعلة، بدليل قوله تعالى (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)(18 الرعد).

Friday, June 20, 2008

من الئاليء والأصداف

ونتابع مع ناقة النبى صالح(ع)
(5)
أما ما ورد بهذا الخصوص في سورة الشعراء:
* [كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ](141 الشعراء).
فيبدو أن ما جئنا عليه احتوى شيء من الحقيقة، عندما قلنا أن الله سبحانه وتعالى قد أمهل أمة ثمود ثلاثة أيام، أي مدة ثلاثة أيام شرائع، أي مدة ثلاثة رسل، أي مدة أكثر من ثلاثة آلاف سنة حتى يمحو آثارهم تماما. فهذه الآية الكريمة تقول أنهم حققوا بعنادهم وكفرهم هذه النبوءة الإلهية وكفروا واعرضوا عن ثلاث رسالات تالية أو اكثر بعد ظهور رسالة النبي صالح(ع).
* [إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ](142 الشعراء).
وأن موعد فنائهم الجسدي والمادي والروحاني قد رسموه بتعصبهم ووقعوه بأيديهم، وكانت بدايته من لحظة إنذار النبي صالح لهم ودعوته إياهم للايمان والتقوى.
* [إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ](143 الشعراء).
وإعلانه رسالته الإلهية ومقامه الكريم.
* [فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ](144 الشعراء).
وطلبه منهم ترك ما توارثوه عن آبائهم وأجدادهم من أفكار مضلّة مخالفة لمرضاة الله، ونصحه لهم بالاستجابة والايمان بدينه الجديد الذي سيعيدهم الى عبادة الله والاكتفاء بآيات كتبه.
* [وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ] (145 الشعراء).
وأن كل هذه النعم والبركات التي أعدكم بها، لن أحصل منها على شيء، وستكون خالصة بتمامها لكم ولأجيالكم من بعدكم.
* [أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ](146 الشعراء).
ألا تتذكرون ما جنيتموه من بركات وخيرات بسبب أيمانكم السابق؟ فما هدف دعوتي إلا لدوامها عليكم، ولن يديمها إلا تجديد أيمانكم، فلا تطمئنوا لدوامها بعد الآن، فلقد حان وقت قطاف ثمارها.
* [فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ](147 الشعراء).
وراح يعدهم بتحسن أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية بمجرد الاستجابة له. وبهذا فهو يربط للمرة الثانية بين تحسن أحوالهم الاقتصادية وبين أيمانهم.
وبهذا نفهم قوة العلاقة بين ظهور الحضارات الانسانية وبين الأيمان الحق، وأن الأولى تبدأ بالزوال بمجرد البعاد عن صراط الله المستقيم. وأن هناك علاقة قوية أيضا بين الروحانيات والماديات، فمتى كان الأيمان حق وحيّ، دامت النعم والبركات، ومتى ما نسخ الأيمان بأيمان آخر، زالت كل تلك النعم وانقلب تأثيرها الى نقمة وعذاب.
* [وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ](148 الشعراء).
ومثلما سبق الاشارة الى تأثير الروحانيات على الماديات في الآية السابقة، تركّز هذه الآية الكريمة على موارد رزقهم وخيراتهم المادية وأن من أسباب قوة اقتصاد قوم ثمود في تلك الأزمنة السحيقة كان يعتمد على الزراعة وتصدير التمور الى بقية الأقوام الأخرى.
ومهما يكن من معاني الزروع والنخيل المادي، إلا أنه لا يمكن غض الطرف عن معانيها الروحانية، فنلاحظ في هذه الآية الكريمة الاشارة الخفية لتأثيراتها المعنوية، فهي تمثل بصورة جميلة ما سبق وظهر بينهم نتيجة أيمانهم بدينهم القديم، من بواسق نخيل المؤمنين وأشجار العلماء وفواكه حكمة رجال العلم والعرفاء وثمار العلوم والمعارف وفواكه الايمان التي ساهمت بإيجاد حضارتهم القديمة وكيف ظهرت كل تلك الآثار الطيبة بينهم بكل سهولة ويسر ودون كثير عناء.
* [وَتَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ](149 الشعراء).
ومن الوارد أيضاً، أن الآية الكريمة هنا تشير الى حدث واقعي تاريخي وتدلل على أن قوم ثمود كانوا يسكنون مناطق جبلية وقاموا بنحت صخور الجبال على أشكال بيوت وقصور وسكنوا واستقروا فيها. فهو ينسب قدرتهم على إنجاز مثل تلك الأعمال العظيمة الى تنوّر عقولهم بعد أيمانهم بدينهم السابق، فلقد كان الأيمان هو المحفّز الحقيقي والقوة الدافعة الخلاّقة لما سال من أنهار الاختراعات والاكتشافات من بين أيديهم، وليس فقط من خلال تفتق عقولهم الذاتية.
* [فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ](150 الشعراء).
فخافوا الله الذي تعبدونه وأخشوه وأطيعوني في دعوتي الجديدة، فسرّ بقاء واستمرار كل ما تمتعتم به من جنان الخيرات وقوة الحضارة، كان بسبب صدق أيمانكم القديم، ولا يمكنكم العودة الى سابق عزتكم، إلا بالعودة الى جنان الأيمان وعيون الأيقان، فهما أمران مرتبطان ببعضهما، واعلموا أنه لا سبيل لكم غير هذا السبيل.
* [وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ](151 الشعراء).
فالخير كل الخير لكم أن تتقدموا للأيمان وتبتعدون عن ما يدعوكم له القشريين من رجال دينكم القديم وسحرة عقولكم المزيفين وكل من بالغ في تمجيد أحكام دينكم المنسوخ وجاهد في مغالاته له، فليس هذا إلا سبيل الهلاك.
* [الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ](152 الشعراء).
من الذين يفسدون أراضي عقول الناس وقلوبهم ومعتقداتهم ويزرعونها بشـوك الريبة والظنون وحسـك الكفـر والضلالة حينما يدعون اتباعهم للتمسك بأذيال شريعتهم التي أمر الله بنسخها وإبطال أحكامها، فكل من يخالف أمر الله ويدعو لغير ما ينزله من جديد الأحكام، ما هو إلا من المفسدين لعقول الناس وقلوبهم في الأرض، فلا تظنوا أنهم يصلحون أرض الدنيا وأرض نفوسكم بالأيمان، فلقد انقلب منـذ هـذه اللحظـة تأثيرهم الصالح الى تأثير طالح وهم غافلون لا يعلمون، كما قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)(11 البقرة).
* [قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمُسَحَّرِينَ](153 الشعراء).
لكن المستكبرين من قوم ثمود لم يخرجوا عن ما سبق وقاله المعرضون والكافرون السابقون واللاحقون من أمم أصحاب الكتاب، وأصروا على التمثل بهم والسكن في مساكن كفرهم، وراحوا يصفون النبي صالح(ع) بأنه واقع تحت تأثير سحر ساحر أو أنه رجل دين جديد يريد أن يسحر عقولهم بجديد تفاسيره.
* [مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ](154 الشعراء).
ولما لم يشاهدوا في شخصيته حسب الظاهر، ما يميزه عن غيره من بقية البشر، وأنه رجل مثلهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وينام ويمرض، كما قال تعالى (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا)(7 الفرقان)، طلبوا منه أن يأتيهم بمعجزة مادية خارقة لقانون الطبيعة تثبت صدق دعوته. أما كيف نفهم أنهم طلبوا منه معجزة مادية خارقة للعادات وليس آية أو سورة في كتاب منزل، فذلك لأن الله سبحانه وتعالى قال أنه لم يسبق أن أرسل رسول من قبل ظهور سيّد المرسلين، إلا وكان معه كتاب (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ)(38 الرعد)، وهذا يعني أن قوم ثمود يطالبون نبيّهم بمعجزة مادية خارقة للعادات ولقوانين الطبيعة وليس بآيات إلهية مكتوبة. وهذا يدل على أن ديدن الناس وعادتهم منذ الأزل هو شدّة التعلق والتمسك بالتقاليد والعادات والتحايل قدر الإمكان للتهرب من نعمة أديان الله.
* [قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ](155 الشعراء).
فكان جوابه على طلبهم، أن قدّم لهم آيات شريعته. أما لو كان المقصود من الناقة هنا هو هذا الحيوان المعروف بين الناس، فليس من المعقول أو الإنصاف أن يشترط النبي صالح على قومه هذا الشرط الصعب المستحيل ويطالبهم بتقاسم ماء الشرب مع ناقته،، وهو الرجل المرفوض والمستهجن بينهم، وأن يشربوا هم وجميع نوقهم وإبلهم وماشيتهم في مدة يوم واحد، ويتركهم عطاشى لمدة يوم آخر كامل تترك ناقته لوحدها لتشرب فيه وهي مستلقية مرتوية والماء من دونها لا يرده أحد. ثم ليس من المعقول أن يكون لهذا الجمع من الناس وماشيتهم بئر أو ساقية واحدة فريدة يشربون منها لا غير. كما لا يمكن تصور نزول هذا الحكم بهذه الصيغة وهذا المنظور من رب العزة والعدل أعدل العادلين.
لكن المقصود من الناقة هنا وكما ذكرنا، هي ناقة الشريعة القوية المقدسة التي ستنقل قوم ثمود ومن يحذو حذوهم الى جنة الايمان وأرض القرب من الله ودينه. لذلك فمقصود النبي صالح(ع)، أنه قد سبق وخصص الله سبحانه وتعالى لكل شريعة ودين من أديانه، يوم إلهي كامل معلوم، بدأ منذ ساعة ظهوره وإشراق شمسه، وانتهى في ساعة ظهور ما تلاه من إشراقات شموس أديانه. فالنبي صالح يحاول إخبار قومه أن الحقبة التالية والزمن القادم ويوم الله التالي مخصص لناقة شريعته ودينه لترعى في أراضي قلوب الناس والعباد وعقولهم ولتشرب من مياه أعمال المؤمنين الصالحة وتسقيهم من لبن أحكامها الخالصة.
وفي هذه الحالة ومن خلال هذا المفهوم، يكون النبي صالح(ع) قد أنصف قومه وعدل بينهم ورحمهم بتوضيح هذه الحقيقة الإلهية ولم يظلمهم، وحاول جاهدا ان يشرح لهم أن يوم شريعتهم قد انقضى، وها قد حل عليهم يوم شريعة جديدة، وما عليهم إلا أن يفسحوا المجال لها لترتع في أراضي قلوب العباد. وبهذا يصح الحكم ويتفق العدل والإنصاف الإلهي، في حكمه: أن لكم ولشريعتكم يوم شرب كامل، وأن لي ولشريعتي يوم شرب آخر كامل.
* [وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ](156 الشعراء).
ومرة أخرى، ليس من المعقول أن يوافق خصوم وأعداء النبي صالح(ع) على طلبه وشرطه بترك دابته تهيم في أرضهم وحقولهم تأكل من حيث تشاء وتتلف ما تشاء من زرعهم وموارد رزقهم، خاصة وهو يواجههم ويدعوهم الى ترك دينهم السابق وموروثات معتقداتهم والايمان بدينه الجديد. لكن المعنى:ـ
ولا تعاندوا ناقة دين الله وشريعته، ولا تحاربوها وتتعصبوا لمعتقداتكم القديمة في هذا الظهور الجديد، لأن من يفعل ذلك يستقطب عذاب الله عليه.
* [فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ](157 الشعراء).
لكن قوم ثمود لم يتعظوا بهذه النصائح، ولم يصدقوا أقوال نبيّهم ولم يفهموا أسرار إشاراته، فحاربوه ودينه وأتباعه، وبذلك كانوا محط غضب الله. وعندما راحت تنهال عليهم أمطار البلايا وتهب عليهم رياح الرزايا وصواعق المحن والمصائب مـن كـل حدب وصوب، وانحط شأنهم وذلت رقابهم وتشتت شملهم، ندموا على ماضيهم التليد وعلى ما ضاع منهم وما كانوا يتمتعون به من جنان النعم والبركات.
* [فَأَخَذَهُمْ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ](158 الشعراء).
ومع مرور الوقت، واستمرارهم على الصد والعناد، ولظنهم الخاطئ أن ما أوجدوه من حضارة عظيمة كان من خلال قدراتهم الذاتية فقط وليس لأيمان أجدادهم بدينهم سببا مباشراً أو مؤثراً في ذلك، لم يتمكنوا من العثور على وسيلة تخلصهم مما حل بهم من سوء حال. وهذا هو السبب من تكرار ذكره في القرآن الكريم، فهو عبرة ونصيحة وموعظة سماوية لجميع الناس من بعدهم، حتى لا يكرروا أعمال قوم ثمود ومن كان على شاكلتهم، ولا يرتكبوا ذات خطا الانسان الأزلي.
* [وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ](159 الشعراء).
فالله سبحانه وتعالى عزيز غني مستغن عن عبادة خلقه، لا يزيد أيمانهم في ملكه شيئا ولا ينقص كفرهم من ملكه شيء. لكنه رحيم بهم جميعا، يرحمهم في كل مرة برسالة وشريعة جديدة رغم أخطائهم وأفعالهم حتى يرفع من شأنهم وينور عقولهم ويهديهم سبل الخير والصلاح وتعمير الأرض.


