Monday, August 2, 2010

عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(11)



عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(11)

براهين الطريق الأول

ع-ماهو برهان الطريق الأول؟

س- لهذا الطريق براهين متعددة:

البرهان الأول-ان الكاذب فى دعوى ارسال الله إياه للناس بتشريع جديد لا تنجح دعوته وان اتبع واطيع فى بادئ أمره فإن قصارى أمره للخذلان واضمحلال دعواه، ذلك لأن القرآن قد دلّ على أن الله سبحانه وتعالى لا يؤيد المتقول عليه بل لا بُد أن يظهر للناس تقوله وان ينتقم منه-قال تعالى (ولو تقول علينا بعض لأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين وما منكم من أحد عنه حاجزين) (الحاقة:44/48). فإذا كان هذا شأن من يتقول على الله بعض الأقاويل فما بالك فيمن يدعى ارسال الله له ويتقول عليه التشريع كله،قال العلامة المحقق فخر الدين الرازى عليه الرحمة فى تفسير هذه الآية بعد ايراد عدة وجوه فى معنى قوله (لأخذنا منه باليمين) فاعلم أن حاصل هذه الوجوه انه لو نسب إلينا قولاً لم نقله لمنعناه من ذلك اما بواسطة اقامة الحجة فانا كنا نقيض له من يعارضه فحينئذ يظهر للناس كذبه فيكون ذلك ابطالاً لدعواه وهدماً لكلامه وأما ان نسلب عنه القدرة عن التكلم بذلك القول وهذا هو الواجب فى حكمة الله لئلا يشتبه الصادق بالكاذب".

فخذلان مدعى الرسالة واضمحلال دعوته دليل على أنه متقول على الله مفتر عليه وبمثل هذا يعرف المحق من المبطل فدعوة بهاءالله لم تزل بازدياد ونمو وانتشار منذ ظهورها ولم تصب بأى خذلان فدل هذا على أنه صادق فى دعواه.

البرهان الثانى- استجابة الناس لمدعى الرسالة واتباعهم تشريعه وثبوتهم عليه فإذا استجيب لدعوة مدعى الرسالة واتبعت شريعته ولم يرجع عنها فذلك الدين هو دين الحق والرسول الذى جاء به جاء بالصدق.قال تعالى: (والذين يحاجون فى الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد)(الشورى:16).

قال المفسرون أن الذين يحاجون أي يجادلون فى دين الله وتشريعه فى ايراد الشبهات والضلالات من بعد ما استجاب الناس له حجتهم داحضة أى باطلة وعليهم غضب لمعاندتهم ولهم عذاب شديد على كفرهم فبين سبحانه وتعالى ان الاستجابة للرسول دليل على صدق دعواه وبعد ظهور الحق وثبوته بالدليل فالمجادلة فيه باطلة والمراد من هذه الاستجابة هى الاستجابة الثابتة التى تتكون معها أمة تحت شريعة جديدة بدليل أنه لما نزلت هذه الاية كانت الأمة المحمدية قد تكونت، والمستجيبون لدينه قد ثبتوا على الاستجابة، والشريعة قد تأسست والشريعة السابقة قد نسخت فالاستجابة التى هى مثل هذه الاستجابة هى دليل على صدق من ادعى أن الله أرسله لعباده وبرهان ساطع يميز به الصادق والكاذب منهم وعدمها دليل على تقوله وافترائه قال تعالى:(له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه)(الرعد:15) فعلق سبحانه وتعالى هذه الاستجابة على المحال والمعلق على المحال محال مثله فالماء لا يصعد لمن يبسط كفيه إليه ليبلغ فاه فيدخله فكذلك كل مدع يدعى أنه أرسل من الله بتشريع جديد وهو كاذب لا يستجيب له الناس الاستجابة الثابته بل وقوع ذلك محال فالاستجابة لبهاءالله واعتناق دينه قد عمّ مشارق الأرض ومغاربها حتى انك لا تكاد تجد بقعة من بقاع الأرض ليس فيها معتنق لدين بهاءالله فدل هذا على صدق دعواه-(الدين البهائى هو ثانى دين فى العالم من حيث الانتشار بعد المسيحية).

البرهان الثالث-انتصار الرسول على مكذبيه ومقاوميه دليل على صدقه، ذلك ان ما من رسول يأتى بتشريع جديد إلا كذب واُذي قال تعالى:(ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه)(المؤمنون:44) وقال تعالى "وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فاخذتهم فكيف كان عقاب.."_المؤمن:5). فهذه عادة الله سبحانه وتعالى وسننه فى الأمم ما من رسول ياتى بدين جديد إلا همّت به امته لتقتله أو تحبسه وتجادل بالباطل بايراد الشبهات لتدحض به الحق وما ذلك إلا أن الديانة الحادثة مكروهة عند جميع الأمم وكل نفس تأبى اعتناقها بالبداهة وكل أهل دين يخشون ذلك الرسول ويخافون ان يبدل دينهم على حين أنهم يرون دينهم أبدياً ولا تبديل وأنه هو الحق وما سوى دينهم باطل فيجتمع العالم على مقاومة هذا الرسول وتكذيبه والعالم أمة الدعوى بالنسبة لمحمد(ص) وبهاءالله ومن جاء بالدعوة العامة لأهل الأرض فما من رسول يأتى بتشريع جديد إلا ويكذب ويؤذى ويقاوم وبعد تلك المقاومة وذاك الايذاء ينزل سبحانه وتعالى نصره عليه فتكون لذلك الرسول الغلبة والقهر على من كذبه وقاومه ومهما كانت قوة المقاوم وبأسه،فتبدأ الاستجابة لدعوته الفرد بعد الفرد والجماعة بعد الجماعة فتتبدل مقاومتهم له بالانقياد إليه وايذاؤه ببذل النفس والنفيس بين يديه فتتكون له أمة وتستظل بسماء شريعته فيتبدل شركهم بالتوحيد وكفرهم بالايمان وعنادهم بالاذعان وجهلهم بالعلم والحكمة وجفاؤهم بألألفة والمحبة وهذا هو نصر الله سبحانه وتعالى لرسله وقد جرت بذلك سنته ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً فهذا النصر والتأييد بعد ذلك التكذيب والمقاومة دليل على صدق دعوة مدعى الرسالة وان الله سبحانه وتعالى صدّقه بتاييده ونصره له قال سبحانه وتعالى:

" انا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد"(المؤمن:51) وقال عز من قائل عليم"كتب الله لاغلبن أنا ورسلي ان الله قوي عزيز"(المجادلة:21)

فامر كتبه على نفسه وأقسم عليه ووعد به لا بد من وقوعه ومحال تأخره عن الوقوع وبذلك قد سبقت كلمته قال عز وجل" ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون وان جندنا لهم الغالبون" (الصافات:171).

فانظر كيف حصر سبحانه وتعالى نصره لرسله على من كذّّبهم وقاومهم دون المتقولين عليه المدعين رسالته افتراءً وكذباً فالرسول الصادق لا محالة أن الله ناصره ومؤيده وجاعل له القهر والغلبة على من قاومه وكذّبه فنصر الله وتأييده له دليل على صدقه فبهاءالله مع كونه فى قبضة ناصر الدين شاه ثم قبضة السلطان عبد العزيز ثم قبضة السلطان مراد ثم قبضة السلطان عبد الحميد الثانى،انتصر عليهم جميعاً ونفذت كلمته ولم يمنع ذلك حبسه ولا سلطتهم عليه بل السلطان والسلطة صارت له دونهم أفليس هذا دليل واضح وبرهان بيّن على صدقه؟

البرهان الرابع- ان الله جلّت حكمته لا يساوى بين مدعى الرسالة الصادق ومدعى الرسالة الكاذب فأما إذا نظرنا إلى حكمة الله وعدله نجد أنه يمتنع فى حكمة الرب وعدله ان يساوى بين خيار الخلق هؤلاء وبين شرار الخلق هؤلاء لا فى سلطان العلم وبراهينه ولا فى سلطان النصر والتأييد والله سبحانه وتعالى يقول:"أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون"(ن:25) ويقول "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار"(ص:28).

فإذا كان جل شأنه لا يساوى بين المسلم والمجرم ولا بين المؤمنين الذين عملوا الصالحات والمفسدين ولم يجعل المتقين كالفجار فكيف يساوى بين الرسول الصادق الذى هو خير خلق الله وبين المتقول عليه الذى هو أسوأ خلق الله وأشرهم.

ولو فرضنا محالاً وقلنا يقع مثل ذلك استغفر الله كيف يعذب من لا يستجيب لرسوله اذ لا ميزة بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة ولكن جلت حكمته ميز بين هذا وهذا بتأييد الصادق بنصره والمتقول بخذلانه واضمحلال دعوته وهذا هو الواقع.

ألا ترى أن محمداً وعيسى وموسى وسائر رسل الله عليهم الصوة والسلام نجحوا فى دعواهم وكوّنوا أمماً وأسسوا شرائع لأنهم كانوا صادقين فى دعواهم. وان مسيلمة الكذاب وخالد طليحة وسجاح كيف أنهم غلبوا واضمحلت دعوتهم لأنهم كانوا كاذبين فى دعواهم وكذلك من جاء بعدهم ممن تقول على الله وادعى الرسالة افتراءً عليه كالحارث الدمشقى الكذاب قتله عبد الملك بن مروان وعيسى الاصفهانى اليهودى وقيل (اوفيد الوهيم) قتل فى زمان المنصور العباسى وغير هؤلاء كثيرون ممن ادعوا مثل ذلك اضمحلت دعوتهم ولم تقم لهم قائمة ولا أثر فإذا علمت هذا ونظرت إلى دعوة بهاءالله تجد أن بهاءالله ادعى ارسال الله إياه للناس وكذبه المكذبون وقاومته الأمة الايرانية وحكومتها والأمة العثمانية وسلاطينها مع استبدادهم بالأمور يفعلون ما يشاؤون وهو فى قبضتهم وفى حبسهم وتحت سيطرتهم وسلطنتهم فريداً وحيداً فلم يستطيعوا خذلانه ولا مقاومته بل كانت دعوته تنتشر وأمره يعلو ولم تقف جدران تلك السجون الضخمة التى سجن بها ولا قلعة عكاء سداً عن انتشارها وقد بلغت مشارق الأرض ومغاربها وكذلك السيد على محمد الباب انتشرت دعوته مع أن أكثر مدة دعوته كان مسجوناً وانتهى الأمر بقتله كما أن بهاءالله كان أكثر مدة حياته مسجوناً ،فكم من الرسل من قتل ظلماً وعدواناً قال تعالى:" قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقين"(آل عمران:183).

