Monday, September 15, 2008

قادة عمي يقودون عميانا

قادة عمي يقودون عميانا

متّى 14:15:" اتركوهم. هم عميان قادة عميان. وان كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة".

ان الله قد اخبرنا بواسطة اشعيا بأحوال رؤساء الأديان الذين يسمون" بالحراس المراقبين" . فهم وان كانوا يترقبون مجئ المسيح لكنهم لا يفهمون معنى النبوات فهماً حقاً ولا يجاهدون في البحث لفهم ذلك.

اشعيا 10:56:" مراقبوه عمي كلهم، لا يعرفون. كلهم كلاب بُكم لا تقدر ان تنبح . حالمون مضطجعون محبو النوم

11: والكلاب شرهة لا تعرف الشبع وهم رعاة لا يعرفون الفهم . التفتوا جميعاً الى طرقهم كل واحد الى الربح عن أقصى".

وتدل نبوة اشعيا هذه علي انها تشير إلى وقت المنتهى وقد وبّخ يسوع الرؤساء الدينيين في زمانه بالعبارات التالية:-

متى 4:23:"فانهم يحزمون احمالاً ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها علي اكتاف الناس وهم لا يريدون ان يحركوها بإصبعهم.

5: وكل أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس فيعرضون عصائبهم ويعظمون أهداب ثيابهم.

13: لكن ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس. فلا تدخلون انتم ولا تدعون الداخلين يدخلون.

15: ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحداً ومتى حصل تصنعونه ابناً لجهنم اكثر منكم مضاعفاً".

لوقا 45:19:" ولما دخل الهيكل ابتدأ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون فيه

46: قائلا لهم مكتوب ان بيتي بيت الصلاة وانتم جعلتموه مغارة لصوص.

47: وكان يعلّم كل يوم في الهيكل وكان رؤساء الكهنة والكتبة مع وجوه الشعب يطلبون ان يهلكوه".

متى 23:23:" ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع والشبث والكمون وتركتم اثقل الناموس الحق والرحمة والايمان كان ينبغي ان تعملوا هذه ولا تتركوا تلك .

24: ايها القادة العميان الذين يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل

25: ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تنقون خارج الكأس والصفحة وهما من داخل مملؤآن اختطافا ودعارة.

26: ايها الفريسي الأعمى نق اولا داخل الكأس والصفحة لكي يكون خارجهما أيضاً نقيا

27: ويل لكم الكتبة والفريسيون المرآؤون لأنكم تشبهون قبورا مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام اموات وكل نجاسة .

28: هكذا انتم ايضا من خارج تظهرون للناس ابرارا ولكنكم من داخل مشحونون رياء وإثما".

ولرجال الكهنوت في كل عصر ميل الي عدم الاكتراث بل السماح للدين ان ينحط ويتدنى ويتحول الي طقوس مفصلة لكن النبوات تنطق بوضوح انه سيأتي وقت يبدل الله هذه الأمور ويقيم راعيا يرعى الأغنام ويهديها ويطعمها ويرشدها بالعدل ويقوم الجميع من قبور المادية والتجاوز عن الحق الي نسمات روحانية من ادراك القانون الالهي والعيش بوئام وصفاء بخبز الحياة الحقيقي. وأي شئ اصرح من العبارة التالية:

حزقيال 2:34:" يا ابن آدم تنبأ علي رعاة اسرائيل تنبأ وقل لهم. هكذا قال السيد الرب للرعاة. ويل لرعاة اسرائيل الذين كانوا يرعون انفسهم الا يرعى الرعاة الغنم".

10:" هكذا قال السيد الرب هانذا علي الرعاة واطلب غنمي من يدهم واكفهم عن رعي الغنم ولا يرعى الرعاة انفسهم بعد فأخلّص غنمي من افواههم فلا تكون لهم مأكولا

11: لأنه هكذا قال السيد الرب هانذا اسأل عن غنمي وافتقدها".

16:" وأطلب الضال واسترد المطرود واجبر الكسير واعصب الجريح وابيد السمين والقوي وارعاها بعدل".

23:"وأقيم عليها راعياً واحداً فيرعاها عبدي داود هو يرعاها وهو يكون لها راعيا.

24: وأنا الرب أكون لهم آلها وعبدي داود رئيسا في وسطهم. أنا الرب تكلمت".

28:" فلا يكونون بعد غنيمة للأمم ولا يأكلهم وحش الأرض بل يسكنون آمنين ولا مخيف".

ملاحظة: عاش حزقيال حوالي سنة600 ق.م. وعاش داود حوالي سنة1000 ق.م. فالواضح اذا ان حزقيال لا يشير الي داود ابن يسي والد سليمان النبي ولا يشير لي المسيح ولو ان داود هو جد يوسف زوج مريم ام عيسى ومع هذا المسيح كان ابن الله بينما يسمى حضرة بهاء الله دائما بالآب ويسمى عبد البهاء برجعة الابن في مجد أبيه وينادي عبد البهاء في ألواحه بأنه ليس الا عبدا لبهاء الله وقد عينه بهاء الله بعده راعيا للبهائيين ورئيسا لهم وقد فصل عبد البهاء في ألواحه ووصاياه أسس النظم الاداري الذي وضعه الآب. كما ان قول حزقيال "لا يكونون بعد غنيمة للأمم" و"لا مخيف لهم" لا يشير الي مجئ حضرة المسيح الذي بظهوره بدأ تشتت اليهود بل يشير إلي وقت المنتهى.

وينذرنا حضرة بهاء الله بكلماته التالية مرة أخرى ويحذرنا من الرعاة الغافلين المرائيين بقوله الأحلى:

"أيها الجهلاء المعروفون بالعلم!

لماذا تدعون في الظاهر بأنكم الرعاة ثم غدوتم في الباطن ذئاب أغنامي، إنما مثلكم كمثل نجم ما قبل الصبح، فهو درى منير في الظاهر، إلا أنه في الباطن سبب إضلال قوافل مدينتي ودياري وهلاكها . (مترجم عن الكلمات المكنونة الفارسية)

"قل يا معشر العلماء لا تزنوا كتاب الله بما عندكم من القواعد والعلوم انه لقسطاس الأعظم وانه بنفسه لو أنتم تعلمون ... يا معشر العلماء هل يقدر أحد منكم ان يستن معي في ميدان المكاشفة والعرفان أو يجول في مضمار الحكمة والتبيان لا وربي الرحمن كل من عليها فان وهذا وجه ربكم العزيز المحبوب...... يا قوم انا قدرنا العلوم لعرفان المعلوم وانتم احتجبتم بها عن مشرقها الذي به ظهر كل امر مكنون. لو عرفتم الأفق الذي منه اشرقت شمس الكلام لنبذتم الأنام وما عندهم واقبلتم الي المقام المحمود ..... انا ما دخلنا المدارس وما طالعنا المباحث اسمعوا ما يدعوكم به هذا الأمي إلي الله الأبدي انه خير لكم عما كنز في الأرض لو أنتم تفقهون" (من كتاب الأقدس)

ويتفضل حضرته في كتاب الايقان :" ان علماء العصر في كل الأزمان كانوا سببا لصد العباد ومنعهم عن شاطئ بحر الأحدية لأن زمام هؤلاء العباد كان في قبضة قدرتهم فكان بعضهم يمنع الناس حباً للرياسة والبعض الآخر يمنعهم لعدم العلم والمعرفة. كما انه باذن علماء العصر وفتاويهم قد شرب جميع الأنبياء سلسبيل الشهادة وقد طاروا إلي أعلى أفق العزة. فكم ورد علي سلاطين الوجود وجواهر المقصود من ظلم رؤساء العهد وعلماء الذين الذين قنعوا بهذه الأيام المحدودة الفانية ومنعوا أنفسهم عن الملك الذي لا يفنى كما حرموا عيونهم من مشاهدة أنوار جمال المحبوب ومنعوا آذانهم عن استماع بدائع نغمات ورقاء المقصود ولهذا ذكرت احوال علماء كل عصر في جميع الكتب السماوية" (الايقان ص11)

وماذا سيحدث في ذلك اليوم الذي فيه سيمجد الرب وحده؟ "هكذا قال السيد الرب هانذا أسئل عن غنمي واتفقدها": ان هذه العبارة تعني انه لابد لازالة العقبات التي تقف في سبيل السلم العالمي ان تمحى كل سلطة غير سلطة الله وكل تسلط وفوضى وسوف لا يبقي فريسيون "يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل" بل ستطهر القوة الالهية المكان المقدس وعما قريب ستتحقق كلمات ارميا.

ارميا 35:25:" ويبيد المناص عن الرعاة والنجاة عن رؤساء الغنم.

36: صوت صراخ الرعاة وولولة رؤساء الغنم لأن الرب قد أهلك مرعاهم".

والراعي الذي كان حتى الآن يقود عباد الله ويحب من صميمه الخير الوفير والسعادة للعالم سيبتهج ويجتمع معهم في مجامعهم ليتعاون مع الخطة الإلهية في سبيل عصر جديد من السلم يدوم الف سنة وعرفان هذه النفس المقدسة وتأسيس ملكوته على الأرض هو الطريق الوحيد الذي به يميز بين المرائين والأخيار وبهذه الطريقة توجه ويتوجه الكثيرون الي الله ويحافظون علي الشروط التي وصفها لهم الطبيب الالهي والتي هي ضرورية لتأسيس ملكوت الله علي الأرض كما سبقت به النبوات. فيجب ان يبتهج رجال الكنيسة لأن دورة ألف سنة من السلم ستكون أعلى من أى شيء عرفه العالم ماديا وروحانياً.وقد أنبأنا فوق هذا بأن بعض الرعاة سيتعاونون للتغلب على قوة الله وقهرها ولكن من ذا الذي سيكون أعمى حتى يتبع العمى وينال الخسران الأليم؟ ويصف أشعيا هذه الأمور بالكلمات التالية:

اشعيا 4:31:" لأنه هكذا قال لي الرب كما يهرّ فوق فريسته الأسد والشبل الذي يدعى عليه جماعة من الرعاة وهو لا يرتاع من صوتهم ولا يتذلل لجمهورهم هكذا ينزل رب الجنود للمحاربة.

5: كطيور مرفة هكذا يحامي رب الجنود عن اورشليم يحامي فينقذ يعفو فينجّي.

6: ارجعوا الي الذي ارتد بنو اسرائيل عنه متعمقين ".

ولتفسير الآية السادسة التي اقتبسناها هنا نقول ان حضرة بهاء الله كما هو معلوم قد أوضح حقيقة المسيح ايضاحاً تاماً وقبل أن يصبح اليهودي بهائياً ينبغي عليه ان يعترف بأن المسيح مظهر إلهي لأنه مالم يتم هذا فمن المستحيل عليه ان يعترف بأن حضرة بهاء الله مظهرإلهي كذلك لأن كليهما واحد في الروح ولو ان جسديهما كانا مختلفين ولقد"ارتد بنو اسرائيل عنه متعمقين" لكنهم برجوعهم اليه سينالون فضل الآب مرة أخرى ولا خوف على الذين قد صفت قلوبهم وتوجهوا بوجوههم إلى الله وقد كتب حضرة ولي أمر الله ما يلي:-

" ان الظهور الذي كان حضرة بهاء الله منبعه ومركزه لا ينسخ أي دين من الأديان التي سبقته ولا يحاول اقل محاولة ان يقلل من شأنها أو يشوهها بل يعارض كل أمر يرمى الي تصغير شأن أي نبي من الأنبياء السابقين أو بتر حقيقة تعاليمهم الخالدة ولا يتعارض في أي حال مع الروح التي تحيا بها مدعياتها ولا يحاول تقويض أسس تعلق أي انسان بقضيتها بل يعلن ان هدفه الأول هو ان يمكن كل فرد من معتنقي هذه الأديان من الوصول إلى فهم اكمل للدين الذي يتسمى به ومن الحصول علي ادراك اوضح لمقاصده فلا هو متعصب في عرض حقائقه ولا هو متعند في تأكيد مدعياته.وتدور تعاليمه حول المبدأ الأساسي القائل بأن الحقيقة الدينية ليست مطلقة بل نسبية وان الظهور الالهي متطور من سلم الارتقاء ولا نهاية لتطوره وهو يدعى بكل صراحة وبدون أدنى تحفظ او احتياط ان كل الأديان المؤسسة في العالم الهية في أصلها متطابقة في أهدافها متكاملة في عملها متتامة في مقصودها ضرورية لابد منها في نفعها للبشر..... وان الخصام علي ان الدين الفلاني آخر الأديان وان الظهورات الالهية قد انتهت وان أبواب الرحمة الالهية قد اغلقت فلا تطلع شمس مرة أخرى من عالم القدس وان محيط الفضل قد سكنت أمواجه وانقطع ظهور رسل الله من خيمة المجد القديم ليس في الحقيقة الا كفرا وضلالا" (مترجم عن كتاب نظام حضرة بهاء الله العالمي ص 57-58).

"ومن يستطيع وهو يرى خيبة البشرية وبؤسها في هذا اليوم ان يشك في ضرورة ظهور جديد لقوة محبة الله المنقذة وهدايته المنبهة؟..... ومن الأعمى الذي يشك في ان الساعة قد دنت لمجئ ظهور جديد وتأسيس مقصد إلهي ولإنعاش القوى الروحانية التي أحيت في فترات معينة مقدرات الهيئة الاجتماعية البشرية ؟ والا تتطلب القوى الموحدة للعالم الدائبة علي عملها في هذا العصر ان لا يكتفي حامل رسالة الله في هذا اليوم بالتأكيد علي نفس تلك المثل العليا لسلوك الفرد التي اقرها الأنبياء السابقون فحسب بل يجب ان يحتوي نداؤه لجميع الحكومات والأمم علي أسس ذلك القانون الاجتماعي وذلك الاقتصاد الالهي الذي يجب ان يقود جهود الأمم المتناسقة الى تأسيس اتحاد شامل يرمز الي مجيء ملكوت الله علي الأرض؟..... وهذا الدين هو وحده من بين جميع الظهورات التي سبقته قد نجح في اقامة صرح يجب ان يقترب منه اتباع المذاهب المتمزقة المفلسة المنذهلون ويفحصوه فحصاً دقيقاً ويستظلوا في حمى سلامة ملجأه العالمي المنيع قبل فوات الأوان ... والي أي شيء تشير كلمات حضرة بهاء الله ان لم تشر إلى القوة والجلال اللذين قدر للنظام الاداري الذي هو نواة الحكومة العالمية المحيطة المقبلة ان يظهرهما فيتفضل "قد اضطرب النظم من هذا النظم الأعظم واختلف الترتيب بهذا البديع الذي لم تر عين الابداع شبهه" (مترجم عن كتاب نظام حضرة بهاء الله العالمي ص146).