ونتابع معكم-من معانى ناقة النبى صالح(ص)

Thursday, June 12, 2008

من معانى-ناقة النبى صالح(ع)

تأملات روحانية مع سيفى سيفى
ونتابع مع ناقة النبى صالح(ع)
(4)

وجاء في سورة الإسراء بخصوص موضوع الناقة:* [وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا](59 الإسراء).نعود مرة أخرى لمعنى كلمة (بِالآيَاتِ)، وعلينا أن نتذكّر أن لها معنيين، الأول هو الآيات الإلهية النازلة من سماء فضله المسطّرة في كتبه المقدسة، والثاني هي المعجزات المادية الخارقة لقوانين الطبيعة. فلو كانت هذه الآية الكريمة تشير الى المفهوم الأول، أي آيات الكتب السماوية، فهذا أمر يخالف سنة الله وطريقته المقدسة، ويخالف ما حصل من استمرار بعث المزيد من الرسل والرسالات والكتب والآيات من زمن النبي صالح(ع) حتى زمن سيدنا محمد(ص)، كما قال تعالى (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ)(4 الحجر). لذلك فهذه الآية الكريمة مورد البحث، تشير الى المعنى الثاني، فهو أقرب الى المنطق والعقل السليم، أي أن الآية الكريمة تتكلم عن المعجزات المادية، وتشير الى أن الله سبحانه وتعالى ورسله الكرام، كانوا في ما مضى يجرون هذه المعجزات المخالفة لقوانين الطبيعة ويفعلونها عندما كان لها فيما سبق تأثير فعال مفيد على قلوب الناس وعقولهم، وتظهر منها نتائج مرجوة ويؤمن بشرائع الله الكثير منهم؛ إلا أن الله ورسله الكرام قد امتنعوا عن إجرائها فيما بعد مع تقدم الزمان وتغير أحوال الناس وتنوّر عقولهم، فلقد أصبح البشر لا يقتنعون بها ويطالبون بالأدلة العقلية والحجج العلمية. لذلك يبدو أنه ومنذ ظهور النبي صالح، توقف حصول المعجزات المادية وأصبحت الأدلة والحجج الإلهية تقتصر على الأدلة العقلية والبراهين العلمية، أي أن البشرية دخلت مرحلة جديدة من مراحل الإقناع والمحاجة والمناقشة منذ زمن ظهور النبي صالح(ع). وهذا يشير من ناحية أخرى الى ابتداء توجيه الخطاب الإلهي الى شريحة خاصة من المجتمعات، ألا وهي شريحة المختصين بأمور الدين ورجاله، باعتبارهم المطّلعون على هذه الأمور الروحانية والقادرون على تمييز آيات الله الحقة ومعرفة دلائلها العلمية والتاريخية.وبالاختصار يبدو أن الآية الكريمة تتكلم عن مرحلتين من مراحل تطور عقول البشر، المرحلة الأولى عندما كان الخطاب الإلهي عاما لجميع الناس دون استثناء يرافقه إظهار المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة. أما المرحلة الثانية، فكانت تحول الخطاب الإلهي نحو عقول عقلاء وعلماء الأمم المهتمين بشؤون الدين والروحانيات دون سواهم، أي رجال الدين، أي مخاطبة النخبة وإعطائهم فرصة النشر والتبليغ بين الناس. وهذا نوع من أنواع التكريم للانسان، وهو مجال مفتوح لمن شاء منكم أن يستقيم، وهذا ما يؤكده ويتضح اسلوبه في القرآن الكريم، في قوله تعالى عندما يشيد ويثمّن دور رجال الدين (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)(28 فاطر)، وكذلك قوله الكريم (لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)(63 المائدة)، وكذلك قوله الكريم (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ)(82 المائدة).ويبدو أن هذا التحليل قريب الى الحقيقة بعض الشيء، فلو كان لهذه المعجزات المادية الطبيعية تأثير فعال جازم على تغيير قلوب الناس حين حصولها بعدما ارتفع مستوى تفكيرهم وجدالهم، وأن باستطاعتها نقلهم من صحراء الكفر الى جنان الأيمان والخشوع، لما بقي كافر على الأرض في هذا الزمان، ولبطل مفعول الامتحان الإلهي ولما تبين المؤمن من الكافر ولما اتضحت أسرار القلوب والسرائر. فالله سبحانه وتعالى عالم بعلمه الغيبي مقدار تعصب الكافرين وغلظة قلوبهم واستحالة أيمانهم، كما قال تعالى فيما بعد بآلاف السنين عن لسانهم (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعًا . أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً . أَوْ يَكُـونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلا بَشَرًا رَسُولاً)(90-93 الإسراء). لكنه ومثلمـا تغيرت طريقـة امتحان الناس قبل آلاف السنين من حالة إجراء المعجزات المادية الى طريقة تنزيل الحجج العقلية والنقلية، كذلك تغيرت في المقابل طريقة اعتراض البشر، فظهرت بينهم آفات مستعصية، مثل التعصب والغلو وأمراض الصدّ والعنـاد، التي تبين فيما بعد أنها من أقوى السدود وأعلاها أمام تقدمهم للأيمان برسل الله، كما أشارت الى ذلك الآيتين الكريمتين (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)(54 الكهف)، وكذلـك قوله الكريم (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا)(89 الإسراء).وبظهور سيّد المرسلين ومن قبله السيد المسيح عليهما الصلاة والسلام، تبين ان هذه الطريقة الإلهية تلاقي ذات المعارضة البشرية إن لم يكن أكثر من قبل، وظهر ان آيات القرآن الكريم بكل بلاغتها وفصاحتها وقوة معانيها وشدة تأثيراتها الروحانية والعلمية، لم تؤثر وقت نزولها كثيرا في قلوب عموم البشر، فلقد رفضها كبار رجالات العرب ورؤسائهم المشركين وفطاحل شعرائهم قبل غيرهم، بينما سارع المستضعفون وغير الأعراب للأيمان بدين سيّد المرسلين قبل غيرهم، أمثال بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي.. الخ.إذن فهذه الآية الكريمة، تسلط قبساً من أنوار الحقيقة على تلك الفترة السحيقة المتغلغلة في أعماق التاريخ، لتكشف عن ما سبق وحصل من تغيّر نوعي في عقلية الناس ومفاهيمهم وطرق تفكيرهم، وعن مرحلة من مراحل تطور عقول البشرية قبل آلاف السنين، ولابد أن يكون قد صاحب ذلك تغيرات واضحة أدّت الى تقدم أحوال مجتمعاتهم. ومما يدلل على صحة هذه النظرية، ما جاءنا عن طريق القرآن الكريم من أخبار المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة التي أجراها سيدنا المسيح(ع)، حيث لم يمنع إجرائها ما حصل له فيما بعد من عذاب واضطهاد، فلقد علّق على صليب العناد ورفع على أخشاب التعصب وثقبت أطرافه بمسامير الكفر، ولم يؤمن بدعوته إلا ثلة من الرجال والنساء فقط. فلو كان لها تأثير فعّال مؤثر في قلوب الناس وعقولهم، لبقيت تلك الجموع من اليهود وغيرهم، موقنين ثابتين على أيمانهم به ولم يرتدّوا عن دعوتـه حال إلقاء القبض عليه، بعدما كانوا يتبعونه ويتبركون بأذيال ردائه حيثما ذهب ويتمنون منه خلاصهم من أمراضهم وعاهاتهم، ولنصروه ووقفوا الى جانبه في وجه الكافرين والمشركين ومنعوا أذاهم عنه، ولما تركوه وحيدا معلقا على صليب الكفر.وعلى كل حال، لا يؤمن بحصول مثل هذه المعجزات المخالفة لقوانين الطبيعة عن رسل الله وأنبيائه، إلا من ولد على اسم دين من أديان الله، وقرأ عنها في كتابه المقدس، وسمعها عن لسان رجال دينه وفهمها بشكلها الظاهري.إذن، فالآية الكريمة تقول: لقد توقفنا عن إجراء المعجزات المادية الخارقة لقوانين الطبيعة، منذ أن راح الناس لا يصدقونها، فلقد باتت حججاً غير مقنعة ودلائل غير كافية، لذلك انتقلنا الى مرحلة جديدة في التخاطب مع العباد، واختصصنا شريحة رجال الدين وعلمائه، بأدلتنا الإلهية وحججنا الربانية لتتوافق مع تحسن أحوال الناس ومستوياتهم الذهنية، وجعلنا مسألة الأيمان والكفر تعتمد على قوتي العقل والمنطق السليم والحجج النقلية، فمن شاء منكم أن يؤمن ومن شاء منكم أن يكفر، كما قال تعالى (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)(10 البلد). ولقد أظهرنا على قوم ثمود ناقة شريعة صالح(ع) وكان فيها من الآيات المحكمات والبشارات الربانية والأحكام السماوية والانذارات الشديدة، ما يكفي لتنوير قلب وعقل وبصيرة كل من يتوجه لها بقلب صاف منير طافح بالأيمان. لكن قوم ثمود راحوا يظلمون أنفسهم ونفوس غيرهم بالبعاد عنها والصد والكفر بها، لأن الغاية الحقيقية من إرسالنا وتنزيلنا لكل هذه الأمثال والقصص، ما هو إلا لتخويف الناس من الكفر وتحذيرهم من مخالفة أمر رب العباد، حتى يتقربوا الى الله ويؤمنوا برسله، إذ لم يعد لخوارق العادات تأثير ملحوظ في إقناع الناس.أما لماذا يشبّه سبحانه وتعالى شريعة النبي صالح(ع) بالناقة، ولماذا يذكرها وقد أبطل استعمال المعجزات المادية، فأكثر الظن أنه يريد أن يترك في قرآنه الكريم أثراً ودليلاً واضحاً على وجود تلك العلاقة الوثيقة والرابطة القوية بين المرحلتين في قديم الزمان ويؤكد على وجودهما معاً، وبالتالي فهو يريد أن يبقي أثراً أو علامة على قدم تاريخ البشرية وعلى تلك الدورات الرسالية التي ضمّت كل واحدة منها مجموعة من الرسل والشرائع، وفي نفس الوقت، يستمر في تمجيد ذكرى من استجاب له ولرسالاته من المؤمنين القدماء ويلقي قبسات نوره على أدوارهم العظيمة وكيف استمرت ولم تنقطع سلسلة المؤمنين على مر التاريخ البشري، فيتحقق قوله تعالى (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ)(24 فاطر)، وكذلك (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا)(1 الإنسان
ونتابع معكم معنى ناقة النبى صالح(ع)-فتابعونا فى الحلقات القادمة.....

