Monday, May 12, 2008

من التأملات الروحانية للسيد-سيفى سيفى من خلال المنظور والمفاهيم البهائية


ونتابع ناقة النبى صالح

(2)


* [وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ](74 الأعراف)، يؤكد فحوى هذه الآية المباركة، أن قوم ثمود ظهروا بعد قوم عاد، وكان لهم شريعة سابقة ورسول سابق قبل ظهور النبي صالح(ع) بينهم، فالتذكير بأمر من الأمور، يعني العودة بالفكر الى الماضي وتذكّر أحداثه، لذلك جاء استعمال كلمة (وَاذْكُرُوا) لتشير الى سابق عهدهم باستخلاف الأرض. وبما أننا علمنا أن من معاني استخلاف الأرض، هو استخلاف أرض الأيمان والدين، كما أيّد ذلك قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)(55 النور).
إذن، فالآية الكريمة مورد البحث، تشير الى أنه سبق وكانت أمة ثمود متسلطة في الأرض وكان لها حضارة بعد أمة عاد أصحاب هود(ع)، بسبب أيمانها بدين سابق لظهور النبي صالح عليهم، وأنهم وصلوا الى مستوى حضاري عال استطاعوا فيه بناء قصور عالية في السهول ونحت بيوت لهم في صخور الجبال. وهذا يعني أيضاً أنهم يعيشون في زمن النبي صالح في مستوى اجتماعي دان وحضارة آيلة الى الزوال، لأنه يذكّرهم بما سبق وحصلوا عليه من عز ورخاء وحضارة بعدما آمنوا برسولهم السابق، ويحذرهم من استمرار فسادهم في الأرض، أي من معصية الله والكفر برسالته.

* [قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ](75 الأعراف). وكما حدث ويحدث في زمن ظهور كل نبي أو رسول، قام المستكبرون ورؤساء القوم على النبي صالح(ع) ليعاندوه ويستنكروا عليه هذا المقام الإلهي الرفيع ويحثوا أتباعهم على الكفر به وبدعوته، وراحوا يسألون من آمن من قومهم بدعوته من العبيد والفقراء والمساكين: كيف علمتم وتأكدتم من صحة دعوة صالح(ع) وأحقيتها، وأنتم جهلة أميون لا تقرأون ولا تكتبون، وليس لكم نصيب من علوم الأولين؟ فكان جواب المؤمنون: أنهم استدلوا على ذلك بقوة الله وهديه واستعانوا بنورانية قلوبهم وصفاء سريرتهم، وبوجود هذا الهيكل المقدس بينهم، ومن خلال ما سبق وعرفوه من أخلاقه الحسنة.
ومن الملفت للنظر ما جاء من تباين بين مفهوم سؤال المعرضين وبين جواب المؤمنين، فسؤال المعرضين يرتكّز على العلم والمعرفة (أَتَعْلَمُونَ)، بينما جاء جواب المؤمنين ليشير الى الهدي والهدى والايمان (مُؤْمِنُونَ)، وهذه نقطة جوهرية مهمة، فلقد كان الأيمان برسل الله وأديانهم على الدوام، لا يرتكز على العلوم والمعارف الدنيوية المكتسبة، بل على المنح الربانية والصفات الإنسانية الراقية كالإنصاف وصفاء القلب ونورانية السريرة وطهارة الضمير وصدق الأيمان وما يتمتع به الانسان من شجاعة أدبية ذاتية ومناصرة للحق والشجاعة والإقدام، كما قال تعالى
(وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)(35 فصلت). وكذلك قوله الكريم (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)
(88،89 الشعراء).
وهذه الآية الكريمة، تفتح الآفاق لمعرفة الفرق بين صفة العلم وصفة الأيمان. فالعلم أمر متعلق بالعقل والتفكير، بينما يتعلق الأيمان بالقلب والروح والفؤاد. وهذا ما يفسر الصعوبة البالغة التي يعانيها الانسان عندما يشاء تغيير دينه مهما كان مستواه العلمي، لأنه يتعامل ساعتها مع جوهر حقيقته وصميم روحه وجذور ضميره وأيمانه التي لا تتفق معها معاييره العلمية. لذلك فهو يحتاج الى قوة روحانية عالية جدا لتحقيق هذا الهدف، ولا يجد هذه القوة العظيمة إلا في قوة الأيمان المنبعثة من دينه السابق. لذلك عليه أن يتخذ أيمانه متاعاً له وسفينة لعبور برزخ الاضطراب والاهتزاز والقلق والتذبذب، حتى ينتقل من ماء بحر الشريعة السابقة المالح الأجاج الى ماء بحر الشريعة التالية الفرات الزلال، وهذا ما تشير اليه الآية الكريمة في بعض مقاصدها
(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (11 الرعد).
بينما يكون الأمر أكثر سهولة في حالة التعامل مع العقل والأفكار والعلوم والمعارف الدنيوية، فمن الممكن أن يقتنع أصحاب الأفكار أو النظريات العلمية، مع بعض الجهد في النقاش أو من خلال قراءة كتاب، فيغيروا آرائهم وينتقلوا بأفكارهم من نظرية الى أخرى أو من مبادئ حزب الى مبادئ حزب آخر
.
* [قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ](76 الأعراف).
يعود المستكبرون والرؤساء الرجعيون، ليردوا على أتباع صالح(ع) ويقولون لهم بتعجب: أنهم ورغم كل ما يتمتعون به من علوم ومعارف، لم يستطيعوا اكتشاف أية علامة أو إشارة واضحة في كتبهم أو آثارهم على ظهور رسول أو نبي جديد بينهم؛ واستناداً الى ذلك، قرروا تكذيب دعوة صالح وعدم الايمان بها.
فيذكّرنا هذا الموقف المتعصب بالآية الكريمة الأخرى
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)(24 الأنفال)، حيث أن سيّد المرسلين محمد، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، قد أحيا أرواح الناس بالأيمان مثلما فعلت جميع رسل الله من قبل. فإذا علمنا أن من أكبر السدود وأعظم العوائق أمام تجدد أيمان الناس في أزمان رسلهم، هما العلم والمعرفة. نفهم لماذا يعرض الناس عن دعوات الرسل. فالعلماء والمهتمون بشؤون المعرفة يبحثون عن الإثباتات العقلية والأدلة النقلية وما يقنعهم بصحة وأحقية رسالات الرسل، حسب مستوياتهم الذهنية، ناسين أن المتكلم هو رب العقل وخالقه وأنه لا مجال للنسبة أو المقارنة بين الطرفين، وأنه يكلم الأرواح المعنوية أولا ومن ثم العقول بالمفاهيم المادية. لذلك نراهم المبادرين على الدوام بالإعراض والاعتراض والصد والنكران عند ظهور كل رسالة عليهم، فهم يستشيرون عقولهم قبل أرواحهم. وهذا ما يفسر شأن ومقام أوائل المؤمنين والصحابة الكرام والسابقين الناصرين لأديان الله، إذ يكون غالبيتهم من طبقات العبيد والفقراء والضعفاء، ومن يطلق عليهم المستكبرون صفات الأراذل والأميين وبسطاء الناس. فعلى سبيل المثال، كان أول المؤمنين بدين سيدنا محمد(ص) من فئة العبيد والضعفاء، كما يشهد التاريخ بذلك، وكما قال تعالى (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ)(111 الشعراء) وكان غالبية حواريو السيد المسيح(ع) من الأميين والجهلة وصيادي الأسماك، وكذلك هو حال من آمنوا بدعوة سيدنا موسى(ع) من بني اسرائيل، كانوا مستضعفين في الأرض تحت سلطة فرعون الغاشمة، كما قال تعالى (فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)(27 هود).


* [فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ](77 الأعراف).
وبهذا الاعتراض عن الأيمان بدعوة صالح(ع)، راح المعاندون يعترضون عليه ويكذبونه ويشوهون سمعة شريعته ويقولون بعدم اتفاقها مع أحوال مجتمعاتهم ويقعدون في كل طريق ومرصد ليصدوا الناس عن الايمان بها وينشرون الأكاذيب والافتراءات عنها ويحاولون إعادة كل من آمن بها من قومهم الى دينه السابق، ويتحدّونه أن ينزل العقاب بهم كما يعدهم، لأنهم كانوا ينظرون الى كثرة أعدادهم وسعة أرضهم وقوة حضارتهم.
* [فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ](78 الأعراف).
إذا علمنا أن من معاني (الرَّجْفَةُ) هي يوم القيامة ويوم الحساب، نتساءل: لماذا عاقب الله قوم ثمود على كفرهم، ولم يعاقب الأقوام الكافرة من بعدهم؟ ولماذا قامت قيامتهم على الخصوص، والقيامة العامة الموعود بها جميع البشر لم تقم حتى الآن؟ إذن لابد أن يكون هناك معنى آخر لما ورد في هذه الآية الكريمة، خاصة إذا تذكرنا، كم من الأمم الكافرة ما زالت تعيش معنا في هذه الأيام وهي غير مؤمنة بسيد المرسلين وحبيب الله والمصطفى المختار، بل ولا تدين بدين سماوي. فما الفرق بين هذه الأمم وبين تلك الأمـم؟ وهل أن الكفر بدين سيدنا صالح(ع) كان أكبر إثماً وأشـد ضلالة من مخالفة سيد المرسلين محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام؟
فإذا نظرنا الى كلمة (جَاثِمِينَ)، ندرك أن من معانيها الجلوس والبقاء وعدم الحركة، فلماذا لم يستعمل جل جلاله، كلمة أخرى أكثر دقة، للإشارة الى موت وفناء واختفاء قوم ثمود، خاصة إذا نظرنا الى كلمة (دَارِهِمْ) ولم يقل قبورهم أو لحودهم، ألا يعني ذلك بقائهم في مساكنهم دون تغيير؟ فالقرآن الكريم يعتبر حجة في البلاغة واللغة، كما قال تعالى
(قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(28 الزمر).
نعود الى كلمة (الرَّجْفَةُ) أو القيامة أو الساعة، ونتساءل: كيف قامت قيامة قوم ثمود وحوسبوا، والقيامة الموعودة لم تقم بعد؟
لا نستعين في هذه المعضلة الخطيرة والمسألة الدقيقة بغير كتاب الله، فنقرأ قوله الكريم
(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(55 آل عمران)، هنا نجد ان الله سبحانه وتعالى يعد سيدنا المسيح(ع) برفعة أمته وعلوها فوق أمم الكافرين الى موعد محدد، وهو (يَوْمِ الْقِيَامَةِ). وبما أن هذه الآية الكريمة تشير الى حدث قد تم وحدث ومضى زمانه، وظهرت أمة النصارى وسمت وارتفعت فوق غيرها من الأمم لقرون عديدة، عندما كان الأباطرة وملوك النصارى ومن خلفهم البابوات وكل من دان بدين المسيحية ليساندوهم ويؤيدوهم، حتى يشنّوا الحملات الصليبية ويجيّشوا جيوش الحرب على غيرهم من الأمم ليدخلوها في أمتهم. يكون بحصول كل تلك الأحداث التاريخية السابقة، أن وعد الله لأمة السيد المسيح(ع)، قد تمَّ وتحقق، ولكـن بجزئه الأول. وعندما نقرأ أن أمة المسلمين بعدما ظهرت، راحت تتوسع أرضها وبطاحها وامتدت بعيدا حتى شملت كثير من أقاليم أمم النصارى كما حدث في أرض الشام وفي مصر والأندلس وشرق أوربا. هنا نتوقف عند هذه النقطة، ونتساءل عن نتيجة ومصير وعد الله لأمة النصارى في البقاء في علو وسؤدد حتى مجيء يوم القيامة؟ إذ أن هذا اليوم المشهور لم يأت بعلاماته المعروفة للجميع، والنصارى لم يستمروا في علوهم وسموهم، بل ظهر رسول جديد على الناس، هو محمد المصطفى المختار، عليه أفضل الصلاة والسلام، فأسس أمة جديدة نشر شريعة الاسلام بين الناس امتدت ثغورها الى أقاصي الأرض واستولت على كثير من أراضي النصارى وممالكهم! فكيف يفسر ذلك وأين وعد الله لهم، خاصة وأن هذا الوعد الإلهي قد نزل في القرآن الكريم، ولم ينزل في كتاب الإنجيل؟
من تحقق كل تلك الأحداث الدينية والتـاريخية الجسام، ندرك أنه من الممكن أن يكون لمعنى يوم القيامة والساعة والرجفة، معنيين اثنين، الأول خاص محدد، والثاني عام شامل. وبذلك لـم تكن قيامة أمة النصارى التي وعدهم بها رب العباد، إلا تلك القيامة الخاصة المحـددة بحدود الزمن، بدليل مجيء أمة مؤمنة أخرى بعدهم أنجزت بظهورها وحققت بمجيئها وعد الله عليهم وأنهت بقيامها ووجودها وعد الله لهم. وبهـذا فقيامة شريعة الاسلام وقيامة سيد المرسلين وقيامة أمة الاسلام وقيـامة نزول كتاب القرآن الكريم، كانت هي حقيقة نهاية موعد الوعد الإلهي المحدد الخاص بأمة النصارى. وكان هي قيامتهم الخاصة وقيامتهم الصغرى. وبهذا يتحقق الوعد الإلهي في كتابه الكريم بانتهاء رفعتهم وسموهم الى يوم قيامة شريعة الاسلام.
من هذا قد يكون أن قوم ثمود قد قامت قيامتهم الصغرى وحلَّ موعد ساعتهم المحدودة، فور صدّهم وكفرهم بدعوة رسولهم صالح(ع)، كما حدث فيما بعد مع أمة النصارى. ومنذ تلك الساعة بدأ نجم أسمهم يأفل وشمس شريعتهم تغرب وقوة حضارتهم تختفي وسعة بحر علومهم ينحسر، ورويدا رويدا اختفى ذكرهم ورسمهم ورمزهم من تاريخ البشرية وذابوا بين أجيال بقية شعوب الأرض، ولم تبتلعهم الأرض بين طبقاتها ولم يحترقوا بنيران الشهب والنيازك، بل بقوا يعيشون على الأرض حتى ذابت أمتهم بين بقية الأمم بعد أن انحسرت عنهم رحمة الله وبركاته وتأييده، كما قال تعالى في شأن فريقي الأيمان والكفر
(كُلا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)(20 الإسراء).
* [فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ](79 الأعراف).
ومما يثبت ويدل على أن قوم ثمود لم يموتوا موتاً جسـدياً ولم يختفوا عن وجه الأرض بعدما أصابتهم الرجفة وبعدما أصبحوا جاثميـن في الأرض، ما تقول به هذه الآية الكريمة التي تكمل ما سـبقها؛ فهي توضح أن النبي صالح(ع) ابتعد ونأى عن قومه وشـرع في عتابهم. ولو كان قـد حصل ما تنبأت به الآية السابقة من عقاب جسـدي بشكل مـادي، لما تمكن من معاتبتهم وإخبارهم بتمام عمله وما أمره الله بـه. لأنهم يكونون قد ماتوا وانتهى أمرهم، وبذلك لا يستطيع مخاطبتهـم وعتابهـم. بل ولجاء تسلسل مكان هذه الآية الكريمة قبل سـابقتها لتتفق مع توالي الأحداث، فالعتـاب لابد ان يسبق الموت حتى تتضح الحجة ويثبت الدليل. وما هذا الحديث والعتاب الإلهي، إلا دليل على موتهم موتاً روحياً ايمانياً وليس موتاً جسديا. أمـا الدليل الحيّ الآخر على ذلـك، فهو ما نشاهده اليوم من أمم عديـدة تدين وتعتقد بمعتقدات قديمة بالية أو سخيفة كافـرة، فلو كان الأمر كمـا يصوره ظاهر الآية مـن موت وهلاك كل أمة بعد كفرها، لما بقي هؤلاء على وجه الأرض حتى اليـوم، ولكان من الأولى أن يموت ويفنى من كذّب وكفر ولم يؤمن بدين سيد المرسلين والمصطفى المختـار.