Friday, September 5, 2008

تطور الوحي الإلهي

تطور الوحي الإلهي

مرقس 26:4 : " وقال: هكذا ملكوت الله كأن انسانا يلقي البذار علي الأرض
27 : وينام ويقول ليلا ونهارا والبذار يطلع وينمو وهو لا يعلم كيف.
28: لأن الأرض من ذاتها تاتي بثمر. اولا نباتا ثم سنبلا ثم قمحا ملآن في السنبل.
29: وأما متى أدرك الثمر فللوقت يرسل المنجل لأن الحصاد قد حضر."

لقد تطورت المدنية الآن وبلغت عهد الحصاد ولهذا فهي تحتاج إلي وحي إلهي أرقي من أي وحي سابق. وفكرة تطور الوحي الإلهي في سلم الارتقاء مشروحة كذلك في التعاليم البهائية فقد ورد فيها: " ان دين الله دين واحد وجميع الأنبياء جاء لتعليمه فهو امر حي نام وليس بأمر ميت غير متطور. ففي تعاليم موسى يمكننا أن نرى أكمام الزهرة وفي تعاليم المسيح نرى الزهرة مفتحة وفي تعاليم بهاء الله نرى الثمرة من الزهرة ولا تناقض بين الزهور وبين اكمامها ولا بين الزهرة وبين الثمرة بل انما يتمم كل منهما الآخر ولابد من سقوط الأكمام حتى تتفتح الزهرة ولابد من سقوط أوراق الزهرة حتى تنمو وتنضج الثمرة. فهل كانت الأكمام والأوراق بدون فائدة أو جدوى حتى نصغر من شأنها ؟ كلا بل انها كانت في وقتها ضرورية وبدونها لا يمكن ان تحصل الثمرة وهكذا الحال في التعاليم الإلهية المختلفة تتغير ظواهرها من عصر إلى آخر ولكن كل دين متمم لسابقه ولا يخالفه بل يكمله وهذه الظواهر أطوار مختلفة لدين واحد كان في وقت من الأوقات كالبذرة ثم كالكم ثم كالزهرة والآن دخل في دور الثمرة (من كتاب بهاء الله والعصر الجديد للدكتور اسلمنت ص127 الترجمة العربية).

وهناك حجر عثرة عظيم يقف في سبيل الوحدة الدينية هو الاختلاف المشهود بين الوحي الذي جاء به غيره إلا أن الأفكار السابقة الناقصة اخذت بفضل الله تزول وتحل محلها افكار لائقة مقبولة وقد سبق للمسيحيين الأوائل ان اعلموا الناس تطور الوحي وتدرجه فقد جاء في:
اكورنثوس2:3: " سقيتكم لبناً لا طعاما لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون بل الآن ايضاً لا تستطيعون ."
عبرانيين13:5: " لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البر لأنه طفل ."
وقد عرف حضرة المسيح أن البشرية لم تصل بهد درجة البلوغ حين تفضل :
يوحنا12:16: " أن لي امورا كثيرة ايضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون ان تحتملوا الآن ."
فيجب ان ياتي بعد المسيح ظهور إلهي آخر قبل زمن الحصاد.
يوحنا16:14: " وانا اطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم الي الأبد ."
تيطس31:2: " منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح ."
ويتفضل حضرة بهاء الله : " أيها الناس قد نزلت الكلمات وفقا للقابليات حتى يترقى الناشؤون . فالحليب ينبغي أن يعطى علي قدر الطفل حتى يدخل العالم في ملكوت العظمة ويستقر في فناء الوحدة " ( من كتاب بهاء الله والعصر الجديد ص 126)
" بالحليب يقوى الطفل وبه يستطيع ان يهضم فيما بعد الاطعمة الصلبة. واذا قلنا أن احد الأنبياء كان علي صواب حين نادى ببعض التعاليم في وقت مخصوص وان نبياً آخر علي ضلال حين قدم تعاليم غيرها في وقت آخر فان قولنا هذا يصبح كقولنا بأن الحليب احسن غذاء للطفل الحديث الولادة ويجب أن لا يعطى غير الحليب طعاما للرجل البالغ أيضاً وان اعطاء أي طعام آخر اليه يكون خطأ كبيراً ( بهاء الله والعصر الجديد ص126)
عبرانيين 12:5: " لأنكم إذ كان ينبغي أن تكونوا معلمين لسبب طول الزمان تحتاجون ان يعلمكم أحد ما هي اركان بداءة اقوال الله وصرتم محتاجين الى اللبن لا الى طعام قوي .
13: لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البر لأنه طفل .
14: وأما الطعام القوي فاللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة علي التمييز بين الخير والشر ".
1 بطرس2:2: " وكأطفال مولودين الآن اشتهوا اللبن العقلي العديم الغش لكي تنموا به".
وكما تتجدد الطبيعة في كل ربيع بفضل القوة الباعثة الموقظة كذلك يبعث الله في البشر حين وآخر روحاً إلهياً . فحضرة المسيح قد بعث تعاليم حضرة موسى واكملها وفقاً لما تنبأ به حضرة موسى. وحينما يجدد الله فيوضات قانونه الروحاني من عصر لعصر عن طريق مظاهره البشرية الذين يأتون الى الأرض لهذا الهدف المعروف تتبدل نسمات الأرض فتمكن بذلك جميع المخلوقات من ان يظهروا صفات الله بنحو اكمل وأتم وحينئذ توهب أوامر جديدة أعلى من التي سبقتها .
يوحنا 13: 34" وصية جديدة أنا اعطيكم ان تحبوا بعضكم بعضا. كما احببتكم أنا تحبون انتم ايضا بعضكم بعضا".
ولأجل تقديم هذا التعليم الجديد إلى البشرية لبعث الحياة في تعليم حضرة موسى كان من الضروري ان يظهر مظهر إلهي جديد اذ لا يكون الربيع اذا لم تظهر اوراق وازهار جديدة ولهذا ارسل الله الي البشرية معلما في هيئة ابنه ومع هذا فقد يتمسك البعض في هذا اليوم بأن القانون الذي جاء به حضرة موسى والتعاليم التي جاء بها حضرة المسيح يكفيان على مدى الدهور ولا يمكن ان يكون هناك شئ مهم يضاف اليهما.
وكما تنبأ حضرة موسى عن مجيء خلفه حضرة المسيح كذلك المسيح تنبأ شخص سيأتي بعده:
يوحنا 16:14: " وانا اطلب من الأب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم الي الأبد".
يوحنا 26:15: " ومتى جاء المعزي الذي سأرسله انا اليكم من الآب الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي".
يوحنا7:16: " لكني اقول لكم الحق إنه خير لكم ان انطلق لأنه ان لم انطلق لا يأتيكم المعزي ولكن ان ذهبت ارسله اليكم .
8: ومتى جاء يبكت العالم علي خطية وعلي بر وعلى دينونة".
12: " ان لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون ان تحتملوا الآن .
13: وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم الي جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية".
ومقصود حضرة المسيح من كلمة المعزي في الاصحاح السادس عشر هو مجئ شخص ملهم بالالهامات الربانية سيظهر بعد حضرة المسيح وليس مقصود حضرته بكلمة المعزي ما فسره الكثيرون بأنه روح القدس المجرد الذي حلَّ علي الحواريين بعد صعود حضرة المسيح وذلك "اولا لأن روح القدس كان ملازماً لحضرة المسيح في زمان وجوده علي الأرض في حين ان قوله " ان لم انطلق لا يأتيكم المعزي " دليل على ان المعزي ما كان موجودا في زمن حضرة المسيح وثانيا ان الحواريين اذا لم يستطيعوا ان يتحملوا ويستوعبوا اسرار الحقيقة من الاقنومين الأعظمين الأول والثاني فكيف يستطيعون ان يتحملوها من الأقنوم الثالث وحده بعد صعود حضرة المسيح وثالثا ان قوله بأن روح الحق ذاك يتكلم بما يسمع دليل على انه شخص ملهم بالالهامات الربانية وبمنبع الوحي الالهي بينما ليس لروح القدس اُذُن يسمع بها" (مترجم من مكاتيب حضرة عبد البهاء ج2 ص57)
والاصحاح السادس عشر هذا قد تضمن حوارا استعمل فيه ضمير"هو" احدى عشرة مرة ولم يذكر الضمير"أنا" . هذا وان الله منذ بداية التاريخ قد اعطى البشرية هدايته عن طريق كائن بشري يراه الناس: كائن يعلمهم بمثاله وشاكلته "لنعملن انسانا علي شاكلتنا ومثالنا". ومن هذا الكائن البشري تتعلم البشرية حب الله واحكامه فلا تتسكع في الظلام في سبل شتى بدون هاد أو دليل . ولو يريد الله ان تتعلم البشرية بواسطة روح قدس مجرد غير منظور لكان علمنا هذا منذ ا لبدء دون ان يرسل الرسل ولكان اعطانا تعاليم المسيح من عالم روحاني لا من هيكل انساني ولا من مثال بشري وبمثل هذه الكيفية سيكون مجيئه الثاني.
2 يوحنا:7: " لأنه قد دخل إلى العالم مضلون كثيرون لا يعترفون بيسوع المسيح آتياً في الجسد . هذا هو المضلّ والضّدّ للمسيح".
وقد كتب حضرة بهاء الله في هذا الموضوع ما يلي : " من الواضح المعلوم لدى أهل العالم انه لما احرقت نار المحبة العيسوية حجبات اليهود ونفذ حكم حضرته نوعا ما حسب الظاهر ذكر ذلك الجمال الغيبي في يوم من الأيام لبعض من اصحابه الروحانيين أمر الفراق واشعل فيهم نار الاشتياق قائلا لهم :" اني ذاهب ثم اعود " وقال في مقام آخر" اني ذاهب ويأتي غيري حتي يقول ما لم اقله ويتمم ما قلته " وهاتان العبارتان هما في الحقيقة شئ واحد لو انتم في مظاهر التوحيد بعين الله تشهدون" (مقتبس من كتاب الايقان ص16)
وتتضمن ألواح حضرة بهاء الله ايضاحات كافية حول موضوع تطور الوحي الالهي وترقيه منها قوله عز بيانه " فانظر بطرف البدء فيما نظرت إلي آدم الأولى ثم من بعده إلي أن يصل الأمر إلي علي قبل نبيل .قل تالله كلهم قد جاؤوا عن مشرق الأمر بكتاب وصحيفة ولوح عظيم واوتوا كل واحد منهم علي قدر لهم وهذا من فضلنا عليهم إن انتم من العارفين...
حتى اذا بلغ الأمر الي وجهه العزيز المقدس المتعالي المنير إذا احتجب نفسه في ألف حجاب لئلا يعرفه من أحد..."
( من كتاب منتخباتي از آثار حصرت بهاء الله ص55-56 (رقم 31).

Sunday, August 24, 2008

تحقق الوعد وظهر الموعود-1(دكتور نبيل حنا)

الموعود

تبشر الكتب المقدسة إلى مجىء اليوم ’الموعود‘كما تصفه ’بيوم الله‘،وتشيرالآيات الخاصة لهذا اليوم المجيد بأنه يوم تحقق ملكوت الله ومشيئته على الأرض كما هى في السماء: فيقهر الشر وينتصر العدل، ويأكل الذئب مع الحمل في مرعى واحد، وتوضع نهاية للحروب والأحزان والآلام، وتشرق الأرض بنور ربها. سوف تتحقق كل هذه الوعود تدريجيًا بعد مجىء الموعود الذي وعدت به الكتب السماوية. ففى الانجيل المقدس يوصف هذا اليوم بقوله: " ثم رأيتُ سماءً جديدةً وأرضًا جديدةً لأنَّ السماءَ الأولى والأرضَ الأولى مضتا والبحر لا يوجدُ في مابعد. وأنا يوحنَّا رأيتُ المدينةَ المقدَّسةَ أورشليم الجديدة نازلة من السماءِ من عند الله مُهَيَّأةً كعروسٍ مزيَّنةً لرجلها. وسمعت صوتًا عظيمًا من السماءِ قائلا هوذا مسكنُ الله مع الناسِ وهو سيسكنُ معهم وهم يكونونَ له شعبًا والله نفسه يكون معهم إِلَهًا لهم." [ رؤيا يوحنَّا اللاهوتي 21: 1-3].

يشرح حضرة بهاءالله معنى المدينةَ المقدَّسةَ أورشليم الجديدة النازلة من السماء من عند الله بقوله: وأما تلك المدينة فهي الكتب الإلهية في كل عهد. فمثلاً في عهد موسى كانت التوراة وفي زمن عيسى كان الانجيل. وفي عهد محمد رسول الله كان الفرقان. وفي هذا العصر البيان. وفي عهد من يبعثه الله كتابه الذي هو مرجع كل الكتب والمهيمن على جميعها. وفي هذه المدائن أرزاق مقدرة، ونعم باقية مقررة، تهب الغذاء الروحاني، وتطعم النعمة القدمية، وتمنح نعمة التوحيد لأهل التجريد. وتجود على من لا نصيب لهم بنصيب. وتبذل كأس العلم للهائمين في صحراء الجهل. وفي هذه المدائن مخزون ومكنون الهداية والعناية، والعلم والمعرفة، والإيمان والإيقان لكل من في السموات والارض. [بهاءالله، كتاب الإيقان ص 159].