Wednesday, May 28, 2008

تأملات روحانية مع سيفى سيفى

ونتابع ناقة النبى صالح

أما ما جاء في سورة هود بخصوص ناقة صالح(ع):
* [وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ](61 هود).
تعود هذه الآية الكريمة، لتؤكد ما جئنا عليه، فصالح(ع) يذكّر قومه بالأيام الخوالي، وكيف رفعهم الله من مستوى دان رخيص بعد أيمانهم بدينهم السابق، الى أمة ذات حضارة وقوة ورجال، وكيف سيطروا على بقية الأمم المختلفة واستعمروا أراضيهم وانتصروا عليهم وعلى كل من وقف في سبيل نشر ديانتهم، وكيف جمعوا الناس على عبادة الله الواحد؛ فالنبي صالح ينصح قومه ويطلب منهم استغفار الله ـ باعتبارهم مؤمنين موحدين قائمين على عبادة الله بالفعل ـ وينصحهم بالتوبة والعودة الى الدين الحق. ومما يؤكد هذا المعنى، أي أن قوم ثمود كانوا من الموحدين، قوله تعالى في إشارته الى أن جميع البشر دون استثناء، أنهم يعبدونه ولا يعبدون رباً سواه (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(42 العنكبوت)، وكذلك تأكيده أنه ما ترك أمة من الأمم إلا وبعث فيها نبيّاً نذيراً (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ)(24 فاطر)، وأن ما من رسول إلا وحقق هدفه وآمن الناس بدعوته (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)(64 النساء).
أما لـو كان قوم ثمود كافرين بالله أو ملحدين غير مؤمنين، ولم يسبق لهم الايمان بدين سماوي، فلا يمكن أن يطالبهم النبي صالح(ع) باستغفار الله والتـوبة اليه وهم لا يعرفونه ولا يؤمنون به. فنصيحته لهم بالتوبة دليل على أنهـم كانوا قوماً موحدين، ثم ابتعدوا عن صراط الله الحق المستقيم بالتدريج. وإلا فلا يجوز أن يطالبهم بالعودة والرجوع الى الله ولم يسبق لهم عبادته.
أما الاشارة في أن الله قريب مجيب لدعوة الداعي إذا دعاه، فتشير الى أن رحمة الله موجودة بالفعل وعلى الدوام ولم تنقطع لحظة واحدة عن البشر، كما قال تعالى
(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا)(1 الإنسان)
، والنبي صالح(ع) يحاول أن يفهمهم أن رحمة الله قد نزلت عليهم بالفعل، وهي الآن على شكل شريعة سماوية، وهي قريبة جدا منهم وبينهم، وان الله استجاب لدعائهم وتوسلهم واستغفارهم وأنزل عليهم رحمته اليوم، وهي ظهوره بينهـم ونزول شريعته اليهم، ليكشف عنهم ما أصابهم من كرب وما نزل بهم من غمة وما انتشر بينهم من فساد وكفر، لأنهم كانوا ما يزالون ساعتها آخر جيل من مؤمني الأمة السابقة صاحبة الكتاب، وهو يحاول أن يفهمهم أنهم وبمجرد اتخاذهم قرارهم النهائي، فرادى أو جماعات، بالصدّ عن شـريعته، وبمجرد أن يعلن لهم إتمام حجته عليهم، كما أعلن سيد المرسلين بهذا الإعلان من بعد في قوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا)(3 المائدة)، فستدخل أمة ثمود في زمرة الكافـرين عند الله، ومنذ تلك اللحظة وتلك الساعة ستحجب عنهم رحمة الله ولا يستجاب لدعائهم، كما قال تعالى (قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ)(50 غافر
هـذا إضافة الى أن الآية الكريمة مورد البحث توضح أن هناك علاقة قوية بين ظهور أديان الله والأيمان بها من جهة، وبين ظهور الحضارات الانسانية على الأرض من جهة أخرى، وسنأتي على الموضوع لاحقاً وبايجاز.
* [قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ](62 هود).
تشـير الآية الكريمة الى أن النبي صالح(ع) كان معروفا بين قومه بالأخلاق الحسنة والصفات الطيبة والمزايا الحميدة، شأنه شأن أخلاق وصفات جميع الرسل والأنبياء الكرام، لكن قومه وحالما أعلن دعوته الغريبة الجديدة غير المتوقعة بينهم، راحوا يستنكرون عليه هذا التغيير المفاجئ في أقواله وتصرفاته ومطالبتهم بعبادة الله سبحانه وتعالى، لأنهم كانوا بالفعل على دين سماوي ويتبعون شريعة ربانية ولهم رسول وكتاب منزل، بدليل قوله تعالى (أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا). لذلك جاء اعتراضهم عليه، لأنهم لم ينتبهوا الى مقصده الحقيقي في ترك ما توارثوه عن آبائهم من تمجيد وتبجيل لدينهم وأحكـامه والانتقال الى دينه الجديد. فكان ردهم على دعـوته الاستنكار والاعتراض والتكذيب، مع أنه كان يدعوهم الى شريعة جديـدة أهدى من شـريعتهم تزيد من أيمانهم وتكمله، كما قال تعالى (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)(24 الزخرف)، ويطالبهـم بالهجرة مرة ثانية الى الله، كما قال تعالى (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(26 العنكبوت).
* [قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ](63 هود).
يعود النبي صالح(ع) ليوضح لقومه أنه قد اختير بأمر من الله لاعلان دعوته، ويطالبهم بفحصها وتدقيق آثارها والتبيّن من صحة آياتها، ويذكّرهم أنه لا خيار ولا قدرة للرسل والأنبياء المختارين أمام أمر الله، كما قال تعالى
(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ) (94 الحجر)، لأن هذا هو طريق الفلاح والنجاح، وما غير ذلك إلا الخسران المبين.
* [وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ](64 هود).
لاحظنا أن موضوع النقاش بين النبي صالح(ع) وقومه يرتكز على إعلانه دعوة سماوية جديدة، وحثه النـاس على الايمان بالله الواحد الأحد من جديد؛ من هذا يبدو أنه يصف شريعته بالناقـة، لما سبق وسقناه من أوجه التشابه فيما بين استخداماتها واستعمالاتها. لكن شتّان ما بين ظهور رسول جديد وإعلانه أمرا خطيرا كهـذا، وبين طلبه إخلاء سبيل ناقة وتركها ترعى وتأكل من حيث تشاء، فلا علاقة روحية أو دينية واضحة بين الأمرين. أما ما يلفت الانتباه في الآية الكريمة، فهو وصفها بـ
(نَاقَةُ اللَّهِ)، والمقصود بالناقة هنا هي شريعة الله التي ستنقلهم من جنة دينهم القديم الى جنة دينه الجديد، أو التي ستخلصهم من أرض دين جفَّ ماء أيمانه وانقطعت ثمار أشجار أعماله الصالحة الى أرض دين طيبة مليئة بفواكه الآيات الجديدة وثمار الحكمة والمعرفـة الطازجة. وطالما ضربت آيات القرآن الكريم الأمثال لتقريب مثل هـذه المفاهيم لأذهان العقلاء والحكماء من الناس، كما قال تعالى (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ)(43 العنكبوت). فصالح(ع) يعود لينبه قومه أن رسالته سماوية من عند الله وفيها من الحجج والبراهين والدلائل ما يثبت ذلك، ويطالبهم بعدم الاعتراض عليها او محاربتها وعقرها، وتركها تسري في أراضي قلوب الناس لترتع في حقول عقول كل من يود الاستجابة لهـا، لأنه من المؤكد أن من سيعترض عليها ويحاربها، سـيقع تحت طائلة عذاب الله وقهره. وهذا يثبت لنا أن رحمة الله سبحانه وتعالى تتكرر على عباده كلما تبدلت أحوال الناس وتطورت مجتمعاتهم، ولا تنزل عليهم إلا على شكل شرائع سماوية.
* [فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ] (65 هود).
من المهم جدا أن نبحث عن معنى (اليوم) في كتاب الله، فإذا قرأنا قوله تعالى (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)(5 السجدة)، نفهم أنه يشبه عمر شرائعه باليوم الواحد، فمثلما لليوم الزماني بداية ونهاية، ونهار وليل، ونور وظلمة. كذلك هو الحال بالنسبة لعمر الشريعة، إذ لها بداية ونهاية، ولها زمن نور وقوة وانتشار، وزمن ظلام وضعف وانحسار.
إذن، فالآية الكريمة تريد أن تقول: ان قوم ثمود رفضوا الاستجابة لرجاء النبي صالح بالأيمان، ولم يقتنعوا بدلائله، وقاموا عليه وعلى أتباعه بالصد والنكران والمعارضة، لذلك جاء تحذيره وتنبؤه لهم بابتداء موعد زوال آثارهم وانحسار قوة حضارتهم منذ تلك اللحظة، وأكد لهم أن هذا وعد إلهي لا رجوع فيه، فقد انتهت مدة تنبيههم ومسامحتهم، وبهذا سيستمرون على اسم دينهم لمدة ثلاث أيام شرائع تالية، ثم يختفي اسمهم واسم شريعتهم ويمحى من الأرض الى الأبد.
* [فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ](66 هود).
ومنذ تلك الساعة، ووقتما انتهت مهلتهم للتحقق من صحة أمر الله في دين النبي صالح، بدأت حضارة قوم ثمود ومجدهم وقوتهم بالانحلال والزوال واعتبروا عند الله قوم سوء أخسرين، حتى اختفى اسمهم ورسمهم من بين البشر. لأن الله غني عن عبادة خلقه، وأمره أقوى من أن يوقفه اعتراض الجاهلين. بينما راحت شريعة صالح(ع) الجديدة تنمو وتنتشر في قلوب الناس، ففاز برحمة الله وبركاته كل من آمن بها ونجى من عار الكفر وخزي التعصب.
* [وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ](67 هود).
وبهذا اختفى قوم ثمود وبادت حضارتهم بالتدريج والى الأبد، بسبب ارتفاع صوت الحق وصيحته، ونفخ النبي صالح(ع) في صور الأيمان وبوق الدين الجديد الذي كان إعلاناً عاما لبدء موت من كفر بها روحانياً، وحياة من تقدم للايمان بدعوتها روحياً.
ونعود لنقول أن حضارات البشر ترتبط ارتباطا وثيقا بظهور الديانات السماوية وانتهائها، فكل أمة تنتبه لخطورة وأهمية الايمان بالشرائع السماوية وتتقدم لتصديق رسل الله وتذعن لأمرهم، يبقى اسمها ويستمر ذكرها ويعلو شأنها وتحل عليها البركات والنعم ويرزقها الله من حيث لا تحتسب، حتى ولو تغير اسم دينها واسم رسولها وتبنت شريعة سماوية جديدة، فستبقى في حالة علو وسمو مستقطبة ما حولها من الأمم ليذوبوا في أمتها ويندمجوا في حضارتها. أما إذا ظهر منها وفيها جيل يغفل عن هذه الحقيقة ويستنكر ويجهل تأثير قوتها ، عندها تبدأ عوامل الاندثار والانحلال تنخر في هيكـل بناء مجتمعاتها فتنتشر فيها عقائد الأوهام والأباطيل، فيختفي أثر حضارتها تدريجيا والى الأبد.
ومن المؤسف أن نرى غالبية الأمم القديمة من أصحاب الكتاب قد غفلت عن هذه الحقيقة الفريدة، عندما رفضوا التجديد وابتعدوا عن التطوير وتشبثوا بقديم أديانهم وغالوا في محبة رسلهم وصدّوا وبعدوا عن كل من ظهر بعدهم، وتمسكوا برجال دينهم، لدرجة أنهم جزموا بانقطاع رحمة الله عن العباد، وكأنهم يظنون أن بأيمانهم بمن ظهر عليهم من جديد الرسل، سيدخلون نار غضب الله بدلا من جنة رحمته، وهذا ما
حذر سبحانه وتعالى منه مراراً في كتابه العزيز.
لكن هذا الانحدار والاختفاء للحضارات، يستغرق وقتا أطول مما يستغرقه وقت علوّها وسموّها، لذلك يصعب على العلماء والمهتمين بالحضارات الانسانية والباحثين عن حقائق ظهورها وزوالها، ملاحظة هذه الأسباب واكتشاف حقيقة ما حدث لتلك الأمم الغابرة بشكل واضح، خاصة وهم يستعملون أدلة مادية في بحوثهم للعثور على آثار روحانية معنوية، فشتان بين السبيلين، وبعدما تغيرت لغاتها وتبدلت أقوامها ولم يتبق من آثارها إلا بقايا مهلهلة وإشارات ضعيفة لا تعطي صورة واضحة لما جرى لها أو تكشف عن أسبابها بشكل صريح، علاوة على وجود تأثيرات الزمان وعوامل التعرية الطبيعية ومرور آلاف السنين. فكم من أمم في مختلف أصقاع الأرض لم يكلمنا القرآن الكريم عنهم وعن أحوال حضاراتهم وشؤونها، كما قال تعالى
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُـوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(9 الروم)، وكم من دين ورسول أو نبيّ لم يأت على ذكرهم أو ذكر أتباعهم، كما قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ)(78 غافر)، وما سبب ذلك إلا لأن القرآن الكريم كتاب سماوي روحاني يشجّع الناس على الأيمان والهدى، وليس كتاب تاريخ شعوب أو جغرافية أقاليم، فهدفه الأول والأخير هو هداية الناس وتحذيرهم من مغبة الكفر التي وقعت فيها جميع أمم القبل، كما قال تعالى (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)(102 الأعراف). إلا أن القرآن الكريم لم يترك ذكر تلك الأمم تماما، بل بقي يشير اليها والى رسلها بشكل عام وبإشارات دقيقة لتشابه أسباب اختفائها، وبرموز وإشارات لطيفة، خاصة من سكن منهم أرضاً قريبة من أرض العرب، كما في إشارته الى أمة المجوس في ايران وتعيينه مكان ظهور رسولهم زرادشت قرب نهر آراس شمال غربها (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا)(38 الفرقان)، وكذلك قوله الكريم (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ)(12 ق). وما الغاية الأخرى من هذا الاسلوب الإعجازي وإشاراته اللطيفة الدقيقة، إلا لإخفاء جوهرة الامتحان الحقيقية والتركيز على نقطة الغفلة التي مر بها أتباع جميع الديانات السماوية القديمة والتحذير منها. وبهذا القانون السماوي يمكن الاستنتاج أن غالبية تلك الأمم القديمة، إما كفروا بأول رسول ظهر عليهم، أو أنهم كفروا بالرسول الذي تلاه، ولم يسبق لأمة من تلك الأمم أن استمرت على تصديق سلسلة رسل الله واحدا تلو الآخر دون انقطاع، وهذا هو سرّ خطأ الانسان الأزلي، وهذا ما يفسر قوله الكريم (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)(106 يوسف).
* [كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ]
(68 هود).
لاحظنا أن قوم ثمود كانوا يدينون بدين سماوي قبل ظهور النبي صالح عليهم، وأنهم كانوا من الموحدين لله سبحانه وتعالى، وما مشكلتهم في زمن ظهور النبي صالح(ع)، إلا أنهم رفضوا تجديد دينهم كما أمرهم الله؛ من هنا نستغرب لقوله الكريم (كَفَرُوا رَبَّهُمْ)! فكيف يكونوا كفروا ربهم، وهم موحدون ويتبعون شريعة سماوية قديمة؟
فـإذا تذكّرنا قولـه الكريـم في سورة يوسف (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ)(41)، ندرك ان الله سبحانه وتعالى يستعمل كلمة (رب) حسب استعمالهـا القديـم بين الأمم السابقة، فلقد كان قدماء البشر يطلقونها على أنبيائهم وملوكهم وأمرائهم ورؤسائهم وكبار قومهم وسادتهم.. الخ. إذ ليس من المعقول ان يسقي هذا السجين ربه بالمعنى المقدس، خمراً.
من هذا نفهم أنه سبحانه وتعالى يطلق هذه الكلمة على النبي صالح(ع)، فهو سفيره ورسوله وسيّد قوم ثمود وملك ملوكهم وسبب أيمانهم، وبظهوره فصل بين المؤمنين والكافرين وحكم بينهم، فدخل كل من آمن بدعوته الى جنان الله وخلده، وسيق الكافرون الى نيران جهنم وبئس المصير.
وباختفاء آثار دين وحضارة قوم ثمود جرّاء كفرهم وتكذيبهم لرسالة نبيّهم صالح(ع)، اختفى ذكرهم من الأرض وكأنهم لم يكونوا من أصحاب الكتاب، ولم تكن لهم قبل ذلك حضارة عظيمة. وبذلك لم يؤثر اختفائهم في استمرار رسالات الله وتجدد شرائعه، ولم يحزن عليهم أحد، لا سماء دينهم ولا سماء شريعتهم ولا أراضي الأيمان الطويلة الممتدة، كما قال تعالى
(فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ)(29 الدخان).