(استنباط سيفى سيفى)

Friday, May 2, 2008

تأملات روحانية للسيد-سيفى سيفى من خلال المنظور والمفاهيم البهائية

(1)
من معـاني قصـة
ناقـة النبي صالح(ع
(تطابق الديـن والعلـم)

بسم الله الرحمن الرحيم

وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

(49 الذاريات)

من بين قصص الرسل والأنبياء الكرام العديدة، نتناول قصة النبي صالح(ع) التي ورد ذكرها كثيراً في القرآن الكريم، ونتأمل حياة هذا النبي الكريم وكيف عاش بين قوم ثمود وما لاقاه منهم من صدّ وعناد واعتراض، كما هو حال جميع الرسل والأنبياء الكرام، وبهذا كان لابد لنا من التطرّق الى ناقته ومحور قصته التي بجّلها وعظّمها سبحانه وتعالى كثيرا ورفع من شأنها ومقامها لدرجة أن مجرد الاعتداء عليها أو المساس بها كان السبب في موت وفناء قوم ثمود بمجملهم. ونستغرب لكل تلك الصفات وذلك الاهتمام الكبير الذي يصفها بها رب العباد وما حظيت به من مكانة سامية عنده وكيف أمر الناس بتركها لحريتها تفعل ما تشاء وترتع أينما تريد وعدم المساس بها، وهي ناقة وحيوان مثل غيرها! وبهذا يبزغ في أفق العقول مجموعة من الأسئلة: هل كانت هذه الناقة دابة مثل بقية النوق، وما هو الفرق بينها وبين غيرها؟ وكيف كان يميزها صغار القوم وكبارهم؟ ولماذا نالت كل هذا الدعم والاهتمام الرباني؟
يحاول هذا البحث بوريقاته القليلة الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها فقد يسلّط قبساً من النور على ما توارثناه عن أجدادنا من مفاهيمها
.
من الآيات الكريمة التي أشارت الى قصة سيدنا صالح(ع) وقوم ثمود وأمر الناقة وموضوعها، نجد باقة لطيفة منها، جاءت في مجموعة من السور المباركة، لذا سنحاول جمعها والاستهداء بهديها عسى أن نتمكن من توضيح بعض ما نستطيع من معانيها بعون الله وقدرته.
ورد في سورة الأعراف الآية رقم 73:ـ
* [وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا] أي أن النبي صالح(ع) كان من قوم ثمود وعاش بينهم، وبذلك فهو يتكلم ذات لغتهم.
[قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] أي انه دعاهم الى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده وترك ما دونه.
فنتساءل: هل كان قوم ثمود يعبدون إلهاً آخر؟ أم أنهم سمعوا بفكرة التوحيد لأول مرة من النبي صالح(ع)؟ أم كانوا ملحدين لا يؤمنون بوجود خالق لهذا الكون؟
* [قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ] هنا كان من الضروري البحث عن معنى كلمة (بَيِّنَةٌ)، لنتعرف على حجة النبي صالح(ع) أمام قومه، وخير مكان نبحث فيه، هو القرآن الكريم، لأن معنى هذه الكلمة يعتبر من أهم مفاتيح أسرار هذه القصة السماوية.
جاء في سورة البيّنة ما يشير الى بعض معانيها، قال تعالى (لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ . رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً . فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ . وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ)(1-4 البيّنة)، في هذه الآيات الكريمة يتضح بجلاء معنى البيّنة وهو (رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ)، وكذلك تعني: الكتب السماوية، (كُتُبٌ قَيِّمَةٌ).
إذن فالنبي صالح(ع) هو رسول مقدس جاء بكتاب سماوي لقوم ثمود، كما قال تعالى عنه
(فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا)(13 الشمس). إذن، هو يعلن عن نزول شريعة سماوية جديدة، لأن من مقومات الشريعة هما الرسول والكتاب.
أما إذا التفتنا الى معنى كلمة (جَاءَتْكُمْ)، وأخذناها بمفهوم الزمن الماضي، فقد تعني أنه قد سبق وظهر على قوم ثمود شريعة سماوية سابقة قبل ظهور النبي صالح(ع). وهذا ليس بأمر جديد على الله أن يظهر رسول بين أمة لها رسول سابق، فقد عاد وكرر ذلك بظهور السيد المسيح(ع) بين أمة اليهود. وفي هذه الحالة قد يكون قوم ثمود من أصحاب الكتاب السابقين، والنبي صالح(ع) هو رسول آخر يظهر بينهم. وأغلب الظن أنها فكرة صحيحة، بدليل كلمة (رَبِّكُمْ)، فلو كانوا لا يؤمنون بالله، لما استعملت هذه الكلمة، لأنهم في هذه الحالة يكونون ممن لا يعبدون أو لا يعرفون رباً لهم، وبهذا لا تصح طريقة المخاطبة.
لهذا سنحاول اكتشاف ما إذا كان قوم ثمود أصحاب كتاب سابق قبل ظهور النبي صالح(ع)، أم كانوا قوما ملحدين، وذلك من خلال تسلسل آيات هذه القصة القديمة
.
* [هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً] نلاحظ أن النبي صالح وبعد إعلانه عن نفسه بأنه رسول من عند الله وأن معه كتاب، عاد فقال (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ)، وبهذا نتساءل: هل هي إشارة الى ناقته أم الى شريعته؟ وأغلب الظن إنها إشارة الى شريعته. فطالما ابتدأ الكلام في هذه الآيات المباركة بتعريف نفسه وشريعته وكتابه، لذا فمن الأرجح أنه يتكلم عن الشريعة والبيّنة وليس عن الناقة. أو قد يكون هذا مثالا يستعمله سبحانه وتعالى لتشابه الغايتين من الناقة والشريعة، فالناقة وسيلة لنقل الناس من مكان الى آخر، والشريعة وسيلة لنقل الناس من أرض دين الى أرض دين أخرى. والناقة تحقق أهدافا مادية، والشريعة تحقق أهدافا روحانية. ومع ذلك سيتضح فيما بعد أي المعنيين هو المقصود.
ثم نقف عند كلمة (آيَةً)، وهنا نجد لها معنيين أيضا، فقد تعني الآيات المكوَّنة من الكلمات والجمل والمنزلة في الكتب السماوية. وقد تعني معجزة خارقة لقوانين الطبيعة. فأي المعنيين أراد بها رب العباد؟

* [فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ](73 الأعراف)، هنا قد يبدو الكلام في أول وهلة عن الناقة باعتبار أن عملية الأكل خاصة بالمخلوقات. لكننا عندما نعلم أن لكلمة الطعام معنيين، الأول مادي والثاني روحاني، نحتار فيما أراده رب العباد، هل يتكلم عن الناقة أم عن البيّنة والشريعة؟
فإذا تذكرنا قوله تعالى
(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)(197 البقرة)، نلمح قبساً من المعنى الروحاني، فهنا استعملت كلمة الزاد على أنها طعام الأيمان والتقوى وليس الطعام المادي. وإذا تذكرنا قول سيدنا يوسف(ع) للسجينين في السجن معه في قوله تعالى (قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)(37 يوسف)، وعلمنا أن الأكل والطعام المادي لا يأول ولا يفسر، أدركنا أنه يتكلم عن الطعام الروحاني، أي الآيات الإلهية، بدليل أنه يقول (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي)، هذا بالاضافة الى أن هذه الآية الكريمة، تتكلم عن الأيمان والكفر والآخرة وليس عن غذاء البطون. أما إذا تذكرنا قوله الكريم على لسان سيدنا المسيح(ع) (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ)(114 المائدة)، فنجد ما يؤيد المعنى الروحاني، حيث قال (تَكُونُ لَنَا عِيدًا) ولم يقل: تكون لنا غذاء أو طعاما أو شبعاً. كما أنه قال (لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا) ولم يقل لنا أو لمجموعتنا. وهذا يعني من بداية أيمان الناس بدين المسيحية وتأسيسهم أمة النصارى، حتى زمن ظهور الرسول محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، حينما سيختم رسالتي بظهور دينه الاسلام الآخر.
إذن قد يكون الكلام عن الطعام الروحاني وليس عن طعام اللحوم والخضروات. ومع ذلك لنستمر ونرى.
لكن ماذا عن معنى العبارة الكريمة (أَرْضِ اللَّهِ)، ألا تدل على أنها هذه الأرض الترابية؟ فنعود لنستدل بكتاب الله الكريم، فهو خير ما يستدل به. قال وقوله الحق في مجموعة من آياته الكريمة، نأتي عليها بالتسلسل
:
1- (قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ)(56 الأنبياء)، هذه شهادة أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم(ع)، فهو يشهد أنه قد رأى كيف فطر الله السماوات والأرض، وهذا أمر غير معقول حسب التسلسل الزماني، إذ أنه ولد وعاش بعد ذلك الحدث العظيم بقرون وأزمنة عديدة، وبذلك لا يمكن أن يكون من الشاهدين ولا يمكن ان تعقل شهادته. لذلك لابد ان تكون لشهادته معاني أخرى. فإذا أخذنا معنى كلمة الأرض على أنها أرض قلوب المؤمنين وأرض عقول العباد وأرض بصائرهم، هنا نجد بعض التطابق مع مفهوم الآية الكريمة ومع شهادته، فلقد شاهد سيدنا إبراهيم(ع) بالفعل وبالحق كيف فطر سبحانه وتعالى أراضي قلوب وعقول وبصائر الناس والعباد وبذر فيها بذور الأيمان ثم أنبت فيها أثمار الأعمال الصالحة وفواكه الايقان، وكيف رعاها بعين عنايته وبأيدي المؤمنين وبتوجيهات رسله وأنبيائه. والأكثر من ذلك، أن سيدنا إبراهيم(ع) كان قد ساهم بنفسه في هذا العمل الجليل المقدس مثلما ساهم غيره من بقية الأنبياء والمرسلين، وفطر سماء الشريعة السابقة لشريعته وكشط مفاهيمها العتيقة من سماوات عقول أتباعها، ومدَّ وبسط سماء دين جديد بدلها، ونثر فيها مختلف أشكال نجوم الأحكام والنواهي. وبهذه الطريقة وهذا المنظار، تصح شهادته الكريمة أمام الله وأمام الناس.
2- ومما يؤيد هذا المعنى أيضا، قوله تعالى (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا)(51 الكهف)، فمن المؤكد أن الله سبحانه وتعالى لم يعط مثل هذه الفرصة لأحد من عباده حتى يرى خلق السماوات بنجومها وكواكبها أو خلق هذه الأرض الترابية، ولا حتى لسيدنا إبراهيم(ع)، ولم يسبق أن أشهد أحداً من الناس كيف تم خلقه وبعث الروح فيه. كما أنه ليس هناك حاجة لذكر وتأكيد هـذه المعلومة، فالكل يعرفها ومتأكد منها، إذ لم يسبق لأحد من البشر ان شاهد خلق السماوات ولا خلق الأرض ولا خلق نفسه.
لكن المقصد الكريم أن الله سبحانه وتعالى لم يشهد الكافرين ولا المضلين، بل ولم يمكِّنهم من مشاهدة كيفية خلق أراضي الأيمان في قلوب الناس وعقولهم، لأنهم لم يكونوا منهم ولم ينخرطوا بين صفوفهم، فمثل هذا الخلق الروحاني الرباني ، لا يسأل الكافرين أو المضلين عن رأيهم ولا تقبل مشاركتهم فيه، بل يستعان بأيدي وسواعد وأعضاد المؤمنين والصالحين، وتطلب مشاركة صفوف جيوش الموقنين والأتقياء في بناء سماوات أديان الله وأراضي الأيمان في قلوب العباد من خلال النشر والتبليغ وطرق التعامل الحسنة، فهم القائمون على تنفيذ هذا العمل الجليل المقدس وليس غيرهم
.
3- (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ)(30 الأنبياء)، من المستحيل على الكافرين أن يكونوا قد شاهدوا فتق السماوات والأرض أو رتقهما كما تقول به هذه الآية الكريمة، فهذا أمر محال سبق وشهد سبحانه وتعالى بذلك في الآية السابقة. فكيف يمكن التوفيق بين المعنيين؟ لكن المقصود أنه سبحانه وتعالى يشبّه شرائعه بالسماوات لسعتها وكبرها ولضمّها تحت سرادقها أعدادا كبيرة من أقوام خلقه المؤمنين، وأن سماوات هذه الشرائع الإلهية كانت لها على الدوام أرض أيمان وأرض إيقان في قلوب وعقول عباده المؤمنين، وكان سبحانه وتعالى في كل مرة عندما ينسخ شريعة سابقة ويأمر بنزول شريعة لاحقة، يفتق ويفرّق ويفصل بين سماء شريعتها وأرض أيمانها ويمسحها ويزيلها. وبهذا يكون الكافرون من الذين لا يؤمنون ولا يعلمون ولا يشاهدون هذا الحدث الروحاني العظيم. لذلك فهم عاجزون عن مشاهدة فصل أرض الأيمان عن سماء شريعتها في كل زمان ومكان.
4- وكذلك لنأخذ قوله الكريم (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ) (44 الأنبياء)، تقول هذه الآية الكريمة: أن الناس او الكافرين منهم، قد شاهدوا من قبل كيف ينقص سبحانه وتعالى الأرض ويقلل من مساحتها. والحال أن أحدا لم يشهد ذلك، فالأرض ثابتة الكتلة لا تتغير. لكن المعنى الروحاني الآخر، هو: أن الكافرون بالتأكيد قد شاهدوا وبأم أعينهم كيف تنقص أرض الأيمان في قلوبهم، وكيف تنقص وتتقلص مساحات أراضي أممهم، حالما يأمر سبحانه وتعالى بنسخ كتابهم وفتق سماء شريعتهم وكشطها.
5- (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)(25 لقمان)، وفي هذه الآية الكريمة نستغرب من وصف الكافرين بالجهل بعدما قدموا الجواب الصحيح! لكننا عندما نعلم أن السؤال كان عن سماوات الشرائع وعن أرض الأيمان، وليس عن هذه السماء الظاهرة وهذه الأرض الترابية. نفهم لماذا أخطأوا ولماذا هم لا يعلمون. فلقد ظنوا أن مغزى السؤال عن هذه السماوات وعن هذه الأرض وليس عن غيرها.
من هذا يتضح ان هناك معاني روحانية لكلمة الأرض في كتاب الله، مثلما لها معان مادية، منها: أرض القلوب وأرض البصائر وأرض الأيمان وأرض التقوى وأرض الشريعة.. وغير ذلك من المعاني الروحانية العجيبة. وكما نتفق جميعا أن لا حدود ولا نهاية لكلام الله، كما أكد على ذلك قوله الكريم (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(27 لقمان)، كذلك لابد أن نعلم أن لا حدود ولا نهاية لمعانيها في قرآنه الكريم.
وبهذا يكون من معاني بقية الآية الكريمة مورد البحث: أي فاتركوا ناقة شريعة الله تقتات من أراضي قلوب من يشاء الأيمان بها، ودعوها تنثر بذور الأيمان والايقان في أراضي قلوب العباد لتساعدهم على الانتقال من جحيم نار أرض الكفر الى جنة أرض الأيمان المباركة، حتى يخرج من أرجاء أرضها الخصبة أشجار الأعمال الصالحة وثمار العلوم المفيدة، ولا تعارضوا حكم الله ولا تحاربوا أتباعها، لأن من يفعل ذلك يستجلب غضب الله عليه.(استنباط-سيفى سيفى)
تابعونا كى نتعرف على مفهوم ناقة النبى صالح(ص)-فى مقالاتنا القادمة نستكملها معكم.......

Friday, April 18, 2008

بيان المقصود من عتاب الله
لحضرات الانبياء في الكتب المقدسة

( السؤال)

ورد في الكتب المقدسة بعض خطابات زجر وعتاب موجهة لحضرات الانبياء
فمن المخاطب بذلك ولمن وجه العتاب؟


(الجواب)
ان جميع الخطابات الالهية التي عوتب بها حضرات الانبياء انما المقصود بها اممهم ولو انها بحسب الظاهر موجهة الى حضراتهم0 وحكمة ذلك محض الشفقة والرحمة للامم حتى لا تتألم نفوسهم ولا تتكدر خواطرهم ولا يكون الخطاب ثقيلا عليهم 0لهذا كان الخطاب بحسب الظاهر موجها الى الانبياء ولكنهم في الحقيقة للامم0وفضلا عن هذا فالسلطان المقتدر المستقل في مملكته انما يمثل شعبه ورعيته 0يعني قوله قول الكل0ومعاهدة يبرمها هي عهد الكل0لان ارادة شعبه ورعيته فانيه في ارادته ومشيئته 0كذلك كل نبي انما يمثل امته وملته 0لهذا فعهد الله وخطابه مع النبي هو عهد وخطاب مع كل الامة 0والغالب ان خطاب الزجر والعتاب يثقل على النفوس ويسبب انكسار القلوب0