تشير آيات هذا الفصل إلى أن الذي سيأتي مرة أخرى ليس هو بيسوع المسيح نفسه، ولكنه الموعودالمشار إليه،والذى سيأتي بإسم جديد. ففي الإنجيل المقدّس تشير الآيات إلى بعض أسماء أو ألقاب الموعود ومنها: بهاءالله أو مجدالله، روح الحق، روح القدس،رب الجنود،المُعزّي، ملك المجد، ابن الانسان الآتي فى مجد أبيه، يوم يهوه. وتشير بعض الألقاب بخصوص الموعود في القرآن الكريم إلى: المهدي، القائم، القيّوم، الدَّاعى والنبأ العظيم.

أعلن حضرة الباب- ( مظهر الله والمبشّر بمن يظهره الله)فى سنة 1844،أنه قد جاء اليوم الموعود الذي تنبّأت به جميع الكتب السماوية. وفي سنة 1863 أعلن حضرة بهاءالله أنه هو الموعود المنتظر،والذي بُشر به من قبل جميع الرسل والأنبياء ووصفوا يومه بيوم الله. وصف حضرة الباب” من يظهره الله بقوله: قل انّ من يظهره الله حجاب الله الاوّل إن انتم من وراء ذلك الحجاب غير الله لا تدركون، ومن دون ذلك الحجاب كلّ ما يظهر من عند الله تدركون والله غيب ممتنع متعالي محبوب ان تريدون الله فلتريدنّ من يظهره الله. [منتخبات آيات از آثار حضرت نقطهء اولی عزّ اسمه الأعلی، ص 63].

Monday, July 21, 2008

تأملات روحانية وسيفي سيفي


(8)
ونتابع آخر جزء من ناقة النبى صالح(ع)
ونجد في سورة الحاقة:
* [كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ](4 الحاقة).
هكذا هو حال جميع الأمم القديمة من أصحاب الكتاب، فكل أمة آمنت برسالة سماوية، صدّقت ما سبق وظهر منها قبل رسالتهم، وكفر غالبيتهم بما لحق بها، وما كل ذلك إلا بسبب عدم استعدادهم لمثل هذه الأنباء الإلهية العظيمة التي تقرعهم وتذهلهم وتفزعهم أشد الفزع، كما قال تعالى (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ . أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ)(67،68 ص)، وكذلك قوله الحق (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)(70 المؤمنون).
* [فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ](5 الحاقة).
وما سبب هلاك قوم ثمود إلا ظلمهم أنفسهم وطغيانهم وجهلهم بعقيدتهم وتعصبهم لمذاهبهم ولرجل دينهم (أشقاها) (الطاغية) وغفلتهم عن حقائق دينهم وبشاراته. ومن المؤكد أن مصير قوم عاد كان ذات مصير قوم ثمود ولنفس الأسباب، بعدما جمعتهما الآية الكريمة معاً.
وفي سورة الشمس:

* [كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا](11 الشمس).
ما كان سبب كفر قوم ثمود وصدهم عن رسولهم صالح(ع)، إلا ما طلا عقولهم وطغى عليها من مفاهيم عقيمة ومعتقدات بالية، وما اصطبغت به من صبغ الظنون السخيفة وألوان الأوهام الواهية.
* [إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا](12 الشمس).
خاصة بعد بروز أشهر وأشقى كبار رجال دينهم وتشجيعه لهم بالصد والنأي عن دعوة النبي صالح(ع) وتكذيب رسالته. فمن يفعل ذلك ويعاند أمر الله وسلطته، فهو من أشقى الناس عند رب العباد.
* [فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا](13 الشمس).
لكن النبي صالح(ع) كان يوضح لقومه حقيقة شريعته وينصحهم بالايمان بها وعدم تكذيبها، فهي ناقة دين الله وسفينة شريعته الجديدة على الأرض، ويشجعهم على ركوبها والاهتداء بهديها، وبقي ينصحهم ويطلب منهم تركها وشأنها ترعى في قلوب الناس لتسقيهم لبن آياتها وزلال ماء أحكامها، لمن شاء الشرب والارتواء منها والتمسك بها.
* [فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا](14 الشمس).
لكن قوم ثمود قاموا على النبي صالح(ع) ولم يصدقوه وألبوا الجموع وحشدوهم ضد دعوته، وبذلك صارت أستار عقولهم سميكة وحجب قلوبهم غليظة، وتفاسيرهم دخاناً كثيفاً، وأقوالهم غيوماً ملبدة، وايمانهم وعلومهم عقبات كأداء أمام عيونهم وأبصارهم حجبت شعاع شمس الحقيقة عنها ومنعتهم من رؤية جواهر أسرار آياته الثمينة، وكان هذا الاعراض والصد والعناد هو السبب الرئيس في استقطاب غضب الله وعذابه عليهم.
* [وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا](15 الشمس).
فذلك الشقي (أَشْقَاهَا)، أخطأ مثل من سبقه وتبعه من رجال الدين القشريين الذين يفضلون زينة الدنيا ومكتسباتهم الدنيوية والمادية على التحول الى الأيمان الحق خوفاً على مصالحهم الشخصية، وارتكب ذات الخطأ الأزلي عندما راح يحرض الناس والعباد ضد دعوة النبي صالح(ع)، لأنه ظنَّ كل الظن أنه متأكداً كل التأكد من صدق دين قومه، وأنه على دين الحق ومؤمن بالله ورسوله، وأن شريعته أزلية وحق من عند رب العالمين، وأن ليس هناك بعد دينه ديناً جديداً أو شريعة تالية، وأن كل من يقول أو يدعي مثل هذا الدعوى الخطيرة، لا يستحق في الدنيا إلا الخزي والعار، وفي الآخرة عذاب في أسفل نيران الجحيم. (انتهى).

Friday, July 11, 2008

تأملات روحانية مع سيفى سيفى

تأملات روحانية مع سيفى سيفى

ونتابع مع ناقة النبى صالح(ع)
(7)
وفي سورة فصّلت:

* [وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ](17 فصلت).
من الواضح أن الآية لا تعني أن قوم ثمود كانوا فاقدي حاسة البصر، وكان الله يردّها ويعيدها اليهم، فيرفضونها ويفضلون العمى عليها. فليس من المعقول ان يكون شعباً بتمامه عمي العيون وعلى هذه الدرجة من الغباء والجهل. لكن المقصود أنهم اصبحوا في نهاية حياة شريعتهم عمي البصيرة مبتلين بظلام القلوب والأفئدة مفضلين الكفر والضلالة والتمسك بما بين أيديهم من عقيدة قديمة توارثوها عن آبائهم وأجدادهم، على الايمان بالشرع الصحيح ومخافة الله وطاعته، فما كان جزاء عنادهم وتعصبهم وجهلهم وكفرهم، إلا غضب من الله وعذاب شديد وخزي وهوان وذلة بين بقية الأقوام.
أما في سورة القمر:

* [كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ](23 القمر).
من معاني (النذر) هم رسل الله، كما قال تعالى في خاطبه لسيدنا محمد(ص) (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ)(89 الحجر).
فقوم ثمود لم يصدقوا مثل من سبقهم ومن تلاهم، ما جاءهم في كتابهم السماوي من إنذارات وتحذيرات من الشرك بالله
والكفر برسوله صالح(ع)، فلقد ظنوا أن لا رسول بعد رسولهم ولا كتاب
.
* [فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ](24 القمر).
واستنكروا أن يظهر بينهم رجل واحد يدعوهم لعبادة الله الأحد ويوحدهم على صراط إلهي فريد، لأنهم كانوا قانعين بتعدد مذاهبهم وكثرة رموز رجال دينهم ومنشغلين بتتبع ما بين أيديهم من تفاسير عقيمة، لأنهم يظنون أنهم على دين الحق الأزلي وأنه لن ينسخ أبدا، حتى وإن ظهر بينهم كل هذا الاختلاف والتعدد في المذاهب والشيع. وكانوا يظنون خطأً، أنهم إذا تركوا ما يعتقدون ويؤمنون به وتحولوا عن دينهم السماوي وابتعدوا عن رجال دينهم الذين فتحوا عيونهم على وجودهم وتربوا على احترامهم وتقديرهم وتبجيلهم، وآمنوا بدعوة صالح(ع)، فسيكونون من الكافرين بالله وسيضلون عن سواء السبيل ويكون مستقرهم جهنم وبئس المصير.
* [أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ](25 القمر).
وتعجبوا وراحوا يتساءلون: هل من المعقول أن يختار سبحانه وتعالى رجلاً منهم ليس بذي شأن، ويترك كل هؤلاء
العلماء والفضلاء الممسكين بزمام أمور دينهم؟ فهذا ما لم يسمعوا به من قبل ولم يذكر في بشارات وآيات كتابهم. لذا ظنوا أن النبي صالح(ع) ما هو إلا كذّاب كبير أو ساحر محتال، كما حدث فيما بعد مع سيدنا محمد(ص)، عندما لم يصدّق اليهود والنصارى ما نزل عليه من سماء فضل رب العالمين، بعدما كانوا يظنون أن موعودهم ورسولهم القادم لابد وأن يظهر من بينهم، وليس من أمة أخرى معروفة بالجهل والتخلف، قال تعالى
(وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)(31 الزخرف).
* [سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنْ الْكَذَّابُ الأَشِرُ](26 القمر).
من الوارد ان يكون لكلمة (غَدًا) معاني عديدة، منها: ان النبي صالح(ع) يشير الى أن حقيقة أمره وصدق دعوته ستتضح في مستقبل الأيام، أو عند ظهور رسول لاحق آخر يصدق دعوته، لأن من مهام كل رسول كريم تصديق من سبقه والتبشير بمن سيليه، كما قال تعالى على لسان سيدنا عيسى(ع) (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)(6 الصف
).
ومن معاني كلمة (غَدًا) أيضا، هو يوم الدين التالي الذي سيظهر بعد دين صالح(ع)، لأننا علمنا أن عمر ومدة كل دين أو شريعة، يحتسب عند الله بيوم كامل، فمثلما يكون لليوم الزماني تغير وحالات، كذلك هو يوم الدين، فيه وقت شروق الرسالة وبداية استضاءة العباد بها، ووقت ضحى شمسها وبداية حرارة الأيمان والعقول والأرواح، ثم تحول وانتقال الى مستوى السمت فوق الرأس، وهذا دليل الوصول الى أرقى شؤونها الروحانية وقمة رأس حضارتها الاجتماعية. ثم يأتي دور الهبوط وعصر تدني حرارة أيمانها، فتبدأ بالانخفاض في قلوب أتباعها، وتنتشر الظنون الواهية والأفكار البالية بين معتنقيها، وتستمر في الهبوط حتى تنتهي الى الغروب والزوال. عندها تظلم سماء أحكامها ولا تعد تعطي ضوء هديها إلا لمن يختاره الله برحمته الواسعة، فإذا خليت خربت. في تلك الفترة، لا يعد يعرف أتباعها بمن يستظلون ويقتدون. وبما أنهم لا يجدون في زمن ليل شريعتهم إلا نجوم رجال دينهم، ينجذبون اليهم ويتعلقون بأذيالهم ويهتدون بهديهم. وبعد انقضاء فترة الظلام مهما طالت وامتدت، يظهر في السماء نجم بشارة هدي جديد يبشر بقرب بزوغ شمس الهدى مرة أخرى، ويظهر على الأرض نجم رجل مبارك يبشر الناس بقرب سطوع شمس الرسالة والرسول الجديد، فيعلنان معاً انتهاء يوم دين سابق وبزوغ فجر يوم دين لاحق. وهكذا استمرت أديان الله تتنزل على العباد طالما أن الله سبحانه وتعالى خالد أبدي سرمدي وخلقه موجود باق، حيث لا يمكن ان يكون هناك خالق بدون خلق، ولا مبدع بدون إبداع ولا معبود بدون عابد ولا مشكور بدون شاكر. فلابد من وجود الخلق حتى يعرف الخالق، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ)(56 الذاريات).
* [إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ](27 القمر).
من معاني كلمة (فِتْنَةً) هو الامتحان، وكذلك كل ما يفتن الناس ويمتحنهم ويزلزل أفكارهم ومعتقداتهم، فلا يعودوا يعرفون الحق من الباطل. وهذا ما كان يحدث بالضبط عند بزوغ شموس الشرائع السماوية السابقة أو عند ظهور أنوار رسل الله، لأن الناس كانوا ينقسمون آنذاك الى فريقين، فريق يضم الغالبية ينادي بضرورة التمسك بدين آباءهم وأجدادهم، لتأكدهم ووثوقهم من صدقية تعاليمهم وكتابهم القديم، وفريق يضم أقلية تصدق الديانة الجديدة وتثبت عليها وتفدي النفس والنفيس في سبيلها.
ومن معانيها أيضا: الرسول والرسالة والشريعة والدين، كما قال تعالى
(وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا)(20 الفرقان)، فالخطاب هنا موجه لسيدنا محمد(ص)، وسبحانه وتعالى يصفه وجميع الرسل الكرام بالفتنة، لأنهم يفتنون الناس بدينهم السابق ويمتحنون صدق أيمانهم بفتنة أديانهم التالية. وكذلك قوله الكريم (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ)(17 الدخان)، فسيدنا موسى(ع) كان فتنة لقوم فرعون الذين فتنهم الله بدعوته وامتحن حقيقة أيمانهم، فأرسل الكافرون الى جهنم عذابه بعدما أغرقهم بمياه آيات كتابه، واصطحب المؤمنون الى جنة دينه الجديد بعدما عبر بهم بحر الكفر ونقلهم الى أرض الأيمان. وما ظهور ناقة شريعة صالح(ع) إلا امتحان لقوم ثمود وفتنة لهم، ولمن عاش في زمانهم من أتباع الشرائع السابقة لهم، ليتبين المؤمن الحقيقي من مدعي الايمان الكاذب بينهم.
أما كيف يكون فرعون وقومه من أهل الكتاب وأصحاب شريعة سماوية؟ فالله سبحانه وتعالى لم يترك هذا الأمر المهم دون أن يعطف عليه ويذكره باشاراته اللطيفة الإعجازية. قال تعالى
(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ)(26 غافر)، فكلمة (دِينَكُمْ) فيها إشارة واضحة لاعتقاد قوم فرعون بدين سماوي. ولقد كان من قدرة القدير، ان يستعمل كلمة أخرى غيرها ليشير الى معتقدات فرعون وموروثات قومه، بدليل قوله تعالى (قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(28 الزمر). ففرعون كان يتبع ديناً سماويا من عند الله، بدليل أنه يحذر قومه من تبديل دينهم وعقيدتهم، فهو يخاف أن تكون دعوة سيدنا موسى(ع) باطلة، وبدلا من استمرار قومه على التمسك بدينهم السماوي وأحكام شريعتهم الإلهية، ينقلبون ـ حسب ظنه ـ الى اتباع دعوة رجل مدّعي كاذب لم يشتهر بينهم لا بالعلم ولا بالمعرفة ولا بالدين؛ بل يشتهر بقتل نفس. وبهذا ينتشر بينهم الفساد والكفر.
ومن الأدلة على صحة هذه الفكرة، ما تم اكتشافه مؤخرا من تفاصيل حياة الفراعنة ومعتقداتهم، وكيف كانوا يحنطون موتاهم ويدفنون حليّهم وأدواتهم معهم، ظنّاً منهم أنهم سيعودون لهذه الحياة أو أنهم سينتقلون الى حياة أخرى فيستفيدون من لوازمهم. ففكرة البعث والعود والخلود كانت منتشرة بينهم ولو بتلك الطريقة البسيطة، ومثل هذه المعتقدات الروحانية ليس لها مصدر أو منبع إلا أديان الله وشرائعه ورجاله المقدسين.
وهناك آية كريمة أخرى تبين أن فرعون وقومه كانوا من أصحاب الكتاب، وهي
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(11 التحريم).
فنفهم من معانيها أن امرأة فرعون كانت تعرف الله وتعلم أن هناك جنة له، وبهذا فهي تعلم أن هناك جهنم، وبهذا فهي تدرك أن هناك أيمان وكفر، وهذا يثبت ان فرعون وقومه كانوا يتبعون ديناً سماويا قديما من عند الله قبل ظهور النبي موسى(ع) بينهم، وإلا من أين جاء أيمانها بكل هذه الأمور المعنوية والدينية، وكيف ارتضت بفرعون زوجاً لها، إن كان لا يؤمن بالله؟ لكنها بعد أيمانها بدين موسى(ع)، أدركت الفرق بين معتقدها الجديد وبين معتقد فرعون زوجها. وبما أن ملوك وأباطرة الأمم الشرقية في قديم الزمان، كانوا يمثلون ويملكون السلطتين الدينية والدنيوية، يتضح من هذا أن فرعون كان رجل دين ودنيا معاً، وأنه مشى على خطى من سبقه من رجال أديان أمم أصحاب الشرائع القديمة الذين كان ديدنهم على الدوام معارضة رسلهم وصدهم. لذلك عارض فرعون، رسول الله موسى(ع)، إما بسبب الجهل رغم اشتهاره بالعلم، أو بسبب التعصب والغلو في محبة دينه. وهذا يعيدنا الى صحة النظرية القائلة بسرعة أيمان بسطاء القلوب والسريرة من الفقراء والمستضعفين قبل علمائهم ورجال دينهم الذين يعجزون عن عبور عوائق العلم وجدران المعرفة، والمصطبغة قلوبهم بصبغة العناد والتعصب.
فامرأة فرعون عرفت الفرق بين الدين الحق الجديد والدين الباطل القديم المنسوخ، وتقدمت للأيمان برسالة الله حال نزولها على سيدنا موسى(ع)، وتركت دين آبائها وأجدادها حال إشراق شمس الحق من أفق الرسالة الموسوية واعتنقتها، وقالت على الفور: ربي إني قد تركت جنة دينك القديم بعد نسخها، وها أنا أتقدم للأيمان بجنة دينك الجديد، فابنِ لي عندك في أرض جنة دينك الجديد بيت أيمان جديد، وأقبل مني زكاة أيماني وهجرتي إليك، وساعدني في فهم شريعة موسى، ونجني مما يتبعه فرعون زوجي وما يأمر به من كفر بدعوة رسولك، وأخرجني من ملة الكفر الذين ظلموا أنفسهم ويظلمون أتباعهم بالكفر والعناد والصد عن سبيلك المستقيم.
نعود للآية الكريمة مورد البحث، فالنبي صالح(ع) لابد وأنه أدى مهمته السماوية على أكمل وجه وبذل جهده وكل ما في وسعه لدعوة قومه الى الله والايمان برسالته، ولم يترك سبيلا إلا وطرقه، بدليل قوله تعالى حينما أشار الى النبي نوح(ع) وما عاناه في سبيل تبليغ دعوته الى قومه
(قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَاراً . وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا . ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا)(5-9 نوح).
لذلك نزل الأمر الإلهي على النبي صالح(ع) بترك الكافرين من قوم ثمود وشأنهم والنظر الى عاقبتهم. فمن آمن، فالله عليم بذات الصدور، ومن
كفر فجزاءه عند ربه أسوأ العقاب. كما قال تعالى في أمره لسيدنا محمد(ص)
(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(125 النحل)، وكذلك قوله الكريم (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)(29 الكهف).
* [وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ](28 القمر
).
وبعدما علمنا أن الكلام في الآيات المباركة السابقة وحسب تسلسلها كان عن الأيمان والأيقان والخشوع والخضوع، إذن لابد أنه لا يخرج عن هذا السياق والنطاق الديني. وقد سبق وذكرنا أن من معاني كلمة (الْمَاءَ) التي ترد في آيات الذكر الحكيم بالاضافة الى معناها العام الشائع، هي ماء الآيات الإلهية وزلال السـور الزكية وفرات الرحمة الربانية التي تهبط مع نزول كل شريعة سماوية من سماء فضل الله لتسقي أشجار أرواح العباد حتى تثمر بفواكه الأعمال الصالحة. فمثلما يروي هذا الماء المادي كل ما هو حيّ من مخلوقات أرضية، حسب قوله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ)(30 الأنبياء)، كذلك هو الماء الرباني يسقي أرواح وعقول وقلوب كل من يقبل الى الله ويؤمن بأديانه المقدسة ليظهر من تراب أرض قلوبهم وعقولهم أزهار الحكمة وأثمار العلوم والمعارف، كما قال تعالى (إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ)(11 الأنفال)، فماء الأمطار لا يطهّر الناس ولا يذهب عنهم رجز الشيطان ولا يربط القلوب ولا يثبت الأقدام. بل هي مياه الأيمان ومياه الأديان وزلال رحمة رب العالمين وفرات النعم والبركات الإلهية، فهي التي تطهر الناس وتذهب عنهم رجز الشيطان وتربط قلوب المؤمنين وتثبت أقدامهم على صراط الله المستقيم. وبهذا فالآية الكريمة لا تتكلم عن هـذا المـاء الجاري فقط، بل تتكلم أيضاً عن زلال ماء الآيات وفرات الأيمان. فيكون من معاني الآية:ـ
أخبرهم يا صالح(ع) أن ماء الغيث الإلهي يُقسَّم بين أمم أصحاب الكتاب بنسب ومقادير متفاوتة محددة، كل أمة لها مقدار معين من ماء شريعتها، يبدأ في لحظة محددة وينتهي في يوم من الأيام. وحالما يحين موعد جفافه واحتضاره ينزل ماء شريعة سماوية جديدة على البشر، كما قال تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (34 الأعراف). فمهما حاولتم يا قوم ثمود، التشبث بماء دينكم وحافظتم عليه وزدتم في تعبدكم وغاليتم في أداء فروضه وواجباته، فلابد أن يأتي اليوم الذي تنسخ فيه شريعتكم وينتهي مفعولها ويجف ماء أيمانها فلا تستطيعون له وصولا.
* [فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ](29 القمر).