Monday, May 12, 2008

من التأملات الروحانية للسيد-سيفى سيفى من خلال المنظور والمفاهيم البهائية


ونتابع ناقة النبى صالح

(2)


* [وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ](74 الأعراف)، يؤكد فحوى هذه الآية المباركة، أن قوم ثمود ظهروا بعد قوم عاد، وكان لهم شريعة سابقة ورسول سابق قبل ظهور النبي صالح(ع) بينهم، فالتذكير بأمر من الأمور، يعني العودة بالفكر الى الماضي وتذكّر أحداثه، لذلك جاء استعمال كلمة (وَاذْكُرُوا) لتشير الى سابق عهدهم باستخلاف الأرض. وبما أننا علمنا أن من معاني استخلاف الأرض، هو استخلاف أرض الأيمان والدين، كما أيّد ذلك قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)(55 النور).
إذن، فالآية الكريمة مورد البحث، تشير الى أنه سبق وكانت أمة ثمود متسلطة في الأرض وكان لها حضارة بعد أمة عاد أصحاب هود(ع)، بسبب أيمانها بدين سابق لظهور النبي صالح عليهم، وأنهم وصلوا الى مستوى حضاري عال استطاعوا فيه بناء قصور عالية في السهول ونحت بيوت لهم في صخور الجبال. وهذا يعني أيضاً أنهم يعيشون في زمن النبي صالح في مستوى اجتماعي دان وحضارة آيلة الى الزوال، لأنه يذكّرهم بما سبق وحصلوا عليه من عز ورخاء وحضارة بعدما آمنوا برسولهم السابق، ويحذرهم من استمرار فسادهم في الأرض، أي من معصية الله والكفر برسالته.

* [قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ](75 الأعراف). وكما حدث ويحدث في زمن ظهور كل نبي أو رسول، قام المستكبرون ورؤساء القوم على النبي صالح(ع) ليعاندوه ويستنكروا عليه هذا المقام الإلهي الرفيع ويحثوا أتباعهم على الكفر به وبدعوته، وراحوا يسألون من آمن من قومهم بدعوته من العبيد والفقراء والمساكين: كيف علمتم وتأكدتم من صحة دعوة صالح(ع) وأحقيتها، وأنتم جهلة أميون لا تقرأون ولا تكتبون، وليس لكم نصيب من علوم الأولين؟ فكان جواب المؤمنون: أنهم استدلوا على ذلك بقوة الله وهديه واستعانوا بنورانية قلوبهم وصفاء سريرتهم، وبوجود هذا الهيكل المقدس بينهم، ومن خلال ما سبق وعرفوه من أخلاقه الحسنة.
ومن الملفت للنظر ما جاء من تباين بين مفهوم سؤال المعرضين وبين جواب المؤمنين، فسؤال المعرضين يرتكّز على العلم والمعرفة (أَتَعْلَمُونَ)، بينما جاء جواب المؤمنين ليشير الى الهدي والهدى والايمان (مُؤْمِنُونَ)، وهذه نقطة جوهرية مهمة، فلقد كان الأيمان برسل الله وأديانهم على الدوام، لا يرتكز على العلوم والمعارف الدنيوية المكتسبة، بل على المنح الربانية والصفات الإنسانية الراقية كالإنصاف وصفاء القلب ونورانية السريرة وطهارة الضمير وصدق الأيمان وما يتمتع به الانسان من شجاعة أدبية ذاتية ومناصرة للحق والشجاعة والإقدام، كما قال تعالى
(وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)(35 فصلت). وكذلك قوله الكريم (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)
(88،89 الشعراء).
وهذه الآية الكريمة، تفتح الآفاق لمعرفة الفرق بين صفة العلم وصفة الأيمان. فالعلم أمر متعلق بالعقل والتفكير، بينما يتعلق الأيمان بالقلب والروح والفؤاد. وهذا ما يفسر الصعوبة البالغة التي يعانيها الانسان عندما يشاء تغيير دينه مهما كان مستواه العلمي، لأنه يتعامل ساعتها مع جوهر حقيقته وصميم روحه وجذور ضميره وأيمانه التي لا تتفق معها معاييره العلمية. لذلك فهو يحتاج الى قوة روحانية عالية جدا لتحقيق هذا الهدف، ولا يجد هذه القوة العظيمة إلا في قوة الأيمان المنبعثة من دينه السابق. لذلك عليه أن يتخذ أيمانه متاعاً له وسفينة لعبور برزخ الاضطراب والاهتزاز والقلق والتذبذب، حتى ينتقل من ماء بحر الشريعة السابقة المالح الأجاج الى ماء بحر الشريعة التالية الفرات الزلال، وهذا ما تشير اليه الآية الكريمة في بعض مقاصدها
(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (11 الرعد).
بينما يكون الأمر أكثر سهولة في حالة التعامل مع العقل والأفكار والعلوم والمعارف الدنيوية، فمن الممكن أن يقتنع أصحاب الأفكار أو النظريات العلمية، مع بعض الجهد في النقاش أو من خلال قراءة كتاب، فيغيروا آرائهم وينتقلوا بأفكارهم من نظرية الى أخرى أو من مبادئ حزب الى مبادئ حزب آخر
.
* [قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ](76 الأعراف).
يعود المستكبرون والرؤساء الرجعيون، ليردوا على أتباع صالح(ع) ويقولون لهم بتعجب: أنهم ورغم كل ما يتمتعون به من علوم ومعارف، لم يستطيعوا اكتشاف أية علامة أو إشارة واضحة في كتبهم أو آثارهم على ظهور رسول أو نبي جديد بينهم؛ واستناداً الى ذلك، قرروا تكذيب دعوة صالح وعدم الايمان بها.
فيذكّرنا هذا الموقف المتعصب بالآية الكريمة الأخرى
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)(24 الأنفال)، حيث أن سيّد المرسلين محمد، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، قد أحيا أرواح الناس بالأيمان مثلما فعلت جميع رسل الله من قبل. فإذا علمنا أن من أكبر السدود وأعظم العوائق أمام تجدد أيمان الناس في أزمان رسلهم، هما العلم والمعرفة. نفهم لماذا يعرض الناس عن دعوات الرسل. فالعلماء والمهتمون بشؤون المعرفة يبحثون عن الإثباتات العقلية والأدلة النقلية وما يقنعهم بصحة وأحقية رسالات الرسل، حسب مستوياتهم الذهنية، ناسين أن المتكلم هو رب العقل وخالقه وأنه لا مجال للنسبة أو المقارنة بين الطرفين، وأنه يكلم الأرواح المعنوية أولا ومن ثم العقول بالمفاهيم المادية. لذلك نراهم المبادرين على الدوام بالإعراض والاعتراض والصد والنكران عند ظهور كل رسالة عليهم، فهم يستشيرون عقولهم قبل أرواحهم. وهذا ما يفسر شأن ومقام أوائل المؤمنين والصحابة الكرام والسابقين الناصرين لأديان الله، إذ يكون غالبيتهم من طبقات العبيد والفقراء والضعفاء، ومن يطلق عليهم المستكبرون صفات الأراذل والأميين وبسطاء الناس. فعلى سبيل المثال، كان أول المؤمنين بدين سيدنا محمد(ص) من فئة العبيد والضعفاء، كما يشهد التاريخ بذلك، وكما قال تعالى (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ)(111 الشعراء) وكان غالبية حواريو السيد المسيح(ع) من الأميين والجهلة وصيادي الأسماك، وكذلك هو حال من آمنوا بدعوة سيدنا موسى(ع) من بني اسرائيل، كانوا مستضعفين في الأرض تحت سلطة فرعون الغاشمة، كما قال تعالى (فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)(27 هود).


* [فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ](77 الأعراف).
وبهذا الاعتراض عن الأيمان بدعوة صالح(ع)، راح المعاندون يعترضون عليه ويكذبونه ويشوهون سمعة شريعته ويقولون بعدم اتفاقها مع أحوال مجتمعاتهم ويقعدون في كل طريق ومرصد ليصدوا الناس عن الايمان بها وينشرون الأكاذيب والافتراءات عنها ويحاولون إعادة كل من آمن بها من قومهم الى دينه السابق، ويتحدّونه أن ينزل العقاب بهم كما يعدهم، لأنهم كانوا ينظرون الى كثرة أعدادهم وسعة أرضهم وقوة حضارتهم.
* [فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ](78 الأعراف).
إذا علمنا أن من معاني (الرَّجْفَةُ) هي يوم القيامة ويوم الحساب، نتساءل: لماذا عاقب الله قوم ثمود على كفرهم، ولم يعاقب الأقوام الكافرة من بعدهم؟ ولماذا قامت قيامتهم على الخصوص، والقيامة العامة الموعود بها جميع البشر لم تقم حتى الآن؟ إذن لابد أن يكون هناك معنى آخر لما ورد في هذه الآية الكريمة، خاصة إذا تذكرنا، كم من الأمم الكافرة ما زالت تعيش معنا في هذه الأيام وهي غير مؤمنة بسيد المرسلين وحبيب الله والمصطفى المختار، بل ولا تدين بدين سماوي. فما الفرق بين هذه الأمم وبين تلك الأمـم؟ وهل أن الكفر بدين سيدنا صالح(ع) كان أكبر إثماً وأشـد ضلالة من مخالفة سيد المرسلين محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام؟
فإذا نظرنا الى كلمة (جَاثِمِينَ)، ندرك أن من معانيها الجلوس والبقاء وعدم الحركة، فلماذا لم يستعمل جل جلاله، كلمة أخرى أكثر دقة، للإشارة الى موت وفناء واختفاء قوم ثمود، خاصة إذا نظرنا الى كلمة (دَارِهِمْ) ولم يقل قبورهم أو لحودهم، ألا يعني ذلك بقائهم في مساكنهم دون تغيير؟ فالقرآن الكريم يعتبر حجة في البلاغة واللغة، كما قال تعالى
(قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(28 الزمر).
نعود الى كلمة (الرَّجْفَةُ) أو القيامة أو الساعة، ونتساءل: كيف قامت قيامة قوم ثمود وحوسبوا، والقيامة الموعودة لم تقم بعد؟
لا نستعين في هذه المعضلة الخطيرة والمسألة الدقيقة بغير كتاب الله، فنقرأ قوله الكريم
(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(55 آل عمران)، هنا نجد ان الله سبحانه وتعالى يعد سيدنا المسيح(ع) برفعة أمته وعلوها فوق أمم الكافرين الى موعد محدد، وهو (يَوْمِ الْقِيَامَةِ). وبما أن هذه الآية الكريمة تشير الى حدث قد تم وحدث ومضى زمانه، وظهرت أمة النصارى وسمت وارتفعت فوق غيرها من الأمم لقرون عديدة، عندما كان الأباطرة وملوك النصارى ومن خلفهم البابوات وكل من دان بدين المسيحية ليساندوهم ويؤيدوهم، حتى يشنّوا الحملات الصليبية ويجيّشوا جيوش الحرب على غيرهم من الأمم ليدخلوها في أمتهم. يكون بحصول كل تلك الأحداث التاريخية السابقة، أن وعد الله لأمة السيد المسيح(ع)، قد تمَّ وتحقق، ولكـن بجزئه الأول. وعندما نقرأ أن أمة المسلمين بعدما ظهرت، راحت تتوسع أرضها وبطاحها وامتدت بعيدا حتى شملت كثير من أقاليم أمم النصارى كما حدث في أرض الشام وفي مصر والأندلس وشرق أوربا. هنا نتوقف عند هذه النقطة، ونتساءل عن نتيجة ومصير وعد الله لأمة النصارى في البقاء في علو وسؤدد حتى مجيء يوم القيامة؟ إذ أن هذا اليوم المشهور لم يأت بعلاماته المعروفة للجميع، والنصارى لم يستمروا في علوهم وسموهم، بل ظهر رسول جديد على الناس، هو محمد المصطفى المختار، عليه أفضل الصلاة والسلام، فأسس أمة جديدة نشر شريعة الاسلام بين الناس امتدت ثغورها الى أقاصي الأرض واستولت على كثير من أراضي النصارى وممالكهم! فكيف يفسر ذلك وأين وعد الله لهم، خاصة وأن هذا الوعد الإلهي قد نزل في القرآن الكريم، ولم ينزل في كتاب الإنجيل؟
من تحقق كل تلك الأحداث الدينية والتـاريخية الجسام، ندرك أنه من الممكن أن يكون لمعنى يوم القيامة والساعة والرجفة، معنيين اثنين، الأول خاص محدد، والثاني عام شامل. وبذلك لـم تكن قيامة أمة النصارى التي وعدهم بها رب العباد، إلا تلك القيامة الخاصة المحـددة بحدود الزمن، بدليل مجيء أمة مؤمنة أخرى بعدهم أنجزت بظهورها وحققت بمجيئها وعد الله عليهم وأنهت بقيامها ووجودها وعد الله لهم. وبهـذا فقيامة شريعة الاسلام وقيامة سيد المرسلين وقيامة أمة الاسلام وقيـامة نزول كتاب القرآن الكريم، كانت هي حقيقة نهاية موعد الوعد الإلهي المحدد الخاص بأمة النصارى. وكان هي قيامتهم الخاصة وقيامتهم الصغرى. وبهذا يتحقق الوعد الإلهي في كتابه الكريم بانتهاء رفعتهم وسموهم الى يوم قيامة شريعة الاسلام.
من هذا قد يكون أن قوم ثمود قد قامت قيامتهم الصغرى وحلَّ موعد ساعتهم المحدودة، فور صدّهم وكفرهم بدعوة رسولهم صالح(ع)، كما حدث فيما بعد مع أمة النصارى. ومنذ تلك الساعة بدأ نجم أسمهم يأفل وشمس شريعتهم تغرب وقوة حضارتهم تختفي وسعة بحر علومهم ينحسر، ورويدا رويدا اختفى ذكرهم ورسمهم ورمزهم من تاريخ البشرية وذابوا بين أجيال بقية شعوب الأرض، ولم تبتلعهم الأرض بين طبقاتها ولم يحترقوا بنيران الشهب والنيازك، بل بقوا يعيشون على الأرض حتى ذابت أمتهم بين بقية الأمم بعد أن انحسرت عنهم رحمة الله وبركاته وتأييده، كما قال تعالى في شأن فريقي الأيمان والكفر
(كُلا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)(20 الإسراء).
* [فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ](79 الأعراف).
ومما يثبت ويدل على أن قوم ثمود لم يموتوا موتاً جسـدياً ولم يختفوا عن وجه الأرض بعدما أصابتهم الرجفة وبعدما أصبحوا جاثميـن في الأرض، ما تقول به هذه الآية الكريمة التي تكمل ما سـبقها؛ فهي توضح أن النبي صالح(ع) ابتعد ونأى عن قومه وشـرع في عتابهم. ولو كان قـد حصل ما تنبأت به الآية السابقة من عقاب جسـدي بشكل مـادي، لما تمكن من معاتبتهم وإخبارهم بتمام عمله وما أمره الله بـه. لأنهم يكونون قد ماتوا وانتهى أمرهم، وبذلك لا يستطيع مخاطبتهـم وعتابهـم. بل ولجاء تسلسل مكان هذه الآية الكريمة قبل سـابقتها لتتفق مع توالي الأحداث، فالعتـاب لابد ان يسبق الموت حتى تتضح الحجة ويثبت الدليل. وما هذا الحديث والعتاب الإلهي، إلا دليل على موتهم موتاً روحياً ايمانياً وليس موتاً جسديا. أمـا الدليل الحيّ الآخر على ذلـك، فهو ما نشاهده اليوم من أمم عديـدة تدين وتعتقد بمعتقدات قديمة بالية أو سخيفة كافـرة، فلو كان الأمر كمـا يصوره ظاهر الآية مـن موت وهلاك كل أمة بعد كفرها، لما بقي هؤلاء على وجه الأرض حتى اليـوم، ولكان من الأولى أن يموت ويفنى من كذّب وكفر ولم يؤمن بدين سيد المرسلين والمصطفى المختـار.