فدعوته انتشرت والايمان به لا زال بانتشار تبعاً للإيمان ببهاءالله اذاً فبهاءالله صادق والباب صادق فيما ادعياه من ارسال الله اياهما للناس وقد بلغ الآن دين بهاءالله من الانتشار مبلغاً عظيما ،وتبع الإحصاء العالمى وُجد أن البهائية هى ثانى دين انتشاراً فى العالم بعد المسيحية وقد اعترف بها فى كثير من الأقطاررسمياً واعفيت اوقافه من الضرائب. أما ما ادعاه بهاءالله للرسالة فهذا أيضاً معروف وقد مر البحث فيه فانه ادعى الرسالة واستجاب له الناس وصارت له أمة ثابتة على الاستجابة ولها شريعتها وغلب مقاوميه فالدليل بين والصبح مسفر لذي عينين والحجة واضحة وأحقية هذا الدين ظاهرة وانى لأرى يا (ع) ان علينا لزاماً سلوك هذه الجادة واعتناق هذا الدين.

فالرسول الذى يأتى بتشريع جديد فإن كان صادقاً فالله ينصره لا محالة وأما الكاذب المتقول فتموت دعواه وتضمحل كما تقدم ومن ظن أن الله سبحانه وتعالى ينصر المدعى الكاذب كما ينصر المدعى الصادق أو يخذل المدعى الصادق كما يخذل المدعى الكاذب فقد ظن بربه السوء وعليه دائرة السوء جل وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.

س- هل سمعت يا (ع) المناظرة التى جرت بين العلامة شمس الدين بن القيم الجوزية وبين أحد علماء أهل الكتاب فى اثبات احقية دعوة محمد(ص) وكيف أن العلامة شمس الدين بن القيم اثبتها له باستجابة الناس للرسول (ص) وانتصارها على من كذبه وان جلّت حكمته لا يساوى بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة.

ع- كيف كانت القصة؟

س- قد جاء فى كتاب (زاد المعاد) للعلامة ابن القيم عليه الرحمة فى بحث وقد نجد ان مناظرة جرت بينه وبين أحد علماء أهل الكتاب فى أمر النبى (ص) قال بن القيم" فقلت له فى اثناء الكلام ولايتم لكم القدح فى نبوة نبينا(ص) إلا بالطعن فى الرب تعالى والقدح فيه ونسبته إلى أعظم الظلم والسفه والفساد تعالى الله عن ذلك فقال كيف يلزمنا ذلك. قلت بل ابلغ من ذلك انه إذا كان محمد عندكم ليس بنبى صادق وهو بزعمكم ملك ظالم فقد تهيا له أن يفترى على الله ويتقول عليه ما لم يقله ثم يتم له ذلك ويستمر حتى يحلل ويحرم ويفرض الفرائض ويشرّع الشرائع وينسخ الملل ويضرب الرقاب ويقتل اتباع الرسل وهم أهل الحق ويسبي نساءهم واولادهم ويغنم اموالهم وديارهم ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض وينسب ذلك كله إلى أمر الله تعالى له به ومحبته له والرب تعالى يشاهده وما يفعل بأهل الحق واتباع الرسل وهو مستمر فى الافتراء عليه ثلاثاً وعشرين سنة وهو مع ذلك كله يؤيده وينصره ويعلي أمره ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر ،وأعجب من ذلك أنه يجيب دعواته ويهلك اعداءه من غير فعل منه نفسه ولا سبب بل تارةً يستأصلهم سبحانه من غير دعاء منه صلى الله عليه وسلم.

ومع ذلك يقضى له كل حاجة ساله اياها ويعده كل وعد جميل ثم ينجز له وعده على أتم الوجوه وأهنأها وأكملها هذا وهو عندكم فى غاية الكذب والافتراء والظلم فإنه لا أكذب ممن كذب على الله واستمر على ذلك ولا اظلم ممن ابطل شرائع انبيائه ورسله وسعى فى رفعها من الأرض وتبديلها بما يريد هو وقتل اوليائه وحزبه واتباع رسله واستمرت نصرته عليهم دائمة والله تعالى فى ذلك كله يقرء ولا يأخذ منه باليمين ولا يقطع منه الوتين وهو يخبر عن ربه أنه اوحى إليه انه لا اظلم ممن افترى على الله الكذب أو قال اوحى إلىّ ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثلما انزل الله فيلزمكم معاشر من كذبه احد أمرين لابُد لكم منهما أما أن تقولوا لا صانع للعالم ولا مدبر ولو كان للعالم صانع مدبر قدير حكيم لأخذ على يديه وقابله اعظم مقابله وجعله نكالاً للظالمين، اذ لا يليق بالملوك غير هذا فكيف بملك السماوات والأرض وأحكم الحاكمين الثانى نسبه الرب تعالى إلى ما لا يليق به من الجور والسفه والظلم واضلال الخلق دائماً أبد الآباد لا بل نصرة الكاذب والتمكين له من الأرض واجابة دعواته وقيام امره من بعده واعلاء كلماته واظهار دعوته والشهادة له بالنبوة قرناً بعد قرن على رؤوس الأشهاد فى كل مجمع وناد ،فأين هذا من فعل احكم الحاكمين وارحم الراحمين فلقد قدحتم فى رب العالمين اعظم قدح وطعنتم فيه أشد الطعن وانكرتموه بالكلية ونحن لا ننكر أن كثيراً من الكاذبين قام فى الوجوه وظهرت له شوكة ولكن لم يتم أمر ولم تطل مدته بل سلط الله عليه رسله واتباعهم فمحقوا اثره وقطعوا دابره واستأصلوا شأفته.

هذه سنته فى عباده منذ قامت الدنيا وإلى أن يرث الأرض ومن عليها.

قال ابن القيم: فلما سمع منى هذا الكلام قال معاذ الله ان نقول أنه ظالم أو كاذب بل كل منصف من أهل الكتاب يقر بأن من سلك طريقه واقتفى اثره فهو من أهل النجاة والسعادة فى الاخري إلى آخر ما جاء فى هذه المناظرة".

فهذه القصة تدلك على صحة دعوة بهاءالله ودعوة الباب قبله كما تدلك على صحة دعوة محمد(صلعم) وليس ثمّ فرق بين دعوة بهاءالله ودعوة محمد(ص) فكما فعل محمد(ص) فعل بهاءالله غير أن التشريع الذى جاء به محمد (ص) جاء فيه القتال والحرب، والشرع الذى جاء به بهاءالله جاء فيه السلام العام ووضع الحرب كما اقتضته الحكمة الإلهية وقضته المشيئة الرحمانية.

والا فكما نسخ محمد(ص) الشرائع المتقدمة وأتى بشريعة جديدة وأحل الحرام وحرم الحلال وفرض الفرائض وحول الناس من الشريعة التى كانوا عليها إلى الشريعة التى جاء بها فكذلك فعل بهاءالله فكما أن ذلك الفعل كان دليلاً على صحة ما جاء به سيد يثرب والبطحاء خاتم النبيين(ص) كذلك هو دليل على صحة ما جاء به بهاءالله.

ونتابع معكم فى مقالنا القادم-براهين الطريق الثانى...فإلى لقاءنا................


Wednesday, July 21, 2010

عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون –(10)


عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون –(10)

بماذا يميز بين الصادق والكاذب

من مدعى الرسالة

ع-كيف نميز بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة؟

س- فى القرآن الكريم طرق متعددة للتمييز بين الصادق والكاذب من مدعى الرسالة وأورد لك منها ثلاثة طرق :-

الطريق الأول-من ادعى ان الله سبحانه وتعالى ارسله لعباده بتشريع جديد فاستجاب الناس لدعوته وانتصر على من قاومه وكذّبه وناوأه وكوّن أمة جديدة فذاك هو الرسول الصادق فنصر الله له وتأيه إياه هو برهان صدقه فذاك هو المتقول على الله تعالى وخذلانه هو دليل تقوله على الله عز وجل وافترائه عليه وتلك سنة الله فى خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

الطريق الثانى-كتبه وصحفه المنزلة قال تعالى ( أو لم يكفهم أنا انزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) (العنكبوت:51).

الطريق الثالث-البشائر التى جاءت بها الكتب السماوية السابقة قال تعالى (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الاولى)(طه:132) فهذه طرق ثلاث كل واحد منها دليل وبرهان قائم بنفسه.

ع-أليس من ادعى الرسالة أن يأتى بالمعجزة الحسية الظاهرة كقلب العصا حية وفلق البحر وخروج الناقة؟

س- هذه المعجزات لا تفيد تصديقاً ولا تدعو للإيمان وليست هى شرط فى صحة الدعوى قال تعالى (وما منعنا ان نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ولآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً) (بنى اسرائيل:59) وقال جل من قائل (وقالوا لولا اوتي مثل ما اوتى موسى أو لم يكفروا بما اوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا{قوله سحران تظاهرا يريدون موسى ومحمداً عليهما السلام}(القصص:48) ذلك لأنهم كانوا يعللون ما يرونه من تلك الآيات بالسحر كالشعوذة وأمثالها قال تعالى (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون*لقالوا إنما سكّرت ابصارنا بل نحن قوم مسحورون)(الحجر:14،15) وقال تعالى (ولو نزّلنا عليك كتاباً فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين)(الانعام:7) وهذه المعجزات وامثالها لا تؤثر فى الأمم ولا تكسبهم شيئاً من التصديق برسلها ومع ذلك فقد اجاب بهاءالله طلب العلماء الذين اجتمعوا فى النجف وكربلاء فى الكاظمية-وأرسلوا أحدهم وهو الشيخ حسن عمو بطلب معجزة منه قطعاً لعذرهم وحجتهم وطلب منهم ان يكتبوا كتاباّ وان يتفقوا على شيئ واحد فيظهره لهم زعليهم حينئذ ان يؤمنزا به وان لم يظهره فباطل ما يدعى، فلم يتفقوا على شيئ فالبعض منهم قال لا نؤمن وان أظهر معجزة فماذا يدرينا لعلها سحر والآخرون كل واحد منهم اقترح اقتراحاً غير الاقتراح الذى اقترحه صاحبه وهؤلاء فعلوا كما فعلت قريش مع محمد(ص) حذو الفذة بالفذة كما أخبر الله سبحانه وتعالى بقوله (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة) (المدثر:52) وذلك أن قريشاً قالت للنبى(ص) لن نتبعك حتى تأتى كلاً منا بكتاب من السماء فيه من الله إلى فلان أن اتبع محمداً (1).