لهذا اقتضت الحكمة البالغة توجيه الخطاب في الظاهر لحضرات الانبياء كما ورد في التوراة0 ان بني اسرائيل عصوا وقالوا لحضرة موسى نحن لا نقدر ان نحارب العمالقة لانهم اقوياء اشداء شجعان 0فعاتب الله موسى وهارون مع ان حضرة موسى لم يكن عاصيا0بل كان في نهاية الطاعة0ولاشك ان شخصا جليلا كحضرة موسى هو واسطة الفيض الالهي والمبلغ لشريعة الله لابد وان يكون مطيعا لامر الله 0فهذه النفوس المباركة انما هم كأوراق الشجرة المتحركة بهبوب النسيم لا بارادتها0لان هذه النفوس المباركة منجذبة بنفحات محبة الله0مسلوبة الارادة بالكلية0
فقولهم قول الله وامرهم امر الله ونهيهم نهي الله وهم كهذا الزجاج ضوؤه من السراج ومهما سطع الشعاع من الزجاج بحسب الظاهر فهو في الحقيقة
انما يسطع من السراج0وكذلك حركة انباء الله ومظاهر الظهور وسكونهم بوحي الهي لا عن هوى نفساني0فان لم يكن كهذا كيف يكون ذلك النبي امينا وكيف يكون سفيرا للحق ومبلغا لاوامره ونواهيه0اذا فكل ما جاء في الكتب المقدسة عتابا لمظاهر الظهور هو من هذا القبيل0
الحمد لله انت اتيت الى هنا وتلاقيت بعباد الله فهل وجدت منهم غير رائحة رضا الحق0لا والله0 فقد رأيت بعينيك انهم بالليل والنهار في سعي واجتهاد0وليس لهم من قصد سوى اعلاء كلمة الله وتربية النفوس واصلاح الامم والترقيات الروحانية وترويج الصلح العمومي وحب الخير للنوع الانساني والمحبة لجميع الملل وبذل الروح في خير البشر والانقطاع عن
المنافع الذاتية والخدمة المستمرة لنشر الفضائل بين العالم الانساني ولنرجع الى ما كنا فيه 0مثلا يقول في التوراة في كتاب اشعياء في اصحاح48 اية 12 (اسمع لي يايعقوب واسرائيل الذي دعوته انا هو انا الاول وانا الاخر )ومن المعلوم انه ماكان مراده يعقوب اي اسرائيل بل المقصود بنو اسرائيل0وكذلك يقول في كتاب اشعياء في اصحاح43 في الاية الاولى(والان هكذا يقول الرب خالقك يايعقوب وجابلك يا اسرائيل لا تخف لاني فديتك دعوتك باسمك انت لي )وفضلا عن هذا فانه يقول في سفر الاعداد في التوراة في الاصحاح20 في الاية 23(وكلم الرب موسى وهارون في جبل هور على تخم ارض ادوم قائلا يضم هارون الى قومه لانه لا يدخل الارض التي اعطيت لبني اسرائيل لانكم عصيتم قولي عند ماء مريبة) ويقول في الاية 13(هذا ماء مريبة حيث خاصم بنو اسرائيل الرب فتقدس فيهم)لاحظوا فقد عصى بنو اسرائيل ولكن بحسب الظاهر عوتب موسى وهارون كما يقول في الاصحاح الثالث اية 26 من التوراة في سفر التثنية(ولكن الرب غضب علي بسببكم ولم يسمع لي بل قال لي الرب كفاك لا تعد تكلمني ايضا في هذا الامر)بينما هذا الخطاب والعتاب في الحقيقة موجه لامة اسرائيل التي بعصيانها الامر الالهي تاهت مدة مديدة في الصحراء المجاورة للاردن حتى زمن يوشع عليه السلام0وبينما ان هذا الخطاب والعتاب في الظاهر كان لحضرة موسى وهارون ولكنه في الحقيقة لامة اسرائيل0 وكذلك تفضل في القران بقوله خطابا لحضرة محمد (انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)يعني نحن فتحنا لك فتحا واضحا لنغفر لك الذنوب المتقدمة والمتأخرة0ولو ان هذا الخطاب كان بحسب الظاهر لحضرة محمد ولكنه في الحقيقة خطاب لعموم الملة0وهذا محض الحكمة البالغة الالهية كما سبق حتى لا تضطرب القلوب ولا تتكدر0فكثيرا ما اعترف انبياء الله ومظاهر الظهور الكلي في مناجاتهم بالقصور والذنب 0 وهذا من باب التعليم لسائر النفوس والتشويق والحض على الخضوع والخشوع والاعتراف بالذنب
والا فتلك النفوس المقدسة طاهر ة من كل ذنب ومنزة عن كل خطأ فمثلايقول في الانجيل ان شخصا حضر لدى حضرة المسيح فقال ايها المعلم البار فاجابه حضرة المسيح لماذا خاطبتني بالبار لان البار ذات واحدة وهو الله فليس المقصود من هذا ان حضرة الله معاذ الله كان مذنبا بل كان المراد تعليم الخضوع والخشوع والتواضع والانكسار لذلك الشخص المخاطب0 فهذه النفوس المباركة انوار ولا يجتمع النور مع الظلمة0حياة ولا تجتمع الحياة مع الموت ولا تجتمع الهداية مع الضلالة حقيقة الطاعة ولا تجتمع الطاعة مع العصيان وخلاصة القول ان العتاب الوارد في الكتب المقدسة الموجه بحسب الظاهر للانبياء اي المظاهر الالهية انما يقصد به في الحقيقة الامة و1ذا تتبعت الكتب المقدسة تجد ذلك واضحا جليا و(من كتاب-مفاوضات عبد البهاء)




Friday, April 4, 2008

معانى من اللؤلؤ

علامات رجوع السيد المسيح
يمنح حضرة بهاءالله(المظهر الإلهى للدين البهائى) عباد الله النعم المكنونة في السدرة المخزونة، حبا لوجه الله حتى لا تحرم الهياكل الفانية من الأثمار الباقية، عساهم يفوزون برشح من أنهار حضرة ذي الجلال، المقدسة عن الزوال، والتي جرت في دار السلام (بغداد)...
وهذه نغمات عيسى بن مريم التي تغنى بها في رضوان الإنجيل بلحن جليل، في وصف علائم الظهور الآتي بعده، المذكور في السفر الأول المنسوب إلى متّى، عندما سألوه عن علامات الظهور الآتي بعده فأجاب بقوله "وللوقت من بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه، والكواكب تتساقط من السماء، وقوات الأرض ترتج، حينئذ يظهر علامات ابن الإنسان في السماء، وينوح كل قبائل الأرض ويرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء مع قوات ومجد كبير، ويرسل ملائكته مع صوت السافور العظيم(إنجيل متى، إصحاح 24، الآيات 29-31)...
إن علماء الإنجيل لما لم يعرفوا معاني هذه البيانات، ولا المقصود منها، المودع في تلك الكلمات وتمسكوا بظاهرها، لهذا صاروا ممنوعين من شريعة الفيض المحمدي، وسحابة الفضل الأحمدي، وجهال تلك الطائفة، الذين تمسكوا بعلمائهم أيضا، ظلوا محرومين من زيارة جمال سلطان الجلال، لأن في ظهور الشمس الأحمدية، لم تظهر هذه العلامات المذكورة
."(
كتاب الإيقان-ص18-21)

تفسير العبارات الرمزية

وبشيء من التفصيل يشرح حضرة بهاءالله معاني هذه الكلمات بقوله:
"... أن المقصود من الضيق هو ضيق عن استيعاب المعارف الإلهية، وعجز عن إدراك الكلمات الربانية حيث أن العباد بعد غروب الشمس، واختفاء مراياها عن الأبصار، يقعون في ضيق وشدة، ولا يعرفون إلى من يتوجهون... كما
نشاهد اليوم، أن زمام كل طائفة في يد جاهل، يحركهم كيفما أراد، ولم يبق بينهم من المعبود إلا اسمه، ولا من المقصود إلا لفظه... ومع أنهم يعتقدون أن حكم الله واحد، فإنه يصدر منهم من كل ناحية حكم، ويظهر من كل محل أمر. فلا يشاهد بينهم نفسان متفقان على حكم واحد. إذ لا يعرفون إلها غير الهوى. ولا يسلكون سبيلا إلا الخطأ... يحافظون على هذه المراتب بتمام القوة والقدرة، حتى لا يجد النقص سبيلا إلى شوكتهم، ولا يتطرق الخلل إلى عزتهم، وإذا ما تنورت عين بكحل المعارف الإلهية، فإنها تشاهد عدة وحوش مرتمية على جيف أنفس العباد.
فالآن أي ضيق وشدة أشد من هذه المراتب المذكورة، فإنه إذا أراد شخص أن يطلب حقا، أو يلتمس معرفة، فلا يدري إلى من يذهب، وممن يطلب، لأن الآراء مختلفة للغاية، والسبل متعددة. وهذا الضيق وتلك الشدة من شرائط كل ظهور. وما لم يقع هذا ويحصل، فلا تظهر شمس الحقيقة، لأن صبح ظهور الهداية يطلع بعد ليل الضلالة..."(
كتاب الإيقان-ص24-26)

وعن المقصود من كلمتي "شمس" و "قمر" يصرح حضرة بهاءالله:

"فالمقصود من الشمس والقمر المذكورين في كلمات الأنبياء، ليس منحصرا في هذين الكوكبين المشهورين، بل إنهم قد أرادوا من الشمس والقمر معاني عديدة. وفي كل مقام منها يريدون معنى خاصا بمناسبة ذلك المقام. فمثلا: أحد معاني الشمس يطلق على شموس الحقيقة، الذين يطلعون من مشرق القِدم، ويكونون واسطة إبلاغ الفيض إلى جميع الممكنات. وهؤلاء الشموس هم المظاهر الإلهية الكلية، في عوالم صفاته وأسمائه. فكما أن الشمس الظاهرة بتقدير من المعبود الحقيقي تربي الأشياء الظاهرة، من الأثمار والأشجار والألوان والمعادن وما دون ذلك، مما هو مشهود في عالم الملك، بتأثير حرارتها، كذلك تظهر أشجار التوحيد وأثمار التفريد، وأوراق التجريد وأوراد العلم والإيقان، ورياحين الحكمة والبيان، من أثر تربية الشموس المعنوية وعنايتها... وتنبعث حرارة المحبة الإلهية في أركان العالم من هذه الشموس الإلهية ونيرانها المعنوية...
وفي الرتبة الثانية يكون المقصود من الشمس والقمر والنجوم هم علماء الظهور السابق، الذين يكونون موجودين في زمان الظهور اللاحق، وبيدهم زمام دين الناس. فإذا ما استناروا بضياء شمس أخرى أثناء ظهورها، يكونون من المقبولين والمضيئين والمتلألئين، وإلا يجري في حقهم حكم الظلمة، ولو يكونون بحسب الظاهر من الهادين. لأن جميع هذه المراتب من الكفر والإيمان، والهداية والضلالة، والسعادة والشقاوة، والنور والظلمة، منوطة بتصديق تلك الشموس المعنوية الإلهية. فكل نفس من العلماء جرى عليها في يوم التغابن والإحسان حكم الإيمان من مبدأ العرفان يصدق في حقها العلم والرضا، والنور والإيمان. وإلا يجري في حقها حكم الجهل والنفي والكفر والظلم.
ومن المشهود لدى كل ذي بصر، أنه كما ينمحي نور النجم عند إشراق الشمس الظاهرة، كذلك تنمحي وتظلم شمس العلم والحكمة والعرفان الظاهري عند طلوع شمس الحقيقة وإشراق نير المعاني...
وفي مقام آخر يكون المقصود من إطلاقات الشمس والقمر والنجوم، هو العلوم والأحكام المرتفعة في كل شريعة، مثل أحكام الصوم والصلاة
...
إذا قد ثبت وتحقق بالآيات النازلة والأخبار الواردة، إطلاق لفظ الشمس والقمر في هذه المراتب، على هذه المقامات المذكورة في الآيات النازلة والأخبار الواردة. وهذا هو المقصود من ذكر ظلمة الشمس والقمر، وسقوط النجوم، أي ضلالة العلماء، ونسخ الأحكام المرتفعة في الشريعة، التي كان مظهر ذلك الظهور يخبر عنها بهذه التلويحات...
ومن المسلم أنه في كل ظهور تال تظلم شمس العلوم والأحكام والأوامر والنواهي، التي كانت مرتفعة في الظهور السابق، والتي أظلت أهل ذلك العصر، واستناروا من شمس معارفها، واهتدوا بقمر أوامرها. أي أنه ينتهي حكمها وينعدم أثرها
."( كتاب الإيقان-ص27-33)

وحول "ظهور علامة ابن الإنسان في السماء" يؤكد حضرة بهاءالله أنها علامة تظهر في السماء الظاهرة والسماء الباطنة. فقبل مجيء كل رسول يظهر نجم في السماء مدلا على مولد رسالة جديدة. وليس هذا فحسب بل يظهر في الوجود مبشر يعلن للملأ هذه البشارة. ولنأخذ مثلا أيام حضرة موسى عندما حذر المنجمون فرعون:

"... بأن كوكبا قد طلع في السماء، وهو دليل على انعقاد نطفة على يدها يكون هلاكك أنت وقومك. وكذلك قد ظهر عالم كان يبشر بني إسرائيل في الليالي يسليهم ويطمّنهم
."( كتاب الإيقان-ص50)
وقبل ظهور السيد المسيح ذهب نفر من المجوس إلى هيرودس وقالوا: "أين هو المولود ملك اليهود؟ لأننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له"( إنجيل متّى، إصحاح 2، آية 2) فكانت تلك علامة ظهوره في السماء الظاهرة. أما يوحنا المعمدان فقد كان الكوكب الروحاني الذي بشر الناس بقرب ظهور عيسى عليه السلام. وكذا الأمر قبل مجيء الطلعة المحمدية فظهرت أيضا مثل هذه العلامات. ومما تفضل به حضرة بهاءالله بخصوص من بشروا بالرسول الكريم:

"وأما الآثار الباطنة فقد كانوا أربعة رجال واحدا بعد الآخر يبشرون الناس على الأرض بظهور شمس الهوية. وقد تشرف بشرف خدمتهم "روزبه" الذي سمي بسلمان، وكان كلما حضرت الوفاة أحدا منهم يرسل (روزبه) إلى الشخص الآخر إلى أن أتت نوبة الرابع الذي قال له في حين وفاته يا روزبه اذهب من بعد تكفيني ودفني إلى الحجاز حيث تشرق هناك الشمس المحمدية ويا بشراك بلقاء حضرته."( كتاب الإيقان-51-52)

وفي هذا الظهور، وقبل أن يعلن حضرة الباب دعوته، ظهرت هذه العلامة في الظاهر والباطن وصرح حضرة بهاءالله بقوله:
"...أخبر أكثر المنجمين عن ظهور نجم في السماء الظاهرة. كما أنه قد كان على الأرض النوران النيران أحمد وكاظم قدس الله تربتهما(الشيخ أحمد الأحسائي مؤسس المدرسة الشيخية في الإسلام وتبعه في ذلك تلميذه السيد كاظم الرشتي. وقد علما أتباعهما بأن قدوم الموعود بات قريبا جدا فهيأهم لظهوره. فكان معظم البابيين الأوائل من أتباع مذهب الشيخية
.)..."( كتاب الإيقان-ص52)

أما عن قوله: "ينوح كل قبائل الأرض، ويرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوات ومجد كبير"،( إنجيل متى، إصحاح 24، آية 30) فيتفضل حضرة بهاءالله:
"...أنه في ذلك الوقت ينوح العباد من فقدان شمس الجمال الإلهي، وقمر العلم، وأنجم الحكمة اللدنية، ويشاهد في تلك الأثناء طلعة الموعود، وجمال المعبود نازلا من السماء، وراكبا على السحاب. يعني أن ذاك الجمال الإلهي يظهر من سماوات المشيئة الربانية في هيكل بشري ولم يقصد من السماء هنا إلا جهة العلو والسمو التي هي محل ظهور تلك المشارق القدسية والمطالع القدمية. ولو أن هذه الكينونات القديمة قد ظهرت من بطون الأمهات بحسب الظاهر إلا أنهم في الحقيقة نازلون من سماوات الأمر، وإن يكونوا ساكنين على الأرض إلا أنهم متكئون على رفرف المعاني. وحيثما يمشون بين العباد فإنهم يكونون طائرين في هواء القرب. يمشون على أرض الروح بغير حركة الرجل، ويطيرون إلى معارج الأحدية بغير جناح. وفي كل نفس يطوون عالم الإبداع من مشرقه إلى مغربه، وفي كل آن يمرون على ملكوت الغيب والشهادة."( كتاب الإيقان-ص52-53)

وعن معنى الغمام يتفضل:
"...فالمراد من الغمام هنا... تغيير الأحكام وتبديل الشرائع وارتفاع القواعد والرسوم العادية وتقدم المؤمنين من العوام على المعرضين من العلماء. وكذلك يقصد به ظهور ذلك الجمال الأزلي خاضعا للحدودات البشرية، مثل الأكل والشرب، والفقر والغنا، والعزة والذلة، والنوم واليقظة، وأمثال ذلك، مما يثير الشبهة عند الناس ويحجبهم. فكل هذه الحجبات قد عبر عنها بالغمام..."( كتاب الإيقان-ص56)

ويفسر معنى "يرسل ملائكته"، بأنها تلك النفوس المقدسة التي:
"... صارت هذه الوجودات القدسية منزهة ومقدسة عن العوارض البشرية، ومتخلقة بأخلاق الروحانيين ومتصفة بأوصاف المقدسين لهذا أطلق اسم الملائكة على هذه النفوس المقدسة."( كتاب الإيقان-63)

ثم يضيف حضرة بهاءالله مؤكدا:
"... لو كانت أشراط الظهور في أي عصر، تظهر في عالم الظاهر مطابقة لما ورد في الأخبار، فمن الذي كان يستطيع الإنكار والإعراض، وكيف كان يفصل بين السعيد والشقي، والمجرم والتقي. أحكم بالإنصاف. مثلا لو تظهر بحسب الظاهر هذه العبارات المسطورة في الإنجيل. وتنزل الملائكة مع عيسى بن مريم من السماء الظاهرة على السحاب. فمن ذا الذي يقدر على التكذيب أو يستطيع الإنكار ويستكبر عن الإيمان بل إن الاضطراب يأخذ أهل الأرض قاطبة على الفور بدرجة لا يقدرون على التكلم والتفوه بحرف واحد فكيف يصل الحال إلى الرد أو القبول
..."( كتاب الإيقان-63-43)