(استنباط سيفى سيفى)

Friday, May 2, 2008

تأملات روحانية للسيد-سيفى سيفى من خلال المنظور والمفاهيم البهائية

(1)
من معـاني قصـة
ناقـة النبي صالح(ع
(تطابق الديـن والعلـم)

بسم الله الرحمن الرحيم

وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

(49 الذاريات)

من بين قصص الرسل والأنبياء الكرام العديدة، نتناول قصة النبي صالح(ع) التي ورد ذكرها كثيراً في القرآن الكريم، ونتأمل حياة هذا النبي الكريم وكيف عاش بين قوم ثمود وما لاقاه منهم من صدّ وعناد واعتراض، كما هو حال جميع الرسل والأنبياء الكرام، وبهذا كان لابد لنا من التطرّق الى ناقته ومحور قصته التي بجّلها وعظّمها سبحانه وتعالى كثيرا ورفع من شأنها ومقامها لدرجة أن مجرد الاعتداء عليها أو المساس بها كان السبب في موت وفناء قوم ثمود بمجملهم. ونستغرب لكل تلك الصفات وذلك الاهتمام الكبير الذي يصفها بها رب العباد وما حظيت به من مكانة سامية عنده وكيف أمر الناس بتركها لحريتها تفعل ما تشاء وترتع أينما تريد وعدم المساس بها، وهي ناقة وحيوان مثل غيرها! وبهذا يبزغ في أفق العقول مجموعة من الأسئلة: هل كانت هذه الناقة دابة مثل بقية النوق، وما هو الفرق بينها وبين غيرها؟ وكيف كان يميزها صغار القوم وكبارهم؟ ولماذا نالت كل هذا الدعم والاهتمام الرباني؟
يحاول هذا البحث بوريقاته القليلة الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها فقد يسلّط قبساً من النور على ما توارثناه عن أجدادنا من مفاهيمها
.
من الآيات الكريمة التي أشارت الى قصة سيدنا صالح(ع) وقوم ثمود وأمر الناقة وموضوعها، نجد باقة لطيفة منها، جاءت في مجموعة من السور المباركة، لذا سنحاول جمعها والاستهداء بهديها عسى أن نتمكن من توضيح بعض ما نستطيع من معانيها بعون الله وقدرته.
ورد في سورة الأعراف الآية رقم 73:ـ
* [وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا] أي أن النبي صالح(ع) كان من قوم ثمود وعاش بينهم، وبذلك فهو يتكلم ذات لغتهم.
[قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] أي انه دعاهم الى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده وترك ما دونه.
فنتساءل: هل كان قوم ثمود يعبدون إلهاً آخر؟ أم أنهم سمعوا بفكرة التوحيد لأول مرة من النبي صالح(ع)؟ أم كانوا ملحدين لا يؤمنون بوجود خالق لهذا الكون؟
* [قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ] هنا كان من الضروري البحث عن معنى كلمة (بَيِّنَةٌ)، لنتعرف على حجة النبي صالح(ع) أمام قومه، وخير مكان نبحث فيه، هو القرآن الكريم، لأن معنى هذه الكلمة يعتبر من أهم مفاتيح أسرار هذه القصة السماوية.
جاء في سورة البيّنة ما يشير الى بعض معانيها، قال تعالى (لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ . رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً . فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ . وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ)(1-4 البيّنة)، في هذه الآيات الكريمة يتضح بجلاء معنى البيّنة وهو (رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ)، وكذلك تعني: الكتب السماوية، (كُتُبٌ قَيِّمَةٌ).
إذن فالنبي صالح(ع) هو رسول مقدس جاء بكتاب سماوي لقوم ثمود، كما قال تعالى عنه
(فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا)(13 الشمس). إذن، هو يعلن عن نزول شريعة سماوية جديدة، لأن من مقومات الشريعة هما الرسول والكتاب.
أما إذا التفتنا الى معنى كلمة (جَاءَتْكُمْ)، وأخذناها بمفهوم الزمن الماضي، فقد تعني أنه قد سبق وظهر على قوم ثمود شريعة سماوية سابقة قبل ظهور النبي صالح(ع). وهذا ليس بأمر جديد على الله أن يظهر رسول بين أمة لها رسول سابق، فقد عاد وكرر ذلك بظهور السيد المسيح(ع) بين أمة اليهود. وفي هذه الحالة قد يكون قوم ثمود من أصحاب الكتاب السابقين، والنبي صالح(ع) هو رسول آخر يظهر بينهم. وأغلب الظن أنها فكرة صحيحة، بدليل كلمة (رَبِّكُمْ)، فلو كانوا لا يؤمنون بالله، لما استعملت هذه الكلمة، لأنهم في هذه الحالة يكونون ممن لا يعبدون أو لا يعرفون رباً لهم، وبهذا لا تصح طريقة المخاطبة.
لهذا سنحاول اكتشاف ما إذا كان قوم ثمود أصحاب كتاب سابق قبل ظهور النبي صالح(ع)، أم كانوا قوما ملحدين، وذلك من خلال تسلسل آيات هذه القصة القديمة
.
* [هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً] نلاحظ أن النبي صالح وبعد إعلانه عن نفسه بأنه رسول من عند الله وأن معه كتاب، عاد فقال (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ)، وبهذا نتساءل: هل هي إشارة الى ناقته أم الى شريعته؟ وأغلب الظن إنها إشارة الى شريعته. فطالما ابتدأ الكلام في هذه الآيات المباركة بتعريف نفسه وشريعته وكتابه، لذا فمن الأرجح أنه يتكلم عن الشريعة والبيّنة وليس عن الناقة. أو قد يكون هذا مثالا يستعمله سبحانه وتعالى لتشابه الغايتين من الناقة والشريعة، فالناقة وسيلة لنقل الناس من مكان الى آخر، والشريعة وسيلة لنقل الناس من أرض دين الى أرض دين أخرى. والناقة تحقق أهدافا مادية، والشريعة تحقق أهدافا روحانية. ومع ذلك سيتضح فيما بعد أي المعنيين هو المقصود.
ثم نقف عند كلمة (آيَةً)، وهنا نجد لها معنيين أيضا، فقد تعني الآيات المكوَّنة من الكلمات والجمل والمنزلة في الكتب السماوية. وقد تعني معجزة خارقة لقوانين الطبيعة. فأي المعنيين أراد بها رب العباد؟