ولو فرضنا ان هذه المعجزات الظاهرة هى أعظم برهان على صدق الرسل لكانت حجة على شاهدها لا على من لم يشاهدها أما الرواية عنها ونقلها فى المدونات فلا يكفى لأنها تعارض بمثل ما ينقل عن الاصنام والذابين من مدعى الرسالة من خارق العادات فكيف لطالب الحق أن يميز بين الروايتين وكلاهما خبر يحتمل الصدق والكذب وكلاهما منقول بالالسنة فى الكتب وبماذا يرجح ما جاء عن موسى عليه السلام على ما جاء عن الحارث الكذاب الدمشقى مثلاً فلاجل ذلك لم تكن هذه المعجزات برهاناً يعتد به أما ذوى العقول الراجحة والافهام السليمة من أهل البصيرة فيعتبرون جميع ما يصدر من الرسول فى زمانه معجزات لأنها تمتاز عمّا سواها فما دامت ممتازة فهى خارقة للعادة لأن مرتبة الرسالة هى فوق مرتبة الانسان وحركات الرسل معجزة للانسان كما أن حركات الانسان معجزة للحيوان.

قال العلامة الشهرستانى فى كتابه(نهاية الاقدام) "من اصطفاه الله عز وجل لرسالته من عباده واجتباه لدعوته كساه ثوب جمال فى ألفاظه وأخلاقه وأحواله وما يعجز الخلائق عن معارضته بشيء من ذلك فتصير جميع حركاته معجزة للناس كما صارت حركات الناس معجزة لمن دونهم من الحيوانات ويكون مستتبعاً جميع نوع الانسان كما صار الانسان مستسخراً جميع أنواع الحيوانات.

(الله يصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس)(الحج:75)

(رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)(النساء:164).

فلذلك كان ما يصدر من رسل الله من أقوال وأفعال تؤثر فيمن سبقت له العناية من الله تعالى فينقادون لطاعتهم ويستجيبون لامرهم وأما الكاذبون المدعون الرسالة كذباً وتقولاً عليه تعالى فمهما بلغوا شأواً من العلم والدراية واوتوا من قدرة وذلاقة فى اللسان فحبوط مسعاهم وخذلانهم أمر محقق الوقوع.

ونتابع معاً فى المقال القادم-براهين الطريق الأول...فإلى لقاءنا القادم......


Sunday, June 27, 2010



عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(9)

تاريخ بهاءالله

البهائيّة هي الإشراق الّذي هيّأت له الدّورة السّابقة. وأحداث الدّورتين مرتبطة، يتعذّر تحديد خطّ فاصل بينهما، إلاّ أنّ بهاء الله بيّن أنّ بعثته بدأت أيّام سجنه في سياه چال بطهران. ولكن لا يمكن تقسيم تاريخ هذه الدّورة بالبساطة الّتي اتّبعناها في الدّورة البابيّة، لأنّ أحداثها لا تقتصر على ما وقع منها في حياة بهاء الله فحسب، بل يشمل أيضًا ما أنجزه ابنه ومركز عهده عبد البهاء، ومن بعده شوقي ربّاني حفيد عبد البهاء ووليّ الأمر. وينبغي قبل تفصيل هذه المراحل أن نقدّم بكلمة عن صاحب هذه الدّورة.

بهاء الله هو الّلقب الّذي عُرف به ميرزا حسين علي النّوري، وهو سليل مجد وشرف، إذ كان أبوه ميرزا عبّاس المعروف بميرزا بزرﮒ، أحد النّبلاء المقرّبين إلى بلاط الملك فتح علي شاه، وحاكمًا على منطقة بروجرد ولُرستان. اتّصف بهاء الله منذ طفولته بحميد الخلال، وجميل الخصال، وتميّز بحدّة الذّكاء، ورجاحة العقل، والشّجاعة والإقدام، وأبدى منذ بكرة صباه كفاءة ومهارة فائقتين في حلّ أعقد المشاكل، وأظهر معرفة وعلمًا لَدُنيًّا أدهشا مَن حوله من كبار رجال الدّولة. ورغم كثرة ما عُرض عليه من مناصب الدّولة، انصرف كلّية إلى أعمال البِرّ، ورعاية المساكين، منفقًا ماله الخاص على الفقراء والمعوزين.

في بغداد

بعد محاولة الاعتداء على حياة الشّاه، قضى حضرة بهاء الله أربعة شهور سجينًا في طهران، ينتظر دوره للإعدام بصفته أحد أقطاب البابيّة، ولكن نجح بعض أصدقائه القدامى في إقناع الملك بالتّحقيق في هذا الحادث، فثبتت براءته، وأطلق سراحه، ولكن أمرت السّلطات بإبعاده، وصادرت أمواله، فقصد العراق.

بعد إقامة قصيرة في بغداد قرّر بهاء الله الاعتزال في جبال السّليمانيّة حيث انقطع متعبّدًا في خلوة دامت عامين، لم يكن أحد يعلم خلالها مكانه. وعندما عُرف مكانه إنهالت عليه التّوسّلات للعودة لجمع شملهم، وتنظيم صفوفهم من جديد.

اهتمّ بهاء الله بشرح وبيان تعاليم الباب على نحو لا يمكن أن يكون إلاّ إلهامًا إلهيًّا. ومن بين مآثر هذه الفترة رسالتين على جانب عظيم من الأهميّة، ولا زالتا آيتين من آيات الإعجاز: هما الكلمات المكنونة، وكتاب الإيقان. تتعدّى الرّسالة الأولى حدود جمال التّصوير وبلاغة اللّفظ ورقّة التّعبير، إلى عمق المعنى وسموّ الفكرة، مع شدّة الاختصار وسحر البيان، وهي موجز للفضائل والإلهيّات الّتي جاءت بها الأديان سابقًا، أو كما قدّم لها بهاء الله:

هذا ما نُزِّلَ مِنْ جَبَرُوتِ العِزَّةِ بِلِسانِ القُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ عَلَى النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلُ. وَإِنَّا أَخَذْنا جَوَاهِرَهُ وَأَقْمَصْناهُ قَمِيصَ الاخْتِصارِ فَضْلاً عَلَى الأَحْبَارِ لِيُوفُوا بِعَهْدِ اللهِ وَيُؤَدُّوا أَمانَاتِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلِيَكُونُنَّ بِجَوْهَرِ التُّقَى فِي أَرْضِ الرُّوحِ مِنَ الفائِزِينَ.

وفي الرّسالة الثّانية يفيض بيانه الأحلى بتفسير آيات الكتب المقدّسة السّابقة على نحو يُبرز وحدة معانيها ومقاصدها، ويُلفت الأنظار إلى أبديّة الأديان، وعدم محدوديّة رسالاتها رغم محدوديّة أحكامها في حيّز زمانيّ. وخلت الرّسالتان من أيّ إشارة إلى أمره الجديد، ولكن فتح كتاب الإيقان آفاقًا فسيحة أمام الفكر الدّينيّ لكلّ المهتمّين بالرّوحانيات، مهيّئًا لإعلان ظهوره المبارك. بقي بهاء الله في بغداد قرابة عشر سنوات، علت أثناءها شكوى البلاط الفارسيّ من ازدياد نفوذه في منطقة يحجّ إليها الشّيعة من إيران، وينتهز كثير منهم الفرصة ليستطلع حقائق البابيّة. وزادت مخاوف البلاط الإيرانيّ بعد زيارة عدد من أفراده – من بينهم الأمراء – لبهاء الله في منزله المتواضع. فأمر السّلطان عبد الحميد بحضوره إلى إستنبول. وبينما كان يتأهبّ ركبه للرّحيل في ربيع عام ١٨٦٣، أعلن بهاء الله لأصحابه بأنّه الموعود الّذي بشّر به الباب، والّذي بظهوره تتحقق نبوءات ووعود الأديان السّابقة.

في أدرنة

تمتدّ المرحلة الثّانية من وقت هذا الإعلان الخاص إلى حين إبحار بهاء الله من تركيا، في طريقه إلى عكّا، وتتميّز بتطوّر المبادئ الّتي أعلنها الباب إلى أصول وأحكام مفصّلة، وإعلان دعوة بهاء الله إعلانًا عامًا على التّدريج، وإعداد رسائله الموجّهة الى ملوك ورؤساء الدّول، لإبلاغهم مبادئ العصر الجديد ونظامه العالمي، ودعوتهم للكفّ عن الحروب، والحدّ من التّسلّح، والاتّحاد والتّعاون لخير الشّعوب.

جرت أكثر أحداث هذه المرحلة في مدينة أدرنة على أرض القارّة الأوربيّة. فبعد وصول بهاء الله وصحبه إلى مدينة إستنبول في منتصف أغسطس (آب) ١٨٦٣، من رحلة دامت ثلاثة شهور ونصف على ظهور الدّواب، خلال جبال وعرة، نما إلى علمهم قرار ترحيلهم إلى أدرنة، الّتي وصلوها يوم ١٢ ديسمبر (كانون أول) من نفس السّنة. واصل بهاء الله أثناء إقامته في هذه المدينة، وطيلة السّنوات الخمس التّالية، تفصيل أصول دعوته، وشرح النبوءات والوعود الإلهيّة الخاصة بمجيئه، وتهذيب وتقويم أخلاق أصحابه وأتباعه، وبيان نظامه لحفظ الأمن في العالم، وإقامة السّلام على قواعد العدل والتّآزر، وضمّن ذلك رسائله إلى الملوك الّذين أنذرهم جمعًا وفرادى مغبّة رفض دعوته. وحاق بكلّ منهم ما أنذره مسبقا من خسران مادّي ومعنوّي – نتيجة لاستكبارهم وعدم مبالاتهم بهذه الرّسالة السّماويّة ورفضهم الانصياع لأمر الله – رغم ما كانوا عليه من عزّ مبين.

هنالك ملأ الحسد قلب أخيه لأب، ميرزا يحيى، وانتهز المناوئون الفرصة لتقّسيم الأصحاب، وشجّعوه على المضيّ في غيّه، حتى إذا ما اشتدّت حدّة الخلاف بين الأتباع، طالبوا السّلطان بإبعادهم؛ فصدر الأمر بترحيل ميرزا يحيى ومشايعيه إلى قبرص، وسجن بهاء الله وصحبه في عكّا.

في عكّا

تمتدّ المرحلة الثّالثة، من وقت وصول بهاء الله إلى سجن عكّا حتى وفاته بقربها. شهدت السّنوات الأربع والعشرون الّتي قضاها بهاء الله في عكّا ومَرجِها، إبلاغ رسائله إلى الرؤساء والملوك، ونزول الكتاب الأقدس متضمّنًا حدود وأحكام الشّريعة البهائيّة، وتفصيل نظامه العالمي، وانتشار دعوته من إيران والعراق، إلى تركيا، وروسيا، ومصر، والشّام، والهند.