Friday, February 29, 2008

معانى لؤلئية

الملك وجبرئيل والجن والغول

بخصوص معنى الجن
المراد من الجن في آية القرأن المباركة هم نفوسا تكون ايمانهم وافكارهم مستورة ومخفية ، الجن موجود خفي لذا يتفضل :
" يرونكم من حيث لا ترونهم أي هؤلاء مطلعين على ايمانكم وايقانكم ولكن ايمانهم وايقانهم مخفية عليكم
. الجن من استجن فيه نور الايمان أو نار الطعيان".
( مائدة اسماني ص 34 مجلد2)

"اعلم بأن الله تعالى خلق الانسان من اربع عناصر النار والهواء والماء والتراب وظهر من النار الحرارة ومنها ظهرت الحركة ولما غلب في الانسان طبيعة النار على ساير الطبايع يطلق عليه هذا الاسم وهو في الحقيقة الاولية يطلق على المؤمنين بالله والموقنين بآياته والمجاهدين في سبيله لانهم خلقوا من نار الكلمة الربانية التي تكلم بها لسان العظمة قال وقوله الحق وخلق الجان من مارج من نار وكذلك وصفهم في كتابه المبين بقوله المتين اشداء على الكفار لان في مقام الجهاد مع اهل العناد وتراهم كالبرق اللامع والرمح القامع تعالى من حركهم بتلك النار الموقدة ولما تنظر إلى رحمهم ولطفهم واتباعهم امرالله وتقديسهم عما سواه تسميهم بالملائكة وفي مقام يطلق على الذين يسبقون في الايمان عما دونهم بما يرى منهم سرعة الحركة من النار الموقدة من الكلمة الإلهية لان من قلوبهم ترتفع زفرات المحبة والوداد في بواطنهم تلتهب نيران مودة مالك المبدأ والمعاد.
اذا فاعرف ايها السائل بانا فسرنا لك التفسير الحقيقي في هذا الاسم ولكن فاعلم بانه يطلق على غير المؤمنين مجازا بما يرى منهم من الكبر والاستكبار في امرالله والمحاربة والمجاهدة مع انبياء الله ويدل على هذين التفسيرين ما نزل من جبروت مشية الله رب العالمين في سورة الجن قوله تعالى : قل أوحى إلى انه استمع نفر من الجن فقالوا انا سمعنا قرأنا عجبا. يهدى إلى الرشد فأمنا به ولن نشرك بربنا احدا.... إلى قوله تعالى وان منا الصالحون ومن دون ذلك كنا طرائق قددا.
فيا ايها العبد المتوجه إلى الله قد نزل في آيات مالك المبدأ والمآل كلما يخطر بالبال فلا تحتاج بالجواب و السؤال ولكن احتياج اهل الوداد هو من تشتت الألواح في البلاد نسئل الله بأن يوفق احبائه على قراءة آياته والواحه ويؤيدهم على عرفانها والاستغناء عما دونها ونسأله تعالى بأن يقدر لك ولاحبائه خير الدنيا والآخره ويسكنكم في ظلال، شجرة عنايته والطافه ويشربكم من معين رحمة وافضاله انهعلى كل شي قدير لا اله الا هو الواحد الفرد العزيز الحكيم."

( مائدة اسماني ص 46 مجلد 2 )

يتفضل حضرة بهاء الله في احد الالواح بقوله الأحلى
" واما ما سألت فيما انزله الرحمن في الفرقان على محمد رسول الله قوله تعالى جاعل الملائكة رسلا اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع، ان للملائكة مراتب مختلفة وكذلك مقامات عالية بعضهم فوق بعض، وكذلك بعض منهم منشغلين بتربية العالم الانساني ، والبعض مأمورين بكتابة أقوال واعمال وافعال العباد ، الملائكة الاربعة المعروفة كل واحدة منها عينت لخدمة ما ، كما سمع الكل بذلك ويعرفه، وكذلك الملائكة التي هم في عالم من عوالم الحق ، وبعض الملائكة هم متيمين بتجليات الحق جل جلاله ورزقهم لقاءه وعملهم قربه، ذلك الحزب منشغلين بالمكاشفة والمشاهدة ومسرورين من الاول الذي لا اول له ، لم ولن يتوجهوا بغير الحق ، الى اخر الذي لا اخر له . وحزب اخرمن الملائكة معروفين بالعالين لم يطلع بهم الا الله العليم الخبير، وحزب تصدق عليهم تنزل الملائكة والروح ، وللروح ايضا مراتب مذكورة ومشهوره ، مثلا روح القدس المذكوره في الكتب، ويذكره البعض بجبرئيل ، وكذلك روح الامين وروح الايمان وروح الايقان وروح الامر وروح العظمة وروح القدرة وروح الجمال وروح الجلال وامثال ذلك ، وما تفضل جاعل الملائكة رسلا ، المقصود هو ان الملائكة هم وسائط بين الله وبين اصفيائه واوليائه يبلغون اليهم رسالات ربهم بالوحي او بالالهام أو بالرؤيا ويعلمونهم ما امورا به من لدى الله، بالملائكة نصر الله دينه واظهر امره واتم صنعه واتقن آثاره . وما يتفضل اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع ، المقصود هو ذكر مراتب الملائكة كما قيل سابقا، فهم اصحاب الاجنحة المتعددة المتفاوتة بتفاوت مراتبهم ومقاماتهم ، ينزلون بها ويعرجون ، ولبعضهم اجنحة بعدد الاسماء الالهية، كما ان في ليلة المعراج التقى خاتم الانبياء بجبرئيل وقال : له ستمائة جناح ، وكل حزب يذكر شيئا في هذه المقامات ، ويتخذون سبيلا. ذكر هذا المظلوم اقوال بعض النفوس. الحقيقة كان امره عند الله. فقد ذكروا في كل حكم من الاحكام وامر من الامور ، ما لم يذكر في الملا الاعلى وغير مقبول عند اهل جنة العليا. ولو يذكر المقصود يفرون ويقولون ما قال المشركون من قبل ، قرأوا القرآن اكثر من الف وثلاثمائة سنة ، وكتبوا تفاسير عنه ولكن لعمر الله لم يستشموا عَرف حرفا منه.

ومن حضرة عبدالبهاء في خطاب له قوله العزيز:
اما خلق الجان من مارج من نار فهذا العنصر الناري لا يراه الابصار بل خفي عن الانظار وظاهر من حيث الاثار وحيث ان النفوس المستورة تحت الاستار سواء كان من الابرار ام من الاشرار طينتهم من مارج من نار التي هي عنصر مخفي عن الانظار ، أي امرهم مبهم وحقيقتهم مستورة عن اهل الافاق ، واما خلق الانسان من صلصال كالفخار ، اراد به النفوس المنجذبة بنفحات الله المشتعلة بنار محبة الله باطنهم عين ظاهرهم سرهم عين علانيتهم فهم خلاصة الكائنات، فالصلصال الصافي التراب هو خلاصة الحماء المسنون كثير البركات ينبت رياحين معرفة الله وحديقة اوراد محبة الله واما الملائكة اولو اجنحة مثنى وثلاث ورباع المراد من الاجنحة قوادم التأييد والتوفيق لان بها يتعارج الانسان الى اعلى معارج العرفان ويطير الى بحبوحة جنة الرضوان بسرعة لا يخطر ببال الانسان والمراد من الملائكة الحقائق القدوسية التي استنبأت عن مواهب ربها وتنزهت عن النقائص والرذائل، و تقدست عن كل الشوائب واكتسبت جميع الفضائل واطاعت ربها بجميع الوسائل لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون."
(مائده اسماني ص 71 مجلد 2 )


وقوله العزيز ، اما قضية الاجنة والغول والآل، ان كل ما نزل في الكتب السماوية لها معنى، وكل ما في افواه العوام جميعها اوهام محض ، المراد من الاجنة هم النفوس الخفية التي لا يظهر ولا يشهد ايمانهم و انكارهم "

معنى الشيطان
يتفضل حضرة عبدالبهاء لسيد مهدي گلپايگاني في عشق آباد قوله المتين :
المقصود من الشيطان هو عالم الطبيعة البشرية ، التي تشجع الانسان على رذائل الاخلاق ، من ضمنها المنازعة من اجل البقاء ، الوحشية والاخلاق الفاسدة والفسق والفجور وعدم النخوة ومص الدماء مثل السباع الضارية وهي كلها منبعثة من عالم الطبيعة। أي ان الشيطان عبارة عن القوى الطبيعية التي تسمى في عالم الحقيقة بالنفس الامارة। اذا هذا هو المقصود من عبارة الانجيل بان عالم الطبيعة دل حضرة المسيح على الموافقة، لأنه بسبب هذه القوى الطبيعية تمكّن تمكّنا تاما في عالم الطبيعة ، الجبل الشاهق كان اعلى ذروة لعالم الطبيعة ،و في ذلك المقام تجلت زخارف وشؤون عالم الطبيعة في نظر حضرته، ولكن نورانية حضرته وروحانيته قاوم الطبيعة ورفض هواجس الطبيعة.
سجود الملائكة واستكبار ابليس
من حضرة النقطة الاولى في توقيع له قوله الاعلى: " واما ما سألت من قول الله عز وجل في حكم سجود الملائكة واستكبار ابليس حيث قال جل وعلا استكبرت ام كنت من العالين ، فانظر بعين البدء، فان الله قد خلق في كل شئ ثلاثة آيات من نفسه وهي آية كرامية آل الله وانهم لهم العالون وآية من ملائكته وهي شئون العبودية الحقة ، في كل مقام بحقيقته آية من المهيتة المجتثة لحفظ عوالمه بما قبلت لنفسه من دون امر ولا جبر فخذ معنى الآية من المشية الى منتهى مقام الملك ، وان كل الملائكة قد سجدوا لآدم إلا ابليس ففسق وحده... وان اليوم لو انت بنفسك وحده تقر بهذا الامر ومن على الارض كلهم يعرضون من هذا الامر فهذه تصدق في حقك.... فاعرف الاشارة فانها نزلت عن وراء سبعين الف حجاب."

الملائكة
يتفضل حضرة عبدالبهاء : " اما ما سألت يا ايها المتوجه إلى ساحة البقاء والمقتبس من قبسات شجرة طور السيناء من الملائكة والمراد بهذا الاسم في الايات الإلهية فاعلم بان له معان شتى وفي مقام الخلق يطلق على الذين قدست اذيالهم عن الشهوات ويتبعون رب السموات في كل الصفات وهذا الاسم يطلق على باطنهم ويحكي عن سرهم وحقيقتهم ... وفي مقام الحق يطلق على انبياء الله ورسله كما قال تبارك وتعالى في القرآن الكريم " الحمدلله فاطر السموات والارض جاعل الملائكة اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع وقد أراد رب العزة من الاجنحة في هذه الاية شئون الايات واقسام البينات التي بعثهم بها وجعلها سبب وصول العباد إلى معدن الرشاد وهداية الخلق إلى جنة الحب والوداد لانها هي السبب الأعظم لترقي العالم والجناح الاقوم لطيران القلوب الصافية إلى جنة الاحدية ومقام قدس الواحدية لذا سميت بالاجنحة في الكتب الإلهية.. واني لو اريد ان افصل في هذا المقام ليطول الكلام ومن يريد ان يطلع ويعرف بالتفصيل فليقرأ آيات الله العزيز الجميل ويتفكر في المقامات التي نزلت هذا الاسم اذا يعرف المراد ويقنع عما ذكر في كتب العباد وفي مقام يطلق هذا الاسم على احكام نزلت من سماء مشيئة الرحمن ويجعلها الله السبب الأعظم لحفظ العالم وقدر بها الموت والحياة وانها هي في مقام اخذ الروح عن المشركين وتسمى عزرائيل وفي مقام حفظ عباد الله عن الآفات تسمى ملائكة حافظات وفي كل مقام تسمى في الايات الإلهية باسم مخصوص ولا يقدر العاقل ان يشك ويضطرب من اختلافات الاسماء التي نزلت في كتب الانبياء.....

العرش
يتفضل حضرة عبدالبهاء جل ثنائه :

" ..فاعلم بان المراد من العرش هو قلب الانسان كما تغرد عندليب البقاء وورقاء العماء قلب المؤمن عرش الرحمن ونطق لسان العظمة في الكلمات المكنونة فؤادك منزلي وروحك منظري طهره لظهوري لانه يقبل تجلي الجمال ويستقر عليه سلطان محبة مالك المبدأ والمآل...

عالم الذر
من حضرة عبدالبهاء قوله العزيز : " عالم الذر هو حقائق وتعينات واستعدادات وقابليات الانسان في مرآة العلم الالهي، وبما ان القابليات والاستعدادات مختلفة ، فكل واحد له اقتضاء ، وهذا الاقتضاء عبارة عن القبول والاستدعاء."

معنى طول عمر القدماء

من حضرة عبدالبهاء قوله الجليل :
" نوحة آدم في سبعين الف سنة ليست عبارة عن السنين المعروفة والاعوام المعدودة بل انها زمن مفروض يستوعب زمانا ممدودا كيوم القيامة كان منصوصا بانه خمسون الف سنة فقضى بدقيقة واحدة كطرفة عين بل اقل من ذلك ، ولكن الامور التي لا تكاد تتم الا في خمسين الف عام قد تمت ووقعت وتحققت في آن واحد وهكذا نوحة نوح كانت كالنياح الذي يمتد في سبعين الف سنة هذا عبارة عن ذلك"

وفي خطاب آخر قوله العزيز : هوالله : يا عبد جمال الابهى ،ان ذكر امتداد حياة السلف هو امر اعتباري وليس بحساب مصطلح هذه الايام ، لان في الازمنة القديمة كانت السنين مختلفة ، البعض كان يحسب الشهر بسنة والبعض دورة الشمس وكذلك دورة كل كوكب من الكواكب السيارة بسنة،مثل السنة القمرية ، السنة الشمسية ، سنة الزهرة وسنة العطارد ، السنة المريخية ، سنة المشتري ، سنة الزحل، وهي عبارة عن مدة دورة هذه الكواكب والا ايام الحياة هي هذه بكل وضوح ، الا ان اجسام القدماء من حيث المعيشة البسيطة كان قوية وبنيتهم شديدة."

Sunday, February 17, 2008

"كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه"- (قرآن كريم-آل عمران-آية93).