هذه الآية الكـريمة تشير الى صلب الموضوع وبيت القصيد والى أهم أسباب اعتراض الناس على رسلهم الكرام، وتفصح عن حقيقة مصدر مهم من مصادر الاعتراض والعناد والصد والنكران ومحاربة الله ورسله الكرام.
فكل أمة تلتجئ في ملماتها وخطبها الى رجال دينها وكبار أحبارها لتسألهم عن أمور دينها ودنياها إذا ما استعصى عليها أمرا من أمورها الروحية أو الاجتماعية، خاصة في قديم الزمان. ومن أهم المعضلات التي واجهت عباد الله، كانت مشكلة التمييز بين رجل الدين المؤمن الموقن داعي الحق الحقيقي، وبين مدّعي الدين المزيف القشري وساحر العقول. لذا كانوا بمجرد سماعهم بنبأ ظهور دين جديد وشمس رسول جديد أو نبيّ من الأنبياء، يهرع الأتباع والمريدون الى أولياء أمور دينهم طالبين المشورة والهداية باعتبارهم أصحاب الاختصاص في هذا المجال. وهنا يكون الخطأ الجلل والداهية الدهماء. فإذا كانت الشريعة ما زالت حيّة فاعلة، يكون الناس كمن يطلبون الهداية والاستنارة من
أنوار نجوم الهدى وكواكب التقوى، كما قال تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)(73 الأنبياء). أما إذا كانت شريعتهم قد ماتت بنزول شريعة جديدة وهم غافلين عن ذلك، فيظن رجال الدين المفسدون، أنهم باقون على عهدهم، ومازالوا كما كانوا مصلحون. لكنه سبحانه وتعالى يوضح هذه النقطة الخطيرة ويبيّن لعبـاده كيف ينقلب شـأن هؤلاء من نور نهار الى ظلمة ليل، ومن هدي مبارك الى ضلالة مغضوب عليها، وكيف يستطيع العباد التمييز بين فريقي المصلحين والمفسدين، كما قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)(11 البقرة)، لأن أتباعهم يكونون كمن يطلب الهداية ممن لا هداية له وعاجز عن مساعدة غيره، كما قال تعالى (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا)(3 الفرقان)، وكما قال تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ)(41 القصص).
ومع كل هذه المعضلات وهذه الفتن والامتحانات، قد يتساءل البعض: كيف يمكن للانسان البسيط أن يميز مكانه ودوره وطريقه ويعرف الحق من الباطل وينجو من نار غضب الله ويدخل جنة رحمته ونعيمه؟
لم يترك الله عباده لأنفسهم يحتارون في مثل هذه الأمور الخطيرة، إذا ما حان أجلها وأزف موعدها، فلقد ترك علامات واضحة وآثاراً مكشوفة لخلقه لمعرفة وتمييز مثل هذه الأزمان عند استعمال عقولهم والابتعاد عن التقليد الأعمى، كما قال تعالى
(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)(117 هود)، ففي هذه الآية الكريمة، قانون إلهي عام يوضح ويكشف لجميع الخلق مهما تباينت درجات ذكائهم ومستويات عقولهم، أن بإمكانهم تمييز هذه العلامات الفارقة. فالآية الكريمة تعلن أن شرط الهلاك وبداية زمن النهاية، هو انقلاب أحوالهم وتفشي السيئات وانتشار الشرور بينهم، وعجز رجال الدين المصلحون على أداء أدوارهم الروحانية، كما أيد ذلك قوله تعالى (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(15 الإسراء)، فمن ثمارهم تعرفونهم، فلا تطرح شجرة الشوك أو الحسك تيناً أو عنباً.
لذلك فالآية الكريمة تقول أن قوم ثمود بعدما سمعوا بظهور شريعة صالح(ع) الجديدة بينهم، توجهوا الى كبير رجال دينهم الذي يصفه سبحانه وتعالى (بأشقاهم) ليسألونه عن حقيقة الأمر، وبما أنه كان في جوهره رجلاً غافلاً عن بشارات كتابه وجاهلا بجواهر أسراره، فقد تبينت قشرية علومه وسطحية مفاهيمه حالما أفتى بكذب دعوة النبي صالح(ع) وحكم ببطلان معتقدها وقيامه على تحذير الناس من مغبة الايمان بها، فهي حسب ظنه دعوة باطلة وطريق ضلالة وكفر، ونصحهم بعدم ترك دين آبائهم وأجدادهم الذي أجمعت الأمة على أحقيته وقدسيته وضرورة التشبث به
.
* [فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ](30 القمر).
ويبدو أنه كان هناك صدى واسعاً لنصائح (أشقاها) بين قومه، فلقد تبعه غالبية مريديه وصدّقوا أقواله، لأن هذه الآية الكريمة تفصح ان عذاب الله قد نزل بقوم ثمود بعدما تبعوا (أشقاها) وكذبوا نبيّهم صالح(ع)، وبهـذا تكون أمتهم قد أجمعت على الخطأ والباطل، واتفقوا على الكفر والضلالة، وبالتالي كان ويكون هذا التصرف مغناطيس غضب الله ونقمته.
* [إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ](31 القمر).
فلقد كانت لحظة نطق صالح(ع) بعبارة: أني رسول من عند الله. هي لحظة البدء بنزول العذاب الإلهي وهي لحظة الاعلان عن انتهاء عمر شريعة قوم ثمود السابقة ونسخها، وهي الشرارة الروحانية التي تحولت فيما بعد الى نار مستعرة أكلت وجودهم. ومنذ تلك اللحظة، لم يتبق من عقيدتهم ولا من دينهم، ما ينفع الناس في حياتهم أو يصلح لبناء بيوت أيمانهم وقلاع تقواهم، فلقد دخلوا أول فترة الموت والاحتضار، وما هي إلا مدة محدودة مهما امتدت وطالت، حتى انتهى أمرهم وزال ذكرهم ومحيت عقيدتهم وحضارتهم وآلت الى فناء.