أعاد سجن بهاء الله بعكّا إلى الأذهان الأحاديث المرويّة حول منزلتها. ومع ذلك لمّا ورد بهاء الله إليها يوم ٣١ أغسطس ١٨٦٨ لم يخرج أهلها مرحّبين بمن صبغ على مدينتهم هذه القداسة، ولكن اجتمعوا ليسخروا بمن وصفه فرمان ٥ ربيع الآخر ١٢٨٥ﻫ بمدّعي الألوهيّة، وقضى بدون محاكمة بالسّجن مدى الحياة على كلّ من صاحب الظّهور وأفراد عائلته، كما أنذر الأهالي مغبّة الاختلاط بهؤلاء الأشرار أو معاشرتهم. واقع الأمر أن العزلة الّتي فُرضت على بهاء الله في سجن عكّا كانت خير دعامة لهذا الظّهور المبارك، وبدأت فترة غنيّة بالتّنزيل، إذ واصل حضرته من السّجن إبلاغ دعوته إلى ملوك ورؤساء العالم، وفصّل في مئات من رسائله معالم النّظم العالمي الّذي أبدعه، وأنزل في كتاب الأقدس التّشريع الجديد، وأجاب على أسئلة المستفسرين، وحرّر كتاب عهده وميثاقه، وحدّد الهيئات والقيادات المستقبلة لإدارة أمر دينه، وبيّن وظيفة وسلطة كلّ منها، وعيّن ابنه الأرشد ليتولّى إدارة شؤون أمره وتفسير تعاليمه من بعده. وبقي في مَرْجِ عكّا حتّى صعدت روحه إلى الرّفيق الأعلى في فجر ٢٩ مايو (أيار) ١٨٩٢.

وخلال السنوات الطويلة التي قضاها في السجن أُنزل من قلم حضرة بهاء الله من الآيات الإلهيّة ما يقع في أكثر من مائة سِفْرٍ مجلّد. فأفاض علينا قلمه المبارك مجموعة من الألواح والبيانات احتوت الكتابات الصوفية، والتعاليم الاجتماعية والأخلاقية، والأوامر والأحكام، بالإضافة إلى إعلانٍ واضح صريح لا لبس فيه عن رسالته وَجَّهَه إلى الملوك ورؤساء الدول وحكامها في العالم، بمن فيهم نابليون الثالث، والملكة فكتوريا، والبابا بيوس التاسع، والشاه الفارسي، والقيصر الألماني ويلهلم الأول، والامبراطور فرانسس جوزيف النمساوي، وآخرون.

إنَّ مفهوم الطبيعة الإنسانيّة في رسالة حضرة بهاء الله يقوم على التأكيد على كرامة الإنسان وما فُطر عليه من خُلُقٍ نبيل. وفي أحد آثاره المباركة يخاطب حضرة بهاء الله الإنسان بلسان الحقّ فيذكّره بمنشأه ومنتهاه: "يا ابن الروح! خلقتك عالياً، جعلتَ نفسك دانية، فاصعد إلى ما خُلقتَ له."(١٤) ويصرّح في موضع آخر: "انظر إلى الإنسان بمثابة منجمٍ يحوي أحجاراً كريمة، تخرج بالتربية جواهره إلى عَرَصة الشهود وينتفع بها العالم الإنسانيّ."(١٥) ويعود حضرة بهاء الله فيؤكد بأنَّ كلّ إنسان قادرٌ على الإيمان بالله، وكل ما هو مطلوب قَدرٌ من التجرد والانقطاع.

"وإذا ما تَطَهّر مشام الروح من زُكام الكون والإمكان، لوجد السالك حتماً رائحة المحبوب من منازلَ بعيدة، ولَوَرَدَ من أثر تلك الرائحة إلى مصر الإيقان لحضرة المنّان وليشاهد بدائع حكمة الحضرة السبحانية في تلك المدينة الروحانية... وأما تلك المدينة فهي الكتب الإلهيّة في كل عهد... وفي هذه المدائن مخزونُ ومكنونُ الهدايةِ والعنايةِ، والعلمِ والمعرفةِ، والإيمانِ والإيقانِ لكل من في السّموات والأَرضين..."(١٦)

دخل بهاء الله مدينة عكّا سجينًا، وبقي فيها سجينًا زهاء ربع قرن – في قبضة طاغ لقبه السّلطان الأحمر لكثرة ما أراق من دماء – واتُّهم بالكفر، وتقويض أركان الدّين، وادّعاء الألوهيّة، وتضليل النّاس؛ فحذرته أهالي عكّا أوّل الأمر، ثم تتبّع النّاس حركاته، وتحرّوا أمره، واطّلعوا على دعوته، وتفحّصوا أقواله وأفعاله قرابة ربع قرن قضاها بينهم، فتبيّنوا كذب كلّ ما أشيع عنه. بذلك شهدت كلماتهم وعباراتهم حين تشييعهم جنازته وتأبينه، وبدا من كلماتهم النّدم والأسى. كانت كلماتهم بسيطة على الفطرة، فعكّا مدينة صغيرة لم تشتهر بعلم أو أدب، ولكنّها أعربت عن مشاعر فاضت بها قلوب صادقة، رغم ما كان يمكن أن يلحق بهم من أذى لمخالفتهم الإرادة السّنيّة. كتب الأستاذ جاد عيد من أهالي عكّا راثيًا بهاء الله: "... فلا محاسن فضله تدرك، ولا مآثر عدله تعدّ، ولا فيوض مراحمه توصف، ولا غزارة مكارمه تحصر، ولا كرم أعراقه ككرم أعراق النّاس. فإنّ كلّ هذه الصّفات الّتي كان فيها آية الله في خلقه لم تكن لتفي بوصف بعثته الشّريفة، فهو الإمام المنفرد بصفاته، والحبر المتناهي بحسناته ومبرّاته، بل هو فوق ما يصف الواصفون وينعت النّاعتون..."

ومن رثاء أمين زيدان:

يا إمام الهدى ونور البهـاء
أيّ لفظ يفيك حقّ العزاء

ليت شعري من لي بلفظ نبيّ
فيه أرثي علامة الأنبياء

كما كذّب المؤرخ الإسّلامي، الأمير شكيب أرسلان، المفتريات الموجّهة إلى بهاء الله، فقال: "وممّا لا جدال فيه أن البهاء وأولاده بمقامهم هذه المدّة الطّويلة بعكّا أصبحوا بأشخاصهم معروفين لدى أهالي بلادنا المعرفة التّامة، بحيث صفا جوهرهم عن أن تعتوره الجهالة، وامتنعت حقيقتهم عن أن تتلاعب بها حصائد الألسنة. أمّا البهاء فقد أجمع أهل عكّا على أنّه كان يقضي وقته معتزلاً معتكفًا، وأنّه ما اطّلع له أحد على سوء، ولا مظنّة نقد، ولا مدعاة شبهة في أحواله الشّخصيّة كلّها..."

وكتب محمود خير الدّين الحلبي، صاحب جريدتي وفاء العرب والشّورى الدّمشقيّتين: "...وانتقل حضرة بهاء الله إلى (البهجة) وواصل جهاده حتى أصبح كعبة الورّاد من جميع الجهات. وبدأت الهبات ترد عليه بكثرة من الأتباع والمريدين. ومع ذلك فما كان يتجاوز حدود البساطة وكان ينفق على الفقراء والمساكين، ويقضي معظم أوقاته بالصّلاة والعبادة..."

وفى ما يو سنة 1892لموافق 2 ذى القعدة سنة 1309 هجرية صعد حضرة بهاءالله إلى الرفيق الأعلى بعد اصابته بالحمى وعاش حضرة بهاءالله خمساً وأربعون سنة فى الدعوة وكتب وصيته وأمضاها وختمها بنفسه وفتحت بعد تسعة أيام من صعوده فتحها نجله الأكبر عبد البهاء بحضور أعضاء أسرته وبعض الاصحاب كان على مقتضى الوصية أن أصبح عبد البهاء خليفة لوالده ومبيناً لتعاليمه وهذه الوصية تسمى (كتاب عهدى) أما بعثته فكما صرح فى كتبه وألواحه هى لتوحيد العالم وجمعه على كلمة واحدة ودين واحد ونشر السلام فى العالم فلا ترفع أمة على أمة سيفاً ولا يعتدى قوم على قوم.

أما كتبه وألواحه فقد بهرت العقول بما اشتملت عليه من معارف وهى ترياق لأمراض هذا العالم المتأصلة فيه والحادثة ،والخاصة والعامة،الروحية والمادية.

فمن تعاليمه كون الدين سبب الألفة بين البشر ففيه يحيى النوع الإنسانى وهو الوسيلة للتعارف بينهم ومساعدة البعض للبعض الآخر، فو كان الدين سبباً فى العداوة والبغضاء والجفاء لكان عدمه خير من وجوده ولكان هجره خطوة فى سبيل الوحدة.

ومن تعاليمه-اتفاق الدين والعلم-فالعلم لا يتنافر مع الدين ولا يباين أحدهما الأخر وهما جناحان لرقى هذا العالم.

ومن تعاليمه-حل المشكلة الاقتصادية ؛فقد حل حضرة بهاءالله هذه المعضلة حلاً شافياً فكما ان الغنى يتمتع باللذات ،كذلك الفقير يجب أن يكون له مأوى حسناً يأوى إليه وألا يكون فى فاقة مدقعة واذا لم يتحقق ذلك فلا تذوق الانسانية طعم الراحة والهناء.

ومن تعاليمه-اللغة العمومية والخط العالمى اللذان هما أعظم وسائل السلام.

ومن تعاليمه-المحكمة العدل الدولية،فبهاءالله منذ أكثر من164 عاماً وضع هذه المبادئ وأمر بتأسيس محكمة عدل دولية عمومية تحت حماية الله ورعاية البشر كله ويجب على الكل أن يخضعوا ويطيعوا لكل ما تقرره هذه المحكمة حتى يمكن حل مشاكل كل الأمم بواسطتها.

ومن تعاليمه-التساوى أى المساواة بين الرجال والنساء ومنها نبذ التعصبات سواء كانت جنسية أو دينية أو وطنية أو سياسية. ومنها تعميم التربية بين جميع أفراد البشر وهذه هى من أهم ضروريات الدين.

ويجب على الابوين أولاً تربية طفلهما وتعليمه فإن عجزا فعلى بيت العدل أن يقوم بذلك حتى ينال كل انسان قسطه من العلم والمعرفة.