فى "لوح كل الطعام"-الصادر من يراع حضرة بهاءالله-(المظهر الإلهى للعقيدة والدين البهائى)- تفسير آية "كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه" (قرآن كريم-آل عمران-آية93).يبدو أن الآية القرآنية حول طعام بني إسرائيل قد نزلت ردا على إصرار اليهود بأن أحكام الإسلام بتحريم بعض أنواع الطعام، خلافا لما يدعيه المسلمون، لا تتفق وأحكام اليهودية. وقد شرح حضرة بهاءالله أن لهذه الآية في العوالم الروحانية الإلهية معان لا تحصى ومعظمها فوق إدراك البشر، وأنه قادر على الكشف عن معانيها لسنوات عدة بعلمه الذي أحاط العالمين، وقد فسر حضرة بهاءالله بعضا منها مبيناً المعنى الروحاني للطعام. وهكذا كشف النقاب عن المدى الشاسع لما تتمتع به عوالم الله الروحانية المنزهة عن العد والحد، والمقدسة عن الفهم والإدراك، من عظمة وبهاء وأسرار خفية، وآفاق واسعة.ذكر حضرة بهاءالله في لوحه المبارك("لوح كل الطعام") هذا أربعة من هذه العوالم. وحتى ندرك بعض أسرارها، دعونا نوجه أفكارنا إلى المخلوقات على وجه الأرض. فهناك الممالك المختلفة التي تعيش معا، وكل يسعى إلى تحقيق هدفه. ويمكننا القول بأن الإنسان يعمل في ثلاثة محاور في آن معا. فقياسا بالممالك الأدنى مثل النبات والحيوان فإنه هو المتفوق والمهيمن، بينما في مملكته عليه أن يعيش مع أقرانه في وئام واتحاد، أما بالنسبة إلى المظاهر الإلهية فهو في رتبة أدنى. ففي مثالنا هذا يمكننا ملاحظة ثلاث مراتب من المواهب والصفات التي يمكن للإنسان أن يتبوأها مع الحفاظ على إنسانيته: الوحدة، العبودية، التفوق.وهكذا فإن عوالم الله المذكورة في اللوح المبارك تقع في مراتب متباينة، منها مقام عرش "الهاهوت" وهو "جنة الأحدية" كما وصفه حضرة بهاءالله، وهو أيضا "مقام سر الصمدانية"، و"آنية الأحدانية". وهذا المقام لا تدركه حتى المظاهر الإلهية لسمو قداسته. وقد تفضل حضرة بهاءالله في أحد ألواحه قائلا:"من الأزل الذي لا يعرف، كان الله محتجبا في حقيقة ذاته العليا، وإنه لا يزال مخفياً يكون إلى الأبد في سر جوهره الذي لا يعرف... فقد انصعق عشرات الآلاف من الأنبياء كل كان موسى في سيناء البحث عن صوت الله الناهي (إنك لن تراني) بينما ربوات المرسلين كل كان كالمسيح في عظمته قاموا على عروشهم المقدسة مرتاعين لصوت المنع (إن كينونتي لن تعرفها)."ويلي ذلك عرش "اللاهوت" وهو "مقام جنة الصمدية" و"ساحة القدس". وفي آثار حضرة بهاءالله يبدو أن عالم اللاهوت ربما يكون عالم الله بالنسبة إلى مظاهره وأصفيائه المختارين. وهم في محضره ما ارتأوا لأنفسهم مقاماً لأنهم عدم صرف تلقاء وجهه ولا كينونة إلا كينونته وهم في "مقام هو هو وليس أحد إلا هو".وهناك عالم روحاني آخر وصفه حضرة بهاءالله بـ"طمطام الجبروت"، "جنة الواحدية"، "أرض الصفراء". وهو مقام أنت هو وهو أنت، عباد الذين لا ينطقون إلا بإذن الله ولا يعملون إلا بأمره ولا ينهون إلا بحكمه، كما وصفهم الله بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. ويبدو أن هذا العالم هو الملكوت الذي يكون فيه المختارون من خلق الله، بالنسبة إلى المخلوقات، مخولين بسلطته.هناك الكثير من البيانات المباركة يبين فيها حضرة بهاءالله طبيعة المقام المزدوج للمظاهر الإلهية وأصفياء الله. ففي نسبتهم إلى الله تبدو هذه النفوس المقدسة وكأنها عدم صرف، أما بنسبتهم إلى عالم الخلق فهم حائزون على سائر الصفات الإلهية ومقربون من الله. وكما تفضل حضرة بهاءالله في إحدى مناجاته:"كلما أنظر إليك أنادي كل الكائنات وأقول إنني أنا الله، وكلما أنظر إلى نفسي أجدها أحقر من الطين."وفي الآثار الإسلامية نجد مثل هذه البيانات المباركة. فالحديث الشريف التالي عن لسان النبي محمد(صلعم) يدلل بوضوح على المقام المزدوج لرسل الله بقوله: "لنا مع الله حالات نحن فيها هو وهو نحن وهو هو ونحن نحن".وعالم آخر من عوالم الله الروحانية هو "قمقام الملكوت" أي "مملكة الله" الذي أشار إليه الأنبياء السابقون مرارا، كما أن حضرة بهاءالله وصفه في "لوح كل الطعام" بـ"جنة العدل".وبمعزل عن هذه العوالم الروحانية الأربعة، أشار حضرته في هذا اللوح إلى عالم "الناسوت" وهو العالم الفاني الذي وصفه بـ"جنة الفضل". وأكد في العديد من ألواحه أن كلا العالمين: عالم المظاهر الإلهية وعالم الإنسان، ظهر في هذا الوجود بالفضل الإلهي وحده، وإذا ما تبدل لحظة ليجري عدله آل الوجود إلى العدم.وفي "لوح كل الطعام" يصف حضرة بهاءالله معان أخرى لكلمة "طعام" التي وردت في الآية الفرقانية المذكورة. ففي مقام تعني "كل العلوم" وفي آخر "معرفة صاحب الأمر"، كما بيّن أنها في الدورة الإسلامية يمكن أن تفهم على أنها ولاية أئمة الهدى الذين خلفوا النبي عليه السلام. أما في ظهوره الذي لم يكشف عنه بعد، فقد وصف الطعام بـ"بحر الغيب الذي هو المكنون في صحائف النور والمخزون في ألواح المسطور".

Wednesday, February 13, 2008

المقصود من كلمة الملائكة فى سورة المدثر

معنى الملائكة في الآية الكريمة النازلة في سورة المدثر
{ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا }
أن لفظ الملك واحد الملائكة والملائكة في اللغة العربية توافق لفظًا ومعنى ما في اللغة العبرانية حيث أنها مأخوذة من الأصل السامي الذ منه اشتقت اللغات السريانية والعبرانية والعربية والآشورية والكلدانية وهو يفيد معنى المالكية والاستيلاء على شيء فكما أنه أطلق لفظ الملك والملائكة في الكلمات النبوية المحفوظة في الكتب السماية على النفوس القدسية والأئمة الهداة لخلعهم ثياب البشرية وتخلقهم بالأخلاق الروحانية الملكوتية فملكوا زمام الهداية وصاروا ملوك ممالك الولاية كأهنم أعطوا سلطة مطلقة في سعادة الناس وشقاوتهم وهدايتهم وضلالتهم وهذا هو معنى الولاية المطلقة التي جاءت في الأخبار ولذا سمي سيد الأبرار وأمير الأبراربقيم الجنة والنار كذلك أطلق هذا اللفظ في الكلمات النبوية على رؤساء الأشرار وأئمة الضلال حيث أنهم قادة الفجّار يقودونهم إلى النار ولذا أطلق عليهم لفظ الملائكة كما أنه أطلق عليهم لفظ الأئمة في قوله تعالى { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } وفي الكتب المقدسة العتيقة أيضًا أطلق لفظ الملاك والملائكة عليهم كما جاء في سفر الرؤية في الإصحاح التاسع بعد إخباره عن ظهور الخلافة الجائرة الأموية والمملكة العضوضية المروانية في الدورة الإسلامية بقوله ( ولها ملاك الهاوية ملكًا عليها اسمه بالعبرانية ابدون وباليونانية ابوليون ) وهذا على حسب الترجمة البروتستانتية * واما على حسب ترجمة اللاتينيين أي الكاثوليك فهكذا ( ولها ملاك وهو ملاك الهاوية اسمه بالعبرانية ابدون وباليونانية ابوليون أي مهلك ) والمقصود هم أئمة الضلال ورؤساء تلك الخلافة الظالمة التي أساءت سياسة الأمة الإسلامية حتى أدت أخرتها إلى الذل والهوان والتهلكة والخسران كما تراه وتعلمه بالمشاهدة والعيان والله تعالى أعلم بما ينتهي إليه عاقبة تلك الأمة الأسيفة والملة الغافلة من غلبة أعداءهم وسوء نية رؤسائهم وجهل أوليائهم وتخاذلهم وخمولهم وغفلتهم وذهولهم مما يبكي العيون ويثير الشجون ويدمي القلوب ويهيج الكروب فلنترك هذا الذكر المحزن والأمر المشجي المشجن ولنرجع إلى ما كنا نتكلم فيه فإن داء هذه الأمة داء أعي كل نبيه وعز دواؤه على كل فطن * وجاء في الآية السابعة من الإصحاح الثاني عشر من هذا السفر أيضًا ( وحدث حرب في السماء ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وملائكته ولم يقودوا فلم يوجد بعد ذلك مكانهم في السماء فطرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان الذي يضل العالم كله طرح إلى الأرض وطرحت معه ملائكته . )
والمقصود بميخائيل هو مظهر أمر الله وبالملائكة أوليائه وأحبائه كما أن المقصود من التنين العظيم والحية القديمة أو الشيطان وملائكته هم رؤساء الظلم وأئمة الضلال وأتباعهم وأشياعهم لأنه روح الضلالة تجلت وظهرت باسم الخلافة الجائرة والملك المعضوض حيث أن رؤساءها قاوموا المظاهر المقدسة وحاربوا العترة النبوية حتى أودت بالأمة الأسيفة إلى الهلاكة الأبدية والذلة الدائمة * أن الديانات كلها أبواب للدخول في جنة رضاء الله تعالى أو أن تشريعها وظهورها كذلك تصير أبوابًا للدخول في جهنم بسخط الله حين نسخها وتغييرها مثلا كما أن الديانة الموسوية وشريعة التوراة كانت بابا للجنة ودخلت منها نفوس كثيرة في حوزة رضاء الله كذلك عين هذه الديانة صارت بابًا لجهنم في ظهور سيدنا عيسى عليه السلام فدخلت منها نفوس كثيرة في نار سخط الله لان اليهود بسبها أنكروا روح الله وخالفوا أمر الله وكذلك الديانة النصرانية كما أن في أول تشريعها دخلت نفوس كثيرة في النار لان النصارى بسببها أنكروا رسول الله وكذّبوا نبي الله ودخلوا في نار سخط الله وهكذا سائر الأديان في سائر الأديان في سائر الأزمان وكما أن الباب صح إطلاقه على الديانات لانها أبواب دخول الخلق في جنة الرضا كذلك أطلق في الكلمات على الأنبياء وكبار الأنبياء بمناسبة المعنى الذي ذكرناه ولذا جاء في زيارة الجامعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام هذه العبارة ( أنتم باب الله المؤتى والمأخوذ عنه )
وإليه أشير في الآية الكريمة { فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه رحمة وظاهره من قبله العذاب } فالمراد بملائكة النار في الآية المباركة هو هذه الرجال من أصحاب الدجال وأئمة الضلال. واما في هذا الدور الحميد والكور المجيد فعدوا أبواب النار ثلاثة وهؤلاء أيضًا ملائكة الجحيم وقادة أصحاب الشمال إلى العذاب الأليم وعلو مقامهم وسمو مراكزهم صار سبب افتتان الجهال وإضلال أصحاب الشمال كما يدلك عليه قوله تعالى
{ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب } وفي كل دور وزمان توجد لكلمات الله تعالى مصاديق يعرفها أهل الإيمان وحملة القرآن ومخازن الحكمة ومطالع البيان حيث أن روحي الهداية والضلالة دائمًا ساريتان في الخلق وينبوع الكفر والإيمان تجريان بين نوع الإنسان في طول الأزمان وليس لظهور الله حد محدود وميعاد مخصوص فإنه جلّت قدرته ناظر دائمًا في قلوب عباده وأفئدة خلقه فإذا رأى فيها استعدادًا للقوب والإقبال يظهر الأمر في الحال فلابد أن تكون مصاديق كلماته موجودة في كل الأزمان وأبواب الجنة مفتوحة في جميع الأحيان * ( أبو الفضل كليايكاني الإيراني )
وذلك في 30 من شهر شوال المكرم سنة 1318

Tuesday, January 22, 2008

من الرحيق المختوم فى كشف المعانى الإلهية

( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة )

أن تفسير الآية عن ظاهرها معلوم وصحيح حيث أن موسى عليه السلام لما أخرج بني إسرائيل من مصر وسكنوا بالبرية كانوا إذ ذاك على ديانة الصابئة القديمة فوعد موسى قومه أن يصعد إلى الجبل ثلاثين ليلة ليسأل ربه تعالى أن يعطيهم شريعة تكفل لهم الحيوة والعزة وتحفظهم عن الموت والذلة فلما صعد موسى وفارق قومه امتدت أيام مفارقته أربعين ليلة فافتتن بنو إسرائيل ورجعوا إلى عبادة التماثيل وبقية قصصهم محفوظة في التواريخ ولا نحتاج فيها إلى البسط والتطويل ولو فسرناها على الباطن والتأويل فالمراد بالليل هو عبارة عن أيام غيبة شمس الحقيقة واليوم على حسب ما نزل في التوراة المقدس يحسب كل يوم واحد بسنة واحدة * وكان موسى عليه السلام لما فارق أرض مصر وفرَّ عن فرعون وملئه إلى مدين كان ابن ثلاثين سنة وأقام في مدين عشر سنوات يشتغل فيها برعي أغنام شعيب النبي عليه السلام وكان في طي هذه المدة التي كانت كالليالي المظلمة والدياجي الكالحة من ظلم الفرعون وأوهام الصابئة مشتغلا بتهذيب أخلاقه وتطييب أعراقه وتنقية فؤاده والمناجاة مع ربه في وحدته وانفراده فلما طاب خُلقه وتم خَلْقه بعثه الله نبيًا لبني إسرائيل وإنقاذهم من ذاك الوبيل * فالمراد بأربعين ليلة هو أربعون سنة أقام موسى عليه السلام في مصر ومدين ولا تنافي كلمة
( واعدنا ) هذا التفسير حيث ظاهرها يقتضي تكلُّم الرب تعالى مع موسى قبل بعثته فإن أمثال هذه الكلمة كثيرًا ما أطلقت على ما ألقي في الروع وألهم في القلب حتى على الحيوانات كما يدلك عليه قوله تعالى ( وأوحينا إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ) ثم قال تعالى ( وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين )
ظاهر الآية المباركة يدل على أن موسى عليه السلام أخلف أخاه هارون عندما كان مع الشعب في البرية كما هو مذكور في التواريخ إلا أن التواريخ القديمة مظلمة جدًا حيث أن المؤرخين اعتمدوا في هذه المسائل على ما جاء في التوراة وسائر الكتب العتيقة، فيجوز أن يكون هارون مستخلفًا عن موسى عليهما السلام لحفظ الشعب أيام غياب موسى في مدين وقد كان بنو إسرائيل يحافظون على التوحيد من لدن جدهم إبراهيم عليه السلام * فلما غاب موسى وضع بنو إسرائيل رسم عجل أبيس إحدى معبودات المصريين تذلفًا إلى فرعون وقومه فكأنهم تجنسوا بالجنسية المصرية واعتنقوا الديانة الوثنية فلما رجع موسى عليه السلام ورآهم على هذه الحالة السيئة والعبادة الباطلة أنكر ذلك على هارون كما ذكره المؤرخون إذ لا يعقل أن بني إسرائيل على ما عرفوا بصلابة الرأي يتركون ديانتهم الموروثة بسبب تأخير موسى عن الرجوع إليهم عشر ليالي * ثم قال تعالى ( فلما جاء موسى لميقاتنا وكلَّمة ربه قال ربي أرنى أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربّه للجبل جعله دكا وخرَّ موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك إني تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) اعلم أن علمائنا سامحهم الله اختلفوا في رؤية الله تعالى وعدم جواز رؤيته فالشيعة والمعتزلة انكروا جواز رؤيته حيث يقتضي الجهة والمقابلة وهي من مقتضيات الجسد والتحيز والتحدد وأمثال ذلك وهو منزه عن تلك الألفاظ إذ لم يفهموا من لفظة ( الله ) سوى الذات ولا شك أن الذات منزهة عن تلك الصفات وأهل السنة والجماعة جوّزوا رؤية الله تعالى اعتمادًا على صريح الآيات واستنادًا على صحيح الأحاديث والروايات وكانوا على هذه العقيدة الصالحة إلى أواسط القرون الهجرية فزجوها بالعقائد الوهمية حيث شاعت في تلك القرون بينهم المسائل الكلامية والمعارف الناقصة العقلية فإنهم قالوا إن رؤية الله تعالى جائزة وواقعة في القيامة إلا أنها ليست من قبيل الإحاطة بالنظر فترى ذات الله تعالى من غير مواجهة ومقابلة وكيفية وإحاطة مما يرجع إلى الوهم الصريح وإنكار الرؤية حقيقة * وأهل البهاء المستظلين بظلال الفرع الكريم المنشعب من الدوحة المباركة العلياء لما عرفوا على حسب ما تعلموا من القلم الأعلى أن ذات الله بسبب تجردها وتقديسها الذاتي لا تدرك ولا توصف ولا تسمي باسم ولا تشار بإشارة ولا تتعين بإرجاع ضمير والأسماء والأوصاف وكل ما يسند ويضاف إليها راجعة في الحقيقة إلى مظاهرها ومطالعها ولذلك سهل عليهم فهم معنى أمثال تلك الألفاظ التي نزلت في الكتب المقدسة والصحف المطهرة من قبيل رؤية الله ولقاء الله وظهور الله ومجئ الله وغيرها مما ليس بخاف على أهل التحقيق * ثم اعلم أيها الحبيب اللبيب أن أهل البيان كثيرًا ما أطلقوا في عباراتهم لفظ ( جبل ) على أكابر الرجال استعارة سواء كانوا من صناديد الدولة والملك أو من قروم أهل العلم والفضل كما أطلق أمير المؤمنين عليه السلام على مالك بن الحارث النخعي المعروف بالاشتر لما اشتهر ذكر وفاته وأخبروه بمماته ومقامه عليه السلام معلوم لديك في الفصاحة والبراعة رسائله وخطبه مستغنية عن المدح والإطراء بالطلاوة والنصاعة وعبارته هذه مذكورة في نهج البلاغة وهذه استعارة في غاية المناسبة واللطافة حيث أن أكابر الرجال هم بمنزلة الأوتاد لاستقرار أهل المعارف والديانة أو الأمة والدولة وكثيرًا ما أطلقه داوود عليه السلام في مزاميره وسائر أنبياء بني إسرائيل في كتبهم عن الرب تعالى كما جاء في مزمور (42) ( أقول لله صخرتي لماذا نسيتني ) وجاء في مزمور (71) ( كن لي صخرة وملجأ ادخله دائما أمرت بخلاصي لانك صخرتي وحصني ) إلى كثير من أمثالها فإذا عرفت هذا فاعلم أن موسى عليه السلام إنما طلب رؤية الله تعالى بسبب اقتراح الشعب عليه أن يريهم الله كما يدلك عليه قوله تعالى ( أرنا الله جهرة ) إلا أن الله تعالى أخبره بأن رؤيته موقوفة باستقرار جبال العلم والإيمان في مكانهم من الإذعان واليقين لكنهم بسبب عدم بلوغهم إلى المقام الثابت الراسخ المكين من العلم والمعرفة واليقين فلابد أن تندك جبال وجودهم ويتزعزع بنيان إذعانهم لمعبودهم حين لقائه فيتبدل إيمانهم بالكفر ويقينهم بالشك وإقبالم بالإعراض حيث لم يكمل بعد مراتب عرفانهم ولم يبلغ إلى الدرجة العليا بنيان إيمانهم فلم يبلغوا بعد إلى رتبة استحقاق الرؤية واللقاء ولم يصعدوا إلى درجة الاستقرار والبقاء فلابد من ظهور الأنبياء وقيام الأصفياء لتربية أشجار الوجودات البشرية وتكميل معارفهم الإيمانية على ممر الدهور وطي العصور حتى يبلغوا إلى درجة التمكن والاستقرار حينئذ يتجلى عليهم ربّ الأرض والسماء ويتشرف البالغون منهم إلى درجة المشاهدة واللقاء فخلاصة تفسير الآية الكريمة أن موسى عليه السلام لما قال رب أرني أنظر إليك حيث أن الشعب طلبوا منه رؤية الله تعالى أجابه الله تعالى بأنك لن تراني لأن بني إسرائيل لم يبلغوا بعد إلى درجة كمال وجودهم ولم يستعدوا للقاء معبودهم * فانظر إلى جبال الوجودات ومقادير استقرار الإيقان فإن استقر جبل الوجود في مقام إيمانه وإيقانه حين تجلي المعبود ولم يتزلزل ولم يتزعزع من مقامه حين الشهود حينئذ استعد للقاء الله واستحق الوقوف بين يدي الله والتشرف برؤية الله ثم تجلي الرب لأحد من تلك الأمة ممن كان من رؤساء الشعب ومن جبال الإيمان والإيقان فاندك وجوده وتضعضع إيمانه واضطرب إيقانه فانصعق موسى من ذلك الامتحان وعرف مقدار صعوبة مقام الافتتان فندم على مقدار ما سأل الرؤية للطالبين ورجع في الحين وقال { سبحانك إني تبت إليك وإني أول المؤمنين }
واعلم يا حبيبي أن الخطابات كثيرًا ما وجهت إلى الرسل والمقصود منها كان أمتهم فانظر في الآية الكريمة النازلة في سورة يونس { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين}
فإن الخطاب في هذه الآية المباركة موجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بحسب الظاهر ولكن المقصود هو الأمة الإسلامية إذ لا يعقل أن النبي يشك في حقيقة القرآن فيحتاج إلى السؤال من اليهود والنصارى حتى يزول شكه ويصدق بحقيقة كلام الله وأمثال ذلك كثيرة في الكتب المقدسة يعرف مقاماته من يعرف فصل الخطاب ويعلم حقائق الكتاب وفي هذه كفاية لأولي الألباب
.