* [فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ](73 الأعراف)، هنا قد يبدو الكلام في أول وهلة عن الناقة باعتبار أن عملية الأكل خاصة بالمخلوقات. لكننا عندما نعلم أن لكلمة الطعام معنيين، الأول مادي والثاني روحاني، نحتار فيما أراده رب العباد، هل يتكلم عن الناقة أم عن البيّنة والشريعة؟
فإذا تذكرنا قوله تعالى
(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)(197 البقرة)، نلمح قبساً من المعنى الروحاني، فهنا استعملت كلمة الزاد على أنها طعام الأيمان والتقوى وليس الطعام المادي. وإذا تذكرنا قول سيدنا يوسف(ع) للسجينين في السجن معه في قوله تعالى (قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)(37 يوسف)، وعلمنا أن الأكل والطعام المادي لا يأول ولا يفسر، أدركنا أنه يتكلم عن الطعام الروحاني، أي الآيات الإلهية، بدليل أنه يقول (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي)، هذا بالاضافة الى أن هذه الآية الكريمة، تتكلم عن الأيمان والكفر والآخرة وليس عن غذاء البطون. أما إذا تذكرنا قوله الكريم على لسان سيدنا المسيح(ع) (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ)(114 المائدة)، فنجد ما يؤيد المعنى الروحاني، حيث قال (تَكُونُ لَنَا عِيدًا) ولم يقل: تكون لنا غذاء أو طعاما أو شبعاً. كما أنه قال (لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا) ولم يقل لنا أو لمجموعتنا. وهذا يعني من بداية أيمان الناس بدين المسيحية وتأسيسهم أمة النصارى، حتى زمن ظهور الرسول محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، حينما سيختم رسالتي بظهور دينه الاسلام الآخر.
إذن قد يكون الكلام عن الطعام الروحاني وليس عن طعام اللحوم والخضروات. ومع ذلك لنستمر ونرى.
لكن ماذا عن معنى العبارة الكريمة (أَرْضِ اللَّهِ)، ألا تدل على أنها هذه الأرض الترابية؟ فنعود لنستدل بكتاب الله الكريم، فهو خير ما يستدل به. قال وقوله الحق في مجموعة من آياته الكريمة، نأتي عليها بالتسلسل
:
1- (قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ)(56 الأنبياء)، هذه شهادة أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم(ع)، فهو يشهد أنه قد رأى كيف فطر الله السماوات والأرض، وهذا أمر غير معقول حسب التسلسل الزماني، إذ أنه ولد وعاش بعد ذلك الحدث العظيم بقرون وأزمنة عديدة، وبذلك لا يمكن أن يكون من الشاهدين ولا يمكن ان تعقل شهادته. لذلك لابد ان تكون لشهادته معاني أخرى. فإذا أخذنا معنى كلمة الأرض على أنها أرض قلوب المؤمنين وأرض عقول العباد وأرض بصائرهم، هنا نجد بعض التطابق مع مفهوم الآية الكريمة ومع شهادته، فلقد شاهد سيدنا إبراهيم(ع) بالفعل وبالحق كيف فطر سبحانه وتعالى أراضي قلوب وعقول وبصائر الناس والعباد وبذر فيها بذور الأيمان ثم أنبت فيها أثمار الأعمال الصالحة وفواكه الايقان، وكيف رعاها بعين عنايته وبأيدي المؤمنين وبتوجيهات رسله وأنبيائه. والأكثر من ذلك، أن سيدنا إبراهيم(ع) كان قد ساهم بنفسه في هذا العمل الجليل المقدس مثلما ساهم غيره من بقية الأنبياء والمرسلين، وفطر سماء الشريعة السابقة لشريعته وكشط مفاهيمها العتيقة من سماوات عقول أتباعها، ومدَّ وبسط سماء دين جديد بدلها، ونثر فيها مختلف أشكال نجوم الأحكام والنواهي. وبهذه الطريقة وهذا المنظار، تصح شهادته الكريمة أمام الله وأمام الناس.
2- ومما يؤيد هذا المعنى أيضا، قوله تعالى (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا)(51 الكهف)، فمن المؤكد أن الله سبحانه وتعالى لم يعط مثل هذه الفرصة لأحد من عباده حتى يرى خلق السماوات بنجومها وكواكبها أو خلق هذه الأرض الترابية، ولا حتى لسيدنا إبراهيم(ع)، ولم يسبق أن أشهد أحداً من الناس كيف تم خلقه وبعث الروح فيه. كما أنه ليس هناك حاجة لذكر وتأكيد هـذه المعلومة، فالكل يعرفها ومتأكد منها، إذ لم يسبق لأحد من البشر ان شاهد خلق السماوات ولا خلق الأرض ولا خلق نفسه.
لكن المقصد الكريم أن الله سبحانه وتعالى لم يشهد الكافرين ولا المضلين، بل ولم يمكِّنهم من مشاهدة كيفية خلق أراضي الأيمان في قلوب الناس وعقولهم، لأنهم لم يكونوا منهم ولم ينخرطوا بين صفوفهم، فمثل هذا الخلق الروحاني الرباني ، لا يسأل الكافرين أو المضلين عن رأيهم ولا تقبل مشاركتهم فيه، بل يستعان بأيدي وسواعد وأعضاد المؤمنين والصالحين، وتطلب مشاركة صفوف جيوش الموقنين والأتقياء في بناء سماوات أديان الله وأراضي الأيمان في قلوب العباد من خلال النشر والتبليغ وطرق التعامل الحسنة، فهم القائمون على تنفيذ هذا العمل الجليل المقدس وليس غيرهم
.
3- (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ)(30 الأنبياء)، من المستحيل على الكافرين أن يكونوا قد شاهدوا فتق السماوات والأرض أو رتقهما كما تقول به هذه الآية الكريمة، فهذا أمر محال سبق وشهد سبحانه وتعالى بذلك في الآية السابقة. فكيف يمكن التوفيق بين المعنيين؟ لكن المقصود أنه سبحانه وتعالى يشبّه شرائعه بالسماوات لسعتها وكبرها ولضمّها تحت سرادقها أعدادا كبيرة من أقوام خلقه المؤمنين، وأن سماوات هذه الشرائع الإلهية كانت لها على الدوام أرض أيمان وأرض إيقان في قلوب وعقول عباده المؤمنين، وكان سبحانه وتعالى في كل مرة عندما ينسخ شريعة سابقة ويأمر بنزول شريعة لاحقة، يفتق ويفرّق ويفصل بين سماء شريعتها وأرض أيمانها ويمسحها ويزيلها. وبهذا يكون الكافرون من الذين لا يؤمنون ولا يعلمون ولا يشاهدون هذا الحدث الروحاني العظيم. لذلك فهم عاجزون عن مشاهدة فصل أرض الأيمان عن سماء شريعتها في كل زمان ومكان.
4- وكذلك لنأخذ قوله الكريم (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ) (44 الأنبياء)، تقول هذه الآية الكريمة: أن الناس او الكافرين منهم، قد شاهدوا من قبل كيف ينقص سبحانه وتعالى الأرض ويقلل من مساحتها. والحال أن أحدا لم يشهد ذلك، فالأرض ثابتة الكتلة لا تتغير. لكن المعنى الروحاني الآخر، هو: أن الكافرون بالتأكيد قد شاهدوا وبأم أعينهم كيف تنقص أرض الأيمان في قلوبهم، وكيف تنقص وتتقلص مساحات أراضي أممهم، حالما يأمر سبحانه وتعالى بنسخ كتابهم وفتق سماء شريعتهم وكشطها.
5- (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)(25 لقمان)، وفي هذه الآية الكريمة نستغرب من وصف الكافرين بالجهل بعدما قدموا الجواب الصحيح! لكننا عندما نعلم أن السؤال كان عن سماوات الشرائع وعن أرض الأيمان، وليس عن هذه السماء الظاهرة وهذه الأرض الترابية. نفهم لماذا أخطأوا ولماذا هم لا يعلمون. فلقد ظنوا أن مغزى السؤال عن هذه السماوات وعن هذه الأرض وليس عن غيرها.
من هذا يتضح ان هناك معاني روحانية لكلمة الأرض في كتاب الله، مثلما لها معان مادية، منها: أرض القلوب وأرض البصائر وأرض الأيمان وأرض التقوى وأرض الشريعة.. وغير ذلك من المعاني الروحانية العجيبة. وكما نتفق جميعا أن لا حدود ولا نهاية لكلام الله، كما أكد على ذلك قوله الكريم (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(27 لقمان)، كذلك لابد أن نعلم أن لا حدود ولا نهاية لمعانيها في قرآنه الكريم.
وبهذا يكون من معاني بقية الآية الكريمة مورد البحث: أي فاتركوا ناقة شريعة الله تقتات من أراضي قلوب من يشاء الأيمان بها، ودعوها تنثر بذور الأيمان والايقان في أراضي قلوب العباد لتساعدهم على الانتقال من جحيم نار أرض الكفر الى جنة أرض الأيمان المباركة، حتى يخرج من أرجاء أرضها الخصبة أشجار الأعمال الصالحة وثمار العلوم المفيدة، ولا تعارضوا حكم الله ولا تحاربوا أتباعها، لأن من يفعل ذلك يستجلب غضب الله عليه.(استنباط-سيفى سيفى)
تابعونا كى نتعرف على مفهوم ناقة النبى صالح(ص)-فى مقالاتنا القادمة نستكملها معكم.......

Friday, April 18, 2008

بيان المقصود من عتاب الله
لحضرات الانبياء في الكتب المقدسة

( السؤال)

ورد في الكتب المقدسة بعض خطابات زجر وعتاب موجهة لحضرات الانبياء
فمن المخاطب بذلك ولمن وجه العتاب؟


(الجواب)
ان جميع الخطابات الالهية التي عوتب بها حضرات الانبياء انما المقصود بها اممهم ولو انها بحسب الظاهر موجهة الى حضراتهم0 وحكمة ذلك محض الشفقة والرحمة للامم حتى لا تتألم نفوسهم ولا تتكدر خواطرهم ولا يكون الخطاب ثقيلا عليهم 0لهذا كان الخطاب بحسب الظاهر موجها الى الانبياء ولكنهم في الحقيقة للامم0وفضلا عن هذا فالسلطان المقتدر المستقل في مملكته انما يمثل شعبه ورعيته 0يعني قوله قول الكل0ومعاهدة يبرمها هي عهد الكل0لان ارادة شعبه ورعيته فانيه في ارادته ومشيئته 0كذلك كل نبي انما يمثل امته وملته 0لهذا فعهد الله وخطابه مع النبي هو عهد وخطاب مع كل الامة 0والغالب ان خطاب الزجر والعتاب يثقل على النفوس ويسبب انكسار القلوب0

لهذا اقتضت الحكمة البالغة توجيه الخطاب في الظاهر لحضرات الانبياء كما ورد في التوراة0 ان بني اسرائيل عصوا وقالوا لحضرة موسى نحن لا نقدر ان نحارب العمالقة لانهم اقوياء اشداء شجعان 0فعاتب الله موسى وهارون مع ان حضرة موسى لم يكن عاصيا0بل كان في نهاية الطاعة0ولاشك ان شخصا جليلا كحضرة موسى هو واسطة الفيض الالهي والمبلغ لشريعة الله لابد وان يكون مطيعا لامر الله 0فهذه النفوس المباركة انما هم كأوراق الشجرة المتحركة بهبوب النسيم لا بارادتها0لان هذه النفوس المباركة منجذبة بنفحات محبة الله0مسلوبة الارادة بالكلية0
فقولهم قول الله وامرهم امر الله ونهيهم نهي الله وهم كهذا الزجاج ضوؤه من السراج ومهما سطع الشعاع من الزجاج بحسب الظاهر فهو في الحقيقة
انما يسطع من السراج0وكذلك حركة انباء الله ومظاهر الظهور وسكونهم بوحي الهي لا عن هوى نفساني0فان لم يكن كهذا كيف يكون ذلك النبي امينا وكيف يكون سفيرا للحق ومبلغا لاوامره ونواهيه0اذا فكل ما جاء في الكتب المقدسة عتابا لمظاهر الظهور هو من هذا القبيل0
الحمد لله انت اتيت الى هنا وتلاقيت بعباد الله فهل وجدت منهم غير رائحة رضا الحق0لا والله0 فقد رأيت بعينيك انهم بالليل والنهار في سعي واجتهاد0وليس لهم من قصد سوى اعلاء كلمة الله وتربية النفوس واصلاح الامم والترقيات الروحانية وترويج الصلح العمومي وحب الخير للنوع الانساني والمحبة لجميع الملل وبذل الروح في خير البشر والانقطاع عن
المنافع الذاتية والخدمة المستمرة لنشر الفضائل بين العالم الانساني ولنرجع الى ما كنا فيه 0مثلا يقول في التوراة في كتاب اشعياء في اصحاح48 اية 12 (اسمع لي يايعقوب واسرائيل الذي دعوته انا هو انا الاول وانا الاخر )ومن المعلوم انه ماكان مراده يعقوب اي اسرائيل بل المقصود بنو اسرائيل0وكذلك يقول في كتاب اشعياء في اصحاح43 في الاية الاولى(والان هكذا يقول الرب خالقك يايعقوب وجابلك يا اسرائيل لا تخف لاني فديتك دعوتك باسمك انت لي )وفضلا عن هذا فانه يقول في سفر الاعداد في التوراة في الاصحاح20 في الاية 23(وكلم الرب موسى وهارون في جبل هور على تخم ارض ادوم قائلا يضم هارون الى قومه لانه لا يدخل الارض التي اعطيت لبني اسرائيل لانكم عصيتم قولي عند ماء مريبة) ويقول في الاية 13(هذا ماء مريبة حيث خاصم بنو اسرائيل الرب فتقدس فيهم)لاحظوا فقد عصى بنو اسرائيل ولكن بحسب الظاهر عوتب موسى وهارون كما يقول في الاصحاح الثالث اية 26 من التوراة في سفر التثنية(ولكن الرب غضب علي بسببكم ولم يسمع لي بل قال لي الرب كفاك لا تعد تكلمني ايضا في هذا الامر)بينما هذا الخطاب والعتاب في الحقيقة موجه لامة اسرائيل التي بعصيانها الامر الالهي تاهت مدة مديدة في الصحراء المجاورة للاردن حتى زمن يوشع عليه السلام0وبينما ان هذا الخطاب والعتاب في الظاهر كان لحضرة موسى وهارون ولكنه في الحقيقة لامة اسرائيل0 وكذلك تفضل في القران بقوله خطابا لحضرة محمد (انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)يعني نحن فتحنا لك فتحا واضحا لنغفر لك الذنوب المتقدمة والمتأخرة0ولو ان هذا الخطاب كان بحسب الظاهر لحضرة محمد ولكنه في الحقيقة خطاب لعموم الملة0وهذا محض الحكمة البالغة الالهية كما سبق حتى لا تضطرب القلوب ولا تتكدر0فكثيرا ما اعترف انبياء الله ومظاهر الظهور الكلي في مناجاتهم بالقصور والذنب 0 وهذا من باب التعليم لسائر النفوس والتشويق والحض على الخضوع والخشوع والاعتراف بالذنب
والا فتلك النفوس المقدسة طاهر ة من كل ذنب ومنزة عن كل خطأ فمثلايقول في الانجيل ان شخصا حضر لدى حضرة المسيح فقال ايها المعلم البار فاجابه حضرة المسيح لماذا خاطبتني بالبار لان البار ذات واحدة وهو الله فليس المقصود من هذا ان حضرة الله معاذ الله كان مذنبا بل كان المراد تعليم الخضوع والخشوع والتواضع والانكسار لذلك الشخص المخاطب0 فهذه النفوس المباركة انوار ولا يجتمع النور مع الظلمة0حياة ولا تجتمع الحياة مع الموت ولا تجتمع الهداية مع الضلالة حقيقة الطاعة ولا تجتمع الطاعة مع العصيان وخلاصة القول ان العتاب الوارد في الكتب المقدسة الموجه بحسب الظاهر للانبياء اي المظاهر الالهية انما يقصد به في الحقيقة الامة و1ذا تتبعت الكتب المقدسة تجد ذلك واضحا جليا و(من كتاب-مفاوضات عبد البهاء)