ومن تعاليمه-امره بالاشتغال بالحرف والصائع والتجارة ونحوها وجعل ذلك جزءاً من العبادة ونهاهم عن البطالة والكسل وأمرهم بحب الخلق على اختلاف أديانهم وأجناسهم وحثهم على امتثال قوانين الدولة التى هم تحت رعايتها واطاعة الملوك ذوى العدل وعدم الدخول فى الأمور السياسية والحزبية ،وفرّق بين المعاملات والعبادات فأرجاء حكم العبادات إلى الكتاب والمعاملات إلى بيت العدل ونهى عن تأويل الكتاب وخصه بولى الأمر إلى غير ذلك مما يعسر حصره.

ع- هل بهاءالله ادعى أنه مرسل من عند الله لعباده وهل صرح بذلك فى كتبه؟؟

س- نعم صرّح أنه مرسل من عند الله لجميع البشر وصرح بذلك فى كتبه وألواحه منها فى الكتاب الذى أرسله لناصر الدين شاه ومنها لوح (باسم الذى بذكره تحيى قلوب أهل الملأ الأعلى) المطبوع فى محموعة اللواح المباركة وفى غيره من الألواح.

بسم الذی بذکره تحيی قلوب أهل الملأ الأعلی

سبحانک اللّهمّ يا إلهی تشهد و تری کيفَ ابْتُلِيتُ بين عبادک بعد الّذی ما أردتُ الّا الخضوعَ لدی باب رحمتک الّذی فتحته علی من فی أرضک و سمائک * و ما أمرتهم الّا بما أمرتنی و ما دعوتُهم الّا بما بعثتَنی به * فو عزّتک ما أردتُ أن أسْتَعلی علی أحد بشأن من الشّئون و ما أردتُ أن أفتخرَ عليهم بما أعطيتَنی بجودک و افضالک لأنّی لا أجد يا إلهی لنفسی ظهوراً تلقاء ظهورک و لا أمراً الّا بعد اذنک و ارادتک بل فی کلّ حين نطق فؤادی يا ليت کنتُ تراباً تقع عليه وجوه المخلصين من أحبّائک و المقرّبين من أصفيائک * لو يتوجّه ذو أُذُن الی أرکانی لَيسمعُ من ظاهری و باطنی و قلبی و لسانی و عروقی و جوارحی يا ليت يظهر منّی ما تفرح به قلوب الّذين ذاقوا حلاوةَ ذکر ربّی العليّ الأعلی و يَصعدُ بِندائی أحدٌ الی جبروت أمرک و ملکوت عرفانک يا من بيدک ملکوتُ البقاء و ناسوتُ الانشاء * وان قلتُ اليَّ اليَّ يا ملأ الانشاء ما أردتُ بذلک الّا أمرَک الّذی به أظهرتنی و بعثتنی لِيتوجّهنَّ الکلُّ الی مقرّ وحدانيّتک و مقعد عزّ فردانيّتک * و أنت تعلم يا محبوبَ البهاء و مقصودَ البهاء انّه ما أراد الّا حبّکَ و رضاءَک و يريد أن تطهّرَ قلوبُ عبادک من اشارات النّفس و الهوی و تُبلِّغهم الی مدينة البقاء ليتّحدوا فی أمرک و يجتمعوا علی شريعة رضائک * فو عزّتک يا محبوبی لو تُعذِّبنی فی کلّ حين ببلاءٍ جديد لأحَبُّ عندی بان يَحدُثَ بين أحبّائک ما يکدّرُ به قلوبهم و يتفرَّق به اجتماعهم لأنّک ما بعثتنی الّا لاتّحادهم علی أمرک الّذی لا يقوم معه خلق سمائک و أرضک و اعراضِهم عمّا سواک و اقبالِهم الی أُفق عزّ کبريائک و توجّههم الی شطر رضائک * اذاً فانزل يا الهی من سحاب عنايتک الخفيّة ما يُطهِّرُهم عن الأحزان و عن حدودات البشريّة لِيجدَنّ منهم أهلُ الملأ الأعلی روائحَ التّقديس و الانقطاع * ثمَّ أيّدهم يا إلهی علی التّوحيد الّذی أنت أردتَه و هو أن لا ينظر أحد أحداً الّا و قد ينظر فيه التجلّيَ الّذی تجلّيتَ له به لهذا الظّهور الّذی أخذتَ عهده فی ذرّ البيان عمّن فی الأکوان * و من کان ناظراً الی هذا المقام الأعزّ الأعلی و هذا الشّأن الأکبر الأسنی لن يستکبِرَ علی أحد * طوبی للّذين فازوا بهذا المقام انّهم يعاشرون معهم بالرّوح و الرَّيحان * و هذا من التَّوحيد الّذی لم تزل أحببتَه و قدَّرته للمخلصين من عبادک و المقرَّبين من بريَّتک * اذاً أسألک يا مالک الملوک باسمک الّذی منه شرَعتَ شريعةَ الحبّ و الوداد بين العباد بان تُحدِثَ بين أحبّائی ما يجعلهم متَّحدين فی کلّ الشّئون لِتظهرَ منهم آيات توحيدک بين بريّتک

و ظهورات التّفريد فی مملکتک * و انّک أنت المقتدر علی ما تشاء * لا إله إلّا أنت المهيمن القيّوم *

ومازلنا مع هذه السلسلة من مقالات –(عفواً يا أمة الإسلام..............)وإلى لقاء قادم...



Monday, June 7, 2010

عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(8)



عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(8)

(خلاصة هذه الوقائع-واقعة مازندران،زنجان،تبريز)

واقعة مازندران:

ان الملا حسين بشروئى هو وأصحابه سافروا من خراسان قاصدين كربلاء ولحق بهم ميرزا محمد على الذى لقّبه الباب بالقدوس والملا صادق الخراسانى الملقب عند الشيعة بالمقدس واثنان من مشاهير العلماء فعقدوا أعلاماً سودًا ورحلوا فلما وصلوا إلى سارى القاعدة مازندران حكم الملا سعيد وهو أكبر عالم فى تلك المنطقة بوجوب محاربة البابيين وابادتهم، فالتجأ هؤلاء إلى مقبرة الشيخ طبرسى وحصنوها وقاموا للمدافعة وكان عددهم ثلثمائة وثلاثة عشر نفراً عدد من كان يوم بدر مع رسول الله(ص) وحدث بين الفريقين مناوشات فكان الفوز فيها دائماً للبابيين.

فاستنجدت حكومة تلك البلاد بالدولة فاصدرت أمراً لعباس قلى خان الاريجانى ومهدى قلي ميرزا لمحاربة البابيين بالمدافع والجنود المنظمة ودار القتال بينهما وقتل من العكس خلق كثير قتتابع المدد بالرجال والمدافع وآلات الحصار وقتل فى اثناء ذلك الملا حسين رئيس البابيين فى هذا الجمع واشتد على البابيين الجوع وبعد مداولات دارت بين البابيين وبين عباس قلي من جهة آخرى عقدوا صلحاً بينهما وكتبوه على المصحف وهو أنه إذا سلموا اسلحتهم يتركوا احراراً يذهبون حيثث يشاؤون وبعد أن سلموا أسلحتهم وجلسوا يتناولون الغذاء الذى احضر لهم أحاطت بهم العساكر وأبادوهم رمياً بالرصاص. أما الميرزا محمد على الملقب بالقدوس وبعض خواصة فارسلوا إلى الملا سعيد فقتلهم هو وطلبته بأيديهم واحرقوا جثثهم.

واقعة زنجان:

أما مدينة زنجان فقد اشتد الخصام بين البابيين وعلماء الشيعة وكان زعيم البابيين الحاج محمد على زنجانى أحد مشاهير العلماء.وكان والى زنجان أمير اصلان خان الملقب بمجد الدولة خال ناصر الدين شاه فباغراء العلماء أمر الوالي هذا بابادة البابيين فاشتبك القتال واشتد الأمر على الوالى فاستنجد بطهران وارسلت العساكر والمدافع وانتهت الحادثة بقتل زعيم البابيين الحاج محمد علي الزنجانى وافناء رجاله وما بقى منهم ارسلوا إلى طهران وقتلوا هناك.

واقعة نيريز (فارس):

أما فى نيريز فاشتبكت الحرب بين الفريقين وكان رئيس البابية هناك العلامة الشهير السيد يحيى الدرابى ابن السيد جعفر الكشفى صاحب المصنفات الكثيرة فكانت النتيجة ان قتل السيد يحيى ومن كان معه بعد تأمينهم على أنفسهم.وبعد انتهاء هذه الحوادث وانتصار الجيوش السلطانية فى كل مكان لم ير رئيس وزراء ناصر الدين شاه الامير نظام ميرزا تقى خان أن حركة البابية قد قهرت وشوكتها قد كسرت.وان اطاعة الأحباء(المؤمنين) المتفرقين لقاء رئيسهم المحبوب ضعفت ووجد أن أحسن وسيلة لتخليص مملكة ايران من العار الذى لحقها هو قتل الباب.

قتل الباب

فأرسل الأمير نظام أمرًا لحاكم أذر بايجان البرنس نواب حمزة ميرزا يأمر فيه بقتل الباب بعد استصدار فتوى من علماء تبريز بقتله فأبى الحاكم اجراء هذا الأمر وقال:

"أيأمرنى أن أذبح شخصاً بريئاً من سلالة رسول الله(ص) وهذا العمل لا يجريه إلا الأندال فلست أنا ابن سعد ولا ابن زياد".