Friday, January 11, 2008

كلمات ومعانيها فى القاموس البهائى الإلهى

- يوم القيامة والجحيم والصراط والجنة والملكوت والحياة الابدية والصور:

يتفضل حضرة النقطة الاولى في البيان قوله الاعلى :
" لقد خلق كل الوجود ليوم ظهور الله والذي ذكر ذلك في عرف البيان بالقيامة ،وهو من اول ظهور شجرة الحقيقة الى غروبها ، مثلا في نقطة الفرقان هو 32 سنة "

ومن حضرة بها ءالله في الايقان قوله الاعلى :
"المقصود من الصور هو الصور المحمدي الذي نفخ على كل الممكنات. والمقصود من القيامة قيام حضرته على الامر الالهي. وانه قد خلع على الغافلين الذين كانوا أمواتاً في قبور اجسادهم خلع الايمان الجديدة، وأحياهم بحاية جديدة بديعة.... سبحان الله ، ما ابعد هؤلاء القوم عن سبيل الحق ، إذ ان القيامة كانت قائمة بقيام حضرته، وعلاماته وأنواره كانت محيطة بكل الارض، مع ذلك كانوا يسخرون. وكانوا عاكفين على التماثيل التي اقامها علماء العصر بافكارهم الباطلة العاطلة....القيامة التي هي قيام نفس الله بمظهره الكلي، وهذا هو معنى القيامة المذكورة والمسطورة في كل الكتب والتي بها وعد جميع الناس وبشروا بذلك اليوم...أما سمعوا الرواية المشهورة التي تقول : " اذا قام القائم قامت القيامة" وكذلك فسر أئمة الهدى والانوار التي لا تطفى الاية الكريمة " هل ينظرون الا ان ياتيهم الله في ظلل من الغمام" بانها تشير الى حضرة القائم وظهوره مع ان القوم يعتبرونها من الامورات المحدثة في يوم القيامة والمسلم بها عندهم. فيا ايها الأخ ادرك اذا معنى القيامة واعرفه، وطهر السمع عن كلمات هؤلاء المردودين. فانك لو تسير قليلا في عوالم الانقطاع لتشهد بانه لا يتصور يوم اعظم من هذا اليوم، ولا قيامة اكبر من هذه القيامة...."

ومن حضرته في لوح قوله الاعلى :
" ولكن المقصود الالهي من الحشر والنشر والجنة والنار وامثال هذه الاذكار المذكوره في الالواح الالهية هي خصة بحين الظهور ، مثلا تلاحظ ان حين الظهور يتكلم لسان الله بكلمة وتظهر من هذه الكلمة التي خرجت من فمه الجنة والنار والحشر والنشر والصراط وكل ما انت سألت وما لا سألت ، كل نفس ايقن بكلمة بلى يكون قد مر من الصراط وفاز بجنة الرضا ، وكذلك حشر وثبت في زمرة المقربين والمصطفين ويعتبر عند الله من اهل الجنة والعليين ، وكل نفس اعرض عن كلمة الله يكون في النار و من اهل النفي والسجين ويحشر في ظل المشركين... الجنة والنار في الحياة الظاهرة هي الاقبال والاعراض ... واذا نشهد بان الصراط قد رفع بالحق ، وان الميزان قد نصب بالعدل وان الظهورات حشرت والبروزات بعثت والناقور نقرت والصور نفخ والنار اشتعلت والجنة قد ازلفت والمنادي قد نادى والسموات قد طويت والارض انبسطت ونسمة الله هبت وروح الله ارسلت والحوريات استزينت والغلمان استجملت والقصور حققت والغرف رصعت واهل القبور قد بعثت والاعالي سفلت والاداني رفعت والشمس اظلمت والقمر خسف والنجوم سقطت والمياه سيلت والقطوف دنيت والفواكه جنيت والايات نزلت واعمال المعرضين قد محت وافعال المقبلين قد ثبتت واللوح المحفوظ قد ظهر بالحق ولوح المسطور قد نطق بالفضل ومقصود الابداع ثم محبوب الاختراع ثم معبود من في الارض والسماء قد ظهر على هيكل الغلام اذا ينطق ألسن كلشئ بان تبارك ابدع المبدعين . ثم لاحظوا ان بتنزيل هذه الاية الواحدة المنزلة من سماء المشية كيف حاسب جميع الخلائق، فكل من اقر واقبل زادت حسناته على سيئاته واعفى وغفرله جميع خطاياه كذلك نصدق في شانه بانه سريع الحساب و كذلك يبدل الله السيئات بالحسنات.

وفي لوح اخر :

" قل هذه الكلمات لحوريات ما طمثهن احد في الملك وهن باكرات في غرف العز وقد اظهرناهن عن خلف الف الف حجاب لعل انتم عن جمالهن تستفيضون اقل من ان يحصى ومن نغماتهم على افنان سدرة تلك الكلمات لتنجذبون"

وفي لوح اخر قوله الاحلى :
" هل القيامة قامت بل القيوم بملكوت الايات... قال اين الجنة والنار قل الاولى لقائي والاخرى نفسك يا ايها المشرك المرتاب... هل سقطت النجوم قل أي اذ كان القيوم في ارض السر فاعتبروا يا اولي الانظار"

وقوله الاعز" قد اشرقت الشمس وانشق القمر وسقطت النجوم ان انتم تشعرون "

وفي كلمات الحكمة : اصل النار هي انكار آيات الله والمجادلة بما ينزل من عنده والاعراض عنه والاستكبار عليه"

وفي لوح خطاب للزردشتيين قوله الاجمل :
" ان العقل والمعرفة صدقت الجنة والنار ، لان وجودهما لازمة للعقل والمعرفة،ان الجنة في المقام الاول والرتبة الاولى هو رضاء الحق ، كل نفس فاز برضاءه فهومحسوب من اهل الجنة العليا وبعد عروج روحه يفوز بما ذكر والقلم عاجز عن ذكره، ان الصراط والميزان وكذلك الجنة والنار وكل ما هو مذكور ومسطور في الكتب الالهية ، مشهود ومعلوم عند اصحاب البصر وأناس المنظر الاكبر، حين ظهور وبروز انوار شمس المعاني، الكل يقف في مقام واحد ، والحق ينطق بما اراده ، وكل شخص فاز بسماعه وقبل فهو مذكور من اهل الجنة ، وكذلك يكون قد مر من الصراط والميزان ويصل الى كل ما ذكر عن يوم القيام ، يوم الظهور هو يوم القيامة الكبرى ، املي ان تفوز جنابك من رحيق الوحي الالهي وسلسبيل العناية الربانية ،وتفوز بمقام المكاشفة والشهود وان تشاهد ظاهريا وباطنيا كل ما ذكر."

ويتفضل حضرة عبدالبهاء في خطاب قوله العزيز:
" اما مسألة الجنة التي ذكرها حضرة محمد ، هي حقائق روحانية ذكرها في القالب الجسماني، لان في ذلك الوقت ما وجد الاستعداد لادراك المعاني الروحانية ، كما ان حضرة المسيح يتفضل قائلا انني لن اتناول من ذلك العنب الا في ملكوت الاب ، ومن الواضح ان مراد حضرته لم يكن هذا العنب. "

ويتفضل في المفاوضات قوله العزيز :
" واما الحياة فهي على قسمين : حياة الجسم وحياة الروح ، اما الحياة الجسمانية فهي عبارة عن حياة الجسد، واما حياة الروح فهي عبارة عن الحياة الملكوتية، والوجود الملكوتي هو الاستفاضة من الروح الالهي وهو الانتعاش من نفحات روح القدس...والمقصود من الحياة الابدية هو الاستفاضة من فيض الروح القدس كما يستفيض الورد من فصل الربيع الجديد ونسماته ونفحاته. فانظروا ان هذا الورد كان في الاول له حياة وكانت الحياة جمادية ، لكنه نال حياة جديدة حينما قدم موسم الربيع وفاضت سحائبه واشرقت شمسه النورانية بحرارتها فاصبح عطرا في نهاية الطراوة واللطافة ، فحياة هذا الورد الاولى بالنسبة الى الحياة الثانية هي ممات. والمقصد ان الحياة الملكوتية هي حياة الروح وهي حياة ابدية منزهة عن الزمان والمكان كالروح الانسانية التي لا مكان لها...فعالم الملكوت على هذا المنوال مقدس عن كل ما يرى بالعين او يدرك بغيرها من الحواس كالسمع والشم والذوق واللمس... فكذلك الملكوت والمحبة ايضا لا مكان لها بل لها تعلق بالقلب ، وكذلك الملكوت ليس له مكان بل له تعلق بالانسان ، اما الدخول في الملكوت فهو بمحبة الله والانقطاع والتقديس والتنزيه ، ويكون بالصدق والصفاء والوفاء والاستقامة والتضحية". ص 179

ومن حضرة النقطة الاولى في رسالة بيان السلوك الى الله قوله الاعلى :
" فان الدنيا والاخرة حالتان ان كان توجهك بالله تعالى فانت في الجنة وان كان نطرك الى نفسك فانت في النار وفي الدنيا".

13- القيامة - خمسين الف سنة:
" في خطاب لحضرة عبدالبهاء قوله الجليل : واما بخصوص آية القران في يوم كان مقداره خمسين الف سنة ، المقصود ان الامور العظيمة والوقائع الكلية والحوادث اللانهائية التي تكون ظهورها وحدوثها منوطه بمدة خمسين الف سنة ، ستحدث في يوم واحد ، لذا يتفضل في مقام اخر ، في لمح بصر ، والمقصود من هذه الاية يوم ظهور جمال الابهى الذي هو بمقدار خمسين الف سنة ، وليس خمسين الف سنه، كما يقال ان ساعة فراق بمقدار الف سنة
".

Saturday, January 5, 2008

من أسرار المعانى الإلهية فى كنز الكلمات المقدسة الربانية

من الأحاديث القدسيّة المشهورة في الإسلام قوله عزّ وجلّ: "كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أن أُعرف فخلقتُ الخلقَ لكي أُعرف"وقد أشارت الألواح المباركة إلى هذا الحديث في أكثر من موضع، فقد جاء، مثلاً، في مناجاة لحضرة بهاء الله:


"سبحانك اللّهم يا إلهي أشهد أنّك أنت كنت كنزاً مكنوناً في غيب ذاتيّتك ورمزاً مخزوناً في كينونتك. فلمّا أردتَ أن تُعرف فخلقتَ العالم الأكبر والأصغر واخترتَ منهما الإنسان، وجعلتَه حاكياً عنهما يا ربّنا الرّحمن، وأقمته مقام نفسك بين ملأ الأكوان، وجعلتَه مطلع أسرارك ومشرق وحيك وإلهامك، ومظهر أسمائك وصفاتك الّذي به زيّنت ديباج كتاب الإبداع يا مالك الاختراع."
("مناجاة" مجموعة أذكار وأدعية من آثار حضرة بهاء الله).


وأشار حضرة بهاء الله إلى ذات الحديث في الكلمات المكنونة:
"يا ابن الإنسان، أحببتُ خلقك فخلقتك، فأحببني كي أذكرك وفي روح الحياة أثبّتك."

وفي تفسير لهذا الحديث تفضّل حضرة عبد البهاء شارحاً:
"أيّها السّالك سبيل المحبوب، اعلم أنّ المقصود في هذا الحديث القدسيّ هو ذكر مراتب ما ظهر وما بطن من أعراش الحقيقة، مظاهر أمره، ومشارق عزّ هويّته، فمثلاً قبل أن تشتعل نار الأحديّة وتظهر للعيان، فهي قائمة بنفسها لنفسها في غيب المظاهر الكلّيّة، وهذا هو مقام "الكنز المخفيّ"، أمّا عندما تشتعل الشّجرة المباركة بنفسها لنفسها، وتوقد النّار الرّبّانيّة بذاتها لذاتها فهذا هو مقام "فأحببتُ أن أعرف". وعندما تشرق من أفق الإبداع بجميع الأسماء والصّفات الإلهيّة اللاّمتناهية على الإمكان واللاّمكان فإنّ ذلك يبشّر بظهور خلق بديع وصنع جديد، وهو مقام "فخلقتُ الخلق"، وعندما تخرق النّفوس المقدّسة حجبات كلّ العوالم وسبحات كلّ المراتب وتفوز بمقام المشاهدة واللّقاء فسوف تظهر علّة خلق الممكنات ألا وهي عرفان الحقّ والإيمان به."