Friday, April 4, 2008

معانى من اللؤلؤ

علامات رجوع السيد المسيح
يمنح حضرة بهاءالله(المظهر الإلهى للدين البهائى) عباد الله النعم المكنونة في السدرة المخزونة، حبا لوجه الله حتى لا تحرم الهياكل الفانية من الأثمار الباقية، عساهم يفوزون برشح من أنهار حضرة ذي الجلال، المقدسة عن الزوال، والتي جرت في دار السلام (بغداد)...
وهذه نغمات عيسى بن مريم التي تغنى بها في رضوان الإنجيل بلحن جليل، في وصف علائم الظهور الآتي بعده، المذكور في السفر الأول المنسوب إلى متّى، عندما سألوه عن علامات الظهور الآتي بعده فأجاب بقوله "وللوقت من بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه، والكواكب تتساقط من السماء، وقوات الأرض ترتج، حينئذ يظهر علامات ابن الإنسان في السماء، وينوح كل قبائل الأرض ويرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء مع قوات ومجد كبير، ويرسل ملائكته مع صوت السافور العظيم(إنجيل متى، إصحاح 24، الآيات 29-31)...
إن علماء الإنجيل لما لم يعرفوا معاني هذه البيانات، ولا المقصود منها، المودع في تلك الكلمات وتمسكوا بظاهرها، لهذا صاروا ممنوعين من شريعة الفيض المحمدي، وسحابة الفضل الأحمدي، وجهال تلك الطائفة، الذين تمسكوا بعلمائهم أيضا، ظلوا محرومين من زيارة جمال سلطان الجلال، لأن في ظهور الشمس الأحمدية، لم تظهر هذه العلامات المذكورة
."(
كتاب الإيقان-ص18-21)

تفسير العبارات الرمزية

وبشيء من التفصيل يشرح حضرة بهاءالله معاني هذه الكلمات بقوله:
"... أن المقصود من الضيق هو ضيق عن استيعاب المعارف الإلهية، وعجز عن إدراك الكلمات الربانية حيث أن العباد بعد غروب الشمس، واختفاء مراياها عن الأبصار، يقعون في ضيق وشدة، ولا يعرفون إلى من يتوجهون... كما
نشاهد اليوم، أن زمام كل طائفة في يد جاهل، يحركهم كيفما أراد، ولم يبق بينهم من المعبود إلا اسمه، ولا من المقصود إلا لفظه... ومع أنهم يعتقدون أن حكم الله واحد، فإنه يصدر منهم من كل ناحية حكم، ويظهر من كل محل أمر. فلا يشاهد بينهم نفسان متفقان على حكم واحد. إذ لا يعرفون إلها غير الهوى. ولا يسلكون سبيلا إلا الخطأ... يحافظون على هذه المراتب بتمام القوة والقدرة، حتى لا يجد النقص سبيلا إلى شوكتهم، ولا يتطرق الخلل إلى عزتهم، وإذا ما تنورت عين بكحل المعارف الإلهية، فإنها تشاهد عدة وحوش مرتمية على جيف أنفس العباد.
فالآن أي ضيق وشدة أشد من هذه المراتب المذكورة، فإنه إذا أراد شخص أن يطلب حقا، أو يلتمس معرفة، فلا يدري إلى من يذهب، وممن يطلب، لأن الآراء مختلفة للغاية، والسبل متعددة. وهذا الضيق وتلك الشدة من شرائط كل ظهور. وما لم يقع هذا ويحصل، فلا تظهر شمس الحقيقة، لأن صبح ظهور الهداية يطلع بعد ليل الضلالة..."(
كتاب الإيقان-ص24-26)

وعن المقصود من كلمتي "شمس" و "قمر" يصرح حضرة بهاءالله:

"فالمقصود من الشمس والقمر المذكورين في كلمات الأنبياء، ليس منحصرا في هذين الكوكبين المشهورين، بل إنهم قد أرادوا من الشمس والقمر معاني عديدة. وفي كل مقام منها يريدون معنى خاصا بمناسبة ذلك المقام. فمثلا: أحد معاني الشمس يطلق على شموس الحقيقة، الذين يطلعون من مشرق القِدم، ويكونون واسطة إبلاغ الفيض إلى جميع الممكنات. وهؤلاء الشموس هم المظاهر الإلهية الكلية، في عوالم صفاته وأسمائه. فكما أن الشمس الظاهرة بتقدير من المعبود الحقيقي تربي الأشياء الظاهرة، من الأثمار والأشجار والألوان والمعادن وما دون ذلك، مما هو مشهود في عالم الملك، بتأثير حرارتها، كذلك تظهر أشجار التوحيد وأثمار التفريد، وأوراق التجريد وأوراد العلم والإيقان، ورياحين الحكمة والبيان، من أثر تربية الشموس المعنوية وعنايتها... وتنبعث حرارة المحبة الإلهية في أركان العالم من هذه الشموس الإلهية ونيرانها المعنوية...
وفي الرتبة الثانية يكون المقصود من الشمس والقمر والنجوم هم علماء الظهور السابق، الذين يكونون موجودين في زمان الظهور اللاحق، وبيدهم زمام دين الناس. فإذا ما استناروا بضياء شمس أخرى أثناء ظهورها، يكونون من المقبولين والمضيئين والمتلألئين، وإلا يجري في حقهم حكم الظلمة، ولو يكونون بحسب الظاهر من الهادين. لأن جميع هذه المراتب من الكفر والإيمان، والهداية والضلالة، والسعادة والشقاوة، والنور والظلمة، منوطة بتصديق تلك الشموس المعنوية الإلهية. فكل نفس من العلماء جرى عليها في يوم التغابن والإحسان حكم الإيمان من مبدأ العرفان يصدق في حقها العلم والرضا، والنور والإيمان. وإلا يجري في حقها حكم الجهل والنفي والكفر والظلم.
ومن المشهود لدى كل ذي بصر، أنه كما ينمحي نور النجم عند إشراق الشمس الظاهرة، كذلك تنمحي وتظلم شمس العلم والحكمة والعرفان الظاهري عند طلوع شمس الحقيقة وإشراق نير المعاني...
وفي مقام آخر يكون المقصود من إطلاقات الشمس والقمر والنجوم، هو العلوم والأحكام المرتفعة في كل شريعة، مثل أحكام الصوم والصلاة
...
إذا قد ثبت وتحقق بالآيات النازلة والأخبار الواردة، إطلاق لفظ الشمس والقمر في هذه المراتب، على هذه المقامات المذكورة في الآيات النازلة والأخبار الواردة. وهذا هو المقصود من ذكر ظلمة الشمس والقمر، وسقوط النجوم، أي ضلالة العلماء، ونسخ الأحكام المرتفعة في الشريعة، التي كان مظهر ذلك الظهور يخبر عنها بهذه التلويحات...
ومن المسلم أنه في كل ظهور تال تظلم شمس العلوم والأحكام والأوامر والنواهي، التي كانت مرتفعة في الظهور السابق، والتي أظلت أهل ذلك العصر، واستناروا من شمس معارفها، واهتدوا بقمر أوامرها. أي أنه ينتهي حكمها وينعدم أثرها
."( كتاب الإيقان-ص27-33)

وحول "ظهور علامة ابن الإنسان في السماء" يؤكد حضرة بهاءالله أنها علامة تظهر في السماء الظاهرة والسماء الباطنة. فقبل مجيء كل رسول يظهر نجم في السماء مدلا على مولد رسالة جديدة. وليس هذا فحسب بل يظهر في الوجود مبشر يعلن للملأ هذه البشارة. ولنأخذ مثلا أيام حضرة موسى عندما حذر المنجمون فرعون:

"... بأن كوكبا قد طلع في السماء، وهو دليل على انعقاد نطفة على يدها يكون هلاكك أنت وقومك. وكذلك قد ظهر عالم كان يبشر بني إسرائيل في الليالي يسليهم ويطمّنهم
."( كتاب الإيقان-ص50)
وقبل ظهور السيد المسيح ذهب نفر من المجوس إلى هيرودس وقالوا: "أين هو المولود ملك اليهود؟ لأننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له"( إنجيل متّى، إصحاح 2، آية 2) فكانت تلك علامة ظهوره في السماء الظاهرة. أما يوحنا المعمدان فقد كان الكوكب الروحاني الذي بشر الناس بقرب ظهور عيسى عليه السلام. وكذا الأمر قبل مجيء الطلعة المحمدية فظهرت أيضا مثل هذه العلامات. ومما تفضل به حضرة بهاءالله بخصوص من بشروا بالرسول الكريم:

"وأما الآثار الباطنة فقد كانوا أربعة رجال واحدا بعد الآخر يبشرون الناس على الأرض بظهور شمس الهوية. وقد تشرف بشرف خدمتهم "روزبه" الذي سمي بسلمان، وكان كلما حضرت الوفاة أحدا منهم يرسل (روزبه) إلى الشخص الآخر إلى أن أتت نوبة الرابع الذي قال له في حين وفاته يا روزبه اذهب من بعد تكفيني ودفني إلى الحجاز حيث تشرق هناك الشمس المحمدية ويا بشراك بلقاء حضرته."( كتاب الإيقان-51-52)

وفي هذا الظهور، وقبل أن يعلن حضرة الباب دعوته، ظهرت هذه العلامة في الظاهر والباطن وصرح حضرة بهاءالله بقوله:
"...أخبر أكثر المنجمين عن ظهور نجم في السماء الظاهرة. كما أنه قد كان على الأرض النوران النيران أحمد وكاظم قدس الله تربتهما(الشيخ أحمد الأحسائي مؤسس المدرسة الشيخية في الإسلام وتبعه في ذلك تلميذه السيد كاظم الرشتي. وقد علما أتباعهما بأن قدوم الموعود بات قريبا جدا فهيأهم لظهوره. فكان معظم البابيين الأوائل من أتباع مذهب الشيخية
.)..."( كتاب الإيقان-ص52)

أما عن قوله: "ينوح كل قبائل الأرض، ويرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوات ومجد كبير"،( إنجيل متى، إصحاح 24، آية 30) فيتفضل حضرة بهاءالله:
"...أنه في ذلك الوقت ينوح العباد من فقدان شمس الجمال الإلهي، وقمر العلم، وأنجم الحكمة اللدنية، ويشاهد في تلك الأثناء طلعة الموعود، وجمال المعبود نازلا من السماء، وراكبا على السحاب. يعني أن ذاك الجمال الإلهي يظهر من سماوات المشيئة الربانية في هيكل بشري ولم يقصد من السماء هنا إلا جهة العلو والسمو التي هي محل ظهور تلك المشارق القدسية والمطالع القدمية. ولو أن هذه الكينونات القديمة قد ظهرت من بطون الأمهات بحسب الظاهر إلا أنهم في الحقيقة نازلون من سماوات الأمر، وإن يكونوا ساكنين على الأرض إلا أنهم متكئون على رفرف المعاني. وحيثما يمشون بين العباد فإنهم يكونون طائرين في هواء القرب. يمشون على أرض الروح بغير حركة الرجل، ويطيرون إلى معارج الأحدية بغير جناح. وفي كل نفس يطوون عالم الإبداع من مشرقه إلى مغربه، وفي كل آن يمرون على ملكوت الغيب والشهادة."( كتاب الإيقان-ص52-53)

وعن معنى الغمام يتفضل:
"...فالمراد من الغمام هنا... تغيير الأحكام وتبديل الشرائع وارتفاع القواعد والرسوم العادية وتقدم المؤمنين من العوام على المعرضين من العلماء. وكذلك يقصد به ظهور ذلك الجمال الأزلي خاضعا للحدودات البشرية، مثل الأكل والشرب، والفقر والغنا، والعزة والذلة، والنوم واليقظة، وأمثال ذلك، مما يثير الشبهة عند الناس ويحجبهم. فكل هذه الحجبات قد عبر عنها بالغمام..."( كتاب الإيقان-ص56)

ويفسر معنى "يرسل ملائكته"، بأنها تلك النفوس المقدسة التي:
"... صارت هذه الوجودات القدسية منزهة ومقدسة عن العوارض البشرية، ومتخلقة بأخلاق الروحانيين ومتصفة بأوصاف المقدسين لهذا أطلق اسم الملائكة على هذه النفوس المقدسة."( كتاب الإيقان-63)

ثم يضيف حضرة بهاءالله مؤكدا:
"... لو كانت أشراط الظهور في أي عصر، تظهر في عالم الظاهر مطابقة لما ورد في الأخبار، فمن الذي كان يستطيع الإنكار والإعراض، وكيف كان يفصل بين السعيد والشقي، والمجرم والتقي. أحكم بالإنصاف. مثلا لو تظهر بحسب الظاهر هذه العبارات المسطورة في الإنجيل. وتنزل الملائكة مع عيسى بن مريم من السماء الظاهرة على السحاب. فمن ذا الذي يقدر على التكذيب أو يستطيع الإنكار ويستكبر عن الإيمان بل إن الاضطراب يأخذ أهل الأرض قاطبة على الفور بدرجة لا يقدرون على التكلم والتفوه بحرف واحد فكيف يصل الحال إلى الرد أو القبول
..."( كتاب الإيقان-63-43)

Friday, February 29, 2008

معانى لؤلئية

الملك وجبرئيل والجن والغول

بخصوص معنى الجن
المراد من الجن في آية القرأن المباركة هم نفوسا تكون ايمانهم وافكارهم مستورة ومخفية ، الجن موجود خفي لذا يتفضل :
" يرونكم من حيث لا ترونهم أي هؤلاء مطلعين على ايمانكم وايقانكم ولكن ايمانهم وايقانهم مخفية عليكم
. الجن من استجن فيه نور الايمان أو نار الطعيان".
( مائدة اسماني ص 34 مجلد2)