فأحال الأمير نظام هذا الأمر إلى أخيه حسن خان وهذا بدوره أمر بالاتيان بالباب من القلعة وأنزله منزلاً يليق به ثم بعد ذلك أمر سام خان رئيس الفوج المسيحى الذى كان موكولاً إليه اعدام الباب بأخذ الباب إلى احدى غرف المعسكر ومراقبته وفى ذلك اليوم أخذ الاضطراب جميع أهل تبريز وقد كان ذلك اليوم يومًا عبوسًا قمطريرًا وقد كان الباب قبل أخذه إلى المعسكر بأربعين يوماً جمع أوراقه وألواحه التى معه ودواته واختامه ووضع الجميع بصندوق وسلمه إلى الملا باقر أحد حروف الحى(المؤمنين الأوائل بالباب وكان عددهم 18 يساوى كلمة حى بالأبجدية أى ح+ى=8+10=18) واعطاه خطاباً وأمره بتسليم الجميع إلى ميرزا أحمد ليسلمها إلى حضرة بهاءالله فلما استلم الميرزا أحمد الصندوق والخطاب فتح الصندوق بطلب من احدى الأحباء(أى المنتسبين إل حضرة الباب) الذين كانوا حاضرين بالمجلس اذ ذاك فوجدوا من بين الأشياء التى فيه ملفاً من الورق الأزرق الذى هو من أغلى أنواع النسيج وأرقها وقد دبج الباب به بخط يده البديع خطاً من نوع الشكسته (360) اشتقاقًا من كلمة "بهاءالله" فأعيد بعد ذلك الملف إلى الصندوق وتوجع به على الفور إلى طهران وسلمه إلى جناب البهاء وفى صباح الباكر من يوم الأحد فى الثامن والعشرين من شهر شعبان استصدر ميرزا حسن خان فتوى من بعض مجتهدى تبريز بإعدام الباب وسلمها إلى سام خان لتنفيذ الحكم على أن سام خان قد أثر فيه سلوك المسجون والمعاملة التى عومل بها فخاف من أن يكون عمله جالباً لغضب الله وقال للباب "أنا مسيحى ولا أحمل لك ضغينة فإذا كان أمرك حقاً فمكنى من عدم سفك دمك وتخليص نفسى".فقال له الباب "اتبع التعاليم التى اعطيت لك واذا كان مقصدك صادقاً فإن القدير يمكّنك أن تتخلص من اضطرابك" فأمر سام خان بدق المسامير بميدان القلعة وتعليق الباب وصاحبه السيد على محمد الذى طلب أن يكون مع سيده شهيداً فأصطف الفيلق ثلاثة صفوف كل صف مائتان وخمسون رجلاً واطلق الصف الأول الرصاص وتبعه الثانى ثم الثالث وما كاد ينقشع الدخان حتى دهش الجمهور لما رأوا أن رفيق الباب أمامهم منتصباً على الأرض ولم يصبه بأذى وأن الباب لا وجود له بالساحة غير أن الحبال قد تقطعت ارباً اربًا فعلت أصوات الجماهير بمختلف الأراء والأقوال ثم وجد الباب بنفس الغرفة التى كان فيها الليلة الماضية وكان يتحادث مع كاتب وحيه السيد حسين وكان يظهر على وجهه امارات الهدوء والسكينة ولم يصب بأذى وأما سام خان فقد صعق من هذه الحادثة وأمر رجاله أن يتركوا المعسكر فى الحال وأقسم أنه لا يتدخل فى هذا الأمر هو ولا فيلقه ولو حكم عليه بالاعدام فتقدم ضابط آخر يسمى أغا جان خمسه وتطوع لتنفيذ الأمر وعلق الباب وصاحبه كالمرة الآولى وأمر الفيلق باطلاق بنادقهم فنفذ القضاء وتمزقت الأجساد غير أنه لم يصب وجه الباب ولا وجه صاحبه أى أذى فحدث بتلك اللحظة زوبعة ترابية شديدة وحجبت نور الشمس وبقيت المدينة فى ظلام دامس إلى الليل.

فلما قتل الباب زاد اضطهاد اتباعه واشتهر من بعد رؤسائهم دعاوٍ مختلفة من قبيل النبوة والولاية والوصاية وغيرها واختلفت آراؤهم وسقط الكثير منهم فى الضلالات وانهمك بعضهم فى المنكرات وزاد الطين بله حدوث الحادث الذى فعله صادق التبريزى وهو رمى ناصر الدين شاه برش من مسدسه حين خروج جلالته من قصره الصيفى فى قرية نياوران سنة 1268 هجرية(حزناً منه على حضرة الباب والبابيين) فاشتد الأمر فى طهران وسائر البلاد الإيرانية على البابية وقبض على المتهم والبرئ والعاصى والمطيع وقتلوا كثيراً منهم بأشد أنواع القتل وأفظعها.

ع- بماذا جاء السيد على محمد الباب؟

س- جاء السيد على محمد الباب بشريعة جديدة وبالتبشير ببهاءالله فقد كان ينادى بقرب ظهوره العظيم كما كان ينادى يوحنا المعمدان بقرب ظهور المسيح عليه السلام وينادى بأن شمس الحقيقة تشرق قريباً وقرر اظهار عظمة من يظهره الله بأن يوم ظهوره لو يسمع شخص آية من آياته ويقرأها خير له من أن يقرأ البيان كله ألف مرة والبيان هو الكتاب المنزل عليه.

ع- ها نحن قد علمنا أولاً ملخص تاريخ الباب فلخص لنا تاريخ حضرة بهاءالله.

ولنا لقاء فى المرة القادمة والمقال القادم وتاريخ حضرة بهاءالله المظهر الإلهى للعقيدة والدين البهائى-فأنتظرونا................................ .


Tuesday, May 4, 2010

عفواً يا أمة الإسلام-7

عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(7)

عن تاريخ حضرة الباب-(ميرزا على محمد)

ع- هل بإمكانك أن تخبرنى عن تاريخ هذين الرجلين العظيمين-(حضرة الباب-وحضرة بهاءالله).

س- بكل سرور.أما حضرة الباب فهو من السلالة الطاهرة النبوية وعائلته معروفة فى شيراز واسمه ميرزا على محمد بن السيد محمد رضا ،ولد فى أول محرم سنة 1235 هجرية وبعد مضى سنتين من ولادته توفى والده وكفله خاله السيد على أحد تجار شيراز ،وكان منذ طفولته مواظباً على العبادة والصلاة،فلما ترعرع وشبّ واشتهر بالتقوى والورع وكان ظاهر المهابة بادي النجابة كثير الوقار.اشتغل بالتجارة مع خاله المذكور أولاً ثم استقل فيها لنفسه وقبل دعوته جاء إلى العراق لزيارة المشاهد المقدسة ومكث فيه اقل من خمسة أشهر ثم رجع إلى شيراز فلما بلغ سن الخامسة والعشرين أعلن أنه هو الباب ويقصد بهذه الكلمة أنه واسطة فيوضات من شخص عظيم لا يزال خلف حجاب العزة وكان ذلك فى الخامس من جمادى الاولى سنة 1260 هجرية فأول من آمن به وصدقه كان الملا حسين بشروئى وهو من أكبر تلاميذ السيد كاظم الرشتى ثم تتابع الناس فى الايمان به حتى بلغوا ثمانية عشر رجلاً فسماهم الباب بحروف الحي وامرهم بالتوجه إلى ايران والعراق للتبشير بظهوره والدعوة إلى اتباعه وأمرهم بكتمان اسمه حتى يعلن بنفسه عن نفسه وتوجه فى تلك السنة نفسها إلى مكة وبعد اكماله مناسك الحج أعلن دعوته هناك وكتب بها إلى شريف مكة ولما تأخر الجواب أردفه بكتاب تان غير أن انشغال الشريف بأمر الحج لم يمكنه من الاجابة عليه وبعد زيارته المدينة عاد إلى ايران ونزل فى(بوشهر) أما فى شيراز فأخذت الدعوة بمساعى من آمن بالباب وباغراء العلماء لحاكم فارس حسين خان اجودان باشى ألقى القبض على القائمين بنشر الدعوة الملا صادق ورفقائه وجلدوهم واحرقوا لحى بعضهم وخرموا انوفهم وطافوا بهم فى الاسواق وارسل خيالة من حرسه الخاص إلى بوشهر للقبض على الباب وبعدما قطع الحرس المرحلة الثالثة من سفرهم وجدوا فى البرية شاباً يتمنطق بحزام أخضر وعليه عمامة صغيرة كما يلبس عادة الاشراف الذين يحترفون التجارة وكان ممتطياً جواده وخلفه حبشى يحرس امتعته فلما قاربهم سلم عليهم وسألهم عن مهمتهم فأجاب رئيسهم بأن حاكم فارس أرسلهم بمهمة فى تلك الجهة فتبسم قائلاً أن الحاكم أرسلكم للقبض علىّ فها أنا ذا افعلوا معى ما تريدون وحضرت لمقابلتكم كى اوفر عليكم السير ولأسهل لكم البحث عنى،فأبى الرئيس ان يلقى القبض عليه وطلب منه أن يهرب إلى أى جهة شاء لئلا يقع تحت براثن حاكم فارس القاسية فأبى قبول ذلك وقال له:جزاك الله خيراً لنبالة وعظمة مقصدك ولكن لا يوجد أحد يعلم أمرى أو يطلع على خافيتى فلن احول وجهى أبداً عن أمر الله وقضائه فهو كهفى وموئلى وولي إلى أن تأتى ساعتى الأخيرة لا يقدر أحد أن يضرنى ولا أن يبطل حكم الله القادر، واذا اتت ساعتى فما أعظم سرورى بتجرّع كأس الشهادة لأجل اسمى فها أنا ذا فسلمنى ليد سيدك ولا تخف لأنه لن يلومك أحد بذلك) فأجاب رئيس الحرث طلبه وفور وصوله إلى شيراز وحضوره أمام الحاكم قال له الحاكم ألا تعلم ما جلبه عملك من مفاسد وصب جام غضبه عليه فأجاب الباب بسكون"اذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين". فغضب الحاكم وصاح وقال هل يجوز ان تنسب إلينا الجهل وعدم التبصر وأمر بصفع الباب على وجهه وكان الامام جمعة السيد أبو تراب حاضراً فى المجلس اذ ذاك فأمر باعادة عمامة الباب إليه وطلب منه أن يجلس بجانبه والتفت إلى الحاكم وفسر له معنى الآية وقال له أن الطريق القويم هو البحث فى هذا الموضوع باعتناء ثم الحكم فى هذه المسألة بمقتضى أحكام الكتاب وانتهى الأمر بأن أخذ من السيد على خال الباب الذى كان حاضراً فى ذلك الاجتماع كفالة باحضار ابن اخته أمام الحاكم متى أراد ولم تلبث عدوان الحاكم الخامدة حتى عادت إلى الاشتعال ثانية فإنه أمر رئيس شرطته أن يتسور حائط البيت الذى فيه الباب قبل منتصف الليل ويأتيه به ومن يجده عنده من الناس وان تضبط ما يجدوه من الكتب والأوراق بالمنزل ولكنهم لم يجدوا أحداً إلا السيد الباب وخاله وكاظم الزنجانى فأخذ السيد الباب والسيد كاظم الزنجانى إلى مركز الحكومة وكان السيد الباب يتلو(أن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) وما كان رئيس الشرطة يصل إلى السوق حتى رأى أسراباً من النعوش تمر أمامه فى الطرقات والبكاء والعويل من كل جانب لأن الوباء قد ظهر فجأة فى تلك الليلة ففى ساعة واحدة مات نحو مائة شخص فأسرع رئيس الشرطة إلى منزل الحاكم ووجد الحاكم قد غادر المنزل هو وأفراد أسرته لأن الوباء قد ضرب بعض أفراد تلك الأسرة وماتت حبشيتان فأخذ عبد الحميد مدير الشرطة الباب إلى منزله فوجد أن ابنه قد اصابه الوباء وهو على شفا جرف من الهلاك فوقع على اقدام الباب يتضرع إليه بأن ينقذ حياة ابنه وسأله أن يغفر سائر تعدياته وسيئاته وكان السيد الباب يتوضأ لصلاة الفجر فأمر أن ياخذ من ماء وضوئه من الذى يغسل به وجهه ويسقيه لولده ،فما كان من عبد الحميد خان يشاهد شفاء نجله حتى كتب للحاكم يعلمه بالأمر ويرجوه أن يترك تهجمه على الباب وان يرحم نفسه ويرحم الذين اولاه الله رعايتهم فأمر الحاكم بإطلاق صراح الباب واعطائه الحرية حيث يشاء غير أنه لا يبق فى شيراز فسافر الباب والسيد كاظم صبيحة ذلك اليوم إلى اصفهان وقبل وصولهما إليها كتب الباب إلى واليها معتمد الدولة منوجهر خان أن يهيئ له منزلاً لائقاً بنزوله فعين له الوالى بيت امام الجمعة فنزل به وأقام به أربعين يوماً ووقع بين الباب وبين العلماء مناظرات كثيرة أكثرها مدونة بالتواريخ فأدهشهم بقوة قريحته وحسن بيانه وسرعة قلمه وكان الوالي يحضر تلك المناظرات فانجذب إليه مما رأى واعتقد به وكان الباب يرتجل فى خطبه ورسائله حتى قيل أنه يكتب فى أربع ساعات ألف سطر من العربية والفارسية على غاية من جودة الخط وحسن الاسلوب فأختلف العلماء فى أمره فمنهم من صدقه وآمن به ومنهم من حكم بجنونه والأكثرون أفتوا بكفره. فنقله الوالى من بيت امام الجمعة إلى بيته واخفاه وأظهر أنه ارسله إلى طهران بأمر الشاه فبقى مختفياً فى بيت الوالى حتى توفى الوالى وتولى ابن أخيه(كوركين خان) محله فأرسل الباب إلى طهران بأمر من محمد شاه فلما صار على مرحلة منها نقل من هناك إلى قلعة (ماه كو) ثم إلى قلعة جهريق وبعد ذلك توفى محمد شاه وجلس ناصر الدين شاه على تخت المملكة وفى أثناء ذلك اشتدت الخصومة بين اتباع الباب وعلماء ايران فقاموا يداً واحدة على البابيين واتفقوا على لزوم ابادتهم فاشتبكت الحروب بينهما فى بلاد مازندران وزنجان ونيريز.(من كتاب-التبيان والبرهان)