Monday, December 31, 2007

من لؤلؤ ومرجان المعانى الإلهية فى الكتابات البهائية


الفجر وليال عشر
في خطاب لحضرة عبدالبهاء قوله العزيز:
طهران جناب آقا محمد علي كاشاني عليه بهاءالله الابهى.
هوالله ... سألت عن آية والفجر وليال عشر، ان هذا العبد ليس لديه فرصة التحرير والتفسير لهذه الآية المباركة، ولكن اذكر باختصار ان المقصود من الفجر في هذه الاية المباركة هو فجر النبوة التي أنارت آفاق العالم بشعاعها الساطع ونورها اللامع، وليال عشر ، يقول البعض انها الليالي العشرة عاشوراء وهي ليالي مأتم واستشهاد حضرة سيد الشهداء روحي له الفداء، والبعض يقول انها الليالي العشرة الاخيرة من شهر رمضان، وآخرون يقولون انها الليالي العشرة من اول ذي القعدة، والبعض يذهب الى ان هذه الليالي العشرة متممة لميقات موسى عليه السلام كما جاءت في الاية المباركة " واتممناه بعشر "، والبعض يقول انها ليالٍ عشر، ليلة النيروز، وليلة عيد الاضحى وليلة عيد رمضان ، وليلة عيد الغدير، وليلة الاسراء ، وليلة مولد حضرة الرسول روحي له الفداء ، وليلة عاشورا ، وليلة التاسع عشر من رمضان، وليلة مولد حضرة الامير وليلة وقد قضى حضرة الرسول قبل اظهار واعلان امره عشرة ليالٍ في غار حراء ، وفي تلك الليالي كان بحر الفيوضات مواج وانوار التجليات ساطعة، ولكن لو تنظر بدقة ، تلاحظ ان الاعداد تنتهي بعشرة، لان المبدأ واحد والمنتهى واحد وهذا العدد يحتوي على باقي الاعداد، لذا فعندما يعود الواحد الاول نحصل على عشرة ، وبعض عشاق الجمال النوراني لحضرة رسول الكبرياء عليه الصلوة والسلام قالوا بان الفجر هو الوجه المضئ النوراني للجمال المحمدي ، وليال عشر الحاجبان والرموش الاربعة والشاربان واللحية وشعر الرأس هذا تفسير العشاق ، فيمكنك انت ان تقبل أي واحد منها ، وعليك التحية والثناء . (حضرة عبد البهاء)

الخضر
يتفضل حضرة بهاءالله في احد الالواح قوله الاعز:
" كان معلم الكليم التأييدات الالهية ، وهي نفس التجليات الأمرية التي تنطق الآن، وهو يذكر في عالم الأسماء باسم من الأسماء، وسمي في الكتاب الالهي بالخضر"

في خطاب يتفضل حضرة عبدالبهاء لاقا ميرزا حسن نوشابادي قوله العزيز: " ان حقيقة مسألة عزيز عليه السلام ، أن ملة حضرة موسى اللذين هوجموا من قبل بختنصر وأُسروا وذّلوا واخذوا 70 الف شخص من الارض المقدسة إلى بابل، و ماتت هذه المّلة واضمحلت مدة مائة سنة ، حزن حضرة عزيز من هذه الواقعة وتكدر، لذا وصلت له البشارة بان هذه الملة ستحيى مرة اخرى كما حصل فعلا، اما حضرة الخضر فهو حقيقة موسى وليس شخصا آخر، صدرت احكاما بحكم الحقيقة التي تعجز عقول البشرية عن ادراكها لانها كانت خارقة للعادة ، المقصود من هذه القصة هو ان المظاهر المقدسة الالهية هم مظاهر يفعل مايشاء ويحكم ما يريد، ما يقولونه يجب اطاعته وعدم الشك والتردد فيه ، بان يقال هذا الحكم ظاهريا يتفق مع العدل والانصاف او لا يتفق. فالتشتت الفكري ينتهي الى العصيان والطغيان. هذه هي حقيقة المسألة التي ذكرت بهذا العنوان، اما الآيات بخصوص ذو القرنين فهي من الايات المتشابهات التي لها تأويل ، والمعترضون جعلوا هذه الحكاية فخأ للتزوير وسألوا لربما يصدر جوابا يخالف آراءهم ويكون هذا سببا في تزلزل اهل الايمان ، لهذا نزلت قضية ذو القرنين بحسب الظاهر موافقة لآراء الآخرين كي لا يبقى لهم مجال للاعتراض، ولكن يوجد رمزا في كل كلمة ، والمقصود من ذي القرنين هو حضرة الامير الذي كان سائرا وسائحا بقلبه في جميع الافاق وتحرى عن المظهر الكلي. في النهاية لاحظ ان شمس الحقيقة مخفية في قالب ترابي ومائي".

يونس والسمكة
ومن البيانات الشفاهية لحضرة عبدالبهاء ، عندما سئل عن آية القران " وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن ان لن نقدر" تفضل حضرته : " ان الظن نوعين ، الظن السئ و الظن الحسن ، وفي موضع يقال ان الظن بمعنى اليقين والعلم ( يظنون انهم ملاقوه ) اما المراد من الحوت فهو القوم الذين بلعوه ، وظل يذكر الله في ظلمات الجهل والاهواء النفسية وفي العاقبة نجاه الله ، أي هدى القوم وتوجد قصة ذو النون في التوراة باسم يونا ، وينكر الاوروبيين هذه القصة اطلاقا ويعتبروها من الحكايات الكاذبة، وحتى ينكروا وجود مدينة نينوى ، لما كنا في بغداد، حفروا في مكان قريب من الموصل وجدوا آثار عتيقة غريبة من ضمنها بقرتين وعجل طبق الاصل، ووجد القنصل البريطاني نحلة ذهبية ، وحنطوا نحلة اخرى اصلية ووضعوها الى جانبها، لم يستطع احد ان يفرق بينهما، وكان تُرى الشعرات الرفيعة على ظهر النحلة بواسطة المكبر، كان الافرنج يقولون طبعا صار معلوما بانه في الزمن الماضي كان هنالك اجهزة مكبرة وثبت ان نينوى لم تكن اكذوبة ، كانت مدينة كبيرة ولكنها خسفت منذ قديم الايام ودفنت تحت الارض بمقدار300 ذراع"
(حضرة عبد البهاء)

Friday, December 21, 2007

لئالئ ومعانى

(الرجعة التي اخبر بها الانبياء)
(السؤال)
(نرجو بيان مسألة الرجعة)

(الجواب)
ولنذكر عنوان هذه المسألة من الانجيل فقد صرح فيه انه لما ظهر يحيى بن زكريا وكان يبشر الناس بملكوت الله سألوه0 من أنت؟ هل أنت المسيح الموعود؟ فاجاب

لست بالمسيح ثم سألوه0أأنت إيليا؟ قال0لا0فمن هذا البيان ثبت وتحقق ان حضرة يحيى بن زكريا ليس بايليا المعهود ولكن حضرة المسيح يوم التجلي في جبل الطابور وصرح بان يحيى بن زكريا كان ايليا الموعود ففي الاية11 من الاصحاح9من انجيل مرقس يقول (فسألوه لماذا يقول الكتبة ان ايليا ينبغي ان يأتي اولا فاجاب وقال لهم ان ايليا يأتي اولا ويرد كل شئ وكيف هو مكتوب عن ابن الانسان ان يتألم كثيرا ويرذل لكن اقول لكم ان ايليا ايضا قد اتى وعملوا به كل ما ارادوا كما هو مكتوب عنه)وفي انجيل متى اية13 اصحاح17 يقول( حينئذ فهم التلاميذ انه قال لهم عن يوحنا المعمدان) والحال انهم سألوا يوحنا المعمدان هل انت ايليا؟ قال0لا0على انه في الانجيل يقول(ان يوحنا المعمدان كان نفس ايليا الموعود)ويصرح المسيح ايضا بهذا0حينئذ كان حضرة يوحنا هو حضرة ايليا فلماذا قال انا لست ايليا؟وان لم يكن هو ايليا فكيف يقول حضرة المسيح انه كان ايليا؟
اذا لم يكن النظر الى الشخصية في هذا المقام بل النظر الى حقيقة الكمالات0يعني ان تلك الكمالات التي كانت في حضرة ايليا كانت متحققة بعينها في يوحنا المعمدان0وعلى هذا كان حضرة يوحنا المعمدان هو ايليا الموعود0فليس النظر هنا الى الذات بل الى الصفات0مثلا في العام الماضي كان الورد موجودا وفي هذه السنة ايضا وجد الورد فانا اقول قد رجع ورد العام الماضي والحال اني لا اقصد بذلك رجوع ورد العام الماضي بعينه وشخصيته ولكن لما اتصف هذا الورد بصفات الورد في العام الماضي يعني بمثل رائحته ولطافته ولونه وشكله فلذا يقولون رجع ورد العام الماضي وهذا الورد هو عين ذلك الورد0يأتي الربيع فنقول جاء ايضا ربيع السنة الماضية لان كل ماكان في الربيع الماضي موجود في هذا الربيع ايضا0لذا يقول حضرة المسيح(سترون كل ماوقع في زمن الانبياء السالفين) ولنأت ببيان اخر ان حبة غرست في السنة الماضية فظهر منها غصن وورق واكمام وثمر وفي النهاية اصبحت حبة ايضا فعند ماتزرع هذه الحبة ثانية تنبت شجرة وتعود وترجع تلك الاغصان والاوراق والاكمام والثمر وتظهر تلك الشجرة كاملة وحيث ان الاولى كانت حبة والثانية ايضا حبة فنقول ان الحبة رجعت ولكن حينما ننظر الى مادة الشجرة نجد ان هذه المادة مادة اخرى اما اذا نظرنا الى الاكمام والاوراق والثمر نجد نفس ذلك الطعم والرائحة واللطافة0اذا فقد عاد كمال الشجرة مرة اخرى0وعلى هذا المنوال لو ننظر الى الشخصية نراها شخصية اخرى اما لو ننظر الى الصفات والكمالات نراها عادت ورجعت0لذا قال حضرة المسيح(هذا ايليا) يعني هذا الشخص مظهر الفيوضات والكمالات والاخلاق والصفات والفضائل التي كانت لايليا ويوحنا المعمدان قال انا لست ايليا0فحضرة المسيح كان ناظرا الى الصفات والكمالات والاخلاق والفيوضات في كليهما0ويوحنا كان ناظرا الى شخصيته المادية مثل هذا السراج الموجود فانه كان منيرا ليلة امس ثم انير ايضا هذه الليلة وسينار الليلة الاتية ايضا فنقول ان سراج الليلة هو سراج الليلة البارحة وقد رجع ذلك السراج فالمقصود هو النور لا الدهن والفتيل والمشكاة0وهذه التفاصيل مشروحة ومفصلة في
(كتاب الإيقان)


(تفسير الاية)
انت الصخرة(الكيفا)وعليك ابني كنيستي
(اية18من انجيل متى اصحاح16)
(سؤال)
مذكور في انجيل متى ان المسيح قال لبطرس
انت الصخرة وعليك ابني كنيستي فما معنى هذا؟

(الجواب)
ان هذا البيان من المسيح تصديق لقول بطرس حينما قال له (انت هو المسيح بن الله الحي ) ثم قال حضرة المسيح في جوابه(انت الكيفا) والكيفا في اللغة العبرية هي الصخرة ولذا قال المسيح (وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي) لان بعضهم قال لحضرة المسيح انت ايليا وقال بعضهم انت يوحنا المعمدان وقال بعضهم انت ارميا او احد الانبياء0فاراد حضرة المسيح ان يؤيد بيان بطرس بالكناية او الاشارة ولكونه تسمى بالصخرة قال بهذه المناسبة(انت الصخرة وعليك ابني كنيستي)يعني سيكون اساس دين الله مبنيا على عقيدتك(ان المسيح ابن الله الحي)

وعلى هذه العقيدة سيوضع اساس كنيسة الله التي هي شريعة الله) ووجود قبر بطرس برومية مشكوك فيه وغير مسلم به غير ان البعض يقول انه في انطاكية وفضلا عن هذا فلو نطبق اعمال بعض الباباوات على شريعة حضرة المسيح نجد ان حضرته كان جائعا عريانا يأكل الحشائش في هذه البرية(برية فلسطين) وما رضى بتكدير قلب احد مع ان البابا يجلس في عربة مرصعة ويمضي اوقاته بنهاية العظمة في جميع الملذات والشهوات وحب الذات والنعمة التي لا يتيسر للملوك مثلها على ان المسيح لم يكدر نفسا ولكن بعضا من الباباوات قتلوا نفوسا كثيرة بريئة فارجعوا الى التاريخ لتعلموا كيف كانوا يعارضون الحقيقة وكم سفكوا من الدماء محافظة على سلطتهم الزمانية وكم اضطهدوا وسجنوا وقتلوا الالاف من خدام الانسانية واهل المعرفة الذين كشفوا اسرار الكائنات وذلك فقط لمجرد المخالفة في الراي0 تأملوا في وصايا المسيح وتفحصوا في احوال الباباوات واطوارهم0 فهل تجدون اية مشابهة بين وصايا حضرة المسيح واطوار حكومة الباباوات مع اننا لا نحب ذم النفوس والقدح فيها ولكن تاريخ الفاتيكان مملوء بالعجائب0 والمقصود من هذا ان وصايا المسيح شئ واطوار حكومة البابا شئ اخر وليس بينهما تشابه ما0انظروا كم قتلوا من البروتستانت وكان كله بفتوى البابا وكم اباحوا من الظلم والجور وكم عذبوا واضطهدوا كثيرا من النفوس0 فهل تشتم اية روائح المسيح الطيبة الذكية من هذه الاعمال؟لا والله0 فهؤلاء ما اطاعوا المسيح بل ان بربارة المقدس الذي امامنا صورته قد اطاع المسيح واقتفى اثره واجرى وصاياه0وكان من بين الباباوات نفوس مباركة اتبعوا خطوات حضرة المسيح وعلى الخصوص في القرون المسيحية الاولى التي كانت فيها الاسباب الدنيوية مفقودة والامتحانات الالهية شديدة ولكن لما تيسرت اسباب السلطنة وحصلت العزة والسعادة الدنيوية نسيت حكومة البابا المسيح بالكلية واشتغلت بالسلطنة والعظمة والراحة والنعم الدنيوية وقتلت النفوس وعارضت في نشر المعارف وآذت ارباب الفنون وحالت دون انتشار نور العلم وحكمت بالقتل وشن الغارة وهلك الاف من النفوس من اهل الفنون والمعارف والابرياء في سجن رومية0فكيف مع وجود هذا السلوك وتلك الاعمال يكون البابا خليفة حضرة المسيح فكرسي حكومة البابا كان معارضا للعلم دائما حتى صار من المسلم في اوروبا ان الدين معارض للعلم والعلم مخرب لبنيان الدين والحال ان دين الله مروج للحقيقة ومؤسس للعلم والمعرفة ومشوق للعرفان وهو اس المدنية للنوع الانساني وكاشف لاسرار الكائنات ومنور للافاق فكيف يعارض العلم مع وجود هذا استغفر الله0ولكن العلم لدى الله افضل ميزة للانسان واشرف الكمالات الانسانية فمعارضة العلم جهل وكارة العلوم والفنون ليس بانسان بل هو حيوان لا شعور له0لان العلم نور وحياة وسعادة وكمال وجمال ووسيلة التقرب لدى عتبة الاحدية وشرف العالم الانساني واعظم موهبة الهية فالعلم حقيقة الهداية والجهل عين الضلالة0طوبى للنفوس التي صرفت ايامها في تحصيل العلوم وكشف اسرار الكائنات والتدقيق في الحقيقة وويل للنفوس التي تقتنع بالجهل والغفلة وتنشرح قلوبهم بالتقاليد حتى وقعوا في اسفل دركات الجهل والغفلة واضاعوا اعمارهم ادراج الرياح0

Tuesday, December 11, 2007

من المدعو ومن المختار ولؤلؤ المعانى

(المدعوون كثيرون والمختارون قليلون)
(سؤال)
يقول حضرة المسيح في الانجيل
(المدعوون كثيرون والمختارون قليلون)
ويقول في القرآن
(يختص برحمته من يشاء)
فما حكمةذلك؟
(الجواب)
اعلم ان نظام الكون وكماله يقتضيان ان يبدو عالم الامكان بصور لا عداد لها فلهذا لم تكن الموجودات في مرتبة واحدة او مقام واحد او نحو واحد ولا جنس واحد او نوع واحد ولا في صورة واحدة بل لابد من تفاوت في المراتب وتمايز في الاصناف وتعدد في الاجناس والانواع يعني من المحتم وجود مراتب الجماد والنبات والحيوان والانسان لان عالم الوجود لا يتم تكوينه وتنظيمه وكماله بالانسان وحده وكذلك لا يمكن ان يظهر العالم بالمنظر البديع والترتيب الدقيق والرونق اللطيف بالحيوان وحده او النبات وحده او الجماد وحده بل لابد من تفاوت المراتب والمقامات والاجناس والانواع حتى يتجلى الوجود في نهاية الكمال مثلا لو ان هذه الشجرة كانت كلها ثمرة لما تم كمالها النباتي لان الاوراق
والاكمام والثمار جميعها لازمة حتى يتجلى النبات في نهاية الزينة والكمال وكذلك انظروا في هيكل الانسان اذ لابد فيه من تفاوت الاعضاء والاجزاء والاركان فجمال الوجود الانساني وكماله يقتضي وجود العين والاذن والمخ حتى الاظافر والشعر فلو كان هيكل الانسان كله مخا او عينا او اذنا لكان ذلك هو عين النقص وكذلك يكون ناقصا لو كان بدون شعر أواهداب أو اظافر أو اسنان0 ولو ان هذه كلها بالنسبة الى العين في حكم الجماد والنبات لعدم الاحساس ولكن عدم وجودها في هيكل الانسان مكروه ومذموم للغاية0ان مراتب الموجودات مختلفة متفاوتة اختار الله سبحانه لبعض الاشياء الرتبة العليا كالانسان ووضع بعضها في الرتبة الوسطى كالنبات وترك بعضها في الرتبة الدنيا كالجماد فتخصيص الانسان بالرتبة العليا انما هو من فضله والتفاوت بين النوع الانساني من حيث الترقيات الروحانية والكمالات الملكوتية انما هو ايضا بارادة حضرة الرحمن لان الايمان الذي هو حياة ابدية من آثار فضل الله لامن نتائج العدل فشعلة نار المحبة انما هي بقوة الانجذاب لا بالسعي والاجتهاد في عالم الماء والتراب بل الذي يحصل بالسعي والاجتهاد هو الاطلاع والعلم وسائر الكمالات اذا فانبعاث الارواح واهتزازها لا يكون الا بانوار الجمال الالهي وقوته الجاذبة لهذا يقول(المدعوون كثيرون والمختارون قليلون) فمثلا الجماد في رتبته الجمادية والنبات في رتبته النباتية والحيوان في رتبته الحيوانية كل مقبول في رتبته بل تلك الرتب هي عين الكمال ولكنها اذا كانت ناقصة في رتبها ولم تبلغ حد الكمال فيها فهي مذمومة وغير مقبولة0
واما التفاوت بين النوع الانساني فهو على قسمين0احدهما التفاوت من حيث المراتب وهذا التفاوت ليس بمذموم والقسم الاخر هو التفاوت من حيث الايمان والايقان وعدمهما وذلك مذموم لان تلك النفس تكون قد ابتليت بهواها وطيشها حتى حرمت من مثل هذه الموهبة ومنعت من قوة جذب محبة الله0
ومع ان الانسان في رتبته ممدوح ومقبول الا انه بحرمانه من كمالات تلك الرتبة يصبح معدن النقائص وعن هذا هو مسئول।