Wednesday, July 2, 2008

تأملات روحانية مع سيفى سيفى

ونتابع مع ناقة النبى صالح(ع)
(6)
وجاء في سورة النمل:
* [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ](45 النمل).
ينتقل سبحانه وتعالى في هذه المجموعة من الآيات الكريمة الى توضيح ما يحصل بين الناس وعلى الخصوص بين أمم أصحاب الكتاب عند ظهور رسول جديد من عند الله بينهم، فبعد أن أشار لما لصفات العناد والتعصب والغرور والغلو في محبة الدين القديم من تأثير واضح في اختفاء آثار حضارات الأمم، ينتقل سبحانه وتعالى ليوضح ما يحصل من انقسام بين أمم أصحاب الكتاب حال ظهور دعوة سماوية بينهم، إذ تنقسم الأمة على العموم الى فريقين، مهما كانت النسبة والتناسب بينها عدديهما، فريق يخضع ويؤمن بدعوة الله، فيعود أو فينتقل الى الحياة الروحانية مرة ثانية من جديد، وهذا الفريق يكون على الغالب قليل العدد. وفريق يصدَّ ويبعد عن الأيمان فيموت موتاً روحانياً، وعلى العموم يكون هذا الفريق من غالبية الناس وأكثرهم عدداً (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)(102 الأعراف). إذ لابد وأن يؤمن بكل دين جديد قلة قليلة من الناس في أول ظهوره، كما قال تعالى وأكد على ذلك (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ)(13 سبأ). وكذلك قوله الكريم (ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ)(14 الواقعة)، وبهذا يحضرنا سؤال: إذا كان سبحانه وتعالى قد غضب على الكافرين بدعوة النبي صالح(ع) ومحا أثرهم، فما بال الذين آمنوا بها، وأين هم؟ وما كان من مصيرهم؟
هنا نتذكر مرة أخرى ما سبق وجئنا عليه، فسبحانه تعالى، يترك الفريقين على الأرض ليعيشا معاً، هذا يلهو بكفره، وهذا يتمتع بأيمانه، كما قال تعالى (كُلا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)(20 الإسراء)، فالفريقان يبقيا يعيشان على الأرض، لكن الكافرين يموتون بكفرهم روحانيا بالتدريج، ولا يبقى لهم شان عند رب العالمين، وفي النهاية يمحى أثرهم من خلال تغلغلهم بين بقية الشعوب. بينما يبقى المؤمنون خميرة الأيمان للأجيال القادمة وتزداد أعدادهم حتى يمسوا أمة عظيمة، وحال موتهم يدخلون جنات الخلد عند مليك مقتدر عظيم، كما قال تعالى (قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ)(26 يس)، فهذا المؤمن الشهيد يتمنى أن يعلم من بقي من قومه على الأرض أنه قد دخل جنة الله حال استشهاده ومقتله.
فالآية الكريمة مورد البحث تقول: لقد أظهرنا بين قوم ثمود، رجلا منهم وبينهم، أمرهم بالعودة الى عبادة الله الواحد الأحد مرة أخرى، فلم يؤمن به إلا فئة قليلة وكفر أكثرهم.
* [قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ](46 النمل).
كيف يستعجل الناس السيئة ويطلبونها ويسعون خلفها ويتركون الحسنة ويبعدون عنها، وبينهم العلماء والعقلاء؟ أليس بينهم رجل رشيد؟ من هذا لابد أن يكون للسيئة معنى غير ما ينتشر بيننا من معانيها الكثيرة، عجز عقلاء قوم ثمود عن تمييزها أو التعرف عليها. هنا علينا ان نتذكر مرة أخرى ما لتأثير حجاب العلم وما لآفات التعصب والغلو في محبة الدين من تأثيرات قوية على أتباع الكتاب، وكيف تحجب مثل هذه السحب الكثيفة والستائر السميكة أنوار الحقيقة عن طالبيها.
فإذا علمنا أن شريعة الله توصف بالحسنة عندما تكون حيّة فاعلة طازجة فعّالة عندما تحيي الأرواح وتنعش العقول. وتوصف بالسيئة عندما ينتهي مفعولها وتنسخ أحكامها ويكون الأخذ بها مصدراً للأمراض الفكرية والروحية. نفهم أن الحالة الأولى نتيجتها جنان الله وكسب مرضاته ورحمته والتنعم ببركاته، بينما تكون نتيجة الحالة الثانية غضب الله وسخطه. من هذا نفهم لماذا توصف مرة بالسيئة ومرة أخرى بالحسنة.
فخاطب صالح(ع) قومه معاتباً: ما لكم تستعجلون في صدكم عن سبيل الله وتستنكرون ظهور رسول بينكم، وتصرون على التمسك بشريعتكم المنسوخة قبل أن تتحققوا وتتأكدوا من صدق دعوتي، فلن تخسروا شيئاً إذا ما استغفرتم الله وعدتم الى دين الحق والصراط المستقيم. بل على العكس، ستتنعمون برحمة الله وبركاته لاستجابتكم له، وسيعود لكم مجدكم وعزكم. فتحققوا فيما بين أيديكم من آيات كتابكم، وستجدون فيها ما يشير الى صدق دعوتي ويبشّر بحقيقة رسالتي.

* [قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ](47 النمل).
ولأن كل فكرة جديدة تحدث هزّة واضطراب وتعكر صفو وسكون ماء بحر عادات الناس وتقاليدها ومفاهيمها القديمة. كان جواب قوم ثمود، لقد كنا قبل ظهورك أمة متفقة على دين واحد ولنا شريعة واحدة وأحكام ثابتة، ولكن بظهورك، ظهرت بيننا مجموعة جديدة تتبعك وتدعو لأحكام جديدة مخالفة لما وجدنا عليها آبائنا وأجدادنا، وما نراك إلا السبب الأساس في هذا التفرّق والانقسام. فيجيبهم النبي صالح: أن ما يحصل في أمتكم هو سنة إلهية دائمة لا تغيير ولا تبديل لها، وهذا ما كان يحصل بين أمم أصحاب الكتاب على الدوام، وما هذه الحالة إلا امتحان لحقيقة أيمانكم ليفرز المؤمن من المعاند بينكم.
* [وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ] (48 النمل).
بعد أن يوضح سبحانه وتعالى ما يحدث لأمم أصحاب الكتاب حال ظهور رسول بينهم، وكيف ينقسمون الى فريقين، فريق قليل العدد يسمع ويطيع ويخشع، وفريق كبير العدد يتعصب ويصد ويغلو في دينه. يعود في هذه الآية الكريمة ليوضح حالة أمة ثمود آنذاك، حيث نفهم أن قوم ثمود كانوا منقسمين الى تسعة مذاهب أو تسعة شيع في زمن ظهور النبي صالح(ع)، ومن المؤكد أن أتباع كل واحد منها كانوا يظنون أنهم على طريق الحق والصراط المستقيم، كما هو الحال اليوم مع مختلف المذاهب والنحل لمختلف الأديان. لكن الحقيقة، وحسب منطوق الآية الكريمة، كان أتباع جميع تلك النحل يجهلون أنهم مفسدون للدين وكافرون بحقيقة ما بين أيديهم من دين الحياة الدنيا، وأنهم جميعا يقودون الناس الى طريق الكفر وسوء السبيل ويخربون عقولهم ويمنعونهم من دخول جنة دين الله الجديدة حالما أمر الله بنسخ جنة شريعتهم. ولقد سبق وقلنا أن رجال الدين ومذاهبهم يكونون أعلام هدى ونجوم رحمة وأيمان وكواكب تقوى واطمئنان، عندما يكون دينهم حيّ فاعل. أما عندما يأمر سبحانه وتعالى بنسخ شريعتهم وينزل جنة شريعة جديدة، عندها تنقلب أحوالهم على العكس تماما، فيمسون أعلام ضلالة ونجوم ضياع للناس ولأتباعهم.

* [قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ](49 النمل).
تذكرنا هذه الآية الكريمة، بما أجمع عليه رؤساء القبائل العربية المشركة، حينما تفتقت عقولهم عن فكرة شيطانية وحزموا أمرهم على اختيار رجل واحد من كل قبيلة، ليقتلوا سيدنا محمد(ص) في ليلة دهماء، وكيف فشل مخططهم بحلول موعد هجرته الى المدينة المنورة. كما تذكرنا وتؤكد لنا ان قوم ثمود كانوا يؤمنون بالله وأن لهم دين وشريعة سماوية ولم يكونوا من الملحدين الكافرين، بدليل أنهم يقسمون ويحلفون بالله، وهذا ما سبق وأشرنا اليه.
وعلى سبيل العاجزين ووسيلة الضعفاء، لما لم يجد كبار علماء مذاهب ملة ثمود طريقة مقنعة أو حجة دامغة أو دلائل ساطعة في كتبهم تمكّنهم من دحض وتكذيب النبي صالح وشريعته، وبعدما عجزوا من وقف انتشارها في أراضي قلوب العباد، وشاهدوا خطرها الداهم على مصالحهم، وتفرّق أتباعهم من حولهم وانضمامهم الى دين النبي صالح، ولما عرفوا أنه لن يمضي وقت طويل حتى تجف منابع خيراتهم وموارد غنائهم وثرائهم، وأنهم لم يتركوا سبيلا لوقف دعوة هذا النبي إلا وسلكوها. فلقد عارضوه وكذبوا دعوته واعتدوا عليه وعلى أتباعه وجاهدوا في سبيل دحض حججه وإطفاء أنوار تأثيراتها في عقول أتباعهم. هنا خطرت في أذهانهم فكرة شيطانية أخرى للتخلص منه ومن دعوته الى الأبد، لذلك فكّروا بقتله والتخلص منه وبذلك استعجلوا بالسيئة قبل الحسنة.
فلقد اتفق رؤساء مذاهب قوم ثمود التسعة القائمين على شؤونها، على اغتياله وآل بيته بيد مجموعة من أشداء رجالهم. وإذا ما سئلوا عن الفاعل أو اتهموا بهذه الجريمة فيما بعد، فسيقسمون بالله ويحلفون بمقدساتهم أنهم لم يشاهدوا من فعلها، فيكونوا صادقين في قسمهم، لأنهم خططوا وتآمروا وحرضوا فقط، أما عملية القتل فقد تمت بأيدي غيرهم.
فيا سبحان الله ويا قدرته وعلمه وقوته وعظمته، فهذه السورة الكريمة (سورة النمل)، نزلت في مكة (مكّية)، وهي تكشف عن معجزة إلهية ما زالت مدوّنة تسطع بأشعتها الباهرة من كتابه الكريم، وتذكّرنا بها أيضاً ما سردته كتب التاريخ من أحداث وأسباب لهجرة الرسول الكريم، وتكشف عن قدرة الله سبحانه وتعالى في معرفة أسرار نفوس البشر وطرق تفكيرهم وما يتهامسون به في ظلمات الليالي وزوايا مساكنهم البعيدة. وهذه الآيات الكريمات تكشف أن ربّ العباد وعالم الغيب قد أخبر رسوله الكريم ونبيّه العظيم والمصطفى المختار مسبقا بما يخطط له كبار رجالات قريش وما يتآمرون به على نفسه الكريمة وأنه حذّره منها، وكيف نجّاه من خطر ذلك المخطط الشيطاني بطريقته الإلهية العجيبة. ومن المؤكد أن عرب الجاهلية لم يدركوا أنهم يكررون فعلة قوم ثمود الشنعاء، وأن هناك وقبل آلاف السنين من أقدم على ذات فعلتهم الشريرة. فها هو رب العباد يعيد ذكراها في قرآنه الكريم، لما لها من تأثير خطير على ذاته المقدسة وعلى رسله الكرام وعلى عباده المؤمنين.
* [وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ](50 النمل).
قد يستغرب البعض لكلمة المكر، ويتعجب كيف يستعملها رب العزة وينسبها الى نفسه المقدسة! فلو تذكرنا قوله الكريم (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)(54 آل عمران)، وبحثنا عن أصل الكلمة، لوجدنا أن لها معنى آخر، هو الصبغة والطلاء، وبهذا يكون لها استعمالان اثنان، الأول هو المكر والخديعة، والثاني هو الصبغة والطلاء، وبهذا نفهم أن الله سبحانه وتعالى يستعملها بمفهومها الشائع عندما يتكلم عن الكافرين، بينما يستعملها لذاته المقدسة بالمفهوم الثاني.
لكن الله سبحانه وتعالى كان لقوم ثمود ولمكرهم بالمرصاد، فلم يستطيعوا إطفاء نوره، لا بقوة اليد ولا بقوة الكلام أو الدلائل؛ ولأنهم كانوا كافرين، لم يفهموا قدرة الله على حفظ دعواته السماوية ولم يدركوا طريقته في هداية البشر وكيف يصطبغ عباده بصبغة الدين ولون الأيمان، كما سبق وحصل لاحقاً عندما أنقذ سيدنا موسى(ع) من يد فرعون وقومه، وأنقذ سيدنا المسيح(ع) من يد اليهود، وحفظ سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام من يد المشركين ونجّاه من مؤامراتهم وممن ساندهم من أصحاب الكتاب، وكما قال تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(32 التوبة).
* [فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ] (51 النمل).
ولأنهم أصروا على المعاندة والكفر، لاحظوا أيها الناس كيف انتهت أمتهم وحضارتهم، ومحي رمزهم وتشتت شمل شعبهم وتغلغل بين شعوب الأرض، فلم يبق لهم ذكر ولا ركز. فهذا عقاب الله لكل أمة تكفر برسولها.
وهذا ما ينبهها الى ما حصل لأمة العرب المشركين من أهل الجاهلية ويفسر ما كان يحدث للأمم في قديم الزمان. فعلى النقيض من قوم ثمود، استجاب العرب للأيمان بدين الاسلام، ولو بعد عناد ومكابرة وقتال ونزال. فمن كفر منهم ولم يؤمن أو بقي منافقا يظهر أيمانه ويكفر في قلبه، فهذه الفئة الكافرة المنافقة لم يطمس الله بهم الأرض ولم ينزل عليهم نارا مشتعلة من السماء ولم تتلقفهم الطير، ولم يحدث لهم أي شيء من هذا القبيل أو ما شابه؛ بل بقي وعاش وأكمل المؤمنون والكافرون والمنافقون حياتهم على الأرض، وبالتدريج ورويدا رويدا ازداد عدد المسلمين وانتشرت عقيدتهم بين الأمم وجازاهم الله بخلق أمة عظيمة وحضارة راقية بعد أيمانهم بعشرات السنين، وهذا ما سبق وأشرنا اليه في تأثير الأيمان على حياة البشر ومجتمعاتهم. بينما اختفى العرب المشركين بالتدريج بالموت الجسدي أو بتحول أولادهم وأحفادهم الى الأيمان فيما بعد.
* [فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ](52 النمل).
فلاحظوا ما بقي من آثار قوم ثمود وما تركوا من عقيدتهم ودينهم حتى اليوم. فلقد خلت مساكنهم القائمة وقصورهم الشامخة من ساكنيها بالتدريج، لأسباب عديدة منها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والجغرافية والمناخية، تسبب في تدبيرها رب العباد بحكمته البالغة، هذا بالاضافة الى قوة تأثير ظهور حضارة أمة مؤمنة جديدة غيرها، أصبحت مع مرور الوقت محط أنظار الأمم من حولها عندما استقطبت اهتمام الناس بمنجزاتها. فتركوا ما نحتوه من بيوت في جبالهم ليكون أطلال خربة ومأوى للكواسر والجوارح والزواحف، يتردد فيها صدى البوم وتنتشر فيها بيوت العناكب. أما مساكن عقيدتهم وقصور أيمانهم وقلاع هداهم المعنوية الروحانية، فلقد استفرغت من عواميد الايمان وجدران التقوى وجفّت عيون وآبار عقيدتهم ولم يعد يتبعها أو يؤمن بها أحد. وما كل هذه القصة، إلا ليتعظ بها من كان له عقل ويتأمل سنة الله وحكمته.
* [وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ](53 النمل).
وكما سبق ونجى الله نبيّه نوح(ع) ومن ركب معه سفينة أمره ومركب دينه من المؤمنين، فلقد نجى من آمن من قوم ثمود بدين صالح(ع) ومن أناب الله عن نفسه وقلبه وأسلّم له أمر عقيدته وركب معه ناقة شريعته ونهض للمهاجرة من أرض جنة دينه الجرزة الى جنة أرض دين صالح(ع) الغنية الخصبة، وبهذا بقي ذكرهم الطيب في الأرض، ونمت بذورهم الطاهرة لتخرج منها أشجار أمة مؤمنة. واستمر ذكرهم كمؤمنين بين الناس وفي السماء عند رب العالمين. وهذا هو مصير صحابة المؤمنين بأوامر الله في كل زمان، يصبحون خميرة أيمان طاهرة للأمة التالية، فيذوبون داخلها بعد أدائهم أدوارهم ومهامهم المقدسة وإكمالهم ما أمرهم الله به في زمانهم، لأنهم كانوا أصحاب شريعة سماوية حيّة فاعلة، بدليل قوله تعالى (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)(18 الرعد).