ونتابع معاً فى المقال القادم-(خلاصة هذه الوقائع-مازندران،زنجان،نيريز)-فأنتظرونا فنحن على لقاء دائم بمشيئة الرحمن...........

Monday, April 19, 2010

عفواً يا أمة الإسلام-6


عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(6)

معنى ختم النبوة واوليتها

س-ان بعض الآيات التى ترد فى الكتب السماوية يتوهم فى مفهومها انقطاع الرسالة كالآية الواردة فى سفر الخروج اصحاح:31آية:16 "فيحفظ بنو اسرائيل السبت ليصنعوا السبت فى أجيالهم عهداً أبدياً وهو بينى وبين بنى اسرائيل علامة إلى الأبد" فتمسكوا بهذه الآية ولم يؤمنوا بعيسى ولا بمحمد عليهما الصلاة والسلام وفسروا ذلك على أن حرمة الاشتغال فى يوم السبت ابدية فإذاً شريعة موسى أبدية، والحال أنهم قد أخطأوا فى فهم الآية أو فى تفسيرها حيث أن الله سبحانه وتعالى يقول"ليصنعوا السبت فى أجيالهم" فخصص صنع السبت فى أجيالهم خاصة يعنى فى السنين التى هى لهم والاجيال التى هى مدة دينهم وهى بين موسى وعيسى عليهما السلام.

فالابد ههنا يراد به بعض ما يتناوله الابد أى مدة طويلة من الزمن فلا شئ فى الآية الواردة فى انجيل متى اصحاح 24 آية 35 "السماء والأرض تزولان ولكن كلامى لا يزول" تمسكت بها النصارى وفسروها على أن شريعة عيسى لا تزول فلم يستجيبوا لمحمد(ص) وليس فى الآية ما يدل على ذلك لأن للانجيل هو كلام الله والله سبحانه وتعالى يقول " ولكن كلامى لايزول"فكلام الله لا يزول ولم يزل.

والآية تدل على استمرار ارسال الله رسله بعكس ما يدّعون لأن كرم الله انما يبلغه للناس رسله وتنزل عليهم كتبه فإذا كان كلام الله لا يزول كما هو الحق والواقع فالرسل مستمرة بلا انقطاع والشرائع متتابعة وليس فى الآية ما يدل على انقطاع الارسال.

وكذلك تمسك المسلمون بآية خاتم النبيين وجعلوا معنى الختم الانقطاع المؤبد للنبوة بعد محمد(ص) وليس المراد من الختم ذلك المعنى بل كما أن محمداً (ص) خاتم النبيين كذلك هو أول النبيين وقد وردت عدة أحاديث تعبر عن أوليته منها قوله(ص)"كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد" عندما سأله ميسره الضبيّ بقوله يا رسول الله متى كنت نبياً(روى هذا الحديث أحمد فى مسنده والبخارى فى تاريخه وابو نعيم فى الحلية وصححه الحاكم) فنجد فى هذا الحديث أنه عليه الصلاة والسلام وصف نفسه بالنبوة قبل أن يتم خلق آدم والذات الموصوفة لابد أن تكون موجودة عند الوصف اذ لا يوصف الشئ قبل وجوده.

والشخصية البشرية لمحمد(ص) لم تكن موجودة بعد اذ أن آدم لم يخلق بعد فاذا كان المراد من الذات الموصوفة بالنبوة هى حقيقته التى عناها(ص) بقوله (يا جابر ان الله خلق قبل الاشياء نور نبيك من نوره) الحديث لما قال له جابر بن عبدالله(يا رسول الله بأبى أنت وأمى اخبرنى عن أول شئ خلقه الله قبل الأشياء) روى هذا الحديث عبد الرزاق بسنده وهو أحد من أخذ عنه الحديث أحمد واسحق وغيرهما.

وهذا النور هو الحقيقة النبوية وهى واحدة لا متعددة ونعنى بها الحقيقة المحمدية وهذه هى التى تجلت بآدم عليه السلام وبما بعده من الانبياء وهي حقيقة كل نبى ولما كانت هذه الحقيقة واحدة وهى المتجلية فى كل نبى كان حكمهم حكم ذات واحدة ونفس واحدة كما أن كل واحد منهم هو عين الثانى بالنسبة لهذه الحقيقة لا لشخصيتهم ويكون كل واحد منهم هو الأول والآخر وهو البدء والختم بالنسبة لتلك الحقيقة المتجلردة المتجلية فيهم أما بالنسبة لشخصياتهم فكل واحد غير الثانى ولكل واحد منهم هيكل خاص وشخصية معينة هذا لاشك فيه مثال ذلك لو انطبعت صورة شخص واحد فى مرايا كثيرة متعددة مختلفة فى الصغر والكبر والطول والقصر والتحديب والتقعير والاستواء فلا شك أن تلك الصورة الواحدة تتكثر بالمرايا وتختلف انطباعاتها بحسب اختلافاتها وهذا التكثر غير قادح فى وحدتها وهكذا الانبياء فمن حيث حقيقتهم هم شخص واحد وذات واحدة ومن حيث بشريتهم متعددون متكثرون وإلى هذا يشير القائل الكريم كما رواه العلامة القسطلانى فى المواهب اللدنية:-

بأبى من كان ملكاً وسيداً وآدم بين الماء والطين واقف

فذاك الرسول الابطحي محمد له فى العلا مجد تليد وطارف

اتى بزمان السعد فى آخر المدى وكان له فى كل عصر مواقف

فترى هذا الشاعر يشير إلى ظهور ذلك النور وتجليه فى كل نبى ظهر فى عصر من الاعصار بقوله (وكان له فى كل عصر مواقف).

ومعلوم أن محمداً(ص) لم يكن موجوداً فى كل عصر بهذا الهيكل وبهذا الشخص وانما كان ذلك النور هو الموجود فى كل عصر وله فيه مواقف.

وفى هذا ينحل الاشكال الوارد فى الانجيل من قول عيسى عليه السلام"اذهب واعود" وفى مكان آخر "اذهب ويعود غيرى" ففى قوله الأول يشير إلى الحقيقة النبوية وفى الثانى إلى شخص النبى الذى يأتى بعده وهو محمد (ص) فشخصية محمد غير شخصية عيسى ولكن النور الذى تجلى بمحمد(ص) نفس النور الذى تجلى بعيسى عليه السلام.

وعلى ذلك يتبين لنا كما مر أن الرسالة غير منقطعة كما أن النبوة غير منقطعة فرحمة الله لا تزال جارية على عباده.(من كتاب التبيان والبرهان).


Thursday, April 1, 2010

عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(5) تعيين زمن ظهور بهاءالله والمدة التى يعيشها بعد البعثة


عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم وأنتم له كافرون وعنه معرضون-(5)

تعيين زمن ظهور بهاءالله والمدة التى يعيشها بعد البعثة

أما ما يدل على زمن ظهور حضرة بهاءالله ومدة بقائه بعد البعثة- قال سبحانه وتعالى فى أول سورة النمل:

"طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين". فتلك تشير ما يدل عليه حرفا (طس) أى =69 لأن كما ذكرنا وتبع الأبجدية أن حرف الطاء=9 وحرف السين=60 وعلى ذلك طس=69. فالسين(60)ستون وتشير إلى نهاية الدورة المحمدية وظهور السيد على محمد الباب وهى سنة 1260ه كما تقدم،وهذا التاريخ هو بدء التاريخ البهائى.والطاء (9) تسع وهى مدة الدورة البابية حيث تبتديء من سنة 1260ه وتنتهى فى سنة 1269ه ومجموع حرفى (طس) الذى هو(69) تسع وستون يشير إلى سنة 1269ه وهى سنة ظهور حضرة بهاءالله وبدء دعوته.

أما كون مدلول (طس) المار الذكر هو آيات للقرآن الكريم وبراهين على أنه من عند الله ذلك لأن الخبر الذى تجيء به الكتب السماوية على أنه سيقع فى المستقبل فإذا وقع بالفعل كان وقوعه لا شك دليلاً على صدق ذلك الكتاب وصدق من جاء به. فظهور الباب فى سنة الستين وظهور بهاءالله فى سنة 69 هو دليل واضح على صدق القرآن العظيم وأنه من عند الله لا مرية فى ذلك لانطباق الخبر على الواقع تمام الانطباق وان المخبّر عنهما كذلك هما صادقان فى دعواهما.فهذا الدليل هو (هدى وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلوة الآية.......) فيهدى المؤمنين بسيدنا محمد(ص) إلى الايمان بهذين الرسولين الكريمين ويبشرهم بهما وبالسعادة التى جاءآ بها للبشر.