(حضرة عبد البهاء)


آيات لؤلئية ومعانيها الصدفية


(تفسير الاية22من الاصحاح15
من رسالة بولس الاولى الى كورنتوس)
(السؤال)
مكتوب في رسالة بولس الاولى الى كورنتوس
(لانه كما في آدم يموت الجميع
هكذا في المسيح سيحيا الجميع)
فما المقصود من هذه العبارة

(الجواب)
اعلم ان في الانسان طبيعتين طبيعة جسمانية وطبيعة روحانية0فالطبيعة الجسمانية موروثة من آدم والطبيعة الروحانية موروثة من حقيقة كلمة الله وهي روحانية حضرة المسيح0فالطبيعة الجسمانية تولدت من آدم واما الطبيعة الروحانية فمتولدة من فيض روح القدس0 الطبيعة الجسمانية مصدر كل نقص والطبيعة الروحانية مصدر كل كمال0وقد فدى حضرة المسيح بنفسه ليخلص الخلق من نقائص الطبيعة الجسمانية وليتصفوا بفضائل الطبيعة الروحانية0وهذه الطبيعة الروحانية التي تحققت من فيض الحقيقة الرحمانية جامعة لجميع الكمالات وظهرت من نفخة روح القدس وهذه الطبيعة هي كمالات إلهية وأنوار روحانية وهداية ورفعة وعلو همة وعدالة ومحبة وموهبة ورأفة بجميع الخلق وبر وخير وحياة في حياة0وهذه الطبيعة الروحانية تجل من اشراقات شمس الحقيقة0فالمسيح هو مركز روح القدس ومولود من روح القدس ومبعوث بالروح القدس ومن سلالة روح القدس يعني ليست الحقيقة المسيحية من سلالة ادم بل هي وليدة روح القدس0اذا فالمقصود من الاية 22من اصحاح15من رسالة بولس لاهل كورنتيان التي يقول فيها(لانه كما في ادم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع)بحسب الاصطلاح المعروف بأن آدم هو ابو البشر(يعني انه سبب الحياة الجسمانية للنوع الانساني) وله ابوة جسمانية ونفس حية ولكن ليست بمحيية وان حضرة المسيح هو سبب حياة البشر الروحية وله الابوة الروحانية من حيث الروح0فآدم نفس حية والمسيح روح محيية0ولهذا العالم الجسماني الانساني قوى شهوانية ومن لوازم القوى الشهوانية العصيان لان القوى الشهوانية ليست تحت قانون العدل والحقانية اذ ان جسم الانسان اسير الطبيعة وكلما تحكم به الطبيعة يتحرك بمقتضاه0اذا ثبت ان الخطيئة موجودة في العالم الجسماني كالغضب والحسد والنزاع والحرص والطمع والجهل والانانية والافساد والكبر والظلم فجميع هذه الصفات البهيمية موجودة في طبيعة الانسان لان الانسان الذي لم يترب التربية الروحية هو كالحيوان. ان العالم الجسماني للانسان عالم خطيئة وعصيان وليس للانسان في العالم الجسماني امتياز عن الحيوان0فكل الخطايا من مقتضيات الطبيعة وتلك المقتضيات الطبيعية التي هي من الخصائص الجسمانية بالنسبة للحيوان ليست بخطايا ولكنها خطايا بالنسبة للانسان فالحيوان مصدر النقائص كالغضب والشهوة والحسد والحرص والاعتداء والتعاظم يعني ان جميع الاخلاق الذميمة كامنة في طبيعة الحيوان فهي بالنسبة اليه ليست بخطيئة اما بالنسبة الى الانسان فهي خطيئة0فحضرة آدم هو سبب حياة الانسان الجسمانية اما حقيقة المسيح يعني كلمة الله فهي سبب الحياة الروحية لانها روح محيية يعني ان جميع النقائص التي هي من مقتضيات الحياة الجسمانية للانسان تتبدل بالكمالات الانسانية بتعليم ذلك الروح المجرد وتربيته0 اذا فحضرة المسيح كان روحا محيية وسبب الحياة الروحانية للجميع0وحضرة آدم كان سبب الحياة الجسمانية0وحيث ان العالم الجسماني للانسان هو عالم النقائص والنقائص هي عين الموت لهذا عبر بولس عن النقائص الجسمانية بالموت0اما جمهور المسيحيين فمتفقون على ان حضرة آدم لما ان تناول من الشجرة التي منع ان يأكل منها اخطأ وعصى وبقيت النتيجة المشئومة لهذا العصيان ميراثا ثابتا في سلالة آدم وعلى هذا فحضرة آدم صار سبب موت الخلق وهذا بديهي البطلان لان معناه ان جميع الخلق حتى الانبياء والرسل من دون ذنب ولا تقصير ولمحض انهم كانوا من سلالة آدم صاروا مذنبين ومقصرين بدون سبب وكانوا مبتلين الى يوم قربان المسيح بالعذاب الاليم في نار الجحيم0وهذا بعيد من العدالة الالهية0واذا كان آدم قد اذنب فما ذنب حضرة ابراهيم وما تقصير اسحاق
ويوسف وما خطأ موسى0
اما ان حضرة المسيح كان كلمة الله وفدى نفسه فلها معنيان معنى ظاهري ومعنى حقيقي فالمعنى الظاهري انه لما كان مقصد حضرة المسيح ان يقوم بامر يكون فيه تربية العالم الانساني واحياء بني آدم وهداية عموم الخلق0والقيام بامر عظيم كهذا فيه مخالفة لجميع العالم ومقاومة لسائر الملل والدول لابد وان يؤدي الى القتل والصلب واهدار الدم0 لهذا فدى حضرة المسيح روحه حينما اظهر امره وعد الصليب سريرا والجرح مرهما والسم شهدا وسكرا0 وعلى هذا قام بتعليم الناس وتربيتهم يعني فدى بنفسه حتى يهب روح الحياة وفنى بجسده ليحيى الاخرين بالروح0اما المعنى الثاني للفداء فهو ان حضرة المسيح كان مثل حبة ضحت صورتها لتنمو الشجرة منها وتعلو ولو ان صورة الحبة تلاشت الا ان حقيقتها ظهرت على هيئة الشجرة بكمال العظمة واللطافة0فمقام المسيح كان كمالا محضا فاشرقت تلك الكمالات الالهية كالشمس على جميع النفوس المؤمنة وسطعت ولمعت فيوضات الانوار في حقائق النفوس ولهذا يقول(انا الخبز النازل من السماء وكل من يتناول من هذا الخبز لا يموت) يعني ان كل من يأخذ نصيبا من هذا الفيض واقتبس من هذه الكمالات وجد حياة ابدية واستفاض من فيض القدم وخرج من ظلمات الضلالة واستنار بنور الهداية0 ومع ان صورة الحبة صارت فداء للشجرة الا انها ظهرت وانكشفت كمالاتها بسبب الفداء والفناء فيها لان الشجرة والاغصان والاوراق والازهار كانت مخفية مستورة في الحبة فلما ان ضحت الحبة بصورتها وظهرت كمالاتها وتجلت بكمال الظهور على هيئة الاوراق والاكمام والثمر.
(حضرة عبدالبهاء )

Monday, December 3, 2007

من لئالئ المعانى للكلمات الإلهية


(سؤال)
(ما معنى المجئ الثاني للمسيح ويوم الدينونة)

(الجواب)
مذكور في الكتب المقدسة ان المسيح سيجئ مرة اخرى ومجيئه مشروط بتحقق علامات معينة وظهوره مقترن بتلك العلامات ومن
جملتها (تظلم الشمس)(والقمر لا يعطي ضوءه)(والنجوم تسقط من السماء)(وقوات السموات تتزعزع)(وحينئذ تنوح جميع قبائل الارض ويبصرون ابن الانسان آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كبير) وقد فسر حضرة بهاء الله هذه الايات وشرحها بقوله : وهو ان المسيح في مجيئه الاول ايضا اتى من السماء كما هو مصرح في الانجيل حتى ان نفس المسيح يقول(جاء ابن الانسان من السماء وابن الانسان في السماء ولا يصعد الى السماء الا الذي اتى من السماء) ومن المسلم لدى العموم ان المسيح اتى من السماء حل انه اتى بحسب الظاهر من رحم مريم كما ان مجيئه في المرة الاولى كان في الحقيقة من السماء وان كان بحسب الظاهر اتى من الارحام كذلك يكون مجيئه الثاني بحقيقته ايضا من السماء ولو يأتي بحسب الظاهر من الارحام0
والشروط المصرح بها في المجئ الاول كما سبق من قبل0وفي كتاب اشعيا مذكور ان المسيح يفتح الشرق والغرب ويدخل جميع ملل العالم في ظله وتتشكل سلطنته ويأتي من مكان غير معلوم ويدان المذنبون وتجرى العدالة لدرجة ان الذئب والحمل والنمر والجدي والافعى والطفل الرضيع تجتمع كلعا على معين واحد ومرعى واحد ووكر واحد0 وقد كان مجيئه الاول ايضا مشروطا بهذه الشروط مع انه لم يقع بحسب الظاهر اي شرط من هذه الشروط فلهذا اعترض اليهود على المسيح واستغفر الله فقد عبروا عن المسيح بالمسيخ وعدوه هادم البنيان الالهي ومخرب السبت والشريعة وافتوا بقتله والحال انه كان لتلك الشروط كلا وطرا معان ولكن اليهود لم يهتدوا اليها ولذلك احتجبوا0وكذلك المجيئ الثاني للمسيح على هذا المنوال0 ولجميع العلائم والشروط الموضحة معان ولا يصح ان تؤخذ بحسب ظاهرها لانها لو اخذت حسب الظاهر فلا يتحقق قول حضرة المسيح (تتساقط جميع النجوم على الارض) مع ان النجوم لا حد لها ولا حصر ومن الثابت المحقق علميا لدى الرياضيين الحاليين ان جرم الشمس اعظم من جرم الارض بما يقرب من مليون ونصف وكل واحد من هذه النجوم الثوابت اعظم من الشمس الف مره فلو تسقط هذه النجوم على وجه الارض فكيف تجد لها محلا وهي اذا سقطت كان سقوطها كسقوط الف مليون جبل كجبال همالايا على حبة خردل0 فهذه القضية عقلا وعلما بل وبداهة من الممتنعات لا الممكنات واعجب من هذا ان المسيح يقول(لعلي آتي وانتم لا تزالون نائمين حيث ان مجئ ابن الانسان كمجئ اللص وربما كان اللص في البيت وليس عند صاحب البيت خبر اذا صار من الواضح المبرهن ان لهذه العلامات معنى لا يقصد به الظاهر وقد بينت معانيها بالتفصيل في كتاب الايقان فارجعوا اليها


(السؤال عن الثالوث)
(ماهو المقصود من الثالوث والاقانيم الثلاثة
)


(الجواب)
ان حقيقة الالوهية مقدسة عن ان تدركها الكائنات منزهة عن ان يتصورها ذوو العقول والافهام وتلك الحقيقة الربانية لا تقبل التقسيم لان التقسيم والتعدد من خصائص الخليقة الممكنة الوجود لا من العوارض الطارئة على واجب الوجود0ان الذات الالهية مقدسة عن التوحيد فما بالك بالتعدد0والحقيقة الربانية لهي اسمى من ان يتصور لها مقام او مرتبة لان ذلك عين النقص ومناف للكمال فهو ممتنع ومحال0 لانها مازالت ولا تزال في علو التقديس والتنزيه0وكل مايذكر من الظهور والاشراق الالهي فالمقصود منه هو التجلي الالهي لا التنزل في مراتب الوجود0فالحق كمال محض والخلق نقصان صرف وتنزل الحق في مراتب الوجود لهو عين النقص0ولكن ظهوره واشراقه كتجلي الشمس على المرآة الصافية اللطيفة الشفافة0فجميع مافي الكون ايات باهرات للحق كالكائنات الارضية التي سطعت عليها اشعة الشمس ولكنها تلقي اشعة على الصحاري والجبال والاشجار والاثمار بها تظهر وتتربى وتصل الى الغاية المقصودة من وجودها0
واما الانسان الكامل فهو كالمرآة الصافية التي ظهرت وبرزت فيها شمس الحقيقة بجميع صفاتها وكمالاتها0لهذا كانت الحقيقة المسيحية كالمرآة الصافية الشفافة في نهاية اللطافة والطهارة0فتجلت شمس الحقيقة والذات الالهية في تلك المرآة وظهرت فيها حرارتها ونورانيتها0
اما الشمس فما تنزلت من علو تقديسها وسماء تنزيهها وما اتخذت في المرآة منزلا ولا مأوى بل هي باقية مستقرة في علوها وسموها ولكنها ظهرت وتجلت في المرآة بجمالها وكمالها0ولو نقول الان اننا شاهدنا الشمس من مرآتين احداهما المسيح والاخرى روح القدس يعني شاهدنا شموسا ثلاثة احداها في السماء واثنتان في الارض لكنا صادقين0ولو نقول انها شمس واحدة فردانية محضة ليس لها شريك ولا مثيل لكنا ايضا صادقين0وخلاصة القول ان الحقيقة المسيحية كانت مرآة صافية وان شمس الحقيقة يعني ذات الاحدية ظهرت وتجلت في تلك المرآة بكمالات وصفات غير متناهية لا أن الشمس التي هي ذات الربوبية تجزأت وتعددت بل الشمس شمس واحد ولكنها اشرقت في المرآة وهذا معنى مايقوله المسيح(الاب في الابن) يعني ان تلك الشمس ظاهرة باهرة في هذه المرآة0 فروح القدس هو نفس الفيض الالهي الذي ظهر وتجلى في حقيقة المسيح0فالنبوة مقام قلب المسيح وروح القدس مقام روح المسيح0اذا ثبت وتحققت وحدانية الذات الالهية وان ليس لها شبيه ولا مثيل ولا نظير0وهذا هو المقصود من الاقانيم الثلاثة والا فاساس دين الله يكون مبنيا على مسألة غير معقولة لا يمكن تصورها وكيف تكلف العقول باعتقاد ما لايمكن تصوره والحال ان ماليس له صورة معقولة ولا يسع العقل ان يتصوره فهو وهم صرف0فقد ثبت الان من هذا البيان المقصود من الاقانيم الثلاثة
وثبتت ايضا وحدانية الله0
(
تفسير الاية الخامسة من الاصحاح السابع عشر
من انجيل يوحنا)
(السؤال)
ما معنى الاية
(والان مجدني انت ايها الاب عند ذاتك بالمجد
الذي كان لي عندك قبل كون العالم)

(الجواب)
ان التقدم على قسمين تقدم ذاتي غير مسبوق بعلة بل وجوده من ذاته كالشمس ضياؤها من ذاتها وليست محتاجة في ضوئها الى فيض كوكب اخر فيقولون لهذا (ضياء ذاتي) اما ضوء القمر فمقتبس من الشمس لان القمر محتاج الى الشمس في الضياء0اذا صارت الشمس علة في الضياء والقمر معلولا0تلك قديمة وسابقة ومتقدمة وهذا مسبوق ومتأخر والنوع الثاني من القدم قدم زماني وذلك لا اول له وحضرة(كلمة الله)مقدس عن الزمان فالماضي والحال والاستقبال كل بالنسبة الى الحق على حد سواء فليس للشمس امس ولا اليوم ولا الغد0وكذلك التقدم من جهة الشرف يعني ان الاشرف مقدم على الشريف0اذا فحقيقة المسيح التي هي كلمة الله لا شك انها من حيث الذات والصفات والمجد مقدمة على الكائنات0وكانت كلمة الله قبل الظهور في الهيكل البشري في نهاية العزة والتقديس ومستقرة في اوج عظمتها في كمال الجلال والجمال0ولما اشرقت كلمة الله من اوج الجلال بحكمة الحق المتعال في عالم الجسد اعتدى عليها في الجسد اذ وقعت في ايدي اليهود اسيرة لكل ظلوم وجهول وانتهى الامر بالصلب ولذلك نادى ربه بقوله(اعتقني ياالهي من عالم الجسد واطلقني من هذا القفص حتى اصعد الى اوج العظمة والجلال واجد تلك العزة والتقديس السابقين قبل عالم الجسد فابتهج بالعالم الباقي واصعد الى الوطن الاصلي عالم اللامكان ملكوت الاخفى) كما لوحظ انه بعد الصعود ظهرت عظمة حضرة المسيح وجلاله حتى في عالم الملك يعني في الانفس والافاق بل في نقطة التراب وحينما كان في عالم الجسد لقى اهانة وتحقيرا من اضعف اقوام العالم يعني اليهود الذين رأوا من اللائق ان يكون على رأسه المبارك تاج من الشوك0اما بعد الصعود فصارت تيجان جميع الملوك المرصعة خاضعة خاشعة لذلك التاج المصنوع من الشوك0وايضا فانظر كيف وصلت كلمة الله الى اي درجة من الجلال في الافاق.
Powered By Blogger