Friday, June 20, 2008

من الئاليء والأصداف

ونتابع مع ناقة النبى صالح(ع)
(5)
أما ما ورد بهذا الخصوص في سورة الشعراء:
* [كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ](141 الشعراء).
فيبدو أن ما جئنا عليه احتوى شيء من الحقيقة، عندما قلنا أن الله سبحانه وتعالى قد أمهل أمة ثمود ثلاثة أيام، أي مدة ثلاثة أيام شرائع، أي مدة ثلاثة رسل، أي مدة أكثر من ثلاثة آلاف سنة حتى يمحو آثارهم تماما. فهذه الآية الكريمة تقول أنهم حققوا بعنادهم وكفرهم هذه النبوءة الإلهية وكفروا واعرضوا عن ثلاث رسالات تالية أو اكثر بعد ظهور رسالة النبي صالح(ع).
* [إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ](142 الشعراء).
وأن موعد فنائهم الجسدي والمادي والروحاني قد رسموه بتعصبهم ووقعوه بأيديهم، وكانت بدايته من لحظة إنذار النبي صالح لهم ودعوته إياهم للايمان والتقوى.
* [إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ](143 الشعراء).
وإعلانه رسالته الإلهية ومقامه الكريم.
* [فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ](144 الشعراء).
وطلبه منهم ترك ما توارثوه عن آبائهم وأجدادهم من أفكار مضلّة مخالفة لمرضاة الله، ونصحه لهم بالاستجابة والايمان بدينه الجديد الذي سيعيدهم الى عبادة الله والاكتفاء بآيات كتبه.
* [وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ] (145 الشعراء).
وأن كل هذه النعم والبركات التي أعدكم بها، لن أحصل منها على شيء، وستكون خالصة بتمامها لكم ولأجيالكم من بعدكم.
* [أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ](146 الشعراء).
ألا تتذكرون ما جنيتموه من بركات وخيرات بسبب أيمانكم السابق؟ فما هدف دعوتي إلا لدوامها عليكم، ولن يديمها إلا تجديد أيمانكم، فلا تطمئنوا لدوامها بعد الآن، فلقد حان وقت قطاف ثمارها.
* [فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ](147 الشعراء).
وراح يعدهم بتحسن أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية بمجرد الاستجابة له. وبهذا فهو يربط للمرة الثانية بين تحسن أحوالهم الاقتصادية وبين أيمانهم.
وبهذا نفهم قوة العلاقة بين ظهور الحضارات الانسانية وبين الأيمان الحق، وأن الأولى تبدأ بالزوال بمجرد البعاد عن صراط الله المستقيم. وأن هناك علاقة قوية أيضا بين الروحانيات والماديات، فمتى كان الأيمان حق وحيّ، دامت النعم والبركات، ومتى ما نسخ الأيمان بأيمان آخر، زالت كل تلك النعم وانقلب تأثيرها الى نقمة وعذاب.
* [وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ](148 الشعراء).
ومثلما سبق الاشارة الى تأثير الروحانيات على الماديات في الآية السابقة، تركّز هذه الآية الكريمة على موارد رزقهم وخيراتهم المادية وأن من أسباب قوة اقتصاد قوم ثمود في تلك الأزمنة السحيقة كان يعتمد على الزراعة وتصدير التمور الى بقية الأقوام الأخرى.
ومهما يكن من معاني الزروع والنخيل المادي، إلا أنه لا يمكن غض الطرف عن معانيها الروحانية، فنلاحظ في هذه الآية الكريمة الاشارة الخفية لتأثيراتها المعنوية، فهي تمثل بصورة جميلة ما سبق وظهر بينهم نتيجة أيمانهم بدينهم القديم، من بواسق نخيل المؤمنين وأشجار العلماء وفواكه حكمة رجال العلم والعرفاء وثمار العلوم والمعارف وفواكه الايمان التي ساهمت بإيجاد حضارتهم القديمة وكيف ظهرت كل تلك الآثار الطيبة بينهم بكل سهولة ويسر ودون كثير عناء.
* [وَتَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ](149 الشعراء).
ومن الوارد أيضاً، أن الآية الكريمة هنا تشير الى حدث واقعي تاريخي وتدلل على أن قوم ثمود كانوا يسكنون مناطق جبلية وقاموا بنحت صخور الجبال على أشكال بيوت وقصور وسكنوا واستقروا فيها. فهو ينسب قدرتهم على إنجاز مثل تلك الأعمال العظيمة الى تنوّر عقولهم بعد أيمانهم بدينهم السابق، فلقد كان الأيمان هو المحفّز الحقيقي والقوة الدافعة الخلاّقة لما سال من أنهار الاختراعات والاكتشافات من بين أيديهم، وليس فقط من خلال تفتق عقولهم الذاتية.
* [فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ](150 الشعراء).
فخافوا الله الذي تعبدونه وأخشوه وأطيعوني في دعوتي الجديدة، فسرّ بقاء واستمرار كل ما تمتعتم به من جنان الخيرات وقوة الحضارة، كان بسبب صدق أيمانكم القديم، ولا يمكنكم العودة الى سابق عزتكم، إلا بالعودة الى جنان الأيمان وعيون الأيقان، فهما أمران مرتبطان ببعضهما، واعلموا أنه لا سبيل لكم غير هذا السبيل.
* [وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ](151 الشعراء).
فالخير كل الخير لكم أن تتقدموا للأيمان وتبتعدون عن ما يدعوكم له القشريين من رجال دينكم القديم وسحرة عقولكم المزيفين وكل من بالغ في تمجيد أحكام دينكم المنسوخ وجاهد في مغالاته له، فليس هذا إلا سبيل الهلاك.
* [الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ](152 الشعراء).
من الذين يفسدون أراضي عقول الناس وقلوبهم ومعتقداتهم ويزرعونها بشـوك الريبة والظنون وحسـك الكفـر والضلالة حينما يدعون اتباعهم للتمسك بأذيال شريعتهم التي أمر الله بنسخها وإبطال أحكامها، فكل من يخالف أمر الله ويدعو لغير ما ينزله من جديد الأحكام، ما هو إلا من المفسدين لعقول الناس وقلوبهم في الأرض، فلا تظنوا أنهم يصلحون أرض الدنيا وأرض نفوسكم بالأيمان، فلقد انقلب منـذ هـذه اللحظـة تأثيرهم الصالح الى تأثير طالح وهم غافلون لا يعلمون، كما قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)(11 البقرة).
* [قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمُسَحَّرِينَ](153 الشعراء).
لكن المستكبرين من قوم ثمود لم يخرجوا عن ما سبق وقاله المعرضون والكافرون السابقون واللاحقون من أمم أصحاب الكتاب، وأصروا على التمثل بهم والسكن في مساكن كفرهم، وراحوا يصفون النبي صالح(ع) بأنه واقع تحت تأثير سحر ساحر أو أنه رجل دين جديد يريد أن يسحر عقولهم بجديد تفاسيره.
* [مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ](154 الشعراء).
ولما لم يشاهدوا في شخصيته حسب الظاهر، ما يميزه عن غيره من بقية البشر، وأنه رجل مثلهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وينام ويمرض، كما قال تعالى (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا)(7 الفرقان)، طلبوا منه أن يأتيهم بمعجزة مادية خارقة لقانون الطبيعة تثبت صدق دعوته. أما كيف نفهم أنهم طلبوا منه معجزة مادية خارقة للعادات وليس آية أو سورة في كتاب منزل، فذلك لأن الله سبحانه وتعالى قال أنه لم يسبق أن أرسل رسول من قبل ظهور سيّد المرسلين، إلا وكان معه كتاب (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ)(38 الرعد)، وهذا يعني أن قوم ثمود يطالبون نبيّهم بمعجزة مادية خارقة للعادات ولقوانين الطبيعة وليس بآيات إلهية مكتوبة. وهذا يدل على أن ديدن الناس وعادتهم منذ الأزل هو شدّة التعلق والتمسك بالتقاليد والعادات والتحايل قدر الإمكان للتهرب من نعمة أديان الله.
* [قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ](155 الشعراء).
فكان جوابه على طلبهم، أن قدّم لهم آيات شريعته. أما لو كان المقصود من الناقة هنا هو هذا الحيوان المعروف بين الناس، فليس من المعقول أو الإنصاف أن يشترط النبي صالح على قومه هذا الشرط الصعب المستحيل ويطالبهم بتقاسم ماء الشرب مع ناقته،، وهو الرجل المرفوض والمستهجن بينهم، وأن يشربوا هم وجميع نوقهم وإبلهم وماشيتهم في مدة يوم واحد، ويتركهم عطاشى لمدة يوم آخر كامل تترك ناقته لوحدها لتشرب فيه وهي مستلقية مرتوية والماء من دونها لا يرده أحد. ثم ليس من المعقول أن يكون لهذا الجمع من الناس وماشيتهم بئر أو ساقية واحدة فريدة يشربون منها لا غير. كما لا يمكن تصور نزول هذا الحكم بهذه الصيغة وهذا المنظور من رب العزة والعدل أعدل العادلين.
لكن المقصود من الناقة هنا وكما ذكرنا، هي ناقة الشريعة القوية المقدسة التي ستنقل قوم ثمود ومن يحذو حذوهم الى جنة الايمان وأرض القرب من الله ودينه. لذلك فمقصود النبي صالح(ع)، أنه قد سبق وخصص الله سبحانه وتعالى لكل شريعة ودين من أديانه، يوم إلهي كامل معلوم، بدأ منذ ساعة ظهوره وإشراق شمسه، وانتهى في ساعة ظهور ما تلاه من إشراقات شموس أديانه. فالنبي صالح يحاول إخبار قومه أن الحقبة التالية والزمن القادم ويوم الله التالي مخصص لناقة شريعته ودينه لترعى في أراضي قلوب الناس والعباد وعقولهم ولتشرب من مياه أعمال المؤمنين الصالحة وتسقيهم من لبن أحكامها الخالصة.
وفي هذه الحالة ومن خلال هذا المفهوم، يكون النبي صالح(ع) قد أنصف قومه وعدل بينهم ورحمهم بتوضيح هذه الحقيقة الإلهية ولم يظلمهم، وحاول جاهدا ان يشرح لهم أن يوم شريعتهم قد انقضى، وها قد حل عليهم يوم شريعة جديدة، وما عليهم إلا أن يفسحوا المجال لها لترتع في أراضي قلوب العباد. وبهذا يصح الحكم ويتفق العدل والإنصاف الإلهي، في حكمه: أن لكم ولشريعتكم يوم شرب كامل، وأن لي ولشريعتي يوم شرب آخر كامل.
* [وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ](156 الشعراء).
ومرة أخرى، ليس من المعقول أن يوافق خصوم وأعداء النبي صالح(ع) على طلبه وشرطه بترك دابته تهيم في أرضهم وحقولهم تأكل من حيث تشاء وتتلف ما تشاء من زرعهم وموارد رزقهم، خاصة وهو يواجههم ويدعوهم الى ترك دينهم السابق وموروثات معتقداتهم والايمان بدينه الجديد. لكن المعنى:ـ
ولا تعاندوا ناقة دين الله وشريعته، ولا تحاربوها وتتعصبوا لمعتقداتكم القديمة في هذا الظهور الجديد، لأن من يفعل ذلك يستقطب عذاب الله عليه.
* [فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ](157 الشعراء).
لكن قوم ثمود لم يتعظوا بهذه النصائح، ولم يصدقوا أقوال نبيّهم ولم يفهموا أسرار إشاراته، فحاربوه ودينه وأتباعه، وبذلك كانوا محط غضب الله. وعندما راحت تنهال عليهم أمطار البلايا وتهب عليهم رياح الرزايا وصواعق المحن والمصائب مـن كـل حدب وصوب، وانحط شأنهم وذلت رقابهم وتشتت شملهم، ندموا على ماضيهم التليد وعلى ما ضاع منهم وما كانوا يتمتعون به من جنان النعم والبركات.
* [فَأَخَذَهُمْ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ](158 الشعراء).
ومع مرور الوقت، واستمرارهم على الصد والعناد، ولظنهم الخاطئ أن ما أوجدوه من حضارة عظيمة كان من خلال قدراتهم الذاتية فقط وليس لأيمان أجدادهم بدينهم سببا مباشراً أو مؤثراً في ذلك، لم يتمكنوا من العثور على وسيلة تخلصهم مما حل بهم من سوء حال. وهذا هو السبب من تكرار ذكره في القرآن الكريم، فهو عبرة ونصيحة وموعظة سماوية لجميع الناس من بعدهم، حتى لا يكرروا أعمال قوم ثمود ومن كان على شاكلتهم، ولا يرتكبوا ذات خطا الانسان الأزلي.
* [وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ](159 الشعراء).
فالله سبحانه وتعالى عزيز غني مستغن عن عبادة خلقه، لا يزيد أيمانهم في ملكه شيئا ولا ينقص كفرهم من ملكه شيء. لكنه رحيم بهم جميعا، يرحمهم في كل مرة برسالة وشريعة جديدة رغم أخطائهم وأفعالهم حتى يرفع من شأنهم وينور عقولهم ويهديهم سبل الخير والصلاح وتعمير الأرض.