أما تعيين المدة التى يعيشها حضرة بهاءالله بعد بعثته أى بعد اعلانه للدعوة فقد جاء فى أول سورة الشعراء وأول سورة القصص وهو قوله تعالى:"(طسم ) تلك آيات الكتاب المبين" وطس المساوى إلى 69 كما تقدم شرحه آنفاً والميم =40 وهى تشير إلى السنين التى عاشها حضرة بهاءالله بعد بعثته ومجموع حروف (طسم) 109 أي سنة 1309ه وهى سنة لحوق حضرة بهاءالله بالرفيق الأعلى.

و(الكتاب المبين) هو القرآن كما فسره المفسرون ومدلول (طسم) هى اعجاز للقرآن لانطباقه على الواقع وبرهان على أنه من عند الله ثم أنه سبحانه وتعالى ذكر فى سورة الشعراء بعد قوله (طسم) تلك آيات الكتاب المبين طرفا من حال محمد(ص) فى بدء دعوته وهو قوله تعالى"لعلك باخع نفسك الا يكونوا مؤمنين ان نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت اعناقهم لها خاضعين وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث الا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون-الشعراء2-5).

وهذا الحال ينطبق تمام الانطباق على حال بهاءالله فى بدء دعوته من ابطاء الناس عليه بالاجابة وتكذيبهم اياه واعراضهم عنه مع بذله أقصى الجهد فى ادخالهم حظيرة الايمان وصرفه قصارى القدرة على ذلك وكان ذلك الابطاء من مقتضى الحكمة الإلهية والا فالله سبحانه وتعالى قادر على أن ينزل عليهم آية فتظل اعناقهم خاضعة لها ولكنه تعالى ابى الا أن يجرى الامور على سننها الطبيعية وستأتيهم انباء ما كانوا به يستهزئون لا محالة.

وذكر تعالى فى سورة القصص بعد قوله"طسم تلك آيات الكتاب المبين" طرفا من حال قوم موسى مع فرعون فقال"نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين".

وهذا أيضاً منطبق تمام الانطباق على حال قوم حضرة الباب وحضرة بهاءالله فى المدة المذكورة فى (طسم) أى فى مدة التسع والأربعين سنة مع السلطان ناصر الدين شاه ووزرائه وبقية السلاطين الايرانيين فقد كانوا يستضعفون المجموعات البابية والبهائية بعدها مع أن هؤلاء من جملة رعاياهم فيقتلون الرجال ويستحييون النساء خوفاً على ما فى أيديهم من الملك والسيطرة فأراهم الله ما كانوا يحذرونه من هؤلاء المستضعفين فجعلهم هم الوارثين ومكنّ لهم فى الأرض وسيكونون أئمة وقادة.

ما جاء فى الملل والنحل للشهرستانى عن أخبار زردشت فى (الزنداوستا) عن الباب وبهاءالله

وقد جاء فى كتاب الملل والنحل للعلامة الشهرستانى لابن حزم فى الصحيفة الخامسة والستين من الجزء الثانى منه عما أخبر به زردشت عن حضرة الباب وحضرة بهاءالله ما نصه: ومما أخبر به زرادشت فى(زنداوستا)قال:-

(سيظهر فى آخر الزمان رجل اسمه (اشزريكا) ومعناه الرجل العالم يزين العالم بالدين والعدل ثم يظهر فى زمانه (بتياره) فيوقع الآفة فى أمره وملكه عشرين سنة ثم يظهر بعد ذلك (اشزريكا) على أهل العالم ويحي العدل ويميت الجور ويرد السنن المغيّرة إلى أوضاعها الاولى وينقاد له الملوك ويتيسر له الامور وينصر الدين المحق ويحصل فى زمانه الامن والدعة وسكون الفتن وزوال المحن).

فاشزريكا هو السيد على محمد الباب أما (بتياره) الذى أوقع الآفة فى أمره وملكه فهو ناصر الدين شاه وأتباعه ومن لف لفهم من الفقهاء والامراء فهم قاوموا أمره مدة العشرين سنة التى هي بين دعوة الباب واعلان بهاءالله دعوته حتى كادوا يقضون على دينه وامته لولا عناية الله بارسال بهاءالله. وقد كانت دعوة الباب سنة 1260ه ودعوة بهاءالله فى الحديقة النجيبية التى هى الآن المستشفى الملكى فى سنة 1279ه عندما اجتمعت القافلة هناك لتسفيره واتباعه إلى الآستانه فالمدة بين الدعوتين عشرون سنة كما مرّ.

وأما اشزريكا الثانى فهو بهاءالله وما ذكره عنه من أنه يحيي العدل ويميت الجور ويرد السنن المغيرة إلى أوضاعها الاولى وينصر الدين المحق الخ.... فكل هذه تنطبق على بهاءالله وتنطبق على ما جاء فى الاحاديث المصطفوية التى ذكرناها سابقاً على أن المراد بها بهاءالله.اذاً التبشير بهذه كانت من زردشت عن الباب وبهاءالله.

أما ما ذكرناه سابقاً من أن بدء دعوة بهاءالله كانت سنة 1269ه فتلك كانت دعوته لخاصته فقط واستمرت إلى أن اجتمعت القافلة فى بستان الحديقة النجيبية فأعلن دعوته هناك لكافة الناس واتخذت تلك الأيام وهى اثنى عشر يوماً عيداً وسمى بعيد الرضوان نسبة إلى هذه الحديقة حديقة الرضوان-ويبدأ يوم 21ابريل وحتى يوم 2مايو من كل سنة.

الاستدلال على استمرار ارسال الله رسله لعباده:

ع-هل فى القرآن ما يدل على أن رسلاً تأتى بعد محمد(ص)؟

س- نعم فى القرآن من ذلك كثير كقوله تعالى:(يا بنى آدم أما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى فمن اتقى واصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)(الأعراف :34) نجد فى هذه الآية صراحة عن ارسال الرسل فى المستقبل لبنى آدم كما كان الارسال فى الماضى.

ع-أما تعنى هذه الآية سيدنا محمداً(ص) ويأمر الله الناس بها ان يمتثلوا امره ويطيعوه؟...

س- لا يمكن أن يكون المراد بذلك محمداً(ص) اذ لو كان محمداً لقال (اتى) كما جاء فى آيات آخرى قال تعالى(يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل،المائدة:21)وقال (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين-المائدة:17) ويعنى بالنور محمداً(ص) ولو كان المراد محمداً(ص) ايضاً لقال رسول ولم يقل رسل ودلالة الآية واضحه لأن (يأتين) فعل مضارع يدل على المجئ فى الحال والمجئ فى الاستقبال ولما كان الله يكلم الناس بنفس هذه الآية على لسان رسول ذلك الوقت الذى هو موجود بين ظهرانى الناس كان لا محالة المراد منها الرسل الآتين فى المستقبل بعد محمد(ص) والفعل المضارع ههنا يدل على الدوام والاستمرار بدلالة اتيان الفاعل بلفظ الجمع وقوله تعالى:(فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)-أى من اتقى التكذيب وآمن برسول زمانه واصلح عمله فلا خوف عليهم ولا يحزنون وهذه الآية جاءت مباشرة بعد قوله (لكل أمة أجل)(الاعراف:33) ولا شك أن أمة محمد(ص) امة من الأمم لها أجل معين ومدة مقررة فإذا انتهت جاء رسول جديد ودين جديد كما تقدم آنفاً فيجب الايمان به والانقياد إليه وكما أنها دلّت على أن لأمة محمد(ص) أجل معين وعند انتهاء تلك المدة يأتى رسول جديد يجب على الأمة الايمان به والاستجابة له كذلك هى دلالة عامة شاملة لكل أمة تأتى بعد أمة الفرقان من أن لها أجل معين ورسول يأتى بعد انتهاء تلك المدة ويجب الايمان به والانقياد له والآية فى هذا صريحة وواضحه يا ع.

ع-هل هذه الآية فقط تدل على استمرار الرسل،أم هناك آيات آخرى ؟وهل هناك أحاديث فى ذلك وأخبار من العلماء؟

س- مثل الآية المارة الدالة على استمرار ارسال الرسل كثيرة ومنها قوله تعالى:-

"قل اهبطوا منها جميعاً فاما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون"(البقرة:37)

ومعنى الهدى رسول وكتاب كما قال المفسرون فان "يأتينكم" ههنا مثل يأتينكم فى الآية المارة دالة على الدوام والاستمرار وحذراً من التطويل نكتفى بما أوردناه من آيات القرآن الكريم ونورد لك من الأحاديث النبوية حديثاً واحداً يدلك على استمرار ارسال الرسل فى المستقبل أيضاً وأنهم يكوّنون امماً.

روى العلامة سهل بن عبدالله التوسترى فى تفسيره عن عكرمة عن ابن عباس(رض) أنه قال سألت رسول الله(ص) فى مَ النجاة غداً فقال:- (عليكم بكتاب الله عز وجل فان فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم من دينكم الذي تعبّدكم به الله عز وجلّ). إلى آخر الحديث. فترى أن رسول الله(ص) أخبر أمته بأن فى القرآن نبأ من قبلهم من الأمم وخبر من بعدهم من الأمم وحكم ما بين امته وهو يخاطب هذه الأمة المحمدية.فإذاً يريد بالأمم الآتية والماضية امم الرسل وهى امم الاجابة فالامم الآتية هى التى تتكون بارسال رسلها لها فخبر تلك الأمم بالقرآن كما كان خبر الأمة المحمدية فى الانجيل والتوراة وخبر الأمة العيسوية فى التوراة وغيرها من الكتب المقدسة القديمة فاذا يأتى بعد انتهاء أجل هذه الأمة المحمدية رسل تتعاقب وتكوّن امماً.

وجاء فى سنن الترمذى بهذا الحديث خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم بدلاً من قبلكم ومن بعدكم فيكون المعنى خبر ما جرى لامم الرسل فى الماضى وما يجرى لامم الرسل الآخرى فى المستقبل فتعلم أن الرسل تتابع بدون انقطاع ولكل أمة أجل معين ينتهي إليه مدتها.

ونلتقى معاً فى مقالنا المقبل لكى نستكمل هذا الموضوع فكونوا معنا.............


Powered By Blogger