"اعلم بأن الله تعالى خلق الانسان من اربع عناصر النار والهواء والماء والتراب وظهر من النار الحرارة ومنها ظهرت الحركة ولما غلب في الانسان طبيعة النار على ساير الطبايع يطلق عليه هذا الاسم وهو في الحقيقة الاولية يطلق على المؤمنين بالله والموقنين بآياته والمجاهدين في سبيله لانهم خلقوا من نار الكلمة الربانية التي تكلم بها لسان العظمة قال وقوله الحق وخلق الجان من مارج من نار وكذلك وصفهم في كتابه المبين بقوله المتين اشداء على الكفار لان في مقام الجهاد مع اهل العناد وتراهم كالبرق اللامع والرمح القامع تعالى من حركهم بتلك النار الموقدة ولما تنظر إلى رحمهم ولطفهم واتباعهم امرالله وتقديسهم عما سواه تسميهم بالملائكة وفي مقام يطلق على الذين يسبقون في الايمان عما دونهم بما يرى منهم سرعة الحركة من النار الموقدة من الكلمة الإلهية لان من قلوبهم ترتفع زفرات المحبة والوداد في بواطنهم تلتهب نيران مودة مالك المبدأ والمعاد.
اذا فاعرف ايها السائل بانا فسرنا لك التفسير الحقيقي في هذا الاسم ولكن فاعلم بانه يطلق على غير المؤمنين مجازا بما يرى منهم من الكبر والاستكبار في امرالله والمحاربة والمجاهدة مع انبياء الله ويدل على هذين التفسيرين ما نزل من جبروت مشية الله رب العالمين في سورة الجن قوله تعالى : قل أوحى إلى انه استمع نفر من الجن فقالوا انا سمعنا قرأنا عجبا. يهدى إلى الرشد فأمنا به ولن نشرك بربنا احدا.... إلى قوله تعالى وان منا الصالحون ومن دون ذلك كنا طرائق قددا.
فيا ايها العبد المتوجه إلى الله قد نزل في آيات مالك المبدأ والمآل كلما يخطر بالبال فلا تحتاج بالجواب و السؤال ولكن احتياج اهل الوداد هو من تشتت الألواح في البلاد نسئل الله بأن يوفق احبائه على قراءة آياته والواحه ويؤيدهم على عرفانها والاستغناء عما دونها ونسأله تعالى بأن يقدر لك ولاحبائه خير الدنيا والآخره ويسكنكم في ظلال، شجرة عنايته والطافه ويشربكم من معين رحمة وافضاله انهعلى كل شي قدير لا اله الا هو الواحد الفرد العزيز الحكيم."

( مائدة اسماني ص 46 مجلد 2 )

يتفضل حضرة بهاء الله في احد الالواح بقوله الأحلى
" واما ما سألت فيما انزله الرحمن في الفرقان على محمد رسول الله قوله تعالى جاعل الملائكة رسلا اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع، ان للملائكة مراتب مختلفة وكذلك مقامات عالية بعضهم فوق بعض، وكذلك بعض منهم منشغلين بتربية العالم الانساني ، والبعض مأمورين بكتابة أقوال واعمال وافعال العباد ، الملائكة الاربعة المعروفة كل واحدة منها عينت لخدمة ما ، كما سمع الكل بذلك ويعرفه، وكذلك الملائكة التي هم في عالم من عوالم الحق ، وبعض الملائكة هم متيمين بتجليات الحق جل جلاله ورزقهم لقاءه وعملهم قربه، ذلك الحزب منشغلين بالمكاشفة والمشاهدة ومسرورين من الاول الذي لا اول له ، لم ولن يتوجهوا بغير الحق ، الى اخر الذي لا اخر له . وحزب اخرمن الملائكة معروفين بالعالين لم يطلع بهم الا الله العليم الخبير، وحزب تصدق عليهم تنزل الملائكة والروح ، وللروح ايضا مراتب مذكورة ومشهوره ، مثلا روح القدس المذكوره في الكتب، ويذكره البعض بجبرئيل ، وكذلك روح الامين وروح الايمان وروح الايقان وروح الامر وروح العظمة وروح القدرة وروح الجمال وروح الجلال وامثال ذلك ، وما تفضل جاعل الملائكة رسلا ، المقصود هو ان الملائكة هم وسائط بين الله وبين اصفيائه واوليائه يبلغون اليهم رسالات ربهم بالوحي او بالالهام أو بالرؤيا ويعلمونهم ما امورا به من لدى الله، بالملائكة نصر الله دينه واظهر امره واتم صنعه واتقن آثاره . وما يتفضل اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع ، المقصود هو ذكر مراتب الملائكة كما قيل سابقا، فهم اصحاب الاجنحة المتعددة المتفاوتة بتفاوت مراتبهم ومقاماتهم ، ينزلون بها ويعرجون ، ولبعضهم اجنحة بعدد الاسماء الالهية، كما ان في ليلة المعراج التقى خاتم الانبياء بجبرئيل وقال : له ستمائة جناح ، وكل حزب يذكر شيئا في هذه المقامات ، ويتخذون سبيلا. ذكر هذا المظلوم اقوال بعض النفوس. الحقيقة كان امره عند الله. فقد ذكروا في كل حكم من الاحكام وامر من الامور ، ما لم يذكر في الملا الاعلى وغير مقبول عند اهل جنة العليا. ولو يذكر المقصود يفرون ويقولون ما قال المشركون من قبل ، قرأوا القرآن اكثر من الف وثلاثمائة سنة ، وكتبوا تفاسير عنه ولكن لعمر الله لم يستشموا عَرف حرفا منه.

ومن حضرة عبدالبهاء في خطاب له قوله العزيز:
اما خلق الجان من مارج من نار فهذا العنصر الناري لا يراه الابصار بل خفي عن الانظار وظاهر من حيث الاثار وحيث ان النفوس المستورة تحت الاستار سواء كان من الابرار ام من الاشرار طينتهم من مارج من نار التي هي عنصر مخفي عن الانظار ، أي امرهم مبهم وحقيقتهم مستورة عن اهل الافاق ، واما خلق الانسان من صلصال كالفخار ، اراد به النفوس المنجذبة بنفحات الله المشتعلة بنار محبة الله باطنهم عين ظاهرهم سرهم عين علانيتهم فهم خلاصة الكائنات، فالصلصال الصافي التراب هو خلاصة الحماء المسنون كثير البركات ينبت رياحين معرفة الله وحديقة اوراد محبة الله واما الملائكة اولو اجنحة مثنى وثلاث ورباع المراد من الاجنحة قوادم التأييد والتوفيق لان بها يتعارج الانسان الى اعلى معارج العرفان ويطير الى بحبوحة جنة الرضوان بسرعة لا يخطر ببال الانسان والمراد من الملائكة الحقائق القدوسية التي استنبأت عن مواهب ربها وتنزهت عن النقائص والرذائل، و تقدست عن كل الشوائب واكتسبت جميع الفضائل واطاعت ربها بجميع الوسائل لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون."
(مائده اسماني ص 71 مجلد 2 )


وقوله العزيز ، اما قضية الاجنة والغول والآل، ان كل ما نزل في الكتب السماوية لها معنى، وكل ما في افواه العوام جميعها اوهام محض ، المراد من الاجنة هم النفوس الخفية التي لا يظهر ولا يشهد ايمانهم و انكارهم "

معنى الشيطان
يتفضل حضرة عبدالبهاء لسيد مهدي گلپايگاني في عشق آباد قوله المتين :
المقصود من الشيطان هو عالم الطبيعة البشرية ، التي تشجع الانسان على رذائل الاخلاق ، من ضمنها المنازعة من اجل البقاء ، الوحشية والاخلاق الفاسدة والفسق والفجور وعدم النخوة ومص الدماء مثل السباع الضارية وهي كلها منبعثة من عالم الطبيعة। أي ان الشيطان عبارة عن القوى الطبيعية التي تسمى في عالم الحقيقة بالنفس الامارة। اذا هذا هو المقصود من عبارة الانجيل بان عالم الطبيعة دل حضرة المسيح على الموافقة، لأنه بسبب هذه القوى الطبيعية تمكّن تمكّنا تاما في عالم الطبيعة ، الجبل الشاهق كان اعلى ذروة لعالم الطبيعة ،و في ذلك المقام تجلت زخارف وشؤون عالم الطبيعة في نظر حضرته، ولكن نورانية حضرته وروحانيته قاوم الطبيعة ورفض هواجس الطبيعة.
سجود الملائكة واستكبار ابليس
من حضرة النقطة الاولى في توقيع له قوله الاعلى: " واما ما سألت من قول الله عز وجل في حكم سجود الملائكة واستكبار ابليس حيث قال جل وعلا استكبرت ام كنت من العالين ، فانظر بعين البدء، فان الله قد خلق في كل شئ ثلاثة آيات من نفسه وهي آية كرامية آل الله وانهم لهم العالون وآية من ملائكته وهي شئون العبودية الحقة ، في كل مقام بحقيقته آية من المهيتة المجتثة لحفظ عوالمه بما قبلت لنفسه من دون امر ولا جبر فخذ معنى الآية من المشية الى منتهى مقام الملك ، وان كل الملائكة قد سجدوا لآدم إلا ابليس ففسق وحده... وان اليوم لو انت بنفسك وحده تقر بهذا الامر ومن على الارض كلهم يعرضون من هذا الامر فهذه تصدق في حقك.... فاعرف الاشارة فانها نزلت عن وراء سبعين الف حجاب."

الملائكة
يتفضل حضرة عبدالبهاء : " اما ما سألت يا ايها المتوجه إلى ساحة البقاء والمقتبس من قبسات شجرة طور السيناء من الملائكة والمراد بهذا الاسم في الايات الإلهية فاعلم بان له معان شتى وفي مقام الخلق يطلق على الذين قدست اذيالهم عن الشهوات ويتبعون رب السموات في كل الصفات وهذا الاسم يطلق على باطنهم ويحكي عن سرهم وحقيقتهم ... وفي مقام الحق يطلق على انبياء الله ورسله كما قال تبارك وتعالى في القرآن الكريم " الحمدلله فاطر السموات والارض جاعل الملائكة اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع وقد أراد رب العزة من الاجنحة في هذه الاية شئون الايات واقسام البينات التي بعثهم بها وجعلها سبب وصول العباد إلى معدن الرشاد وهداية الخلق إلى جنة الحب والوداد لانها هي السبب الأعظم لترقي العالم والجناح الاقوم لطيران القلوب الصافية إلى جنة الاحدية ومقام قدس الواحدية لذا سميت بالاجنحة في الكتب الإلهية.. واني لو اريد ان افصل في هذا المقام ليطول الكلام ومن يريد ان يطلع ويعرف بالتفصيل فليقرأ آيات الله العزيز الجميل ويتفكر في المقامات التي نزلت هذا الاسم اذا يعرف المراد ويقنع عما ذكر في كتب العباد وفي مقام يطلق هذا الاسم على احكام نزلت من سماء مشيئة الرحمن ويجعلها الله السبب الأعظم لحفظ العالم وقدر بها الموت والحياة وانها هي في مقام اخذ الروح عن المشركين وتسمى عزرائيل وفي مقام حفظ عباد الله عن الآفات تسمى ملائكة حافظات وفي كل مقام تسمى في الايات الإلهية باسم مخصوص ولا يقدر العاقل ان يشك ويضطرب من اختلافات الاسماء التي نزلت في كتب الانبياء.....

العرش
يتفضل حضرة عبدالبهاء جل ثنائه :

" ..فاعلم بان المراد من العرش هو قلب الانسان كما تغرد عندليب البقاء وورقاء العماء قلب المؤمن عرش الرحمن ونطق لسان العظمة في الكلمات المكنونة فؤادك منزلي وروحك منظري طهره لظهوري لانه يقبل تجلي الجمال ويستقر عليه سلطان محبة مالك المبدأ والمآل...

عالم الذر
من حضرة عبدالبهاء قوله العزيز : " عالم الذر هو حقائق وتعينات واستعدادات وقابليات الانسان في مرآة العلم الالهي، وبما ان القابليات والاستعدادات مختلفة ، فكل واحد له اقتضاء ، وهذا الاقتضاء عبارة عن القبول والاستدعاء."

معنى طول عمر القدماء

من حضرة عبدالبهاء قوله الجليل :
" نوحة آدم في سبعين الف سنة ليست عبارة عن السنين المعروفة والاعوام المعدودة بل انها زمن مفروض يستوعب زمانا ممدودا كيوم القيامة كان منصوصا بانه خمسون الف سنة فقضى بدقيقة واحدة كطرفة عين بل اقل من ذلك ، ولكن الامور التي لا تكاد تتم الا في خمسين الف عام قد تمت ووقعت وتحققت في آن واحد وهكذا نوحة نوح كانت كالنياح الذي يمتد في سبعين الف سنة هذا عبارة عن ذلك"

وفي خطاب آخر قوله العزيز : هوالله : يا عبد جمال الابهى ،ان ذكر امتداد حياة السلف هو امر اعتباري وليس بحساب مصطلح هذه الايام ، لان في الازمنة القديمة كانت السنين مختلفة ، البعض كان يحسب الشهر بسنة والبعض دورة الشمس وكذلك دورة كل كوكب من الكواكب السيارة بسنة،مثل السنة القمرية ، السنة الشمسية ، سنة الزهرة وسنة العطارد ، السنة المريخية ، سنة المشتري ، سنة الزحل، وهي عبارة عن مدة دورة هذه الكواكب والا ايام الحياة هي هذه بكل وضوح ، الا ان اجسام القدماء من حيث المعيشة البسيطة كان قوية وبنيتهم شديدة."
Powered By Blogger