ونتابع معكم-من معانى ناقة النبى صالح(ص)

Thursday, June 12, 2008

من معانى-ناقة النبى صالح(ع)

تأملات روحانية مع سيفى سيفى
ونتابع مع ناقة النبى صالح(ع)
(4)

وجاء في سورة الإسراء بخصوص موضوع الناقة:* [وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا](59 الإسراء).نعود مرة أخرى لمعنى كلمة (بِالآيَاتِ)، وعلينا أن نتذكّر أن لها معنيين، الأول هو الآيات الإلهية النازلة من سماء فضله المسطّرة في كتبه المقدسة، والثاني هي المعجزات المادية الخارقة لقوانين الطبيعة. فلو كانت هذه الآية الكريمة تشير الى المفهوم الأول، أي آيات الكتب السماوية، فهذا أمر يخالف سنة الله وطريقته المقدسة، ويخالف ما حصل من استمرار بعث المزيد من الرسل والرسالات والكتب والآيات من زمن النبي صالح(ع) حتى زمن سيدنا محمد(ص)، كما قال تعالى (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ)(4 الحجر). لذلك فهذه الآية الكريمة مورد البحث، تشير الى المعنى الثاني، فهو أقرب الى المنطق والعقل السليم، أي أن الآية الكريمة تتكلم عن المعجزات المادية، وتشير الى أن الله سبحانه وتعالى ورسله الكرام، كانوا في ما مضى يجرون هذه المعجزات المخالفة لقوانين الطبيعة ويفعلونها عندما كان لها فيما سبق تأثير فعال مفيد على قلوب الناس وعقولهم، وتظهر منها نتائج مرجوة ويؤمن بشرائع الله الكثير منهم؛ إلا أن الله ورسله الكرام قد امتنعوا عن إجرائها فيما بعد مع تقدم الزمان وتغير أحوال الناس وتنوّر عقولهم، فلقد أصبح البشر لا يقتنعون بها ويطالبون بالأدلة العقلية والحجج العلمية. لذلك يبدو أنه ومنذ ظهور النبي صالح، توقف حصول المعجزات المادية وأصبحت الأدلة والحجج الإلهية تقتصر على الأدلة العقلية والبراهين العلمية، أي أن البشرية دخلت مرحلة جديدة من مراحل الإقناع والمحاجة والمناقشة منذ زمن ظهور النبي صالح(ع). وهذا يشير من ناحية أخرى الى ابتداء توجيه الخطاب الإلهي الى شريحة خاصة من المجتمعات، ألا وهي شريحة المختصين بأمور الدين ورجاله، باعتبارهم المطّلعون على هذه الأمور الروحانية والقادرون على تمييز آيات الله الحقة ومعرفة دلائلها العلمية والتاريخية.وبالاختصار يبدو أن الآية الكريمة تتكلم عن مرحلتين من مراحل تطور عقول البشر، المرحلة الأولى عندما كان الخطاب الإلهي عاما لجميع الناس دون استثناء يرافقه إظهار المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة. أما المرحلة الثانية، فكانت تحول الخطاب الإلهي نحو عقول عقلاء وعلماء الأمم المهتمين بشؤون الدين والروحانيات دون سواهم، أي رجال الدين، أي مخاطبة النخبة وإعطائهم فرصة النشر والتبليغ بين الناس. وهذا نوع من أنواع التكريم للانسان، وهو مجال مفتوح لمن شاء منكم أن يستقيم، وهذا ما يؤكده ويتضح اسلوبه في القرآن الكريم، في قوله تعالى عندما يشيد ويثمّن دور رجال الدين (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)(28 فاطر)، وكذلك قوله الكريم (لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)(63 المائدة)، وكذلك قوله الكريم (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ)(82 المائدة).ويبدو أن هذا التحليل قريب الى الحقيقة بعض الشيء، فلو كان لهذه المعجزات المادية الطبيعية تأثير فعال جازم على تغيير قلوب الناس حين حصولها بعدما ارتفع مستوى تفكيرهم وجدالهم، وأن باستطاعتها نقلهم من صحراء الكفر الى جنان الأيمان والخشوع، لما بقي كافر على الأرض في هذا الزمان، ولبطل مفعول الامتحان الإلهي ولما تبين المؤمن من الكافر ولما اتضحت أسرار القلوب والسرائر. فالله سبحانه وتعالى عالم بعلمه الغيبي مقدار تعصب الكافرين وغلظة قلوبهم واستحالة أيمانهم، كما قال تعالى فيما بعد بآلاف السنين عن لسانهم (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعًا . أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً . أَوْ يَكُـونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلا بَشَرًا رَسُولاً)(90-93 الإسراء). لكنه ومثلمـا تغيرت طريقـة امتحان الناس قبل آلاف السنين من حالة إجراء المعجزات المادية الى طريقة تنزيل الحجج العقلية والنقلية، كذلك تغيرت في المقابل طريقة اعتراض البشر، فظهرت بينهم آفات مستعصية، مثل التعصب والغلو وأمراض الصدّ والعنـاد، التي تبين فيما بعد أنها من أقوى السدود وأعلاها أمام تقدمهم للأيمان برسل الله، كما أشارت الى ذلك الآيتين الكريمتين (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)(54 الكهف)، وكذلـك قوله الكريم (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا)(89 الإسراء).وبظهور سيّد المرسلين ومن قبله السيد المسيح عليهما الصلاة والسلام، تبين ان هذه الطريقة الإلهية تلاقي ذات المعارضة البشرية إن لم يكن أكثر من قبل، وظهر ان آيات القرآن الكريم بكل بلاغتها وفصاحتها وقوة معانيها وشدة تأثيراتها الروحانية والعلمية، لم تؤثر وقت نزولها كثيرا في قلوب عموم البشر، فلقد رفضها كبار رجالات العرب ورؤسائهم المشركين وفطاحل شعرائهم قبل غيرهم، بينما سارع المستضعفون وغير الأعراب للأيمان بدين سيّد المرسلين قبل غيرهم، أمثال بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي.. الخ.إذن فهذه الآية الكريمة، تسلط قبساً من أنوار الحقيقة على تلك الفترة السحيقة المتغلغلة في أعماق التاريخ، لتكشف عن ما سبق وحصل من تغيّر نوعي في عقلية الناس ومفاهيمهم وطرق تفكيرهم، وعن مرحلة من مراحل تطور عقول البشرية قبل آلاف السنين، ولابد أن يكون قد صاحب ذلك تغيرات واضحة أدّت الى تقدم أحوال مجتمعاتهم. ومما يدلل على صحة هذه النظرية، ما جاءنا عن طريق القرآن الكريم من أخبار المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة التي أجراها سيدنا المسيح(ع)، حيث لم يمنع إجرائها ما حصل له فيما بعد من عذاب واضطهاد، فلقد علّق على صليب العناد ورفع على أخشاب التعصب وثقبت أطرافه بمسامير الكفر، ولم يؤمن بدعوته إلا ثلة من الرجال والنساء فقط. فلو كان لها تأثير فعّال مؤثر في قلوب الناس وعقولهم، لبقيت تلك الجموع من اليهود وغيرهم، موقنين ثابتين على أيمانهم به ولم يرتدّوا عن دعوتـه حال إلقاء القبض عليه، بعدما كانوا يتبعونه ويتبركون بأذيال ردائه حيثما ذهب ويتمنون منه خلاصهم من أمراضهم وعاهاتهم، ولنصروه ووقفوا الى جانبه في وجه الكافرين والمشركين ومنعوا أذاهم عنه، ولما تركوه وحيدا معلقا على صليب الكفر.وعلى كل حال، لا يؤمن بحصول مثل هذه المعجزات المخالفة لقوانين الطبيعة عن رسل الله وأنبيائه، إلا من ولد على اسم دين من أديان الله، وقرأ عنها في كتابه المقدس، وسمعها عن لسان رجال دينه وفهمها بشكلها الظاهري.إذن، فالآية الكريمة تقول: لقد توقفنا عن إجراء المعجزات المادية الخارقة لقوانين الطبيعة، منذ أن راح الناس لا يصدقونها، فلقد باتت حججاً غير مقنعة ودلائل غير كافية، لذلك انتقلنا الى مرحلة جديدة في التخاطب مع العباد، واختصصنا شريحة رجال الدين وعلمائه، بأدلتنا الإلهية وحججنا الربانية لتتوافق مع تحسن أحوال الناس ومستوياتهم الذهنية، وجعلنا مسألة الأيمان والكفر تعتمد على قوتي العقل والمنطق السليم والحجج النقلية، فمن شاء منكم أن يؤمن ومن شاء منكم أن يكفر، كما قال تعالى (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)(10 البلد). ولقد أظهرنا على قوم ثمود ناقة شريعة صالح(ع) وكان فيها من الآيات المحكمات والبشارات الربانية والأحكام السماوية والانذارات الشديدة، ما يكفي لتنوير قلب وعقل وبصيرة كل من يتوجه لها بقلب صاف منير طافح بالأيمان. لكن قوم ثمود راحوا يظلمون أنفسهم ونفوس غيرهم بالبعاد عنها والصد والكفر بها، لأن الغاية الحقيقية من إرسالنا وتنزيلنا لكل هذه الأمثال والقصص، ما هو إلا لتخويف الناس من الكفر وتحذيرهم من مخالفة أمر رب العباد، حتى يتقربوا الى الله ويؤمنوا برسله، إذ لم يعد لخوارق العادات تأثير ملحوظ في إقناع الناس.أما لماذا يشبّه سبحانه وتعالى شريعة النبي صالح(ع) بالناقة، ولماذا يذكرها وقد أبطل استعمال المعجزات المادية، فأكثر الظن أنه يريد أن يترك في قرآنه الكريم أثراً ودليلاً واضحاً على وجود تلك العلاقة الوثيقة والرابطة القوية بين المرحلتين في قديم الزمان ويؤكد على وجودهما معاً، وبالتالي فهو يريد أن يبقي أثراً أو علامة على قدم تاريخ البشرية وعلى تلك الدورات الرسالية التي ضمّت كل واحدة منها مجموعة من الرسل والشرائع، وفي نفس الوقت، يستمر في تمجيد ذكرى من استجاب له ولرسالاته من المؤمنين القدماء ويلقي قبسات نوره على أدوارهم العظيمة وكيف استمرت ولم تنقطع سلسلة المؤمنين على مر التاريخ البشري، فيتحقق قوله تعالى (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ)(24 فاطر)، وكذلك (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا)(1 الإنسان
ونتابع معكم معنى ناقة النبى صالح(ع)-فتابعونا فى الحلقات القادمة.....

Wednesday, May 28, 2008

تأملات روحانية مع سيفى سيفى

ونتابع ناقة النبى صالح

أما ما جاء في سورة هود بخصوص ناقة صالح(ع):
* [وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ](61 هود).
تعود هذه الآية الكريمة، لتؤكد ما جئنا عليه، فصالح(ع) يذكّر قومه بالأيام الخوالي، وكيف رفعهم الله من مستوى دان رخيص بعد أيمانهم بدينهم السابق، الى أمة ذات حضارة وقوة ورجال، وكيف سيطروا على بقية الأمم المختلفة واستعمروا أراضيهم وانتصروا عليهم وعلى كل من وقف في سبيل نشر ديانتهم، وكيف جمعوا الناس على عبادة الله الواحد؛ فالنبي صالح ينصح قومه ويطلب منهم استغفار الله ـ باعتبارهم مؤمنين موحدين قائمين على عبادة الله بالفعل ـ وينصحهم بالتوبة والعودة الى الدين الحق. ومما يؤكد هذا المعنى، أي أن قوم ثمود كانوا من الموحدين، قوله تعالى في إشارته الى أن جميع البشر دون استثناء، أنهم يعبدونه ولا يعبدون رباً سواه (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(42 العنكبوت)، وكذلك تأكيده أنه ما ترك أمة من الأمم إلا وبعث فيها نبيّاً نذيراً (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ)(24 فاطر)، وأن ما من رسول إلا وحقق هدفه وآمن الناس بدعوته (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)(64 النساء).
أما لـو كان قوم ثمود كافرين بالله أو ملحدين غير مؤمنين، ولم يسبق لهم الايمان بدين سماوي، فلا يمكن أن يطالبهم النبي صالح(ع) باستغفار الله والتـوبة اليه وهم لا يعرفونه ولا يؤمنون به. فنصيحته لهم بالتوبة دليل على أنهـم كانوا قوماً موحدين، ثم ابتعدوا عن صراط الله الحق المستقيم بالتدريج. وإلا فلا يجوز أن يطالبهم بالعودة والرجوع الى الله ولم يسبق لهم عبادته.
أما الاشارة في أن الله قريب مجيب لدعوة الداعي إذا دعاه، فتشير الى أن رحمة الله موجودة بالفعل وعلى الدوام ولم تنقطع لحظة واحدة عن البشر، كما قال تعالى
(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا)(1 الإنسان)
، والنبي صالح(ع) يحاول أن يفهمهم أن رحمة الله قد نزلت عليهم بالفعل، وهي الآن على شكل شريعة سماوية، وهي قريبة جدا منهم وبينهم، وان الله استجاب لدعائهم وتوسلهم واستغفارهم وأنزل عليهم رحمته اليوم، وهي ظهوره بينهـم ونزول شريعته اليهم، ليكشف عنهم ما أصابهم من كرب وما نزل بهم من غمة وما انتشر بينهم من فساد وكفر، لأنهم كانوا ما يزالون ساعتها آخر جيل من مؤمني الأمة السابقة صاحبة الكتاب، وهو يحاول أن يفهمهم أنهم وبمجرد اتخاذهم قرارهم النهائي، فرادى أو جماعات، بالصدّ عن شـريعته، وبمجرد أن يعلن لهم إتمام حجته عليهم، كما أعلن سيد المرسلين بهذا الإعلان من بعد في قوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا)(3 المائدة)، فستدخل أمة ثمود في زمرة الكافـرين عند الله، ومنذ تلك اللحظة وتلك الساعة ستحجب عنهم رحمة الله ولا يستجاب لدعائهم، كما قال تعالى (قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ)(50 غافر
هـذا إضافة الى أن الآية الكريمة مورد البحث توضح أن هناك علاقة قوية بين ظهور أديان الله والأيمان بها من جهة، وبين ظهور الحضارات الانسانية على الأرض من جهة أخرى، وسنأتي على الموضوع لاحقاً وبايجاز.
* [قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ](62 هود).
تشـير الآية الكريمة الى أن النبي صالح(ع) كان معروفا بين قومه بالأخلاق الحسنة والصفات الطيبة والمزايا الحميدة، شأنه شأن أخلاق وصفات جميع الرسل والأنبياء الكرام، لكن قومه وحالما أعلن دعوته الغريبة الجديدة غير المتوقعة بينهم، راحوا يستنكرون عليه هذا التغيير المفاجئ في أقواله وتصرفاته ومطالبتهم بعبادة الله سبحانه وتعالى، لأنهم كانوا بالفعل على دين سماوي ويتبعون شريعة ربانية ولهم رسول وكتاب منزل، بدليل قوله تعالى (أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا). لذلك جاء اعتراضهم عليه، لأنهم لم ينتبهوا الى مقصده الحقيقي في ترك ما توارثوه عن آبائهم من تمجيد وتبجيل لدينهم وأحكـامه والانتقال الى دينه الجديد. فكان ردهم على دعـوته الاستنكار والاعتراض والتكذيب، مع أنه كان يدعوهم الى شريعة جديـدة أهدى من شـريعتهم تزيد من أيمانهم وتكمله، كما قال تعالى (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)(24 الزخرف)، ويطالبهـم بالهجرة مرة ثانية الى الله، كما قال تعالى (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(26 العنكبوت).
* [قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ](63 هود).
يعود النبي صالح(ع) ليوضح لقومه أنه قد اختير بأمر من الله لاعلان دعوته، ويطالبهم بفحصها وتدقيق آثارها والتبيّن من صحة آياتها، ويذكّرهم أنه لا خيار ولا قدرة للرسل والأنبياء المختارين أمام أمر الله، كما قال تعالى
(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ) (94 الحجر)، لأن هذا هو طريق الفلاح والنجاح، وما غير ذلك إلا الخسران المبين.
* [وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ](64 هود).
لاحظنا أن موضوع النقاش بين النبي صالح(ع) وقومه يرتكز على إعلانه دعوة سماوية جديدة، وحثه النـاس على الايمان بالله الواحد الأحد من جديد؛ من هذا يبدو أنه يصف شريعته بالناقـة، لما سبق وسقناه من أوجه التشابه فيما بين استخداماتها واستعمالاتها. لكن شتّان ما بين ظهور رسول جديد وإعلانه أمرا خطيرا كهـذا، وبين طلبه إخلاء سبيل ناقة وتركها ترعى وتأكل من حيث تشاء، فلا علاقة روحية أو دينية واضحة بين الأمرين. أما ما يلفت الانتباه في الآية الكريمة، فهو وصفها بـ
(نَاقَةُ اللَّهِ)، والمقصود بالناقة هنا هي شريعة الله التي ستنقلهم من جنة دينهم القديم الى جنة دينه الجديد، أو التي ستخلصهم من أرض دين جفَّ ماء أيمانه وانقطعت ثمار أشجار أعماله الصالحة الى أرض دين طيبة مليئة بفواكه الآيات الجديدة وثمار الحكمة والمعرفـة الطازجة. وطالما ضربت آيات القرآن الكريم الأمثال لتقريب مثل هـذه المفاهيم لأذهان العقلاء والحكماء من الناس، كما قال تعالى (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ)(43 العنكبوت). فصالح(ع) يعود لينبه قومه أن رسالته سماوية من عند الله وفيها من الحجج والبراهين والدلائل ما يثبت ذلك، ويطالبهم بعدم الاعتراض عليها او محاربتها وعقرها، وتركها تسري في أراضي قلوب الناس لترتع في حقول عقول كل من يود الاستجابة لهـا، لأنه من المؤكد أن من سيعترض عليها ويحاربها، سـيقع تحت طائلة عذاب الله وقهره. وهذا يثبت لنا أن رحمة الله سبحانه وتعالى تتكرر على عباده كلما تبدلت أحوال الناس وتطورت مجتمعاتهم، ولا تنزل عليهم إلا على شكل شرائع سماوية.
* [فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ] (65 هود).
من المهم جدا أن نبحث عن معنى (اليوم) في كتاب الله، فإذا قرأنا قوله تعالى (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)(5 السجدة)، نفهم أنه يشبه عمر شرائعه باليوم الواحد، فمثلما لليوم الزماني بداية ونهاية، ونهار وليل، ونور وظلمة. كذلك هو الحال بالنسبة لعمر الشريعة، إذ لها بداية ونهاية، ولها زمن نور وقوة وانتشار، وزمن ظلام وضعف وانحسار.
إذن، فالآية الكريمة تريد أن تقول: ان قوم ثمود رفضوا الاستجابة لرجاء النبي صالح بالأيمان، ولم يقتنعوا بدلائله، وقاموا عليه وعلى أتباعه بالصد والنكران والمعارضة، لذلك جاء تحذيره وتنبؤه لهم بابتداء موعد زوال آثارهم وانحسار قوة حضارتهم منذ تلك اللحظة، وأكد لهم أن هذا وعد إلهي لا رجوع فيه، فقد انتهت مدة تنبيههم ومسامحتهم، وبهذا سيستمرون على اسم دينهم لمدة ثلاث أيام شرائع تالية، ثم يختفي اسمهم واسم شريعتهم ويمحى من الأرض الى الأبد.
* [فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ](66 هود).
ومنذ تلك الساعة، ووقتما انتهت مهلتهم للتحقق من صحة أمر الله في دين النبي صالح، بدأت حضارة قوم ثمود ومجدهم وقوتهم بالانحلال والزوال واعتبروا عند الله قوم سوء أخسرين، حتى اختفى اسمهم ورسمهم من بين البشر. لأن الله غني عن عبادة خلقه، وأمره أقوى من أن يوقفه اعتراض الجاهلين. بينما راحت شريعة صالح(ع) الجديدة تنمو وتنتشر في قلوب الناس، ففاز برحمة الله وبركاته كل من آمن بها ونجى من عار الكفر وخزي التعصب.
* [وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ](67 هود).
وبهذا اختفى قوم ثمود وبادت حضارتهم بالتدريج والى الأبد، بسبب ارتفاع صوت الحق وصيحته، ونفخ النبي صالح(ع) في صور الأيمان وبوق الدين الجديد الذي كان إعلاناً عاما لبدء موت من كفر بها روحانياً، وحياة من تقدم للايمان بدعوتها روحياً.
ونعود لنقول أن حضارات البشر ترتبط ارتباطا وثيقا بظهور الديانات السماوية وانتهائها، فكل أمة تنتبه لخطورة وأهمية الايمان بالشرائع السماوية وتتقدم لتصديق رسل الله وتذعن لأمرهم، يبقى اسمها ويستمر ذكرها ويعلو شأنها وتحل عليها البركات والنعم ويرزقها الله من حيث لا تحتسب، حتى ولو تغير اسم دينها واسم رسولها وتبنت شريعة سماوية جديدة، فستبقى في حالة علو وسمو مستقطبة ما حولها من الأمم ليذوبوا في أمتها ويندمجوا في حضارتها. أما إذا ظهر منها وفيها جيل يغفل عن هذه الحقيقة ويستنكر ويجهل تأثير قوتها ، عندها تبدأ عوامل الاندثار والانحلال تنخر في هيكـل بناء مجتمعاتها فتنتشر فيها عقائد الأوهام والأباطيل، فيختفي أثر حضارتها تدريجيا والى الأبد.
ومن المؤسف أن نرى غالبية الأمم القديمة من أصحاب الكتاب قد غفلت عن هذه الحقيقة الفريدة، عندما رفضوا التجديد وابتعدوا عن التطوير وتشبثوا بقديم أديانهم وغالوا في محبة رسلهم وصدّوا وبعدوا عن كل من ظهر بعدهم، وتمسكوا برجال دينهم، لدرجة أنهم جزموا بانقطاع رحمة الله عن العباد، وكأنهم يظنون أن بأيمانهم بمن ظهر عليهم من جديد الرسل، سيدخلون نار غضب الله بدلا من جنة رحمته، وهذا ما
حذر سبحانه وتعالى منه مراراً في كتابه العزيز.
لكن هذا الانحدار والاختفاء للحضارات، يستغرق وقتا أطول مما يستغرقه وقت علوّها وسموّها، لذلك يصعب على العلماء والمهتمين بالحضارات الانسانية والباحثين عن حقائق ظهورها وزوالها، ملاحظة هذه الأسباب واكتشاف حقيقة ما حدث لتلك الأمم الغابرة بشكل واضح، خاصة وهم يستعملون أدلة مادية في بحوثهم للعثور على آثار روحانية معنوية، فشتان بين السبيلين، وبعدما تغيرت لغاتها وتبدلت أقوامها ولم يتبق من آثارها إلا بقايا مهلهلة وإشارات ضعيفة لا تعطي صورة واضحة لما جرى لها أو تكشف عن أسبابها بشكل صريح، علاوة على وجود تأثيرات الزمان وعوامل التعرية الطبيعية ومرور آلاف السنين. فكم من أمم في مختلف أصقاع الأرض لم يكلمنا القرآن الكريم عنهم وعن أحوال حضاراتهم وشؤونها، كما قال تعالى
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُـوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(9 الروم)، وكم من دين ورسول أو نبيّ لم يأت على ذكرهم أو ذكر أتباعهم، كما قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ)(78 غافر)، وما سبب ذلك إلا لأن القرآن الكريم كتاب سماوي روحاني يشجّع الناس على الأيمان والهدى، وليس كتاب تاريخ شعوب أو جغرافية أقاليم، فهدفه الأول والأخير هو هداية الناس وتحذيرهم من مغبة الكفر التي وقعت فيها جميع أمم القبل، كما قال تعالى (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)(102 الأعراف). إلا أن القرآن الكريم لم يترك ذكر تلك الأمم تماما، بل بقي يشير اليها والى رسلها بشكل عام وبإشارات دقيقة لتشابه أسباب اختفائها، وبرموز وإشارات لطيفة، خاصة من سكن منهم أرضاً قريبة من أرض العرب، كما في إشارته الى أمة المجوس في ايران وتعيينه مكان ظهور رسولهم زرادشت قرب نهر آراس شمال غربها (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا)(38 الفرقان)، وكذلك قوله الكريم (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ)(12 ق). وما الغاية الأخرى من هذا الاسلوب الإعجازي وإشاراته اللطيفة الدقيقة، إلا لإخفاء جوهرة الامتحان الحقيقية والتركيز على نقطة الغفلة التي مر بها أتباع جميع الديانات السماوية القديمة والتحذير منها. وبهذا القانون السماوي يمكن الاستنتاج أن غالبية تلك الأمم القديمة، إما كفروا بأول رسول ظهر عليهم، أو أنهم كفروا بالرسول الذي تلاه، ولم يسبق لأمة من تلك الأمم أن استمرت على تصديق سلسلة رسل الله واحدا تلو الآخر دون انقطاع، وهذا هو سرّ خطأ الانسان الأزلي، وهذا ما يفسر قوله الكريم (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)(106 يوسف).
* [كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ]
(68 هود).
لاحظنا أن قوم ثمود كانوا يدينون بدين سماوي قبل ظهور النبي صالح عليهم، وأنهم كانوا من الموحدين لله سبحانه وتعالى، وما مشكلتهم في زمن ظهور النبي صالح(ع)، إلا أنهم رفضوا تجديد دينهم كما أمرهم الله؛ من هنا نستغرب لقوله الكريم (كَفَرُوا رَبَّهُمْ)! فكيف يكونوا كفروا ربهم، وهم موحدون ويتبعون شريعة سماوية قديمة؟
فـإذا تذكّرنا قولـه الكريـم في سورة يوسف (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ)(41)، ندرك ان الله سبحانه وتعالى يستعمل كلمة (رب) حسب استعمالهـا القديـم بين الأمم السابقة، فلقد كان قدماء البشر يطلقونها على أنبيائهم وملوكهم وأمرائهم ورؤسائهم وكبار قومهم وسادتهم.. الخ. إذ ليس من المعقول ان يسقي هذا السجين ربه بالمعنى المقدس، خمراً.
من هذا نفهم أنه سبحانه وتعالى يطلق هذه الكلمة على النبي صالح(ع)، فهو سفيره ورسوله وسيّد قوم ثمود وملك ملوكهم وسبب أيمانهم، وبظهوره فصل بين المؤمنين والكافرين وحكم بينهم، فدخل كل من آمن بدعوته الى جنان الله وخلده، وسيق الكافرون الى نيران جهنم وبئس المصير.
وباختفاء آثار دين وحضارة قوم ثمود جرّاء كفرهم وتكذيبهم لرسالة نبيّهم صالح(ع)، اختفى ذكرهم من الأرض وكأنهم لم يكونوا من أصحاب الكتاب، ولم تكن لهم قبل ذلك حضارة عظيمة. وبذلك لم يؤثر اختفائهم في استمرار رسالات الله وتجدد شرائعه، ولم يحزن عليهم أحد، لا سماء دينهم ولا سماء شريعتهم ولا أراضي الأيمان الطويلة الممتدة، كما قال تعالى
(فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ)(29 الدخان).
Powered By Blogger